إهداء
إلى من وهباني محبتهما وكرَّسا لي حياتهما وعلّماني كيف أكون أنا كما أنا. إلى أبي وأمي، إلى أخوتي
إلى حبيبة قلبي، أختي الصغيرة (الغالية).
1
جلست في المقهى كما اعتادت ترتشف خيبتها ممزوجة بمرارة قهوتها السوداء، وتُبادلُ الناس ابتساماتهم بحزن معدٍ.
لم يسعفها الحرف في التعبير عن إحساساتها الحارقة. كل الحروف والكلمات المضيئة هجرتها. كانت فقيرة من الحب غنية بلغته.. وأمست بعد غنىً فقيرة منهما معاً.
العناد سمة من سمات الرجال.. هكذا أخبرتها والدتها محذرة إياها ذات يوم حين رأتها تكابر لتعيش.. كانت تسأل نفسها: أصحيح أن الصعاب حكر على الرجال لا يخوض غمارها ولا يعلمها حقاً سواهم؟.. أجابتها الأيام عن سؤالها حين جعلتها تفعل ما لم يفعله رجل يوماً.. كانت تعلم أنها أنثى مختلفة عن النساء جميعاً.. هي مميزة بشهادة الجميع.. هي أنثى استثنائية. والأنثى الاستثنائية في مجتمعها ليست تلك التي لا تفعل ما لم تسبقها إليه أنثى، بل هي تلك التي تجرؤ على اقتحام عالم الرجال فتتحلى بصفاتهم وتعاملهم نداً بند.
كانت تراقب الوقت يمضي ببطء.. يبدو أنه أخذ شيئاً من عنادها فأبى هو الآخر أن يمر سريعاً.. حاولت أن تشغل نفسها بمراقبة من حولها علها تغري سويعات الزمن بالانقضاء. خطتها الناجحة انقضَّت على الوقت كانقضاضها على نبضات قلبها الأليمة.
يتراءى لها في كل الوجوه، تراه باسماً وغاضباً ومتوتراً وضاحكاً ومازحاً. يخيل إليها أن الساعة أعلنت وصوله منهية فصولاً من الانتظار ظنتها لن تنتهي.. نهرت نفسها وحذرتها من النبش في ذكراه.. إنها لن تستسلم لها هذه المرة أبداً.
أقبلت جوليا بجلبتها المعتادة معلنة عن حضورها الفاتن.
أجابت النادل:
- . jus d′orange
ثم تابعت مخاطبة صديقتها حين انصرف:
- قهوة سوداء مرة أخرى؟
- ماذا أفعل يا عزيزتي.. إنه الإدمان.
كانت جوليا تعلم أن صديقتها أدمنت القهوة كما أدمنت استرجاع ذكراه وهي غارقة في بحر غيابه.. أحياناً نحارب مرارة آلامنا بأخرى أقسى منها وأشد مرارة. ندمن الألم فيصعب علينا العيش بدونه. ألم غريب ذاك الذي نقاسيه بعد الغياب.. ذلك الذي يخلقه الفراق، وتحرص الذكرى على تجديده لتغرس فينا حالة إدمان لأشياء أو لأشخاص وأحياناً لأماكن.. تعذبنا الذكرى لكننا نحرص على تغذيتها بدواخلنا.. ولن تموت إلا إذا أعلنّا موتنا معها.
سألتها جوليا بنبرة حزن:
- متى ستسافرين؟
- بعد أربعة أيام..
أربعة أيام ويحل الفراق.. سترحل بعيداً عن صديقات كن أقرب إليها من أهلها، بل كنَّ لها أهلا في غربتها. ستغادر مكاناً لا تنتمي إليه، لكنه أصبح جزءاً منها، إلى مكان تتوهم انتماءها إليه، ولا تشعر فيه سوى بالاغتراب.. مواطنة هي في غربتها. غريبة في وطنها.
قالت جوليا كأنها تواسي نفسها:
- لن ينقطع الاتصال بيننا مهما طال الزمن.
- أكيد.
ستحرص على توديع مدينة الأنوار كما يليق بمدينة في عظمتها. ستكون في أبهى حللها. ستدفنه في أعماق الذكرى.. ستحرص على ألا يطفو على سطح مشاعرها، فيعكر مزاجها كالعادة.. ستنساه كما وعدت نفسها ذات يوم.
لا تعرف أي طريق ستسلك إلى النسيان.. لكنها صممت على ترويض نفسها على نسيانه.. وهي متأكدة من وفائها بعهدها مهما كلفها الأمر.
غادرت بصحبة رفيقتها لتتركه كما اعتادت في زاوية متوارية في كل مكان تزوره. ردد في نفسه.. أربعة أيام.. أربعة أيام.
هو يعلم أنها تستعجل الرحيل من قلبه لا من بلاد شهدت حكايتهما.. كان على يقين أنها تهرب بعيداً عنه إلى مكان فرت منه إلى هنا ذات يوم.. هو من أوصلها إلى هذا اليأس.
كانت هذه الأفكار تعصر قلبه بشدة لتغرقه في دوامة من الحزن الأدكن.. لاشيء يدمي قلب الرجل مثل إحساسه أنه قد سبب الأذى لامرأة أحبها.لم يكن يعلم وهو يخدش شغاف قلبها أنها بهذه الرقة.. وأن أي خدوش يعتبرها بسيطة كفيلة بزرع حدائق ألم دامية في كيانها.ربما لا يعلم جسامة ذنبه إذ لم يقدر رقة إحساسها يوماً، تلك الرقة التي كانت تحرص على إخفائها وراء قناع من شموخ غير قابل للاختراق.
كان يراقبها أينما حلت. يختار الزاوية التي تمكنه من التلصص عليها دون أن تشعر بوجوده، كان طيفها المتبتل يزرع في قلبه قنابل أسى عميق تنفجر مع كل نبضة.
في كل مرة يودع سعادته معها بسيجاراته.. يرى أجمل لحظاتهما من خلال الدخان الذي ينثره في الهواء.. يتأمل حزنها.. يتنصت على أحاديثها.. يحتاج أن يعلم عنها كل شيء، كما اعتادت أن تخبره بكل شيء. تغادر فلا يستطيع اللحاق بها.
جلست الصديقات بصالون شقتهما الصغيرة يحتسين أكواب القهوة الفرنسية لا يقطع صمتهن سوى قطرات المطر توقع نغماتها على زجاج النوافذ. رفعت بصرها نحو صديقتيها فانتبهت إلى أن جوليا غارقة في نحيب صامت، ونظرت إلى نور التي تبادلها نظرات الاستغراب.
تمتمت جوليا كأنها تناجي طيفاً غير مرئي:
- لن نتحمل فراقك.
- ولا أنا أتخيل حياتي بدونكما.
أضافت نور في محاولة فاشلة لتبديد ضباب الحزن المخيم على الصالون:
- لو كنت أنا من ستغادر ما عشنا هذه الدراما.
انزعجتا من حساسية نور الزائدة التي يصعب التأقلم معها.
قالت جوليا مازحة:
- أرجوك لا تبدئي حديثك عن إحساسك بالغربة بيننا وأن منايا تفضلني لأنني أقرب منها سنّاً وأدرس معها، بينما تنسى أنه يجمعكما الرابط الديني واللغوي والجغرافي والتاريخي نفسه...
قاطعتها نور بانزعاج:
- لكنني لم أقل هذا يوماً.
- أردفت جوليا بإصرار:
- عيناك تخذلانك وتفصحان عن كل شيء يا عزيزتي.
قالت نور بلهجة ساخرة:
- كم تمنيت أن أكون بارعة في قراءة لغة العيون مثلك.
ردت جوليا بلهجة تنم عن الندم على استفزار صديقتها:
- أنظروا إلى من تملك روح الفكاهة.
وتضحك الفتيات في وجه الحزن الرابض كجمل هرم.
قالت جوليا بجرأة محاولة تغيير مجرى الحديث:
- هل نسيته ؟
بادرت نور إلى التعليق:
- لا يبدو أنها فعلت، ولا نية لها في النسيان.. إنها تتلذذ بلسعات السياط.
كانت جوليا بسؤالها تمهد للحديث عن نفسها. أرادت تفجير صخور الصمت التي ناءت تحت ثقلها لسنوات.. أحست برغبة جامحة في الكلام وهي تحس أنها إذا سكتت اليوم، لن تجد شخصاً يفهمها أبداً. أرادت أن تكون قصتها عبرة لصديقتها، ربما تثنيها عن قرار صممت على المضي فيه إلى النهاية.
بدأت حديثها كأنها تحدث نفسها. لم يكن لكلامها مقدمات. كانت تنظر في الفراغ وتداعب خصلات شعرها الحريرية المنسابة على جبينها الندي بقطرات عرق خجولة.
- ساذجة أنا لأنني حسبت أني أنتقم منه حين تخليت عن صفاتي التي أحبَّها فيَّ.. وكأن رحيله وحده لا يكفي. عزمت أن تغادرني الفتاة التي كنتُها والتي أحبَّها يوماً.. أردت أن تنسلخ عني وترحل معه.لم أعد أنا لأنه لم يعد هنا.. أكلم هذا وأضحك لحديث ذاك، وصرخات عقلي وقلبي وضميري تتعالى مستنكرة أفعالي.. توزعت مشاعري بين الرغبة في الانتقام منه والوفاء له.. بقيت عاجزة عن تبرير تصرفاتي.. عرفت قبله وبعده أنواعاً من الرجال، لكنني كنت في حضرته فتاة أخرى لم يعرفها أحد غيره. تخرس لساني هيبة حضوره وتذيب قلبي رنات ضحكاته. تمر معه الساعات كأنها ثوان، فلا أكتفي منه أبداً.. أعجز عن إلقاء نكتي الشهيرة بحضرته، أو الضحك بصوت عال ٍكعادتي .كنت أكتفي بحديثه وأعلق حين يلح على ذلك.. أدركت معه معنى العشق، وأحسست بأشياء اعتقدت أنها ليست إلا من بنات أفكار الكتاب والمؤلفين. رحل وعدت أنا كما كنت أجتر حزني وألعق جراحي كقطة يتيمة.
سكتت جوليا، وحط الصمت ثقيلاً موحشاً.طأطأت الفتاتان رأسيهما..كانت تبكي في صمت وهما عاجزتان عن مواساتها. استغربتا كيف لم يسْلَم قلب هذه الفتاة الجميلة المحبة للحياة من التحطيم والتشظي؟
مرت الدقائق وئيدة ثقيلة. تدخلت منايا بصوت خافت مبحوح:
- غريب أمرنا نحن النساء، مهما اختلفت بيئتنا وثقافاتنا وأدياننا وعاداتنا، تبقى لغة قلوبنا موحدة.. نبكي لفراق الرجل ونتألم لهجره. ومهما بلغت قوتنا وثقتنا بأنفسنا نبقى مجرد ورقه تعصف بها الرياح العاتية دون رحمة.
فطنت نور إلى أن صديقتها لم ترد بتعليقها سؤال جوليا عن شيء يخصها لذا حذت حذوها وسكتت.
حاولت جوليا تغيير دفة الحديث:
- بما أنني فتحت قلبي فأنا أنتظر منكما الشيء نفسه.
قالت نور مازحة:
- كعادتك تجيدين المقايضة.
لم تكن جوليا بسؤالها تتوقع رداً صريحا من نور الكتوم.. شيء ما بين الفتاتين يحد من انسجامهما.. بل لولا وجود منايا ما كان ليكون بينهما هذا الشكل من التواصل.
كانت تحاول أن تعرف خطط منايا المستقبلية.. وهل هي فعلاً جادة في قرارها المصيري الذي اتخذته؟.. ولما لم تنجح في استنطاق الفتاتين، استسلمت أمام عنادهما معلنة:
- هكذا أنتم معشر العرب، تفكرون بصمت.. وغالباً ما تصلون إلى استنتاجات خاطئة تفاجئون بها العالم.
انطلقت كلمة «العرب» كشظية قذيفة أصابت عمق الشعور القومي لدى الفتاتين.. لأول مرة تحسان بقربهما من بعضهما.. أدركتا حتمية ذلك القرب، ورغم عدم تفاهمهما فإنهما منذورتان إلى العرق نفسه، وإلى اللغة نفسها.. إنهما عربيتان.
2
لم ينم ليلتها.. جلس بشرفة منزله يراقب الأنوار.. وتلك متعة مضاعفة حيث هو. مدينة لا تنام كقلبه تماما. لا تهدأ كثورة مشاعره. هي واقع من الخيال كعلاقته بمنايا. يستمع مثلها وفي اللحظة ذاتها، ودونما تخطيط منهما لإحدى أغاني Lara Fabian مطربة يعشقانها معاً.. تذكر كل منهما أن لهما الذائقة ذاتها، وأنهما يتشابهان إلى حدّ كبير.. كل منهما يستمع إلى أغنية تترنم بكلمات تعبر عنه. عن حالته وعن تلك الفوضى التي خلقها به غياب الآخر.
كلمات أغنيته الهادئة تزلزل كيانه. عنوانها يختزل الحكاية.
Non.. Pas Sans Toi لا.. ليس بدونك.
صدق الكلمات يدمي قلبه.. تمنى في هذه اللحظة، لو استطاع أن يبعث إليها تلك الكلمات على أثير الليل، فتحس بألمه من خلالها، وتعلم أنه أبداً لن يقوى على الفراق، وأن لا قوة لديه لتدمير هذا الحب. ليتها تستوعب أنه لا يستطيع فراقها، وأنه لن يكمل مسيرة الحياة بدونها. يعيد الاستماع إلى الأغنية ذاتها مرة تلو أخرى .. يعود ويخبر نفسه.. هي لن تصفح عني أبداً ولن تغفر .. يجب أن أبحث عن طريق للنسيان.. عليّ أن أحترم اختياراتها.
يحاول أن يهش على أفكار تنهش قلبه.. ما السبيل لنسيانها وكل ذرة من كيانه تحتفظ بومضة من ذكراها؟
هو لا يريدها، بل يحتاجها.. ما نريده قد نستطيع التخلي عنه، لكن ما نحتاجه لا يمكن أن نستغني عنه.
إنه الآن يتوق إلى فراق لائق لبدايتهما. يحتاج إلى تتويج النهاية بكثير من الصراخ وكثير من البكاء.. يهفو إلى دوي انفجار ينعى مشاعره.. يحتاج إلى مرافقة حبه لها إلى مثواه الأخير. يريد قبراً مناسباً لحبه يزوره كل يوم، يروي تربته بدموعه ثم يضع فوقه زهوراً بيضاء لا تعطيه الحياة لكنها تضفيها عليه.
هي أيام وترحل.. إلى حيث لا يمكنه اللحاق بها.. فكرة ابتعاد من المحبوب دون أمل في اللقاء مرة أخرى، تغرس أشواك الحزن في حديقة القلب. أشواك تزرع بإحكام كي لا تنتزع.
منتصف الليل هو الوقت الملائم ليبعث رسالته. بضع كلمات كان يعلم أنها ستزلزل قلبها الأبيض، وتجعلها تعيد التفكير في مصيرهما معاً:
«كل عام وأنت مقيمة في قلبي».
منتصف الليل هو الوقت المثالي لتنسحب إلى غرفتها وتنفرد بنفسها. أفكارها الصاخبة تبعد النوم عن أجفانها.. تسترجع الذكريات التي باتت تقتات من كيانها.. تعود بها أغنية لارا فابيان إلى زمن مضى ولن يعود. العطر والموسيقى يرسخان الذكريات في أعماقنا إلى الأبد، ويبنيان حواجز متينة على دربنا إلى النسيان.
منذ عرفته وهي تعلم أنه الحب الأول والأخير في حياتها. وبعد الفراق باتت تحس أن أحلامها ستموت على عتبة الغياب، وستموت كل أطياف الأفراح وتقضي ظمأ على صحراء الروح.
سمعت الرنة الخافتة التي تبشر برسالة منه..لم تستوعب للحظة أنها صادرة من هاتفها.. ربما هي جزء من خيالاتها الجامحة. فتحت الرسالة القصيرة وتراقصت الكلمات على شاشة هاتفها المحمول: « كل عام وأنت مقيمة في قلبي».
إنه يهنئها بسنوات عمرها الثامنة والعشرين. قرأت في رسالته أنها لن تكون مقيمة سوى في قلبه.. سنوات ثلاث احتفلت فيها برفقته بأعياد ميلادها.. طالما أهداها أشياء غريبة لم تفهم معناها إلا أخيراً.
في عيد ميلادها الخامس والعشرين أهداها عقداً ثميناً يبلغ عدد حباته اثنتين وستين حبة تتوسطها جوهرة جميلة.. انزعجت يومذاك من هديته الثمينة. أرادته أن يفهم أن الحب في عرفها لا يباع ولا يشترى، وأن قيمة الأشياء برمزيتها لا بثمنها. لم تقتنع بدفاعه عن نفسه إلا حين لفت انتباهها أن حبات العقد بعدد عمريهما معاً. لا تذكر أنها عشقت رقماً كما فعلت ذاك اليوم.كانت تردده بحب فتبتسم بخجل. منذ ذاك اليوم والحظ يبتسم لها في كل مرة تختار ما يحمل ذاك الرقم الذي صار رقم حظها.
في عيد ميلادها السادس والعشرين أهداها قطة صغيرة رغم علمه بأنها لا تربطها بالقططة إلا علاقة نفور لا تفهم سببها. هي لا تحب القططة كما تخشى الاقتراب منها كثيراً.. رمقته بنظرة استغراب لتسأله:
- قطة؟؟
بهديته تلك أراد فرض سلطته عليها. أحس لذة عارمة وهو يراها تعشق لأجله ما لا تحب. ترعى ما لم تجرؤ على الاقتراب منه يوماً. تعطف على ما كانت تنفر منه.. أسعده تنازلها لأجله. وهي التي لم يرها تتنازل عن شيء إطلاقاً.
تفوق على نفسه بهديته في عيد ميلادها السابع والعشرين. لم تكتف بالاستغراب يومذاك، بل رفضت هديته رفضاً قاطعاً. لقد أهداها تذكرة سفر إلى بلد تعشقه.. اليونان.. لم تستوعب حينذاك جرأة هديته. لم تفهم استغرابه أمام رفضها. كيف توقع أن تفرط فتاة مثلها في مبادئها الثابتة وتسافر مع غريب؟
آلمه كثيراً أن تصفه بالغريب وهو الذي اعتقد دوماً أنه الأقرب إليها من نفسها. بررت وصفها له بالغريب بكونها قد رأته بأعين المجتمع لا بعينيها، فهو مهما اقترب منها يبقَ في نظرهم مجرد غريب.
أجابها مازحاً:
- فلنتزوج
- هل جننت!
لقد انتظرت عرضه طويلاً، لكن لم تتوقع أن يأتي في سياق حديث عابر.. أحست بخيبة أمل نجحت كثيراً في إخفائها. وبعد خصام لم يدم طويلاً اقتنع بكلامها بعد أن وعدته بالاحتفاظ بتذكرته تلك وقضاء يومهما في المطار استعداداً لرحلة لن تتم. هو لا يملك من الأفكار المجنونة سوى تلك التي أصيب بعدواها منها. لم يكن يحاول الشفاء من نوبات جنونه لأنه يعلم أنها تهواها. تغير لأجلها لدرجة أنه لم يعد يعرف نفسه. تغيره ذاك لايلمسه أحد غيرها. هو في حضرتها شخص آخر، وما أن يغادرها حتى يعود إلى صرامته.
اليوم هو يهديها جملة «كل عام وأنت مقيمة في قلبي».
إنه يهديها اعتذاراً. هديته هذه أثمن ما قد يهدي رجل لامرأة. أن يعتذر رجل مثله، اعتراف منه بأنوثتها. بحب يفصح عن نفسه، وبتمجيد لشخصها. ما يدمي قلبها أنها لا تستطيع قبوله. فجرمه في نظرها أكبر من كل عبارات الاعتذار.
رسالته فتحت الباب على مصراعيه لجموع المهنئين. الكل كان ينتظر منتصف الليل بالتوقيت الباريسي لتهنئتها.. جوليا ونور اكتفتا بأمنيات من القلب نزولاً عند رغبتها في عدم الاحتفال.
أغمضت عينيها وهي تردد «كل سنة وأنت مقيمة في قلبي».
الحب عادة يحرم العشاق لذة النوم التي ينقطعون فيها عن العالم لساعات ويبتعدون عن التفكير من أجل أن ينسوا كل شيء. ورغم أنها بسذاجة عاشقة حمَّلت قلبها ما لا يطيق، فقد كانت دوماً تعرف كيف تتحايل على الأرق وتحظى بنوم عميق يريحها إلى حين.
استيقظت على رنة ضيوف الهاتف الغرباء.. كما كانت منذ صباها لا تحب المفاجآت.. لذا عمدت إلى إلغاء عنصر المفاجأة من حياتها. بداءًا برنات الهاتف. خصصت لكل صديق رنة تميزه، ولكل الأرقام الغريبة رنيناً خاصاً.
- ألــــوووو.
جاءها صوت فاطمة يترنم بمرح:
Joyeux anniversaire .. Joyeux anniversaire
سألتها مستغربة:
- فطوووم؟
لم تستوعب كيف أن رقماً فرنسياً يحمل لها صوت أعز صديقاتها.
كانت تحتاجها دوماً إلى جانبها. وها هو القدر يتكرم عليها بالتفاتة.
حدثتها بفرحة عارمة. فطوم أنت هنا؟ لماذا لم تخبريني من قبل؟
- تعمدت أن أفاجئك متلبسة بالاستغراق في نوم لذيذ.
إنها تعرف صديقتها. تعلم أنها تتهرب مما لا تريد الإفصاح عنه فتلجأ إلى المزاح.
أعادت سؤالها بعناد:
- لماذا أنت هنا؟
لم تستطع فاطمة إخفاء أمر سينفضح عاجلاً أم آجلاً. لم ترد أن تهدي صديقتها وجعاً فوق رزمة أوجاعها. مع ذلك وجدت نفسها ترد:
- جئت مع والدتي للتبضع استعداداً لزواج خالد.
أحدث الاسم جلبة في ذاكرتها. سيتزوج إذن. كانت تعلم أنها انتهت من حبه منذ سنوات. لكنها لم تكن تعتقد أنه سيتوقف عن حبها يوماً. إنه غرور الأنثى.
إن لذكرى التجربة الأولى وقعاً نحاسياً على النفس لايزول رنينه. لا ينسى الإنسان أبداً وجهته الأولى لغير بلده. لا ينسى أول لقاء. ولا ينسى بلا شك أول حب. في أيام مضت قبل أن تشفى منه، أخبرتها فاطمة أن عذرية الحب كالذي جمعها به، ما عاد في ألفيتنا يرقى إلى مستوى الحب. وأكدت الأيام أن ذاك الحب ما هو إلا إعجاب قد زال وانتهى بسرعة.
هي من اختارت أن تنهي علاقتها به. تماماً كما تفعل اليوم بغيره.. وكأنها تتعمد جعل الزمان يعيد نفسه.
أقدارها تكتب عليها الحب خارج الحدود. لاس بالماس..زارتها يوماً لتشفى، فإذا هي تغادرها خوفاً من الموت. كانت تسمع الكثير عن هذه المدينة، لكنها لم تتوقع قطّ أن تشهد تاريخ حكايتها. زارتها بحثاً عن الأمان بعد أن خيل إليها أن التعاسة قد كتبت عليها إلى الأبد. لم تكن زيارة سياحية بقدر ما كانت هرباً من شقاء محموم. استجابت لإلحاح أختها التي تقطن هناك وذهبت بحثاً عن نسمة فرح.
كان لزوج أختها دور كبير في اندماجها السريع بالمدينة، أعجب بفطنتها وذكاءها ولهفتها لمعرفة كل ما من شأنه أن يزيد من رصيدها المعرفي. وقعت في غرام المدينة منذ اليوم الأول.
لاس بالماس التي تقع شمال غرب الصحراء المغربية وعاصمة جزيرة الكناري الكبرى، وواحدة من البلديات الواحدة والعشرين التي تكوّن الجزيرة ..كانت أجمل مما تخيلتها بكثير.
قالت لها أختها بابتسامة مرحة:
- ألم أقل لك إنك ستحبينها؟
لم تكن تعلم أن هذه المدينة الجميلة ستشهد حكاية بطعم التعاسة التي تجرعتها في علاقتها بخالد. ندمت كثيراً لانجرافها وراء إحساسها لتسبح ضد تيار فكرها وعقيدتها، وتتخلى عن مبادئها التي آمنت بها كثيرا، ومنها أن الحب هو ذاك الذي يأتي بعد الزواج.
كانت فاطمة في مثل عمرها وتشبهها إلى حد كبير وهي ابنة أحد جيران أختها، وتدرس في واحد من معاهد لاس بالماس. توطدت الصداقة بينهما، ووجدت نفسها تخبر صديقتها الجديدة بكل صغيرة وكبيرة في حياتها، حتى نظرتها إلى المستقبل تحدثها عن كل شيء، وقد وجدت فيها شخصاً يستحق الثقة ومتفهماً جداً، وكذلك كانت هي خير مستمع تنصت لمشاكل صديقتها باهتمام بالغ، تساعدها بنصائحها وخبرتها القليلة في الحياة قدر المستطاع.
سألتها فاطمة يومها:
- ماذا ستفعلين الآن؟
أجابتها منايا بحزن:
- مجبرة أنا على الانسحاب من علاقة لا نهاية لها.
- أيتفهم خالد قرارك هذا؟
- لا أعلم
لم تكن فاطمة تنتظر إجابة صريحة من صديقتها، فهي تعلم أن أخاها بأنانيته المعروفة لن يتفهم شيئاً، وحتى لن يكلف نفسه عناء محاولة اكتشاف سبب قرار صديقتها المفاجئ. صحيح أنها أحياناً تعتقد أنه يحبها بصدق، لكن حبه لها لم يغير منه شيئاً قطّ، عكسها هي التي غيرت الكثير من نفسها وآرائها وحتى قناعاتها، علَّها ترقى لمواصفات حبيبته المرسومة في خياله. لم يكن شيء في شخصية منايا البريئة يغري رجلاً مثله، لذا عزمت بمساعدة فاطمة على تغيير نفسها، تلبس ما يحب من ألوان، وتتكلم بالطريقة التي تروقه، وتدعي الاقتناع بآرائه السياسية. تحرك رأسها طرباً مع أغانيه الصاخبة التي كانت تكرهها وتصفق بحرارة لغنائه النشاز. تستمع لقصصه التافهة بتأثر مصطنع.كانت علاقتهما تتمحور حوله. لم يكن يسألها عن حياتها ووآمالها وآلامها، ولم تكن هي لتعكر لقاءهما بقصص مماثلة. نسجت بخيالها المتواضع علاقات حب أخبرته عنها حين أكد لها أن فكرة أن يكون الرجل الأول في حياة حبيبته لا تغريه. كانت تقولوتفعل ما يريده دون تردد. تعامله وكأنها فتاة أخرى لا تعرفها، بل لا تعجبها أفعالها. كان هو مثالاً للرجل الذي طالما تمنته. كان رجلاً يتناقض تماماً مع شخصيتها. شخصاً جريئاً يروض غرورها، فهي مؤمنة بأن تناقض أطراف أي علاقة عامل لإنجاحها، إلا أن اختلافها عنه كلفها الكثير، فهو لم يكن ليرضى بأقل مما يريد، خصوصاً وأنه عرف من النساء ما لا يعد ولا يحصى.
سألته ذات مرة بخجل عن سبب عدم زواجه. تمنت لو أنه يخبرها بأنها عروسه التي انتظرها إلا أنه فاجأها يومذاك بأن حياة العزوبة تروق له كثيراً، ولا نية له في دخول السجن عن طيب خاطر. ضحكت كعادتها وقلبها يعتصر ألماً. أيكون قفصها الذهبي الذي تحلم بدخوله منذ سنين هو نفسه سجنه الذي يخشاه.
غادرت لاس بالماس هاربة من لقاء قد يجمعها به. جلست في قاعة الانتظار مع أختها وأولادها إلى أن يتمم الصالح إجراءات السفر. وإذا بها تصعق عند رؤيته. كان خالد يتقدم ببطء تجاههما مع أخته التي كانت تلوح بيدها وكأنها تعنفه أو تتشاجر معه. اقترب وسلم عليهم ببرود صدمها. أحست لدقائق أن المطار الكبير خالٍ تماماً إلا منهما. جلست تناظر وجهه الوسيم، وطوله المتوسط وتتنشق عطره الذي تفضله. لم ينجح في إخفاء تردده البادي في كل حركاته. لم تسمع سهام تستأذنها للذهاب حيث الصالح، ولا فاطمة وهي تخبرها كم ستشتاق إليها.كان هو من ترى وتسمع، حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تناديه باسمه:
- خالد..
- نعم
-آسفة..
- أتمنى لك الخير والسعادة في حياتك..
ردت باكية:
- أنا كذلك
ابتعد مسرعاً.. فهو لا يقوى على دموع امرأة وبخاصة المرأة التي اعتقد أنه يحبها. ودعت صديقتها بحزن بعد أن وعدتها باستمرار التواصل بينهما.
لم تكن لتسمح لذكرى خالد أن تعكر صفو لقائها بفاطمة.
وحدها الصداقة تلغي المسافات..الأصدقاء أينما كانوا ومهما جرفهم تيار الغياب، فإننا نبقى على اتصال بهم، ونكتفي بالحديث معهم إلكترونياً إلى أن يجود القدر علينا بهبة اللقاء.
استضافت صديقتها فاطمة، وأمضت معها يوماً كاملاً تعرّفها على مدينة كانت تحكي لها عنها طوال أربع سنوات.
- فاطمة..لم يخطر ببالي يوماً أننا سنلتقي هنا. أتذكرين كم خططنا للقاءات في أماكن أخرى ومع ذلك فشلنا؟
- هو القدر عزيزتي. صالحني هذه المرة فجاد عليّ بلقائك. لا أعلم كيف كنت سأمضي الأيام القادمة لولا مجيئك.
قالت فاطمة بحزن:
- لكنني سأعود إلى لاس بالماس بعد غد.
- تأتين اليوم لتعودي بعد غد؟ كيف؟
- مجبرة حبيبتي. ولولا زواج أخي ما كنت لأستطيع المجيء.
قرر خالد أخيراً الزواج. لقد قرر أن يحارب ذكراها بامرأة أخرى تراقبه ليل نهار. وتسعى لتدمير طيف كل أنثى غيرها بداخله. هو اليوم يحتاج إلى أن يلبي رغبة ألحَّت عليه منذ سنوات. يريد الإجابة على سؤال راوده سنينَ. يحتاج أن يعلم كيف حالها في غيابه.
أن يهجر الرجل دون أسباب، فعل لا يسترعي الانتباه كثيراً، ولا يخلف زوبعة أسئلة، عكس المرأة التي خلقت لتعيش آخر لحظات الحكاية، وتبتلع وحدها ما تبقى من فتات الذكريات. إنه يستنكر عليها هروبها من علاقة كان يريد أن ينهيها هو بطريقته. لقد سددت ضربة قوية إلى كرامته، فتجرأت على تركه دون إعطائه فرصة للتبرير، وجعلته وحده يبتلع أعذاره.
لم يكن ليسامحها أو يطلب منها السماح، فهو في قصته معها ظالم ومظلوم، سجين وجلاد. هي الأنثى الوحيدة التي استوقفته وزرعت في ذهنه أسئلة ليس لها جواب. لم يكن يعلم إن كان قد أحبها، لكنه على يقين أن الوجع صادقه مذ رحلت.
مر اليومان سريعين ككل الأيام الاستثنائية. رحلت صديقتها لتعود هي كما كانت وحيدة تحاور قلبها العليل، وتحاول إقناعه بما لم يقتنع به عقلها. القلب هو المبشر ببداية الحب وبنهايته. هو مرصد النشرة الجوية المفصلة لأحوال الحب. وقلبها هذه المرة عصف بكل إحساساتها الجميلة إلى المجهول.
3
يومان وتعود إلى وطنها. قلبها هذه المرة لا يبشر بهدوء ولا بأحوال جيدة. لا تلوح في الأفق سوى سحب ثقيلة تنذر بعواصف رعدية، وأعاصير مدمرة.
الإنسان لا يفكر في شيئين في الوقت نفسه. لن تقضي هذين اليومين في البكاء. ستودع هذه المدينة وتعود بالشهادة التي أتت من أجلها، وسينسيها النجاح فشلها في الحب. ستوضب أوجاعها في حقائب، مرتبة كتلك التي أعدتها لملابسها. ستحرص على إقفالها الآن، وستبعثر محتوياتها حين تصل.
كل عام وأنت مقيمة في قلبي. لم تكلف نفسها الرد عليه. يعاتبها قلبها لأنها لم تكلف نفسها الرد عليه.
محتارة هي.. أتغفر له فتهين نفسها. أم تتركه فتعذبها. ولأنها امرأة ترضى بالعذاب حتى لا تقبل الإهانة فقد قررت الرحيل. تمنت أن تتبع قلبها وتلغي سلطة العقل. هذا العقل الذي تجد نفسها في كل مرة مجبرة على التشاور معه.. ليملي عليها في كل مرة ما لاتحب.
خلدت إلى نوم عميق بعدما اطمئنت إلى أن فاطمة قد وصلت إلى إسبانيا. في الصباح قررت وضع أولى خطواتها عل طريق الوداع. ستزور جارتها المصرية جيهان ومن ثم تذهب للقاء صديقاتها في المقهى المعتاد.
كانت جيهان شاحبة، تهمي من عينيها دموع حائرة.لم تتوقع رؤيتها على تلك الحال في يوم مشرق كهذا. قبل أيام فقط تحقق نصرها الكبير، وحقق الثوار مطلبهم، وانتهى عهد حسني مبارك.
لم تكن لمنايا ثقافة سياسية واسعة، لكنها بحدسها تعلم أن العرب لا يعيشون ربيعاً.. كانت على يقين أنها باقة زهور مخضبة بالدم ألقاها الزمان على وجوههم، وسرعان ما ستذبل.
سـألتها:
- جيهان عزيزتي ما بك.
كانت تعلم أن وداعها ليس سبباً في خلق أسى كهذا في قلب جارتها، فعلاقتهما لم تتجاوز علاقة جار بجاره الطيب.
- ما بك ؟
أعاد السؤال جيهان إلى الأمس القريب حين اختلطت عليها الأمور كثيراً. تبددت قناعتها، وضاع الحق الذي لم يأتِ بعد.
تذكرت كيف كانت تتظاهر رفقة أبناء وطنها وقلة من العرب متضامنين معهم أمام السفارة المصرية بفرنسا ينددون بالنظام ويطالبون بسقوطه.
كانت تصرخ مع بقية المتظاهرين بصدق: «الشعب يريد إسقاط النظام»...
اقترب منها صحفي بعدما رأى حرصها على إتمام مراسيم التظاهرة حتى النهاية:
- لماذا تودون إسقاط النظام؟
أجابته جيهان بتردد:
- لأنها إرادة الشعب.
- وماذا بعد سقوط النظام؟
مرت دقائق مشحونة بأسئلة لم تعرف لها جواباً.. تفشى بعدها خبر سقوط النظام.. تعالت صيحات النصر.. لكنها لم تشارك هذه المرة.. ظلت شاردة وسؤال الصحفي يتردد في ذهنها:
- «ماذا بعد النظام؟».
انتبهت إلى أنها ربما دافعت عن قضية ليست قضيتها. وقد أدركت ذلك متأخرة.. متأخرة جداً. هي تعلم أن المواطن العربي خلق كي يظلم ويستعبد. وأن هناك دائماً ظالماً يختبئ بين صفوف المطالبين بالحقوق، يتحين فرصة القضاء على ظالم آخر ليطفو على السطح، ليجرب آلات ظلمه على الرقاب والعباد.
الحرب في عالمنا ليست بين الخير والشر.. بل هي بين الأشرار أنفسهم. كل واحد يملك من الشر ما يميزه عن الآخر. كل له استراتجيته الخاصة لحقنسمه في قلب غريمه، والضحية دائمة هي الشعوب. تذكرت قول جدتها:
- ويْلٌ للضفادع إذا تعاركت الجِمال وسط البرِكة.
لم تستوعب جيهان ولا منايا كيف أن الشعوب العربية أدركت في وقت واحد الظلم الواقع عليها، وكيف تفشت حمى الثورات بهذه السرعة. كأنها جرثومة خبيثة زرعها أحدهم في حي سكني وانتشرت سمومها في العالم العربي بأكمله، وشوهت الأنظمة كلها، فأصبح زعيم الأمس مرفوضاً اليوم. ربما حتى الزعماء أنفسهم لم يفهموا سر توحد الشعوب المفاجئ للمطالبة بالحق المسكوت عنه لعقود، لذلك ترددت جملة فهمتكم كثيراً على لسان أحدهم لكن بعد فوات الأوان.
كانت منايا تكره السياسة دائماً، ولم تحاول قط خوض غمارها، ومع ذلك فقدت بسببها صديقتين عزيزتين .أحست الألم ذاته الذي غزاها منذ سنوات مضت. يومها كانت في بيت غريب عنها. بيت أبيها الذي لم يكلف نفسه يوماً عناء السؤال عنها، وهي ابنته التي تخلى عن أمها من أجل امرأة أخرى.
تتذكر ذلك اليوم حين وقفت أمام مرآتهاتتأمل نفسها وكأنها ترى صورتها لأول مرة، بعيون تحيطها هالات سوداء وشعر متقصف منسدل على كتفيها بإهمال، وأنفها الصغير المحمر من كثرة البكاء.لم تكن تقاطيع وجهها الجميل تدل إلا على الحزن والألم، فشكلت مع حنايا جسمها النحيل تلك الصورة المنعكسة على المرآة، فكانت أقرب إلى صورة شبح.
قالت محدثة نفسها بصوت مرتفع، مقلدة طريقة منى حين تناديها:
- منايا ماذا أصابك ياحبيبتي ؟
جاء صوتها مكسوراً مبحوحاً. ابتسمت بألم. طافت بها ذكرى منى وهزت أعمدة السكينة في نفسها. تذكرت منى الصديقة والأخت، فتنهدت وعادت إلى سريرها بخطى ثقيلة. استلقت فوق فراشها وأخذت تقلب عينيها في سقف الغرفة علها تعثر فيه على طيف أقرب الناس إليها. أمسكت رأسها بيديها محاولة طرد الذكريات اللئيمة الأليمة، ثم لجأت إلى دمعها المنهمر، علَّه يطفئ بعض الأوار المتقد بين جوانحها.
كانت تبحث في مخيلتها عن ذنب اقترفته، عساها تقنع نفسها بأن ما تعيشه من أرزاء، إنما هو جزاء مستحق. لكنها في كل مرة تفشل في الوصول إلى تعليلات مقنعة.
صار التغيير المفاجئ الذي عرفته حياتها مصدر قلقها واضطراب نفسيتها، رغم محاولاتها التأقلم مع وضعها الجديد. محاولات تخبئ بين طياتها ما لا نهاية له من الأحاسيس والصراعات النفسية.. كيف لا وقد كانت تعتقد بالأمس أنها الأوفر حظاً في هذا الكون، وهي محاطة بأحب الناس إلى قلبها.
فجأة وجدت نفسها وحيدة تعيش مع أشخاص لم تكن تراهم في السنة سوى مرات قليلة.. احتاجت إلى من يفهمها ويحس بها أو حتى من يتظاهر بذلك. كانت في أمس الحاجة إلى شخص يخبرها بأن هذه المرحلة ستمضي كسحابة صيف. ولأنها لم تجد ذلك الشخص، فقد جعلت مشاعرها سجينة قلبها الصغير، وترجمت آلامها بابتسامات هادئة ودموع صامتة، ومع مرور الأيام تعودت على فقدان إنسانتين كانتا أحب الناس إليها. لم تكن تتخيل أن نقطة تحول حياتها سـتأتي بتلك السرعة وبذلك السواد، وكيف ابتدأت المصائب تنهال عليها منذ اليوم الذي اتصلت فيه رباب بصوتها المشبع رعباً، لتطمئن أنهن في البيت.
بعد حصولها على الباكالوريا، سافرت منايا مع صديقتيها منى وربيعة إلى مدينة أكادير لمتابع دراستهن الجامعية. لأول مرة سيختبرن أنفسهن بعدما أصبحن قادرات على التحكم بمفردهن في اختياراتهن وقراراتهن، بعيدا عن أعين المجتمع الصحراوي. فلا الأهل ولا التقاليد ولا حتى أسرهن تستطيع الآن أن تملي عليهن ما يفعلن وما سيفعلن. فترة الجامعة لغالبية بنات الصحراء المغربية فرصة ذهبية للابتعاد عن سطوة الأهل، لاكتشاف الذات والتعرف على عوالم جديدة لم تتح لهن فرصة اكتشافها من قبل.
استأجرن بيتا صغيرا، قريبا من كلية العلوم القانونية والاقتصادية التي تدرس فيها رفقة ربيعة، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية التي تدرس فيها منى.. سالت سنوات الدراسة الجامعية سريعاً كنهر جارف، ولم يعد يفصلهن عن التخرج سوى نتائج آخر فصل دراسي. جلست منايا يومذاك تنتظر عودة صديقتيها من بيت خالة منى،كما كانت تعتقد، فجأة اتصلت رباب تسأل عن منى وربيعة.
ردت عليها باستغراب:
- لا ليستا في البيت.. ماذا هناك ؟
قالت رباب والخوف يطبع نبرات صوتها:
- أقفلي البيت جيداً وإياك أن تلبسي أي زي صحراوي، واتصلي بالبنات وأخبريهن أن يبقين حيث هن، فقد اتصل بي أخي تواً ليخبرني أن قوات التدخل السريع قد طوقت الجامعة ودخلت في اشتباكات مع الطلبة المتظاهرين أمام الكلية.