eKtab
EN ع
جسور وشروخ وطيور لا تحلق
Read free sample

جسور وشروخ وطيور لا تحلق

by أنور حامد

Page 1
(1)
 
كان ثلاثتهم يجلسون إلى طاولة الغداء في المطبخ المطل على الحديقة: أنّا، سيدة في حوالي الخامسة والأربعين ترتدي بنطلون جينز رماديا وبلوزة قطنية سوداء· شعرها قصير مصبوغ بلون كستنائي يقترب من لونه الأصلي، وترتدي نظارة طبية أنيقة·
 
نورا، ابنتها التي تجاوزت العشرين بسنة أو سنتين، ترتدي الجينز هي الأخرى وبلوزة بيضاء من دون أكمام· شعرها يميل إلى اللون الأشقر، ولكن خصلاته المجعدة تضفي شيئا من الغموض على الصورة العامة، خاصة وأن عينيها عسليتان بينما بشرتها بيضاء تكاد تكون اسكندنافية·
 
أما الجدة ماريا فقد شارفت على السبعين، وإن كانت الحيوية التي تطل من نظرتها التي لا تستقر على بقعة معينة توحي بحالة من النشاط والاهتمام بأمور الحياة بكل تفاصيلها التي ربما لا تتناسب مع هذه السن·
 
- لقد حاول بائع الخضار أن يغشني كالعادة، تصوروا·
 
قبل أن تكمل ماريا جملتها قاطعتها أنّا قائلة: مرة أخرى، أليس كذلك؟ يبدو أن بائع الخضار هذا لا يغش أحدا إلا أنت·
 
لم يعجب هذا التعليق ماريا، فقالت موبخة ابنتها: أنا واثقة أنه يغشك أنت أيضا، ولكن يبدو أن هذا لا يعنيك، فأنت ثرية، أليس كذلك؟ المشكلة أنك رغم ذلك لم تستطيعي توفير ثمن شقة تقيمين فيها مع ابنتك، وتنتظرين مني أن أوفر لكما السكن إلى الأبد·
 
نورا لم تعلق واكتفت بالابتسام، فهي تحاول دائما التزام الحياد حين تتجادل أمها وجدتها حول أي شي وكل شيء· هي تدرك أن أمها ليست سعيدة، وربما تنفس عن إحساسها بالكابة من خلال مشاحناتها مع والدتها· هي أيضا مقتتعة أن جدتها طيبة، وإن كان سلوكها لا يقنع أحدا بذلك·
 
واصل الثلاثة ارتشاف حساء الجوياش، أو ما يسميه الأجانب جولاش، وهو حساء مكون من الخضار ولحم البقر المتبل المسلوق، كثيرا ما تتناوله العائلات المجرية نهاية الأسبوع، وتتبعه بالـ pancake الشهير الذي يسمونه بالمجرية بلاتشنتا والذي تشبه عجينته عجينة القطايف لكن حشوته أكثر تنوعا، وتتراوح بين المربى بأنواعه والجوز وعجينة الكستناء، كما يرشه البعض بسائل الشوكولاتة وقليل من الـRum، وفي المطاعم الراقية يشعلون الـ Rum أمام الزبون، فيكون المنظر مثيرا، كما يكسب الـ بلاتشنتا طعما خاصا·
Page 2
ساد صمت لفترة قصيرة ولم يكن يقطعه سوى صوت ارتشاف الحساء، أو حين تطلب ماريا من نورا الملح أو كأسا من الماء·
 
لم تكن العائلة تنتظر أحدا على الغداء، لذلك استغربوا حين سمعوا طرقا على الباب·
 
- افتحي الباب يا نورا، من يا ترى الطارق في هذا الوقت؟
 
جاء السؤال من ماريا، فردت عليها أنّا بتهكم: في أي وقت؟ قد يكون أي شخص، فالزيارة ليست ممنوعة بعد الظهر·
 
ذهبت نورا لتفتح الباب، ولكنها لم تعد· لفت الأمر انتباه الأم والجدة ولكنهما لم تعيراه اهتماما، فقد تكون إحدى صديقات نورا، وقد تكون اصطحبتها إلى الحديقة لتجاذب أطراف الحديث، فنورا لا تحبذ لقاء أصدقائها بجدتها، بسبب التعليقات التي تطلقها الجدة على كل شيء وأي شيء يتعلق بلباسهم أو سلوكهم أو طريقة حديثهم·
 
ولكن لفت انتباهما أيضا أن نورا لم تنته من الغداء، وفي هذه الحالة تدعو ضيفها إلى الداخل، ثم ينزلان إلى الحديقة بعد الانتهاء من الغداء·
 
- أين ذهبت هذه البنت؟
 
- لا تقلقي بشأنها، ستعود في الحال·
 
وهكذا كان، فقد عادت نورا بعد دقائق ولكنها كانت لوحدها·
 
- من ضيفك؟
 
سألت الجدة بفضول ولكن نورا بدت محتارة وأجابت: لم يكن هناك ضيف·
 
- إذن من طرق الباب؟
 
- لا أدري؟
 
- ماذا يعني هذا؟ هل انصرف قبل أن تفتحي الباب؟
 
- لا، لم ينصرف· ما زال واقفا بالباب ومعه حقيبة ملابس كبيرة·
 
بدت الحيرة على وجه الأم والجدة، ثم زادت حيرتهما حين قالت نورا: لقد خاطبني بلغة لم أفهمها، قد تكون العربية·
 
قالت أنّا بعتاب: ولماذا تركته بالباب؟ ادعيه إلى الدخول لنرى ماذا يريد؟
 
أجابت ماريا بعصبية: اتركيه يذهب إلى الجحيم· لن أدعو عربيا إلى شقتي· ألم يكفك ما فعلوه بك؟
 
هنا وقفت أنّا فجأة واتجهت إلى الباب فوجدت نفسها وجها لوجه أمام فتى في السابعة عشرة طويل القامة أسمر البشرة أجعد الشعر·
 
نظرت أنّا إلى الفتى فوجدت نفسها مجذوبة إلى عينيه السوداوين اللتين أصابها النظر إليهما بشيء يشبه الصاعقة· لم تجد تفسيرا لذلك، وإن كان شعور جامح بأنها تعرف هذا الفتى قد سيطر عليها·
 
تحدثت إليه بالمجرية، ولكن الفتى رد عليها بلغة مجهولة لديها، ولكن هل حقا تجهل هذه اللغة؟ تبدو مألوفة، نعم، بالتأكيد، الفتى حدثها باللغة العربية التي كانت تعرف القليل منها يوما ما·
Page 3
(2)
 
الفصل كان خريفا حين وصلت إلى بودابست في ساعة مبكرة من أحد الأيام الباردة·
 
كنت قد هيأت نفسي لبداية جديدة، وأنا أعشق البدايات· في كل نهاية أرى معالم بداية جديدة، وهذا ما يضفي على حياتي بقايا معنى بعد أن خسرت معركتي الأخيرة مع أطياف الجدوى التي طاردتها عبر سنين من التجارب وجولات الكر والفر·
 
وصولي إلى محطة القطار الشرقية في بودابست صباح ذلك اليوم، متعبا ومهزوما ومفلسا، كان بداية مرحلة جديدة من حياتي، مرحلة أعيد فيها تقييم مواقفي السياسية والوجودية·
 
كان الوقت فجرا وأنا كنت قد سافرت ما يزيد على أربعين ساعة بالقطار من استانبول، وكنت أتوق إلى سرير أنهار عليه وأنام لبضع سنين، عسى أن أفيق في زمن آخر·
 
توجهت إلى موقف التاكسي خارج المحطة وناديت أحد السائقين· خاطبته بلغة إنجليزية ظننت أنه يفهمها، ولكنه أجابني بلغة مجرية فصيحة· قلت له الكلمة السحرية أوتيل عسى أن تكون المفردة بلغته مشابهة، ولكن لا يبدو أنه فهمني، فقد واصل حديثه بلغته·
 
حاولت مع سائق آخر وثالث وعاشر إلى أن وجدت واحدا يفهم القليل من الإنجليزية فطلبت منه أن يأخذني إلى أقرب فندق، وتوقعت منه أن ينطلق، ولكنه لم يفعل بل فاجأني بسؤال غريب: أي فندق؟
 
_ أي فندق؟ أي فندق يا رجل، أنا أريد سريرا، مجرد سرير·
 
- ولكن ياسيدي يجب أن تختار فندقا·
 
- كيف أختار وأنا لا أعرف واحدا هنا؟ أنا غريب عن هذه المدينة وقد وصلت لتوي· انطلق·
 
- ولكن إلى أين؟
 
- إلى أقرب فندق من هنا·
 
أخيرا اقتنع وبعد دقائق كنا نقف أمام فندق يدعى متروبوليتان بدا أنيقا بعض الشيء، ولكني كنت في حالة من الإعياء لم أنتبه معها إلى فداحة المغامرة· توجهت إلى الاستقبال وطلبت من السائق الانتظار·
Page 4
موظفة الاستقبال كانت لطيفة وودودة، وكان الحديث معها أول نسمة طرية تداعب روحي منذ بداية الرحلة على القطار المتجه من استانبول إلى برلين عبر بودابست·
 
لم تكن في الفندق غرفة من أجلي كما أخبرتني تلك الجميلة، ونصحتني بالسؤال في الفندق المجاور· لم أستسلم بسهولة وطلبت منها أن تبحث عن أي بقعة في الفندق أستطيع النوم فيها ولو لليلة· ابتسمت الفتاة وقالت: لا بد أنك متعب·
 
- متعب؟ بل منهار !
 
- لماذا؟ هل جئت سيرا على الأقدام؟
 
سرني هذا التواصل الإنساني، فلم أكن أتوقع أن تكون موظفة الاستقبال في مزاج يساعدها على دردشة إنسانية في الساعة الرابعة فجرا، ولكن يبدو أنني وصلت لتوي إلى عالم مختلف عن ما تركته ورائي·
 
ابتسمت وقلت: لم آت سيرا على الأقدام، ولكني خضت معركة شرسة نالت مني·
 
نظرت إلى الصدمة في ملامحها وهي تحاول استيعاب ما قلت: هل أتيت من ميدان القتال؟ ليست هناك حروب حاليا على ما أعرف·
 
- ولكن حربي غير معلنة، ولذلك لم تقرئي عنها في صحفكم·
 
نظرت إلي بفضول، ثم ابتسمت لا أدري لماذا، وتحدثت إلى السائق بالمجرية فما كان منه إلا أن أحضر حقيبتي وتقاضى أجره وانصرف· ظننت أنها رأفت لحالي وقررت إعطائي غرفة في الفندق·
 
- هل أفطرت؟
 
جاء سؤالها ليضمد جراحي·
 
- لا·
 
- هل تريد فنجانا من الأسبريسو مع فطيرة التفاح؟
 
- أي شيء، ولكن قبل ذلك أريد سريرا·
 
أجلستني على مقعد جلدي ودخلت إلى المطبخ، وحين عادت ومعها فنجان القهوة الساخن وفطيرة التفاح كنت أغط في النوم· أيقظتني برفق وقالت: هاك الإفطار، وسأحاول أن أبحث لك عن غرفة في فندق قريب· لم أكن أمزح حين أخبرتك أن ليس عندنا غرفة شاغرة·
 
أحسست بخيبة أمل، ولكن فنجان القهوة والفطيرة أعادا إلي شيئا من الروح·
 
عادت الفتاة التي أخبرتني أن اسمها الديكو وابتسامة على شفتيها جعلتني أخمن أنها وجدت لي غرفة، وهذا ما أكدته بنفسها·
 
طلبت لي سيارة تكسي، وانطلقت بعد أن شكرتها وبدأ إحساسي يتعزز بأنني مقبل على عالم أكثر إنسانية·
Page 5
(3)
 
- لقد فعلنا كل ما باستطاعتنا·
 
هذا ما قاله عامر يومها، ولم يزد حرفا، أما أنا فلم أدرك ما كان يعني·
 
- ماذا تقصد؟
 
- لا جدوى، أنّا· يجب أن نعترف أننا فشلنا· يجب أن لا نعذب أنفسنا أكثر من ذلك، ولنضع حدا لمعاناة الطفلين أيضا·
 
إذن فهمت الآن، بدأت دموعي تنساب على خدي· لم تفاجئني كلمات عامر وإن كنت رفضت التسليم في البداية·
 
- أخبرني، هل هناك امرأة أخرى في حياتك؟
 
ضحك عامر بمرارة وقال: لا تكوني غبية· ليت الأمر كان بهذه البساطة·
 
- فكر في عمر ونورا· لماذا لا نستطيع أن نعيش ببساطة كالآخرين؟ هناك الكثيرون غيرنا يعيشون في زواج مختلط·
 
قاطعني عامر قائلا: نحن أيضا صمدنا أكثر من عشر سنوات· ربما كان ذلك مريحا لك· نعيش في بلدك، الطفلان يتحدثان لغتك ويحفظان أشعار بلدك وحكاياتها، وبين الفترة والأخرى ربما خطر ببالهما أن لهما وطنا آخر· أهل بلدك يتوقعون مني أن أتحول إلى مجري خالص لأعيش بانسجام هنا، ولكني لا أستطيع أن أكون فلسطينيا خالصا مع أن الزيت والزعتر يجريان في عروقي بدل الدم، فكيف أكون مجريا خالصا؟
 
ساد الصمت لفترة، ثم خطرت ببالي فكرة، كنت مستعدة لأي شيء من أجل إنقاذ الوضع·
 
- ماذا لو انتقلنا إلى بلدك؟ سيتعلم عمر ونورا العربية ونصبح جزءا من وطنك·
 
لا يبدو أن الأمر يروقه فقد هز رأسه قائلا:
 
- سيكون الوضع مشابها ولكن بشكل معكوس، ولن تحل المشكلة· كنت في البداية أعتقد أننا نربط بين عالمين أينما عشنا· للأسف كل ما تحقق في السنوات العشر الماضية أنني فقدت كل ذرة انتماء إلى هذا البلد الذي طالما أحببته· إذا بقيت هنا فسوف أفقد ذاتي· منذ زمن بدا الأمر رومانسيا ومثيرا: ياسلام، ما أجمل أن تكون جسرا بين عالمين ! الآن كل ما بقي هو مرارة الفشل·
Page 6
(4)
 
حين أفقت كانت الشمس تخترق زجاج النافذة رغم أن الفصل كان خريفا· كنت أحس بانتعاش، ويبدو انني نمت حتى صباح اليوم التالي، أي ما يزيد على أربع وعشرين ساعة· بدأت أعيد ترتيب أفكاري· قبل كل شيء تحسست الورقات الثلاث من فئة المئة دولار التي استدنتها من الرفيقين دريد وصلاح في أنقرة· لم أكن أدري كم يوما سأقيم في هذا الفندق، ولا كنت أعلم من أين سأحصل على نقود في حال نفاد هذه الدولارات·
 
أخذت حماما ساخنا زاد في إحساسي بالحيوية، ونزلت إلى صالة الاستقبال· جلست إلى طاولة وطلبت فنجانا من قهوة الاسبريسو وبدأت أضع مخططا لتحركاتي في ذلك اليوم·
 
أخي عماد كان قد وصل إلى بودابست للدراسة قبل أقل من شهر، ولكني لا أعرف عنوانه·
 
والأهم من ذلك، مدير مكتب منظمة التحرير في بودابست كان يمت لي بصلة قرابة، وإن كنت لم ألتق به في حياتي·
 
كل ما كنت أعرفه عنه أن لديه ميولا يسارية، وهذا جعلني أحس بإمكانية أن أخلق لغة مشتركة معه· لو اهتديت إلى مكتب المنظمة سيدلني سهيل، مدير المكتب، على عنوان أخي عماد·
 
بعد أن انتهيت من قهوتي توجهت إلى موظف الاستعلامات وطلبت منه أن يكتب لي عنوان مكتب منظمة التحرير على قصاصة ورق، ففعل ووصف لي كيفية الوصول إلى هناك باستخدام الترام والباص·
 
خرجت من الفندق ولفت انتباهي أن الناس يتحركون على مهلهم وكأنهم يسيطرون على الوقت· لا يجرون في كل اتجاه كما هو المنظر في باريس أو أمستردام، أو حتى أنقرة·
 
صعدت إلى ترام رقم 4، وحاولت شراء تذكرة· تطلب الأمر بعض الوقت ومساعدة شخص كان يتحدث بعض الإنجليزية حتى علمت أنه كان علي شراء تذكرة قبل صعودي إلى الترام، لأنه ليس هناك من يبيع التذاكر على متنه·
 
كنت قد وصلت المنطقة التي سآخذ منها الحافلة رقم 91، فلم يعد هناك مبرر لشراء تذكرة لأنني سأنزل من الترام على أي حال·
 
كان موقف الحافلة على جسر فوق نهر الدانوب· فاجأني أن لون مياه النهر كان رماديا، ولا علاقة له بموسيقى يوهان شتراوس التي اختار لها عنوان الدانوب الأزرق لا بد أنه كان يوما ما أزرق كما توحي بذلك مقطوعة شتراوس·
 
اشتريت عشر تذاكر من كشك قريب، وصعدت إلى الحافلة·
Page 7
بدأت أتامل وجوه المسافرين، ولفت انتباهي جمال الفتيات غير العادي· كنت قد زرت أكثر من عاصمة في أوروبا الغربية، ولكن نسبة الجمال هنا أعلى بكثير· فضلا عن ذلك، جمال النساء هنا به مسحة شرقية·
 
حين وصلت مكتب المنظمة شعرت بشيء من الرهبة، فهذه أول مرة أقترب فيها من أي مؤسسة لها علاقة بالتنظيمات الفلسطينية· لم يكن مرد الرهبة الخوف من الاعتقال في حال عودتي إلى الضفة الغربية، فهذا شيء قد تتعرض له كفلسطيني بتهمة قراءة أشعار بابلو نيرودا·
 
سبب توتري هو أن علاقتي بالتنظيمات الفلسطينية كانت في منتهى الفتور· لم أكن أطيق أسلوب عملها ومهاتراتها وانتهازية بعضها، ولذلك كنت أبقي مسافة لا بأس بها بيني وبينها، مع أنه كان لي أصدقاء من نشطائها·
 
تجنبت كل ما يمت بصلة إليهم من نشاطات وفعاليات ومؤسسات، وبحثت عن قنوات غير عربية لنشاطي السياسي· أما الآن فعلي دخول مكتب منظمة التحرير في بودابست وطلب المساعدة من مديره الذي لم ألتقه في حياتي، وكل ما أعرفه عنه هو تخمين أحد أصدقائي أنه يساري الميول ومن الممكن الحديث معه·
 
طرقت باب المكتب بتهيب وأدخلتني السكرتيرة المجرية إلى صالة عجت بمن خمنت أنهم طلاب فلسطينيون يدرسون في بودابست· نظر بعضهم إلي بفضول، فيبدو أن شيئا ما في مظهري كان يوحي بأنني لا أنتمي إلى ذلك المكان·
 
سألتني السكرتيرة إن كنت أريد كوبا من الشاي، فشكرتها، وتابعت التأمل في وجوه الجالسين في الصالة· كانوا يتمازحون فيما بينهم، وكانت السكرتيرة المجرية تشاركهم المزاح أحيانا· ببساطة كان الجو العام في المكتب ودياً ويبعث على الطمأنينة بل والاسترخاء وبعيداً عن تصوراتي المسبقة عن مؤسسات منظمة التحرير، والمبنية على معرفتي ببعض أفرادها في أماكن أخرى من العالم·
 
من إحدى الغرف المجاورة كان يصلني صوت نقاش سياسي حاد يدور بين بعض الأشخاص الذين يتحدثون بلهجات عربية مختلفة، عرفت منها العراقية واللبنانية، والفلسطينية طبعا· ذكرني أحد الأصوات بشاعر فلسطيني معروف كنت قد سمعت إحدى قصائده المسجلة بصوته لدى صديق فلسطيني في أنقرة، وأعجبتني· سأكتشف لاحقا أنه هو بعينه، وستنشأ بيننا صداقة أدبية وربما فكرية، بينما ستبقى صداقتنا الشخصية بمستوى أقل، تحكمه عوامل مرتبطة باعتبارات سياسية ومفاهيم اجتماعية متشابكة، خاصة به أولا وأخيرا، قائمة على افتراض ارتباط أي تضامن سياسي وإنساني بالضرورة بمفهوم عشائري حصري· ربما لم تضع الصدف في طريقه من قبل شخصا مثلي، لا ينتمي لأي من تلك الاعتبارات، وافترض أنني انتهازي آخر جاء يستثمر علاقاته العائلية للحصول على منحة· لم يكن هذا جديرا بذكائه الذي اكتشفته في أحاديثنا الأولى وجعلني أحترمه·
Page 8
خرج من تلك الغرفـة شخـص قصـير القامة بدأ الشيب يغزو شعره في سن مبكرة، ونظر إلي بفضول وسألني إن كنت بحاجة إلى شيء· قلت له إنني أريد التحدث للأخ سهيل·
 
- أنا سهيل·
 
قال، فأخذتني المفاجأة وحاولت تعريفه بنفسي بطريقة لا ترتكز إلى رابط القرابة بيننا، فلم أكن أرغب أن يكون هذا أساسا لعلاقتي المستقبلية معه؛ لأنني لم أكن أعتبر ذلك مقبولا·
 
إذا تعاطف معي سياسيا وإنسانيا فمن الممكن أن يساعدني دون أن يورطني ذلك بالتزام سياسي لا أريده ودون أن يتورط هو بالاعتبارات العشائرية التي لا تعنيني وآمل أنها تتعارض مع مبادئه·
 
سأكتشف لاحقا أن ذلك ليس سهلا، فبمجرد أن عرف شباب فتح بأن مدير المكتب ساعدني بدأوا يحومون حولي، ثم وجه لي أحدهم السؤال بصراحة: متي ستلتزم؟
 
- ألتزم بماذا يا روح أمك؟
 
- بفتح طبعا·
 
- وبأي مناسبة؟
 
- بمناسبة أنك منحة منظمة تحرير·
 
- أنت قلتها بلسانك، منحة منظمة تحرير لا منحة فتح·
 
- وما الفرق؟
 
صدمني سؤاله الأخير، ولكني توقفت عن مناقشته، وحين علم سهيل بمضايقاته ومضايقات أمثاله وبخهم جميعا، فتركوني وشأني، في الشهور الأولى على الأقل·
 
أدخلني سهيل إلى مكتبه وسألني إن كان بإمكانه مساعدتي·
 
قلت له أعرفه بنفسي: أنا أخو أم علاء، ولكن أرجو أن لا يعني ذلك لك كثيرا· حضرت من تركيا التي كنت أدرس فيها بسبب ظروف سياسية وإنسانية وأكاديمية معقدة، وأرغب بالدراسة هنا، فهل تستطيع مساعدتي؟
 
- أفصح·
 
في الساعات الثلاث التالية استمع سهيل إلى قصة حياتي، وفي نهايتها تولد لدي شعور أن لي صديقا في هذا البلد الغريب·
 
لم نكن قد ناقشنا فرص الدراسة وتعقيدات المنح بعد، ولكنه دعاني إلى الغداء في بيته القريب من المكتب، حيث تحدثنا في كل شيء، من السياسة إلى الثقافة إلى المواضيع الاجتماعية، واكتشفت أن هذا الإنسان قريب مني إلى درجة لم أحلم بها·
 
لم نبحث في تفاصيل الدراسة، ولكني شعرت بأمان منذ هذه اللحظة·
 
قبيل حلول الظلام أوصلني في سيارته إلى السكن الطلابي الذي يقيم فيه أخي عماد، وطلب مني الحضور إلى المكتب في اليوم التالي·
Page 9
(5)
 
فاجأني رد فعل عامر الهادئ حين أخبرته أنني حامل· لم يكن الأمر مفاجئا لنا بالتأكيد، فالأمر يتعلق بقلة حرصنا، وكنا نتوقع نتائج ذلك، لكن في النهاية عامر لايزال في السنة الثانية الجامعية، وهو يعتمد بشكل شبه أساسي على منحة بالكاد تكفيه، فكيف يستطيع تحمل مسؤولية طفل؟ سيتطلب الأمر تغييرات جذرية في نمط حياته، ولذلك كنت أتوقع منه أن يصاب باكتئاب على الأقل، ولكن ذلك لم يحصل· ناقش معي الموضوع بمنتهى العقلانية· استبعد كلانا مسألة الإجهاض بسبب مضاعفاتها الصحية ولاعتبارات مبدئية لكلينا· استعرضنا الإمكانيات والتغييرات القادمة في ظروفنا، وتوصلنا إلى ضرورة أن نستأجر شقة صغيرة نقيم فيها· حتى تلك اللحظة كان عامر يقيم في السكن الجامعي في شارع بوداؤورشي أما أنا فكنت أقيم في بيت والدي الكائن في تل الزهور (rozsadomb)·
 
طبعا لا يمكن أن يستمر الوضع كذلك ما دمنا ننتظر طفلا·
 
استعرضنا إمكانيات العمل وفرصه بالنسبة لعامر، وتوصلنا إلى أن بإمكانه تدريس اللغة الإنجليزية في كلية الهندسة، بسبب خلفيته الأكاديمية التي تساعده على ذلك، فهو قد درس الهندسة في جامعة ذات نظام أمريكي·
 
المهمة الأصعب كانت إخبار والدي بالأمر، فهما يكرهان عامر من جهة دون أي سبب محدد، فقط سوى لكونه أجنبيا، ومن جهة أخرى لن يملأهما بالغبطة خبر الحمل، واستعدادي لمغادرة المنزل والإقامة مع عامر·
 
اقترح عامر أن أؤجل إخبار والدي بالأمر إلى حين حصوله على عمل، واتفقت معه في هذه النقطة، ولكن والدتي ليست مغفلة بل هي دقيقة الملاحظة، وقد لاحظت أعراض الحمل الأولية عندي من تقيؤ في الصباح وغير ذلك، وما كان هناك مبرر أو إمكانية للإنكار· إذن فجرت القنبلة في البيت وانتظرت ردود الفعل· كما هو متوقع، تعرضت لتوبيخ من والدي الذين اقترحا الإجهاض في الحال· أخبرتهما أن هذا الحل غير وارد، وأنني وعامر سنتزوج وننتقل للإقامة معا·
 
والدتي بدأت بالصراخ بأسلوبها المعتاد، وتلت على مسامعي خرافاتها المعتادة من أن العرب يبيعون النساء في الأسواق ويعاملوهن كالجواري· وضعت إصبعي في أذني فلم أكن راغبة في سماع هذه التفاهات· في الواقع لم أكن أعرف الكثير عن المجتمعات العربية، ولكني كنت أعرف عامر بشكل كاف، وأستطيع أن أقول إن فكره الاجتماعي أكثر تقدما من فكر النخبة في المجتمع المجري·
 
قام والداي بعدة محاولات لإقناعي بالإجهاض ولكنني أخبرتهما بوضوح أن الموضوع يتعلق بي وحدي، وأن عليهما تقبل الأمر الواقع· عندها بدءا في مناقشة قضايا عملية تتعلق بعامر: عمله، دراسته، وإن كان زواجنا يتطلب مني تغيير ديني (الذي لم أكن أحس بانتماء قوي له أصلا)· أعطيتهما إجابات مطمئنة على كل استفساراتهما فأصبحا أقل توترا وبدا أنهما يتقبلان الأمر الواقع·
 
حين التقيت عامر أخبرته بآخر التطورات، وهو بدوره أخبرني أنه حصل على عرض من كلية الهندسة لتدريس اللغة الإنجليزية مقابل مبلغ يكفي لاستئجار شقة صغيرة·
 
أجرينا حسابات بسيطة اتضح من خلالها أن منحة عامر ومرتبي سيكفيان لمعيشتنا، فشعرنا ببعض الاطمئنان·
 
ناقشنا مسألة الزواج وقررنا تأجيلها، لأن على عامر الحصول على شهادة من سلطات بلده تثبت أنه غير متزوج، وهي شرط لإتمام معاملات الزواج في المجر بعقد مدني، بسبب الشائع هنا عن انتشار تعدد الزوجات في المجتمع العربي· كان الأمر يتطلب سفر عامر إلى بلده، وهذا لم يكن ممكنا، مما يعني تأجيل الأمر برمته إلى الصيف القادم، أي بعد ولادة الطفل· على أي حال لم يكن هناك ما يتطلب السرعــة·
Page 10
(6)
 
التقيت أخي عماد الذي فوجئ بوصولي إلى بودابست ولكنه بدا مسرورا بذلك· رافقني إلى الفندق حيث أحضرت أغراضي إلى السكن الجامعي من أجل أن أقيم هناك بشكل مؤقت· لم يكن الأمر سهلا، فلم يكن هناك سرير إضافي في غرفة عماد التي بدت أوسع من الغرف التي تعودت عليها في سكن الطلاب في بلدان أخرى، فضلا عن أن حماماً فاخراً، على الأقل بالمقاييس الطلابية، كان محلقاً بها، وهو شيئ لم أكن اتصوره في سكن جامعي· الطلاب هنا مدللون، قلت في نفسي، وأنا أتذكر السكن الجامعي البائس في أنقرة، حيث يشترك ستة من الطلاب في غرفة واحدة، يستخدمون مع ساكني غرفة أخرى حماماً واحداً·
 
تطلب الأمر وضع سرير عماد إلى جانب سرير زميله رياض ونمنا ثلاثتنا على سريرين، ولم يكن ذلك مريحا·
 
كان الأمر الأصعب من ذلك أن وجودي في السكن الجامعي لم يكن قانونيا، وكان علينا التكتم عليه أمام الإدارة·
 
كان الشباب يذهبون إلى صفوف اللغة في الصباح وأبقى في الغرفة وحيداً، مع كتبي·
 
أول مأزق واجهني كان حضور عاملات التنظيف في السكن إلى الغرفة كل صباح وتوجيههن أسئلة لي بلغة لم أكن أفهمها· كان وصولهن يسبب لي الرعب، فمن المفروض أن تكون الغرفة خالية بعد ذهاب ساكنيها لحضور دروس اللغة، فماذا أفعل هناك؟ وهل يا ترى سيبلغن الإدارة؟ وهل سيطردونني من السكن؟ وماذا أفعل وإلى أين أذهب لو حصل ذلك؟
 
كانت رطانتهن بتلك اللغة الغريبة التي لا أفهمها تثير في نفسي الرعب· اللغة سلطة، قلت في نفسي، من يتكلم لغة لا تفهمها يجعلك تحس أنك اقل شأنا منه، مهما كان مركزه الاجتماعي، بل يجعلك تخافه· هل لهذا علاقة بكوني سمعت الرطانة بلغة أجنبية للمرة الأولى حين كنت طفلا من جنود إسرائيليين مدججين بالسلاح؟ على أي حال فمركزي الاجتماعي، انا المشرد الذي لا ينتمي إلى أي مؤسسة أكاديمية، والذي فقد انتماءه السياسي أيضا، ماذا اقول؟ مركزي لم يكن قابلا للمقارنة بمركز عاملات التنظيف أولئك في بلد يقول انه ينتهج أيديولوجيا دكتاتورية البروليتاريا، حتى من دون جهلي باللغة، فما بالك إذا كن يمتلكن ديكتاتورية اللغة أيضا؟
 
كنت دائما أنتظر بفارغ الصبر عودة عماد مع زميليه رياض وباسل لنذهب معا إلى المطعم، حيث كان الشباب يحصلون لي على وجبة مجانية من خلال علاقاتهم الودية مع عاملات المطعم· إذا كان مفتاح الحل فتاة جميلة فلن تكون هناك مشكلة أبدا· كل ما يتطلبه الأمر هو شيء من اللطف والكياسة، وتحل المشاكل· في حال عاملات النظافة لم يكن الأمر سهلا؛ لأنهن كن في سن لا تساعد على إقامة علاقات معهن، وبالتالي فلم يكن هناك نفوذ للشباب عليهن· مع ذلك تمت تسوية الأمر في النهاية من خلال ابنة إحداهن التي تعمل في المطعم، والتي أوعز عماد إلى زميله فيصل بالتودد إليها، وقامت هي بإقناع أمها أن تقنع الأخريات بالتغاضي عن وجودي· كنا نطلق على هذا الترتيب تفعيل عامل الجنس، وهو إذا استخدم بشكل لبق يحل كل المشاكل· كان الشباب إذا واجهوا أي مأزق فكروا في تفعيل عامل الجنس، أي البحث عن فتاة ذات نفوذ في المسألة والتودد إليها بشكل ينتهي بها إلى سرير أحدهم· عندها يمكن اعتبار المسألة محلولة·
 
علق رياض، وهو شاب ريفي وذو عقلية محافظة، علق على الوضع قائلا باستغراب: في بلادنا عليك أن تبذل روحك من أجل الحصول على ابتسامة من فتاة، أما هنا فإنها هي التي تقدم لك كل ما تريد إذا أعجبتها، مقابل أن تنام معها·
 
طبعا لم يكن الوضع بهذه الفجاجة، ولكن بدا كذلك بمفهوم رياض ذي العقلية التقليدية المحافظة، التي لم تستوعب أن مسألة الجنس هنا خالية من التعقيدات، ورهن بشعور إيجابي بين شاب وفتاة، ليس بالضرورة أكثر من صداقة، والصداقة في حد ذاتها تعني استعداد أحد الطرفين لمساعدة الطرف الآخر إذا استطاع·