eKtab
EN ع
حارس التبغ
Read free sample

حارس التبغ

by علي بدر

Page 1
بيوغرافيا، خرائط، ووثائق خاصة
 
في الخامس من فبراير من العام 2006 وجدت جثة الموسيقار العراقي كمال مدحت مرمية على مقربة من جسر الجمهورية على نهر دجلة، من جهة الرصافة·· كان قد عثر على الجثة بعد أقل من شهر تقريباً على اختطافه على يد جماعة مسلحة من محل قريب من منزله في مدينة المنصور·
 
نشرت الصحف العراقية خبر وفاته مثل أي خبر آخر، وبلا تفاصيل، لكن الانعطافة الحقيقية التي حدثت هي حينما نشرت صحيفة التودي نيوز الأميركية خبراً ذكرت فيها أن الموسيقار العراقي كمال مدحت هو يوسف سامي صالح من عائلة قوجمان هاجر إلى إسرائيل في العام 1950 في عملية أطلق عليها عزرة ونحمية، أي بعد قرار إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود ومصادرة أملاكهم·· كان متزوجاً من فريدة روبين وقد ولد ابنه مئير في العراق قبل عام من هجرته· إلا أن يوسف لم يطق العيش في تل أبيب فهرب إلى إيران عن طريق موسكو في العام 1953، بجواز سفر مزور باسم حيدر سلمان، وفي طهران تزوج من طاهرة ابنة التاجر الثري إسماعيل الطباطبائي التي ولدت له ابنه حسين، ودخل بغداد مع عائلته في العام 1958، وبقي في بغداد حتى العام 1980 حيث تم تهجيره إلى طهران كونه من التبعية الإيرانية، وقد توفيت زوجته طاهرة أثناء التهجير، وسجن ابنه حسين أكثر من ثلاثة أعوام، ثم أطلق سراحه وتم تهجيره إلى إيران أيضاً، إلا أنه لم يعثر على والده هناك·
 
عاش حيدر سلمان في طهران أكثر من عام لاجئاً، ثم استطاع الهرب إلى دمشق نهاية العام 1981 بجواز عراقي مزور باسم كمال مدحت، وقد بقي في دمشق أقل من عام، تزوج هناك من سيدة عراقية ثرية اسمها نادية العمري، ودخل بغداد أول العام 1982 بجوازه المزور، ولدت له نادية العمري ابنه عمر في بغداد، وفي الثمانينات أصبح أشهر موسيقار في الشرق الأوسط·
 
هذا موجز للخبر الذي نشرته الصحيفة الأميركية بعد العثور على جثته في بغداد بخمسة أيام·
Page 2
بعد يومين من نشر الخبر في الصحيفة الأميركية، اتصلت بي صحيفة التودي نيوز الأميركية وطلبت مني الذهاب إلى بغداد وكتابة ريبورتاج بألف كلمة عنه، على أن لا ينشر هذا الريبورتاج باسمي إنما باسم جون بار وهو أحد المراسلين المهمين في الصحيفة، وهو ما يطلق عليه في العمل الصحفي البلاك رايتر، وهو كاتب يذهب إلى المناطق الخطرة لكتابة تقرير صحفي عن موضوعة ساخنة لكن التقرير ينشر باسم أحد الصحفيين الكبار في الصحيفة، أما الصحفي المحلي فلا يتقاضى سوى ثمن أتعابه، كما طلبت وكالة التعاون الصحفي والأي سي ميديا آند نيوز وضع كتاب شامل عن حياته، مع تغطية مستلزمات سفري إلى المدن التي عاش فيها، على أن يكون هذا الكتاب مدعماً بمعلومات وثائقية ومقابلات حقيقية، وقد زودتني بالكثير من الوثائق، والصحف، والرسائل، وهيأتني لمقابلة عدد من الأشخاص الذين تعرفوا عليه من مختلف الأماكن في العالم، ثم خطط لي أن أسافر إلى المدن التي عاش فيها، وهي بغداد حيث بقيت في مكتب الوكالة الكائن في المنطقة الخضراء أكثر من شهر، ثم زرت طهران وتتبعت الأماكن التي قطن فيها إبان ذاك، وبقيت شهرين في دمشق لتغطية المحطة الأخيرة لهجرته·
 
صورة وصفية عن كمال مدحت
 
ومن أجل تسهيل العمل على هذه الشخصية الملغزة قمت بتجميع مجموعة من الخيوط لتكوين صورة وصفية عن كمال مدحت:
 
فهو شخص طويل القامة، نحيل جداً، بشعر طويل ولحية خفيفة، يرتدي نظارة ذات إطار بلاستيكي، أنيق الملبس، علاقاته النسائية متعددة وعواطفه غامضة، اهتماماته موسوعية، مثل الفن الحديث، الشعر، الرواية، العلوم السياسية، له إيمان كبير بالقوى الغامضة، غير محدد من جهة مواقفه السياسية، قراءاته الفلسفية واسعة ولكنها انتقائية·
 
كما كان كمال مدحت عازف فيولون (كمان) ماهراً جداً، حصل على العديد من الجوائز العالمية في الموسيقى، وهو يجيد القراءة والتكلم بست لغات: العبرية والعربية اكتسبهما من خلال العائلة، الإنكليزية والفرنسية درسهما في مدارس بغداد، الروسية درسها أثناء دراسته للموسيقى في كونسرفتوار جايكوفسكي في موسكو، والفارسية تعلمها أثناء وجوده في طهران·
Page 3
هذه هي الصورة الوصفية التي يمكن تكوينها عنه، وأثناء العمل على كتابة سيرته حدثت لي مجموعة من المفاجآت التي غيرت مجرى كتابتي برمتها، منها عثوري على كتاب شعر في منزله، وقصيدة أجنبية كان قد علق عليها من المهم ذكرها هنا قبل البحث في تفصيلات هذا التأثير:
 
في الواقع حين زرت منزل كمال مدحت في المنصور، أثناء التحقيق في مقتله وجدت كتابين، الأول هو مذكرات عازف الفيولون الفرنسي ستيفان غرابيلي، وكتاباً آخر باللغة الإنكليزية، أحمر الغلاف، مرمياً على طاولة صغيرة من خشب الساج في حجرته، وهو ديوان دكان التبغ للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، وقد علق على القصائد بقلم الرصاص تعليقات وشروحًا كثيرة، وحينما خرجت من المنزل كنت أخذت هذا الكتاب معي، ولم أقلبه أول الأمر، بل وضعته في درج مكتبي إلى اليوم التالي، في البداية لم أكن أعلم مغزى هذ الديوان وأهميته في حياته، وفي الصباح بدأت بقراءته، وقراءة تعليقاته عليه وشروحه على قصائده، فهالني ما وجدت، لقد أدركت أن في هذا الكتاب الكثير من أسرار حياته، حينها تحولت إلى دراسته وفهمه، لأن فيه إلى حد كبير بعض المفاتيح الأساسية لحل أسرار حياته وألغازه·
 
يقدم بيسوا في ديوان دكان التبغ ثلاث شخصيات مختلفة، وهم عبارة عن ثلاث حالات تقمص، كل شخصية من هذه الشخصيات المخترعة هي وجه من وجوه بيسوا، مقدماً لكل واحدة منها اسماً خاصاً بها، وعمراً محدداً، وحياة مختلفة، وأفكاراً وقناعات، وملامح مختلفة عن الشخصية الأخرى؛ وكل مرة يطور شكلاً للهوية أعمق وأكثر اتساعاً، ولكننا نصل فيما بعد إلى التباس حقيقي للهوية، الشخصية الأولى لحارس القطيع واسمه البرتو كايرو، والثانية للمحروس وهو ريكاردو ريس، والثالثة للتبغجي وهو الفارو دي كامبوس، فنجد أنفسنا فجأة أمام لعبة ثلاثية الأطراف، أو رسم تكعيبي ثلاثي لوجه واحد·
 
وهكذا قد فعل كمال مدحت، فكانت له ثلاث شخصيات، كل شخصية لها اسم، وعمر، وملامح، وقناعات، ومذهب مختلف عن الشخصيات الأخرى، فسامي صالح هو الموسيقار اليهودي، الليبرالي والمتنور، ولد في العام 1926 في بغداد، وحين بحثت في موسوعة الموسيقى العراقية وجدت تاريخ وفاته في العام 1955 في إسرائيل (الغريب أن كمال مدحت هو الذي كتب عن حياة سامي صالح وحيدر سلمان في موسوعة الموسيقى العراقية)، وحين دخل طهران اتخذ لنفسه شخصية حيدر سلمان، وهو موسيقار ولد في عائلة شيعية متوسطة، وتاريخ ولادته أكبر من شخصيته الأولى بعامين، وقد ارتبط بالحركة الشيوعية طوال الستينيات، وتقول موسوعة الموسيقى العراقية إنه توفي في طهران في العام 1981، وحين دخل من دمشق إلى بغداد دخل بشخصيته الثالثة وهي شخصية كمال مدحت وهو الموسيقار المعروف، ولد في عائلة من التجار تقطن في الموصل في العام 1933، وهي من كبار العائلات السنية، وقد ارتبط بعلاقة خاصة مع السلطة السياسية في بغداد في الثمانينات، وأصبح من المقربين من الرئيس صدام حسين· 
Page 4
 وهكذا بينت حياته بشكل لا لبس فيه زيف ما كانوا يطلقون عليه الهوية الجوهرية، ذلك لأن حياته تبين إمكانية التحول من هوية إلى هوية عبر مجموعة من اللعبات السردية، فتتحول الهوية إلى قصة يمكن الحياة فيها وتقمصها، وهنا يطلق هذا الفنان ضحكة ساخرة من صراع الهويات القاتلة عبر لعبة من الأسماء المستعارة والشخصيات الملتبسة والأقنعة الزائفة، وفي غمرة الحرب الطائفية في بغداد قبل مقتله، زاره أبناؤه الثلاثة، فكشفوا عن هذا الإسقاط الهوياتي بصورة واضحة، فمئير يهودي من أصل عراقي هاجر من إسرائيل إلى أميركا، والتحق بالمارينز وجاء ضابطاً في الجيش الأميركي إلى بغداد، وهو ثمرة شخصيته الأولى، وحسين بعد تهجيره إلى طهران ارتبط بهوية شيعية، وانتظم في الحركة السياسية الشيعية وهو ثمرة شخصية الأب الثانية، وعمر كان سنياً يحاول أن يدعم هويته من تراجيديا إزاحة السنة عن الحكم في العراق بعد العام 2003 وهو نتاج شخصيته الثالثة، وكل واحد منهم كان يدافع عن قصة مصنوعة ومفبركة ومزودة بالكثير من العناصر السردية والوهمية، والتي يعيش كل واحد منهم فيها بوصفها حقيقة·
 
وهكذا تبينحياة كمال مدحت أن الهوية ترتبط على الدوام بواقعة سردية، فهي حكاية تلفق أو تفبرك أو تسرد في لحظة هي مطلقة الاعتباطية، في لحظة تاريخية مموضعة يتحول الآخرون فيها إلى آخرين، وأغراب، وأجناب، ومنبوذين أيضاً· وهكذا تبين حكاية هذا الفنان أن الهوية هي حركة من حركات التموضع وسياسته، فما إن تجد لها موضعاً في حركة تاريخية معينة، حتى تغيره في لحظة تأريخية أخرى، فكل هذه المجاميع التخييلية تبدأ بسرد مفبرك ومخترع لتنفي الاختلاط وتداخل الهويات، كما أنها تكشف عن هذه الأطر المتوهمة والمصنوعة والمفبركة في لحظة تاريخية معينة، فهي مفتريات روائية Fiction، وهي سرد Naration فكل جماعة وهي تفقد جذورها في الزمان فإنها تعمد إلى استعادة أفقها المفقود، ولا يمكن لها استعادته إلا من خلال السرد والخيال
Page 5
بيوغرافيا صغيرة
 
وهكذا كلما كنت أتوغل في قراءة ديوان بيسوا أتعرف على هذه الشخصية المثيرة، وقبل سفري إلى بغداد كنت جمعت معلومات كثيرة ومفصلة عن حياته، وقبل الشروع بكتابة السيرة بدأت بتهيئة خرائط مدن الشرق الأوسط التي كانت محطات رحلته، ثم قمت بعمل بيوغرافيا صغيرة عن حياته:
 
1926: في الثالث من نوفمبر، ولد يوسف سامي صالح من عائلة قوجمان وهي عائلة يهودية عراقية من الطبقة الوسطى، أي إنه ولد في العام ذاته الذي تم فيه توقيع المعاهدة العراقية-البريطانية كتعديل لمعاهدة عام 1922، وقد صادق عليها البرلمان العراقي في 18/1· وفي العام ذاته ولد بدر شاكر السياب، أهم شاعر عراقي حديث، وولد فؤاد التكرلي أهم روائي عراقي حديث· وقد عاش يوسف بن سامي صالح في شارع الرشيد، في محلة التوراة وهو حي يهودي من الأحياء القديمة جداً في بغداد، كانت تقطنه الكثير من العائلات اليهودية قبل منتصف القرن الماضي·
 
1927: تدفق النفط في بئر رقم واحد في العراق، السائل الذي سيلعب الدور الأكبر في صياغة تاريخ البلاد ومستقبلها·
 
1932: أصبح العراق العضو رقم 57 في عصبة الأمم المتحدة كأول دولة عربية مستقلة، وأعلن نهاية الانتداب البريطاني رسمياً·
 
1933: درس يوسف سامي صالح موسيقى الكمان على يد عازف أرمني متخرج من كونسرفتوار جايكوفسكي في موسكو· في العام ذاته صدر أول بيان شيوعي في العراق، كتبه (فهد) القائد التاريخي للحزب الشيوعي العراقي·
 
1934: حصل يوسف سامي صالح على منحة من رجل ثري يقرب والدته للسفر إلى موسكو، حيث أتيح له الاستماع إلى أعمال أوركسترالية، ومؤلفات لموسيقى الحجرة في قاعات البولشوي، وزار جمعية المؤلفين الروس، وأكاديمية الموسيقى، ومسرح الأوبرا في مدينة بريانسك·
 
1936: بثت إذاعة بغداد برامجها لأول مرة، فعزف يوسف سامي صالح موسيقى لموزارت· حدث في هذا العام التاريخي أيضاً انقلاب الفريق بكر صدقي على حكومة ياسين الهاشمي، وهو أول انقلاب عسكري في العراق، وفي المنطقة العربية· أكمل دراسته للموسيقى عند دخوله المعهد الموسيقي العراقي والذي كان يرأسه ذلك الوقت جوليان هرتز، ومن ثم أسهم في تأسيس جمعية بغداد الفولهارمونيك مع بطرس حنا، وساندو ألبو، وجميل سعيد، وأندريه تورير·
Page 6
1941: في العاشر من آذار التقى يوسف سامي صالح بعازف الكمان الروسي الشهير ميشيل بوريزنكو (M. Boricenco)، وقدم أمامه أول عزف منفرد على آلة الكمان لباخ وباغانيني وإيساي Bach, Ysaye, Paganini، على صالة صغيرة في النادي الإنكليزي في بغداد، وتقديراً وإعجاباً لعزفه أهداه كماناً وقوساً راقيين· وفي شهر مايس من العام ذاته اندلعت الحرب العراقية-البريطانية، مصحوبة بثورة قومية متأثرة بالنازية، وحالة فوضى هائلة تعم البلاد، وتعرضت الطائفة اليهودية إلى الاعتداء والنهب والسلب والقتل، حيث أحرقت مسعودة دلال خالة يوسف سامي صالح أمام عينيه، ونهبت أموالها·
 
1946: تم تشكيل الوزارة السعيدية التاسعة يوم 21 تشرين الثاني، وصادف أيضاً وصول المطربة المصرية أم كلثوم إلى بغداد، وإقامتها في فندق (قصر دجله) في شهر مايس، وقد أحيت بعض الحفلات الغنائية بمناسبة عيد ميلاد الملك فيصل الثاني· وفي العام ذاته افتتح (استوديو بغداد) والذي يعتبر البداية الفعلية لتاريخ السينما العراقية·
 
1948: تم توقيع معاهدة بورتسموث بين رئيس الوزراء العراقي صالح جبر ووزير الخارجية البريطاني بيتفن، فأعلن الطلاب الإضراب العام، والقيام بمظاهرات سلميه لمدة ثلاثة أيام، مع الهتاف بسقوط مجلس النواب والوزارة، حينها أصدر نائب رئيس الوزراء بياناً استفز فيه الطلاب المتظاهرين، وأمر الشرطة بضرب المظاهرات بالرصاص، فسقط العديد من الطلاب قتلى وجرحى على الجسر، بعدها بيوم واحد اقتحمت سيارات الشرطة بناية المستشفى الملكي في الباب المعظم عند تسلم جثث الطلاب، وفتحت النار، فقتلت طلاباً آخرين من كلية الصيدلة·
 
بعدها بدأت حرب الثمانية والأربعين، وهي نكسة العرب وإعلان دولة إسرائيل·
 
وفي العام ذاته حصل يوسف سامي صالح على جائزة الملك فيصل للعزف على الكمان، وبدأ سلسلة حفلات في النادي الإنكليزي، حضرتها أهم العائلات البغدادية، حيث برع في تطويع الكمان لأصابعه ولا سيما في سوناتا الكمان المنفرد لباخ Bach، وفي العام ذاته تزوج من فريدة روبين·
 
1949: صادف إعدام قادة الحزب الشيوعي المؤسسين يوسف سلمان (فهد)، وحسين محمد الشبيبي (حازم)، وزكي بسيم (صارم) علناً في شوارع بغداد· وفي نهاية العام ولد مئير ابنه الوحيد من فريدة روبين·
Page 7
1950: وصول (محمد ظاهر شاه) ملك الأفغان إلى بغداد يوم 21 آذار في طريقه إلى أوربا·
 
تأسيس (جماعة الرواد) الفنية من بعض الفنانين التشكيليين في بغداد· إصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود· وقد هاجر يوسف سامي صالح إلى إسرائيل في عملية أطلق عليها عملية عزرة ونحمية، حيث تم السماح لمجاميع كبيرة من العائلات اليهودية بالهجرة أوان ذاك، بعد الاستيلاء على عقاراتهم ومصادرة أملاكهم·
 
1952: انتقل يوسف سامي صالح إلى تل أبيب ليعيش في كيوبتس كفار Kfar·
 
1953: رحل إلى موسكو لحضور حفلة موسيقية وزيارة كونسرفتوار تشايكوفسكي، حيث تعرف على عازف الكمان الشهير سيرجي اويستراخ ( Sergey Oistrakh)، وساعده الأخير على الهرب إلى إيران أيام حكم الشاه رضا بهلوي، مروراً ببراغ حيث تعرف على عازف الكمان الشهير كارل باروش، وبدأت بينهما صداقة لم تنته إلا بوفاة الأخير· في العام ذاته بدأ حياة جديدة في طهران باسم حيدر سلمان، حيث احتضنته عائلة الثري العراقي إسماعيل الطباطبائي، وتزوج من ابنته طاهرة، وبدأ سلسلة حفلات في دار الأوبرا في طهران، وتعرف على أشهر العازفين الإيرانيين·
 
1955: عقد الاجتماع الافتتاحي لدول (ميثاق بغداد) المؤلف من (العراق، إيران، تركيا، باكستان، والمملكة المتحدة) في يومي 21ـ 22 تشرين الثاني في بغداد، وفي يوم 25 تشرين الثاني أعلنت الصحف الإسرائيلية خبر وفاة يوسف سامي صالح بالاعتماد على خبر نشرته زوجته فريدة روبين·
 
1956: العدوان الثلاثي على مصر عقب تأميم عبد الناصر لقناة السويس، مظاهرات صاخبة في بغداد وفي أكثر العواصم العربية·
 
1957: في الثالث من أيلول عزف يوسف سامي صالح عزفاً منفرداً للمقطوعة رقم 4 من دى مول ل: هنري فيوتان، بعبقرية مطلقة وتنغيم مرهف أمام الطبقة الأرستقراطية الإيرانية·
 
1958: في الرابع عشر من تموز أعلن عن انقلاب عسكري في بغداد بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وتم إعلان الجمهورية بدلاً من الملكية، حيث أصبح عبد الكريم قاسم رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع، ورافق الانقلاب مجزرة قصر الرحاب، حيث قتلت العائلة المالكة مع النساء والأطفال·
Page 8
(دخل يوسف سامي صالح العراق باسم حيدر سلمان، ولد في بغداد في العام 1924، درس الموسيقى في موسكو وطهران، وعائلته من تجار سوق الاستربادي في الكاظمية) وولد في العام ذاته ابنه حسين·
 
1959: تعرف حيدر سلمان على النحات الكبير جواد سليم، ودخل الأوساط الثقافية ولا سيما جماعة بغداد للفن الحديث، وفي هذا العام قدم حفلات موسيقية متنوعة، منها معزوفات باغانيني بأسلوب ساحر، ثم برع ذلك الوقت في عزف باخ··
 
أشيع في تلك الفترة عن علاقة بينه وبين الرسامة المعروفة ناهدة السعيد·
 
1960: بدأ بالتأليف الموسيقي، وذهب إلى موسكو عاماً واحداً للدراسة في كونسرفتوار موسكو على القيادة والتأليف الموسيقي·
 
1961: في الخامس من آب، فاز بمسابقة ملكة بلجيكا السابقة إليزابيث، وأقامت الملكة حفلاً وزعت فيه الميداليات التقديرية على الفائزين·
 
1963: في الثامن من فبراير حدث انقلاب عسكري بقيادة البعث والقوميين أطاح بحكم الزعيم قاسم، وقد حدثت مقاومة شعبية ضارية قادها الشيوعيون استمرت عدة أيام· أصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، وتم إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم، وفاضل عباس المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وأعقبتها مجزرة كبيرة ضد الشيوعيين راح ضحيتها الآلاف، ومن ضمنهم زعيم الحزب الشيوعي سلام عادل الذي مات أثناء التعذيب·
 
وفي نهاية فبراير من العام ذاته تم تهريب حيدر سلمان إلى طهران، ومن طهران وصل إلى موسكو، حيث كانت زوجته طاهرة بانتظاره، بينما أعدمت الرسامة ناهدة السعيد شنقاً·
 
1964: في الخامس والعشرين من شهر آب بدأ حيدر سلمان بتدريس الفيولون في كونسرفتوار تشايكوفسكي، وتعرف على أشهر العازفين الروس، وأشيع عن علاقة بينه وبين عازفة البيانو الروسية ماريا إيفانوفا·
 
1965: اشترك بمسابقة جاك تيبو بباريس·
 
1966 : اشترك في مسابقة ليفنتريت في نيويورك والتي أقيمت في قاعة كارنيجي·
Page 9
1967: في الخامس من حزيران، حدثت حرب الأيام الستة، وقد احتلت إسرائيل سيناء من مصر، والجولان من سوريا، والضفة الغربية الفلسطينية· فقاطع حيدر سلمان العزف مع أوركسترا السيمفوني لمدينة نيويورك احتجاجاً على العدوان وعاد إلى العراق، وانتهت بذلك علاقته مع العازفة الروسية ماريا إيفانوفا·
 
1968: في السابع عشر من تموز حدث انقلاب البعثيين في بغداد، وقد أصبح أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية، وصدام حسين نائباً له، وتم نفي رئيس الجمهورية المخلوع عبد الرحمن عارف إلى تركيا·
 
1969: أعلن الشيوعيون الكفاح المسلح ضد البعثيين وقادوا ثورة جنوب العراق في الأهوار، غير أن الثورة فشلت وتم اعتقال عزيز الحاج رئيس القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الذي أدلى باعترافات مفصلة أدت إلى القبض على جميع أعضاء المكتب السياسي، وفي العام ذاته أقدم البعثيون على إعدام مجاميع كبيرة من السياسيين بتهمة التآمر، وتم إعدام مجموعة من التجار علناً بتهمة التجسس في ساحة التحرير ببغداد، وسط صخب الجماهير والغوغاء·
 
1974: في الأول من شهر فبراير، هاجر ولده مئير من إسرائيل إلى أميركا، حيث تجنس بالجنسية الأميركية هناك، والتحق بقوات المارينز·
 
1979: حدثت الثورة الإيرانية، وفي السادس من آيار عاد الخميني إلى قم بينما رحل الشاه نهائياً عن إيران، وفي العام ذاته قاد صدام حسين انقلاباً سرياً وتولى مقاليد السلطة، بينما تنحى أحمد حسن البكر عن جميع مناصبه، وأعقبها مجزرة حزب البعث وتصفية جميع قياداته غير المنضوية تحت نفوذ صدام حسين·
 
1980: في الرابع من شهر أيلول، بدأت الحرب العراقية الإيرانية، وتم إعلان إسقاط الجنسية العراقية عن المواطنين العراقيين من التبعية الإيرانية وتم تسفيرهم إلى إيران، بعد مصادرة أملاكهم وتصفية الشباب بين الخامسة عشرة والأربعين· وقد تم ترحيل حيدر سلمان مع زوجته طاهرة بعد أن صودرت أمواله، ومنزله وأملاكه، ورمته أوان ذاك السلطات العراقية هو وزوجته في شاحنة على الحدود الإيرانية، توفيت زوجته طاهرة التي كانت مريضة على الحدود، وأودع ابنه حسين السجن في بغداد، في عملية احتجاز للشباب العراقيين من أصل إيراني، تم تصفية البعض، والبعض الآخر تم تسفيره إلى إيران·
Page 10
1981: شهد أيام الثورة في إيران ولاسيما الحرب بين الليبراليين والأصوليين، وأشيع عن علاقة حب بينه وبين باري، ابنة محمد تقي مضيفه في طهران، وفي الثالث من شهر نوفمبر انتقل حيدر سلمان إلى دمشق بجواز سفر مزور باسم كمال مدحت، وهذا الاسم لتاجر عراقي مات في حادث سيارة في طهران، وهو الزوج الثاني لامرأة ثرية عراقية كانت تعيش في دمشق اسمها نادية العمري، أما زوجها الأول وهو سوري الجنسية، فقد قتل في الحرب الأهلية التي دارت في الثمانينات بين البعثيين والإخوان المسلمين·
 
1982: دخل بغداد بهوية تحمل اسم كمال مدحت مصطفى، من مواليد العام 1933 في الموصل، من عائلة تجار بين الموصل وحلب·
 
1983: في الخامس من شهر مارس، ولد ابنه عمر من زوجته نادية العمري· وفي العام ذاته التحق بالفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، حيث لمع نجمه، وأصبح موسيقياً مشهوراً، ولا سيما بعد أن اشترك مع وليد غلمية في عزف سمفونية (الشهيد)، ثم أصبح شخصية فنية معروفة ومقربة من السلطات السياسية ولا سيما الرئيس العراقي السابق صدام حسين· وأشيع عن علاقة له مع عازفة تشيلو في الفرقة السيمفونية الوطنية اسمها وداد أحمد، كانت مسئولة عن توطيد علاقته مع النظام الحاكم ذلك الوقت، وأشيع أيضاً عن علاقة له مع امرأة مشبوهة اسمها جانيت كانت عازفة بيانو فاشلة·
 
1986: في السادس والعشرين من شهر نوفمبر، عزف كمال مدحت فانتازيا مؤلفة شملت حركات الكادينزا (Cadenza) الأولى بشكل رائع في القصر الرئاسي، أمام صدام حسين وبعض رموز السلطة·
 
1988: في الثامن من شهر آب نهاية الحرب العراقية الإيرانية· وبعد الحرب بعام سافر ابنه عمر للعيش عند خالته في مصر·
 
1990: في الثاني من آب، اجتاح الجيش العراقي الكويت وأعلن إقامة حكومة انتقالية فيها، وفي الثامن من الشهر ذاته أصدر العراق قرارا بضم الكويت إليه واعتبارها المحافظة التاسعة عشرة·
 
1991: في السابع عشر من يناير بدأت حرب الخليج الثانية، حيث بدأت قوات الحلفاء بطرد العراق من الكويت بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وفي الرابع والعشرين من الشهر بدأت الحرب البرية، في السادس والعشرين من فبراير وافق صدام حسين على قرار الأمم المتحدة 660 وانسحب من مدينة الكويت التي دخلتها قوات الحلفاء، توفيت نادية العمري التي كانت مريضة ذلك الوقت، والحديث عن علاقة بينه وبين خادمة ريفية اسمها فوزية·