eKtab
EN ع
حارس الأوهام الرمادية
Read free sample

حارس الأوهام الرمادية

by جمال الخياط

Page 1
الفصل الأول
 
أنا الآن تعب ، ومهموم · هكذا أشعر في هذه اللحظة الخرافية بصدق ·
 
لا أدري كيف دهمني هذا الإحساس ولماذا سمحت له بالتغلغل إلى حطام نفسي البالية· أسئلة معقدة من الصعب الإجابة عليها ، مؤقتاً على الأقل· ربما أحمل في ذاكرتي المنحوسة بؤساً لا تلمحونه يطل شامخاً من شرفات عيني ، ولا تترجمه تصرفاتي المشكوك في عقلانيتها ·
 
أبدو غريباً اليوم ، بل أستطيع الجزم بأنني مكتنف بالغموض · من حقكم الطبيعي والمشروع ، كما هو حقكم الثابت في استنشاق الهواء واجتراع الماء ، أن تستنكروا أو تستغربوا ، ويحلو لكم قذفي بأوجاع السؤال · لكن المؤكد أن قلبي الحزين مرتع خصب للأوجاع المستوطنة ، أوجاع طفيلية لم تنقلها امرأة ساحرة كما تتوهمون وكما أحاول جاهداً ودائماً وضعها إطارا لتأوهاتي وشرودي الملازم لي كظلي · إن جنوني بالمرأة ، وولعي بأنوثتها وفتنتها يا كرام السادة ابتدعته ، أساساً ، لإرضاء شبق فضولكم، ولتحرير قيد غرائزكم المكبوتة في قمقم التقاليد·
 
دعوني وشأني مع هذا الوجع القادم من دنيا المجاهيل ، من حقي التوحد معه، ولو كان صنع القرار بيدي لاقتسمته معكم عن طيب خاطر ، كما هي العادة دائماً · حدقوا بتمعن الى تقاطيع وجهي المتعفن ، ألا تستطيعون تمييزه اليوم؟ ألا يعني لكم هول الهوة السحيقة بين الجانبين شيئاً ، وانطفاء لمعة البريق في العينين المخمورتين والجبهة الممهورة بتضاريس العطش؟ ما لكم والوجع ، فأنتم لم تنظروا لوجهي قط بتأنٍ ، ولو فعلتم فسرعان ما تمطروني سخرية واستهزاء ، وبصقاً في بعض الأحيان الخبيثة · دعوني وشأني أتفكر وأستخلص أيسر الحلول وأكثرها فاعلية · أيام قلائل ونعود إلى لعبتنا القديمة ، لعبة القط والفأر · للمرة الأولى أستحلفكم أن تنظروا لطلبي المعقول بشيء من الجدية · لا تحملونني على اتخاذ قرار سوف نندم عليه جميعاً فيما بعد ·
 
يستظيفني مطعم من الدرجة الأخيرة يقبع في رحم السوق ، تنتظرني هناك لقمة قذرة بثمن زهيد أستجديه منكم متسلحاً - كما هي العادة - بوقاحتي · هنا لا أستطيع التفكير بهدوء ، فقد خاب ظني ، الضوضاء تبتلع المكان وأنا بأمس الحاجة للهدوء · عرضت عليكم سلفاً ، بخجل تعهدونه مني للمرة الأولى ، استضافة مؤقتة ، لليلة واحدة فقط ، فأنتم أصدقائي المقربون · استهجنتم جرأتي وكان الانفضاض الفاضح هو جوابكم القاطع · عرفت بعدها أنكم أصدقائي الذين لا يمكن الاتكال عليهم وقت الضيق ·
Page 2
أنا القذارة ذاتها ، أعترف بذلك ، وبمنتهى الصراحة · لا أجيد لباقة الكلام واحتراف النفاق مثلكم ، وتجنح عيناي دائماً للمحظور ، حتى لو كان يخصكم · كل ذلك صحيح ، ولكن ينبغي عليكم أن تتحملوا بعضاً من سيئاتي كما تحملت على مدى السنين الطويلة خطاياكم السيالة في حقي ، وحق عائلتي المفككة ، التي أتبرأ منها علانية في كل المناسبات · أصدقاء كالنمل ليس بمقدورهم أن يتحفوني بمبيت ليلة يتيمة ·
 
أحدكم قدم لي عرضاً بشعاً ، اقترح بسفالة أن أشغل دورة المياه الاحتياطية بمنزله الجديد، وعندما وافقت على الفور اندهش في البداية ثم تنصل من عرضه السخيف دون خجل· علل انسحابه بأن الأمر مجرد دعابة خرجت لكي تلطف من حرارة المناقشة الساخنة · أنتم تعلمون لماذا لم يتسلقني الغضب الثائر ، ولماذا انهزمت دموعي كسيرة إلى المآقي مهزومة · أنتم أقدر الناس على فهمي ، وإغضابي ، وإرغامي ، وسكوتي أيضاً·
 
ألتهم البرياني بسرعة خيالية ، وأترك قطعة اللحم الممرقة وحيدة على الصحن الدسم· يرمقني عامل المطعم الآسيوي بازدراء وهو ينظف الأرز المتناثر بوحشية على الطاولة الخشبية ، قال كلاماً كثيراً لم أفهمه ، تولى زبون غيور ترجمته وهو خارج من المطعم :
 
- أنه يأكل بوحشية ثور ، حتماً هذا الهائج ليس آدمياً ·
 
لم يأتي هذا الحقير بجديد ، فهذه طبيعتي البدائية في تناول الطعام ، أبتلعه كما لو كنت أهرب من مشاركة أحدهم · هذه واحدة من عدة خصال ذميمه أتميز بها ، وينفر الجميع من التعامل معي كإنسان · هذا الحقير يتحاشى المرور أمام طاولتي بعد أن تبادل المهمة مع العامل الذي يقوم بإخراج الطلبات من المطبخ الصغير الذي يعج بجحافل الفئران والصراصير ·
 
لم يدرك المسكين سلبيتي ، وجبني الواضحين · لابد أنه يندرج تحت فصيلتي النادرة حتى تمنعه إرادته من نهري أو قذفي خارج المطعم · لقد قيل عني الكلام الكثير ، أقسى من ثرثرته المقتضبة ، وفي وجهي مباشرة ، وباللغة التي أفهمها ، ومن أشخاص يفوقونه حقارة وتفاهة ، ومع ذلك لم أحرك ساكناً · كل ما قدرت على فعله هو خفض الرأس ، والتهام الإهانة ، كالمعتاد·
 
مع ذلك حاولت تصنع الغضب هذه المرة ، على سبيل التمرد · طلبت شاياً بتذمر بعد أن ضربت الطاولة بقوة · حضر على الفور العامل الذي يجلس على طاولة المحاسبة وهو يكاد ينفجر من الغضب ، وقال بلهجة حازمة لا تناسبه :
 
- لا مزيد من الطلبات ، نحن لا ننشد المشاكل ، أخرج بمنتهى الهدوء ولا ترينا حطام وجهك القذر مرة أخرى ·
Page 3
خرجت من المطعم غير حزين أو حتى متضايق · المحرق تزخر بالعشرات من شاكلة هذا المطعم الوسخ ، وبأسماء قبيحة ، خرافية تنفي الصدق عن عقولنا · الطيور النارية ، أرض العجائب ، مدينة الزهور البديعة ، أرض الأحلام ، كلها أسماء لا تمت بصلة للأماكن التي تستضيفها · أنا فقط أتحسر لأنني لم أختلِ بنفسي حتى هذه اللحظة · تحبل المشاكل وتلصق أبوتها بي حيثما أحل ، وجو البيت يخنقني حتى الموت ·
 
قفز إلى حوش ذاكرتي الفسيح خيال صديق غفلت عنه ، لم ألتقِ به منذ زمن طويل ، طويل· كان يقطن حينا الكبير محطة السيارات القديمة في أوج ازدهاره ، وانتقل منذ زمن إلى مدينة جديدة ، راقية خارج العاصمة العتيقة ، الرفاع الشرقي· انتقل كما انتقل قبله وبعده الكثيرون ليفتحوا الحي على مصراعيه لغزو الآسيوين المهين لذكرياتنا ، وحكايتنا البكر، الجميلة · لم تعد المحرق كما كانت، عذراء بديعة الحسن ، إنها الآن ، أقرب ما تكون ، إحدى الأحياء المهملة ، البائسة من بومباي و كرا تشي · جيران جدد يزرعون الغضب ، والقلق، والخوف من المجهول والخراب·
 
وحده ، ذلك الصديق ، الذي كان يعاملني كإنسان وينصت للصوت المتمرد في داخلي دون ضجر أو ملل ، دون احتقار أو تعالٍ ، رغم مكانته الاجتماعية العالية ورغم ثرائه · لو أجده الآن لن أتردد في ركل أصدقاء الحاجة على مؤخرتهم بلا تفكير ، لكنه الآن بعيد ، وربما لم يعد في ذاكرته مساحة تذكر لملامحي أو ذكرياتي التافهة معه· بالتأكيد نسِي اسمي ، واللقب الذي ألصق بي قسراً ، مجنون ·
 
لقد قررت ، لن أدخل مطعماً آخرَ ، يكفي ما حصل اليوم، وهذا الدرس القاسي يحمل إنذاراً جدياً لكرامتي التي باتت في الحضيض· سأقاطع هذه المطاعم الرديئة ، الوسخة وأعود إلى سابق عهدي، خبز إيراني وعلبة صغيرة من سمك التونة · وجبة نظيفة ورخيصة الثمن أيضاً ، ثم انه يمكنني الاحتفاظ بنصف العلبة لليوم التالي في ثلاجة البقالة التي أتردد عليها ·العلبة في أمان، وصاحب البقالة لا يضايقه بتاتاً وجودي وقت الظهيرة حيث تخلو البقالة من الزبائن ·
 
مشيت ثلاثين دقيقة حتى توقفت عند مقهى شعبي قديم · برقت لي فكرة جهنمية، فهنا حتماً أستطيع الاحتفاظ بسكينتي، واحتساء الشاي ، والتلذذ بطابور الأماني الجميلة وهي تختال في مخيلتي لتعوضني عن الحرمان والمذلة اللتين لا تريدان فراقي · أرخيت مؤخرتي على الكرسي الخشبي الطويل ، و مددت ساقي على آخرهما· يبدو أن صبي المقهى لم يرقه منظر ساقي الشعراوين بكثافة مخيفة · طلبت شاياً فأتاني على عجل · رشفة أولية أسكرتني ، والتالية أعادتني للصحو· كل شيء جميل هنا ما عدا صوت المذياع العالي الذي لم يهدأ عن بث أغانٍ شعبية عن زمن الغوص ·
Page 4
أخر مرة قابلت فيها الصديق كانت منذ أكثر من سنوات عشر ، إذا لم تخني الذاكرة الضعيفة ، كان ذلك اللقاء عند محطة باصات النقل العام التي أصبح لا يركبها إلا الآسيويون وقلة من المواطنين معظمهم من كبار السن · كنت أنوي التوجه إلى المنامة في محاولة للحصول على وظيفة، بينما كان هو ينوي شراء الملابس الضرورية للسفر · أخبرني أنه سيغادر البحرين خلال أيام لمتابعة دراسته العليا · تجادلت معه كثيراً في تغريبه ، ومقدار صبره على فراق هذا التراب المجيد· ضحك ، وقال : هذه سنة الحياة ، فراق صعب يعقبه لقاء جارف· كانت جولة جميلة على المحلات التجارية الكبيرة والفاخرة قضيتها بصحبته انتهت بدخولنا إلى متجر كبير أسميته خطأً جيش المال ، ولا زلت أتذكر ضحكته التي رنت طويلاً في أرجاء المتجر الفاخر ، الواسع · اسمه الصحيح جاشنمال ، حاملاً اسم صاحبه التاجر الآسيوي الذي استقر منذ زمن طويل في البحرين· انتهت جولتنا الاستكشافية في مقهى محترم ، راقٍ · تناولنا شطائر لذيذة وعصير فواكه طازجاً أتمنى مثله الآن ·
 
أين هو الآن؟
 
لو يصادفني وأنا على هذه الهيئة أجزم أنه لن يتعرف على ملامحي وسأغدو في نظره مجرد متسول ، متشرد ، ونتن ينبغي الابتعاد عنه· لن يتعرف علي بهذه الهيئة المزرية التي تبعث على التقزز والاشمئزاز · تراكمت الأوساخ على جسدي و ملابسي فأضاعت ملامحي القديمة ، المقبولة للأبد ·
 
صرخت فجأة في صبي المقهى دون مقدمات غاضباً ، ربما لأنه لا يوجد شخص آخر غيره، أو ربما لأنني كنت معتداً بنفسي للمرة الأولى :
 
- اخفض من صوت هذا الثرثار·
 
نظر الصبي صوبي باستخفاف · دلف للداخل على عجل · دهمني خوف وسرعان ما تعاظم عندما عاد ومعه صاحب المقهى على ما يبدو، رجل أسمر البشرة ، ضخم الجثة ، وقبل أن تتحرك شفتاه كنت قد ألقيت بجسدي المرهق للخارج ، فرحاً على الأقل بمجانية كوب الشاي بعد أن تقبلت إهانة جديدة ·
 
شكلي يبدو قبيحاً ، هكذا تذمرت لي المرآة المشروخة في أحد محلات كي الملابس المكيفة التي عادة ما ألجأ لها عندما تشتد سموم الحر · أحتاج إلى دينار واحد على الأقل لحلاقة شعر رأسي و ذقني · سيواجه الحلاق المسكين مهمة صعبة ، إن لم تكن مستحيلة، في التمشيط الأولي لشعري الحلقي· أتوقع أن يقترح حلاقة كلية أو أن أضاعف له الأجرة· ليفعل ما يحلو له حتى يبدو شكلي غير مقزز للآخرين · منذ متى يهمني ، أو يثيرني أن أبدو في هيئة حسنة· شيء غريب حقاً أن ألتفت إلى نظرة الآخرين تجاهي · أطوار جديدة بدأت في الظهور ولا أجد لها تفسيراً معقولاً · لن أستعجل في استنباط أي تبرير ، سأدع كل الهواجس للصدف أو الوقائع ·
Page 5
أتذكر تشبيه أحدكم لي بصعاليك الجاهلية ، وآخر ألصقني بخنافس الغرب، وآخر نسبني إلى متسكعي الطرقات ، منكم من قال بأنني أبدو مثل رواد الحانات المتعبين من الثمالة· ما رأيكم لو رأيتموني على النقيض · الوجه الآخر للعملة الخاسرة بالتأكيد ، في ظنكم ·
 
أتذكر الآن كلامكم المتفق عليه عندما رأيتموني في أحد الأعياد المباركة ، نظيفاً وأنيقاً، في كل شيء ، البشرة ، الملابس ، وحتى القلب المهشم بسبب الزمن · هتفتم بصوت واحد قبل أن أطلب الرأي :
 
- المهم يا غبي أن يبقى هذا ، وأنتم تشيرون إلى رأسي، نظيفاً من الشوائب وأنت كل منظفات الدنيا لا تعيد تألقك ·
 
وقال آخر وهو لا يستطيع تمالك نفسه من شدة الضحك :
 
- ماذا فعلت بنفسك ، أنك تبدو قبيحاً و مضحكاً بهذه الهيئة ·
 
أعدل عن فكرة الحلاقة أو النظافة ، يكفيني ما تلقيته من إهانات وسخرية · ما عدت قادراً على تحمل المزيد من الذل· لقد توصلت إلى حقيقة مهمة ، أنا اليوم لست على ما يرام · كل ما أنوي القيام به تمتد إليه أصابع الإحباط ، ويعجز القرار عن الوصول إلى محطته بسلام · ينبغي أن أرتب نفسي وأحدد أهدافي بوضوح بدل التخبط في وحل العشوائية·
 
أتمنى الآن أن أحط الرحال وأستريح · من حقي أن أنال إغفاءة لذيذة على صوت عذب ، رقيق · ليس هناك أعذب و أرق من صوت كوكب الشرق · أحتفظ بأشرطة كثيرة لأم كلثوم ، بتسجيل رديء من إذاعة البحرين التي دأبت على بثها في ليالي الخميس · ليست لدي الرغبة لدخول البيت الآن ، رغم اشتياقي لصوت السيدة ، وآهاتها الشجية التي تدغدغ أحاسيسي المتعبة · أمقت في هذه اللحظة المتعبة الاصطدام المروع بالوجوه التي تعشق عنادي ، وتمقت تصعلكي ، وجوه بائسة تجتر الضجر على الدوام لتقذفه عطناً في وجهي الدميم · تجوال محموم يتدفق في قدمي ينقلني بين أزقة المحرق الضيقة التي تبعث الأمان في أعماقي · أخرج إلى الشوارع فتخيفني الأنوار ، فأهرب مجدداً لاجئاً إلى الأزقة ، ولا أتعب· لثمت الخرائب فهي بيتي الرحب الذي طالما حمتني من قسوة الدهر وتقلباته·
 
كنت دائماً أحمل في داخلي تساؤلات مشتعلة ، محمومة · إلى متى تتلقفني هذه الحوائط؟ إلى متى ستظل تصفعني بالعجز؟ إلى متى أخط عليها شوقي وهيامي الخرافي؟ إلى متى يظل جبيني ممهوراً بدرب المعذبين
Page 6
هذه الأسئلة وغيرها كثير تحاصرني لحظة اليأس والقنوط ، تعصرني ، وتفتتني إلى ذرات ترابية كما لو كنت قطعة صماء من الحجر· لكنني لن أسمح لها مطلقاً بتدشين حتفي والاحتفاء بنهايتي ·
 
وأنتم ، أيها المنافقون ، الكاذبون ، الحقيرون من حولي ، لن أسمح لكم بعد الآن باستغلال الوضع المتأزم الذي يستبد بنفسيتي ، والتلاعب أكثر بعواطفي الطرية ، البريئة ، وهدر البقية الباقية من إنسانيتي· كلكم ترقصون الآن فيما بينكم وتحتفلون بجنوني ، والشاطر منكم من يضرم النار أولاً· كلكم متخلفون بعتهي ، وأنا الخاسر الأوحد من بين رواد الكرنفال · اسمحوا لي أيها الحقيرون بالتنحي عن دوري المضجر الذي ملني ومللته سنين طويلة · أنا لست الممثل المطلوب ، لعبت دور المهرج بما فيه الكفاية · أضحكتكم زمناً طويلاً ، وأسكرتكم بتفاهاتي التي هي أحاسيسي ومشاعري · مسحت همومكم بتعاستي ، وأعطيتكم الفرح والابتسامة بدون مقابل ، وعن طيب خاطر · وأنتم ماذا لديكم لتمنحوني إياه في لحظة القنوط؟ لاشيء ·
 
هاأنذا أخرج عليكم حانقاً ، شاهراً حتفي ، محتفياً بقمة جنوني - كما تدعون - بغيتي القضاء على أوجاعي المستوطنة ، وادعاءاتكم المسمومة · أنا أواجه للمرة الأولى مارداً مجهولاً، لا يهمني من يكون وما هي إمكانياته العدائية، المهم أن يقف الجميع عند حد لا ينبغي تجاوزه بعد اليوم · أنقلب السحر على الساحر فارقصوا لجنونكم من الآن ·
 
لم أعرف حتى هذه اللحظة مصدر همي ، ولكنني وضعت يدي على خيط مهم ، تبصرته بنفسي ، لا كما كنتم ترسمونه لي دائماً بالدعابة والسخرية · منذ هذه اللحظة أسبغت عليكم لقباً تستحقونه ، أصنام ·
 
دخلت البيت بعد منتصف الليل متسللاً كلص حيث الجميع نيام فلم ينتبهوا لدخولي · ألقيت برأسي الثقيل على الوسادة · صوت السيدة الدافئ ، الرخيم يبعث في داخلي المحطم الرعشة والرغبة· سأبحث عن صديقي القديم وسأجده حتماً لأبلغه بأنني أخيراً اعتزلت لعبتكم القذرة للأبد، بمحض إرادتي ·
Page 7
الفصل الثاني
 
في اليوم التالي خرجت من المنزل مبكراً ، لم أطق انتظار طعام الإفطار الذي يطول به الوقت في العادة حتى التاسعة · قادتني قدماي دون وعي إلى منزل الصديق القديم ، منزل تقليدي لا يزال يحتفظ ببريقه القديم الأخاذ ولم يتحول إلى أطلال ، خرائب لا تنصت ولا تجيب · تساؤلاتي للساكنين في الجوار باءت بالفشل ، لقد أقدمت على هذه الخطوة للمرة الألف ، وربما أكثر ·
 
عند الظهيرة زينت وجهي الشاحب بابتسامة صفراء ، ومضيت باختيال كاذب ترافقني أشعة الشمس الحارقة إلى منتزه المحرق القديم المشهور باسم الكازينو· تجاهلت نداءات المسكينة أمي ولم أرتد ما يقي مخي لأنني ، ببساطة، لا أخاف على محتوياته البالية ·
 
الوقت لا يزال مبكراً للارتياد ، ولكنني لا أدخل المنتزه مطلقاً ، أكتفي بالتربع عند البوابة الحديدية مشاركاً رقية البيع في متجرها المتنقل في عربه خشبية ، متمتعاً أكثر بالوجوه الوالجة للمرح المجاني ·
 
كانت الساعة حوالي الثانية والنصف عندما وصلت إلى المكان المقفر إلا من الحارس الآسيوي الفخور بملابسه الوطنية · حميت مؤخرتي من حرقة الإسفلت مستعيناً بقطعة من الكرتون منتظراً قدوم رقية لكي أساعدها في دفع عربتها لتعتلي الرصيف ، ثم في تفريغ حمولتها ، بضاعة تافهة موجهة للصغار ، ألعاب بلاستيكية رخيصة من تايوان ، بالونات ، قبعات ورقية ، ألعاب نارية مهربة ، أنواع غريبة من الحلوى واللبان ، وأخيراً صندوق معدني يحتوي على خليط من مشروبات غازية وعصائر ·
 
مضت نصف ساعة تغلي ، ولا أثر لها بعد · قررت أن أغير موقعي مؤقتاً هرباً من حرارة الشمس الفظيعة · اخترت مكاناً تظلله شجرة لوز تمرد نصفها للخارج · كانت فرصة ذهبية نادرة سنحت لي بسبب قلة المرور في الشارع كي أنال إغفاءة، لكن سرعان ما استيقظت على صوت عجلات سيارة مراهق تعمد إفزاعي من نومي · لعنته في البداية ثم أشفقت عليه وأمثاله من المراهقين الذين يفتك بهم الفراغ ·
 
بدأ الرواد بالزحف على الحديقة ، زحف بطيء في مثل هذه الساعة التي تقارب الرابعة حيث الشمس لم تتنازل بعد عن سطوتها الشعاعية اللاسعه · رقية لم تحضر بعد ولا أدري ما الذي أخرها وعطلها حتى هذا الوقت · لم تفارق مكانها منذ سنين· لم يثنها المرض أو الكسل عن التغيب يوماً واحداً ، ولم تعرف الإجازات في حياتها المجهولة · لعمري لم أعرف أحداً يعشق عمله مثلها · باختصار شديد هذا يوم يتيم ، ومعتم كما يبدو في حياة رقية ·
Page 8
بسطت قامتي الطويلة ليرتطم رأسي بغصن جاف ذو نهاية حادة · ألم خفيف بدأ يسري من مقدمة رأسي وحتى سقف الحلق الجاف · بلعت غصة كادت تقطع تنفسي ، ومشيت بمحاذاة السور الواطئ ، بينما يداي تعبثان بقضبانه · يتعلق الصدأ بتشققات اليدين · توقفت عند المكان الذي تتخذه رقية مقراً لبقالتها المتنقلة · لقد صدق حدسي وبات المكان محتلاً من قبل بائعة أخرى ·
 
طيبة هي المخلوق الوحيد الذي يكره رقية ، ولا أدري لماذا تختزن هذه العجوز الحاقدة كل هذه الكراهية المفتعلة ضد صديقتي العزيزة ، هل بسبب توفيقها في البيع· أو بسبب محبة صغار الرواد لها أم بسبب قلة رواد بقالتها؟
 
وقفت أمامها ولم أستطيع تجاهل نظرات نشوة الانتصار المزيف الممتزجة بفرحة الانتقام · ليتني أستطيع انتزاع البرقع الأسود الذي لا يظهر إلا عينيها الخائنتين لكنت كشفت زيف هذا الانتصار الباهت · هذا التحدي الأخرق الذي تتشدق به طيبة لم يقف سداً منيعاً عن مقتها ، وهي التي تتحين المحن والمآسي من أجل الانتقام · رمقتني الشمطاء باحتقار ثم سددت لي ضربة بعصاها تفاديتها في اللحظة الأخيرة · لقد أصبح مصيري كمصير الأطفال المشاغبين لبقالتها · أخذت تصيح متوعدة :
 
- ابتعد عن وجهي أيها القذر ، وإذا كنت تعتقد بأنك تستطيع زحزحتي عن هذا المكان ولو مقدار شبر فأنت مخطئ ، هل تفهم أم تريدني أن أفهمها لفأر من البلاعة القريبة حتى ينقلها لك بوضوح أيها القذر ·
 
إنها تحقد علي ، ولها مطلق الحرية في هذا الشعور القاتل بعد أن عاونت رقية بنشاط ولهفة في قذف حاجيات بقالتها في الشارع بعد مشاجرة حامية حول أحقيتها في المكان إن وصلت قبلاً· كنت في ذلك الوقت معذوراً ومدفوعاً بإحساس غريب لم أستطيع التحقق من هويته · وجدت نفسي أنحاز بلا مبالاة صوب رقية ، متخلياً عن حيادي الجبان · منذ ذلك الوقت توطدت صداقتي برقية ·
 
اقتربت منها أكثر ، بحذر شديد ، وبملامح حاولت قدر الإمكان تطويعها كي تصبح ودودة· لوحت ثانية بالعصا ، وطوحتها في الهواء بحركات بهلوانية مقصودة ، غير متقنة · إنها تتحدى بهذه الحركات الخرقاء شيخوختها الذابلة ، وتقاوم شبابي المتقد · إنها تدرك في الغالب شجاعتها التي ستتحدى جبني ، تثق في غلبتها · تكلمت بالوعيد والتهديد :
 
- قل للشمطاء التي أرسلتك بأنها لن تقتلعني من هذا المكان إلا في حالة واحدة لا يمكن أن تتحقق بمشيئتها ···
Page 9
ثم تابعت في خفوت رهيب ، وعيناي لا تفارق تطويح العصا الغليظة التي لم تتوقف :
 
- .. جثة هامدة ، هل تفهم أيها الغبي · مغادرة هذا المكان بعد اليوم تعني موتي· أذهب وأخبرها بأنني أنوي المبيت هنا رغم أنف الجميع · ماذا تظن نفسها المجنونة ، لا تستطيع هذه الشمطاء الصمود في وجهي كثيراً · المسألة كانت تحتاج للوقت والفرصة ، ولقد ملكتهما الآن· إنها لحظة انهيارها التي حانت فلا تتردد وعاونها ، إنها تحتاج للمخنثين أمثالك للوقوف معها في هذه المحنة البائسة ·
 
تجمدت في مكاني بينما كنت أرتعد في الداخل · رعدات مهتاجة تجتاحها رغبة جامحة للطفو على السطح · ابتسمت بزيف ، مرغماً حتى أحتوي ثورتها المجنونة التي كانت تتأجج كلما استرسلت في قذف سبابها · تركتها حتى أنهت كل ما في جعبتها الممتلئة بالسباب والشتائم البذيئة· قلت بلهجة متعقلة :
 
- الإنسان يا عزيزتي كائن ضعيف مهما تشدق بقوته وجبروته، ولكل منا لحظات من الشموخ ، وأخرى تهوي به ·
 
نظرت إلى ملامحي بتعجب · رسمتني بنظراتها الكاوية من قمة الرأس الأشعث وحتى أخمص القدمين الممتشقتين وكأنها لا تصدق أن تصدر هذه الكلمات من وسخ مثلي · قالت والحدة لم تفارق نبرات صوتها المبحوح :
 
- إذا كانت لديك كل هذه الشجاعة الوقحة فلماذا لا تتوجه بها إلى صديقتك الوسخة وتطلب منها أن لا تنثر نجاستها على الناس الشرفاء · هيا قم وانقل لها كل كلمة نطقت بها ، ولا تنسَ أن تصف لها تعبير وجهي ونبرات صوتي · قل لها أيضا أنك فشلت في مهمتك المستحيلة كتلميذ خائب · الإخفاق ليس عيباً · ستعاقبك ، وقد يكون العقاب قاسياً عليك ، لكنك ستتعلم النجاح في المرات القادمة ، حتماً ·
 
سارعت على الفور إلى نفي هذه التهمة الشائنة ، الباطلة، وقلت بأدب جم لا يبدو أنه مصطنع :
 
- صدقيني لم آت لهذا السبب ·
 
ردت والتعجب يتسرب على سطح البرقع الأسود ، العتيق :
 
- من يدري فقد تكون هذه مناورتك الأخيرة لتفادي هزيمة منكرة من امرأة ضعيفة ·
 
- لماذا تفسرين دائماً الأمور من منطلق المؤامرات ، لماذا كل هذه العصبية والإنفعال؟
 
- في الحقيقة أنا في حيرة بين غبائك البين ، والتظاهر به ·
 
- وماذا سأجني من خلافاتكما أو حتى اتفاقكما ، أنا مجرد واسطة خير لا أكثر ، يجب أن تصدقيني ·
Page 10
نهضت من مكانها فجأة وعدلت من وضع العباءة في سرعة مذهلة لا تتحملها سنها الكبيرة، رفعتها فوق مستوى الأرداف ، ثم صرخت بقوة حتى تنبه المارة الذين تكاثروا في هذا الوقت :
 
- يا لوقاحتك ، أسأل نفسك أيها الفأر أولاً ماذا جنيت عندما عاونت الفاجرة في قذف محتويات بضاعتي التي أسترزق منها إلى الشارع الذي لا يرحم؟ إذا كنت تتناسى فذاكرتي لا يمكن أن تلغي هذه الحادثة التي كادت تؤدي إلى حتفي · إذا كنت قد نسيت فأنا مازلت أشعل ذاكرتي بالحقد تحيناً للفرصة المناسبة ، و هاهي قد حانت على طبق من ذهب للأخذ بثأري ، ليس منها فقط، بل و منك أيها الفأر القبيح ·
 
ار تبكت كما لو لم أرتبك في حياتي قط ، وطفقت أحك جلدة رأسي القذر كما لو كنت أحاول أن أستخلص أسرع الحلول للخروج من هذا المأزق ، ربما ·
 
- بفضلك أنت فقط انتصرت علي البومة ، كيف ستجيبني على هذا القهر الذي يقتلني؟
 
فعلاً كيف سأجيب على هذا التساؤل القاتل ، فأنا أيضاً منذ ذلك اليوم أبحث عن إجابة شافية ولم أوفق · كل كلمة تفوهت بها هذه العجوز صحيحة ولا غبار عليها · لقد صدقت عندما وصفتني بالتلميذ الخائب فقد عجزت عن التوصل إلى حقيقة مقنعة · لا يمكنني الآن إلا ارتجال بعض الأعذار الواهية ، والجهاد بجعلها صادقة ، وعفوية :
 
- الأمر مجرد تعاطف مجنون ، تهور ، شفقة ، أشياء من هذا القبيل دفعتني للمساعدة عندما سمعت استغاثتها ، وهذه هي غلطتي التي أندم عليها ·
 
هدأت ثورتها بعض الشيء ولكنها لم تتلاشَ · قالت بعد أن رجعت لجلستها:
 
- لا أعتقد فأنت تكذب · هناك شيء آخر في أعماقك لا يمكنك البوح به ، شيء مدفون في أحشاء قلبك ·
 
تصنعت بمنتهى الصعوبة ضحكة مشلولة ، واضحة · أحسست بحركة غير عادية في عضلات وجهي · قلت محاولاً قدر الإمكان إلا يفضحني ارتباكي :
 
- هاتي ما عندك ·