eKtab
EN ع
جورب عالق في مصحة
Read free sample

جورب عالق في مصحة

by محمد عبدالله علوان

Page 1

خائن بين فرشاة الأسنان

أنا رجل على بركة الله

أنزوي بشكل لا معقول في بركة ماء ضائعة

محاطًا بالغابات والليالي المشوشة

هاربًا من السلالم الطويلة التي كلفت بصعودها ظلمًا،

من أصوات الاستشوارات العابثة بفرشاة الأسنان،

من القراصنة الذين يختبؤون في كل قطرة من دمي السائل على البلاطات

مسيجًا ·· بالندم والحموضة

منزويًا بلا بركة

············ في أعماق هذا الموت السحيق·

أبحث عن هدوئيفي بنطال فتاة مهمومة

بين كل شعرة وأخرى في رأسي·

حافة سطل، مبنى آيل للسقوط، حارس قبيح، منشفة وسخة،

ذيل كلب، فتاة معلّقة بقدمها،

وبنطال مخلوع على الطرف!

الشعرة النابتة في أعلى جبهتي مباشرةً

يمكن لها أن تتحول حوتًا ضخمًا يبتلعني فجأة··

عليّ أن أكلف نفسي بعملٍ شاق

كأنْ أصفف شعري،

وأن أحصي عدد الشعيرات التي تتساقط منه بدقة

أو أن أعدَّ من خلال الصنبور كمْ قطرة في خزان الماء·

عليّ أن أصفف شعري

بأقل شعور ممكن من الرتابة

Page 2

وبرغبة هائلة في نزع شعرة وحيدة من الطرف الأيسر

لأحراقها بندامة

لأنني ببساطة قررت أن أعدم شيئًا·

أتقمص دور كنبة معزولة

وأبقى لمدة شاسعة في مكان عام

أراقب المارة،

وأتنفس الكوابيس والذكريات السيئة

سيكون ذلك حلّا مقبولاً للعزلة

ربما أسعفني الحظ

وجلستْ بداخلي فتاةٌ مهووسة بربطة شعرها·

يا ألله إذا أردت فعلاً إنهاء هذا العالم،

فاجعل لي مهمة ركلة الثانية الأخيرة·

·············

عالق الآن في فراغ ضخم

الثانية 27:

ثانية سائلة

أنظر إلى ثواني الدقيقة 95:32 من كل يوم

يتسع الخوف مع مرور كل ثانية، مع كل نبضة،

كل ذلك يشير إلى هذا الهلع،

وإلى الرقم المحطم في الصفحة الأخيرة ·

متأكد،

إلاّ علاقة بين الوجوه المتكسّرة في شظايا الكأس

ورغبتي في السير عاريًا أو التبول أمام بوابة مبنى حكومي·

متأكد ألّا علاقة بين سحّاب سروالي الخرِب ، ومؤخرة كيم كردشيان المحشورة في الجينز،

وأن ليس هناك رابط بين قناعاتي بطيئة النمو،

وأن الثانية الـ 27، ستختفي من جميع الدقائق والثواني والأجزاء لحظة انتهاء حياة آخر عرق ينبض بداخلي ·

الأصنصير، الدور 39، الغرفة 309، الهاتف يرن للمرة التاسعة، الباب يُطرق، النافذة مفتوحة، الخزانة مفرغة،

وأنا هناك على طرف السرير أحتضر·

إلتواء الذراع،

الصراخ في سطل القمامة،

الحذاء الأصفر،

الدم المتخثر،

الأدوات الهندسية

ضحكات الأولاد في الزقاق·

كلها تتبعني ··

Page 3

غارق في الجراثيم

سحاقية مجروحة؛

تركض بشدّة في أعصابي بحثًا عن مخرج

أجلس تحت المراوح في البيوت الخرِبة

أرسم صورة لي

تختلف كليًّا عما أراه في الصور الفتوغرافية

أو في انعكاس الزجاج

هناك من يخدعني، هناك من يتفق على تزييفي

أنا الوحيد الذي يعرف من أنا، وكيف أبدو·

·· صوري ملصقة على نشرات الأدوية

وعلب السجائر، وزجاجات النبيذ، وتذاكر السفر، والعملات الورقية المزيفة،

أنا محظور وتالف·

يحدث معي··

وأنا منهمك في حديث مطول وهام مع آخر، أن تتوقف حواسي، وتجحظ عينيّ وتتسمر؛ لأنني غالبًا ما أتذكر ،

أن صدري مخلوع وأن كل أحشائي سرقت·

و حدث مرّة وحيدة ··

وأنا أتحدث بانسجام بالغ صمت ووضعت يديّ على فمي،

وتذكرت ،

إن رأسي مهربة في كرتون بين حدود دولتين اشتراكيتين·

قصاصات منسية؛

في جيب سترة عجوز غارق في غيبوبة

نصف وجهي؛

········ حشرات وزواحف وأحذية

Page 4

(1)

ينبت بداخلي جدار ضخم،

ومسافات هائلة من الفراغ والدموع

وأشجار متشعبة - لا ظلال لها-

أنا بكل قضاياي الوجودية،

لست سوى مربع هارب من لصقة للجروح·

(2)

برفقة العجوز الطيب الذي يتمنى أن يموت في حوض الأسماك

الواقع على الرفّ الأيمن من صالون منزله

كان وجودي هناك مجرد إطار لمنظاره الغليظ!

(3)

لم أكن لأحزن لشيء

لرجل مقتول على أرضية مطبخ

لامرأة منهوبة في ورقة نوتة مكرمشة

لطائرة تتكسر بين أصابعي

وركابها يصرخون بي

وأنا لا اسمعهم جيدًا

أنقذنا ·· أنقذنا

Page 5

(4)

لعاب يسيل على وجهي بأكمله،

كأنني ولدت في بصقة،

أو أن مياه الأرض كلها لعاب ·

(5)

ليالي الحرب:

تقاس الطرقات التي أسير فيها، بالمقابر، والأسيجة، والأسلاك، ورائحة الجثث، والروث، والبول، والخرسانات، والحواجز،

البشر يموتون

وأنا وحدي أعبر الطرقات·

(6)

متجاوران ··

في المقعد الأخير من الباص

كتفانا ملتصقان

كلٌّ منا يكره الآخر

نتجاوز طريقًا صحراويًّا طويلاً

ولا زلنا متجاورين ··

كلٌّ منا يفكر كيف يبدو غير مبالٍ بالآخر·

Page 6

(7)

إنني أموت بين أيادي اللصوص الطويلة،

بين الأمواس الحادة

بين الركض والتوقف

منتصبًا ومتهدلاً

رافعًا رأسي في الهواء،

ومتشكلاً كحزّة في عنق!

(8)

في الثانية عشرة ظهرًا،

في منتصف أغسطس

ألصق وجهي بالإسفلت الحار، وأبكي بحرارة

لأنني حزين ومغبون ومسروقة أحلامي

وأتسمر _فوق سيارتي_ في الطريق العام المسمى شارع صلاح الدين

وأصرخ مفتوح الذراعين

يا ألله ·· لماذا خلقتني قرطاسًا!

(9)

منذ الساعة التاسعة

وأنا أتصور أن طائرة ورقية تشبهني

تطير بخفة

في أحياء روما القديمة

ولا أحد هناك ليلتقط شبهي·

Page 7

·· أحلم؛بأن أنسكب على حافة شيء،

وأن يكون وجودي مجرد سيلان

مصاب بعدم الفهم ··

ينتحل شخصيتي: روائي راحل، لم يألف سوى سطرٍ واحدٍ، شطبه بعد دقيقة،

لذلك أنا في هذا النص، مصاب بعدوى،

وينتهكني فيروس·

أستنشق زجاجات، وبكيتريا لزجة،

وقصيدة مزيفة لشاعر عادي جدًّا؛ -مات مشنوقًا-

في سعاره الأخير·

أنا ضائع وتائه بين الروابط، والأيقونات، والصفحات الإلكترونية ·

أبحث عني في حافة المشرط

إنني أندلق مع قطرات الدم،

ويتسع الجرح في لثتي·

·· يحدث دائمًا

أن أضاجع الفراشات

أن أتوهم الهواء امرأة جميلة

وأحاول التشبث به

أن أتوهم شبابيك نوافذي قضبان سجون

وأمسك بها وأصرخ·

يحدث أن أتخيل ··

أنني عطسة

أو لسعة برد

وأن دمائي ملوثة بالإيدز·

يحدث دائمًا ··

أن أتشاجر مع نملة ضائعة

وأقتلها بلا خوف ··

تمامًا··

كما أخلق بصقة نافقة من لا شيء،

وأكون حينها متصالحًا مع يدي اليسرى

تلك القاتلة النهِمة·

Page 8

أفكر دائمًا؛

كيف يمكن لي أن ألتقي بفتاة لا تعرف مقاس حذائي!

لم يترك لي مكاني موقعًا فارغًا

لأجلس فيه

لأمتعض من هطول هذا اليوم عليّ دون موعد

لم يترك لي مكاني

موقعًا فارغًا

لحشر جثتي فيه أمام التلفاز،

والتظاهر بأنني إنسان

يصعب عليّ أن أتصور أصبعا سادسة في كفي،

حنجرة أخرى في حلقي

أن أحدد موقع اليوم الثامن من الأسبوع،

ويصعب عليّ بمسافة نصف رغبة،

أن أكف عن تخيل المسحوقين في جيبي يصرخون،

ويشق عليّ بمقدار كتلة ضخمة من الحجارة

أن أوصل صوتي بصدق للنفق·

يرتاح؛

جرح قصي في عنقي

الصرخة الخائفة، والكامنة في المزلاج،

التي لم تصدر من حنجرة،

بقيت دهرًا كاملاً، دون أن يوقظها أحد

وسوف تصير مشاعر كره، أو مسافة شاسعة بين كتفين متلاصقين·

أريد أن أخبركِ قليلاً عن ندمي

عن تكسّر الزجاج في حلقي

عن شهاداتي المزورة بإحكام

عن قلقي ··

عن هوسي بالأفلام الإباحية

وعن تقطّر العرق من جبين موس الحلاقة

أريد أن أخبركِ قليلاً:

عن الرجوع، والمسافة، والشرود، وعن مرض الفصام، وكتاب موسم الهجرة إلى الشمال، وعن كافكا، وجويس، وصامويل بيكيت، وجورج أورويل، والطيب صالح، وبقية الغثيان·

أريد أن أخبركِ قليلاً أيضًا:

عن ماركة الحبوب التي أتعاطاها، وعن عطوري الرخيصة، ومحفظة نقودي، وعن المخططات البائسة، والفتيات المحطمات، والمخصيين في الحانات·

Page 9

أستفرغ بقايا الكوب المسكوب

تُفتح برأسي نافذة للأرق

وكانوا يكسبون الله في صفهم،

وكنا نتشبث بأرديتهم ولحائهم الكثة والطويلة

··القطارات تدهسني كل يوم عشرات المرات،

إنني أتألم وأموت كثيرًا، وأنتم لا تشعرون بي ولا يضايقكم موتي،

لم تفعلوا شيئًا لإيقاف هذه القطارات النحيسة،

لم تفعلوا شيئًا لجعلي أعيش أطول،

لماذا لا تحاولون إيقافها،

إنني أموت بشكل سافر

وهي لا تتوقف·

·· لقد دهستني بالأمس وكان موتي مؤذيًا جدًّا،

لقد تناثرت في الهواء،

رأسي وحدها بقيت كما هي على الطرف تتأمل قدمي المعلقة بالحاجز،

لا زلت أصرخ في منتصف الليل،

القطار يأتي،

لا أريد أن أموت هذه المرة·

أوقفوه!

···

أعاني من رحلاتي الدائمة مع الموت،

لقد مت بالأمس،

وغدًا - على الأرجح - سوف أموت·

Page 10

لا شيء يحدث في عالم بلا نوافذ،

في قلب مليء بفقاعات الصابون

نعم ،

إنني أشعر بالتضاؤل ،

من المحتمل أن أذوب على الرصيف

سأكون شيئًا غير مفهوم

من المتحمل أن أكون مفصلاً لأصبع امرأة بدينة،

تعاني من أزمة منتصف العمر

أو أن أكون مغصًا معديًّا،

لامرأة نحيلة مصابة بالشذوذ والإسهال والتقيؤ،

·· الشاحنات مزدحمة في منتصف أذني ·· أفسحوا الطريق ··

غاضب وأناقش فتاة بحدّة

-أنتِ تلومين دائمًا أعصابك التي ضعفت وترهلت فيكِ؟

أنتِ تفتقدين شعور الوقت الذي يتداخل مع لهاثك ؟

أنتِ ···!

انتهى النقاش ··

وأجسادنا أصبحت تماثيل إغريقية ،

والسيَّاح يأخذون صورًا بجانبنا ونحن لا نستطيع أن نعترض أو نتذمر،

نحن التماثيل ··

·· إن هذا وقح! يا هذه الفانيلة صدقيني!

اللون الأسود في شعركِ طار في وجهي،

أنا على وشك أن أتحول إلى رشفة·

·· أيها الفراغ

أخشاب تتقاطع مع جسدي،

الملاعق وشوكات الطعام، وأسيجة الحدائق، ومراوح الشفط، ومكيفات السبليت، وعيون الناس كلها تبتلعني!

لا قدرة لي على المضغ،

إن يدي ترجف ··

وغرفة من القيح تتسرب فوق رأسي،

أكتب إليك أيها الفراغ الصديق ··

أيها الفراغ النهمْ ،

بصفتي رجل مكلوم، ومغبون، ومحطم ، ومتلف الأعصاب ، وشعري مليء بالقمل والهموم ،

كم أنت متكثف بداخل خلاياي المنهوشة بالأرق،

كم أنت مفزوع كأعواد الثقاب، والساعات المتجمدة في ظهري المحدّب،

أيها الفراغ الصديق ··