eKtab
EN ع
حارسة نارنا المقدسة
Read free sample

حارسة نارنا المقدسة

by جميل السلحوت

Page 1
تقديم ابراهيم جوهر
 
حارسة نارنا المقدسة حين تكتب إضاءات نقدية حول الكتابة النسوية
 
 لست من القائلين بتقسيم الأدب والإبداع الفني والفكري وفق جنس مبدعه. لكن هذا الإصدار الذي يحمل المداولات النقدية لأعضاء (ندوة اليوم السابع) وقد خصّص لما أنتجته أقلام نسوية، يفرض حضوره، ويرمز إلى الانحياز ذي الدلالة لما تكتبه أقلام نسوية في مجال الأدب الروائي والقصصي، والشعري، وما بات يعرف مؤخرا بـ (النصّ الأدبي) الذي يهرب من التجنيس، بل يتمرد عليه، لأنه يأخذ من كلّ بستان زهرة ، ومن كّل خاصية طرفا
 
 أن تكتب المرأة يعني أنها تنتصر للحياة ابتداء . 
 
وحين تكتب فإنها تكتب بروحها، وعلمها، وعاطفتها، وصدقها، وفكرها. وسيجد الدارس المتفحص خصوصية لما ينتجه القلم النسوي عن رفيقه القلم الآخر. 
 
لذا أجد نفسي منحازا لما تكتبه المرأة الكاتبة سعيا لمعرفة كيفية التعبير عن قضاياها الخاصة والعامة، لأطلّ من نافذة روحها إلى واقعها الذي لا أحد قادر على التعبير عنه أكثر منها، ولا أفضل منها لرسم خيوط معاناتها الإنسانية، والوطنية، في ظل مجتمع محكوم بقوانين الاحتلال، والأعراف الاجتماعية التي قد تحدّ أحيانا من انطلاقتها الإبداعية، وانتمائها الوطني في التعبير عنه بطريقة إبداعية خاصة.
 
لا أضيف جديدا حين أعيد ما بات معروفا من القول: إن المرأة في مجتمعنا تعاني اضطهادا مزدوجا. لذا تكون قراءة إنتاجها الإبداعي ذات وقع خاص، وتعبير مميز، وهي تمتلك التجربة الخاصّة، والموهبة اللافتة، واللغة التعبيرية ذات الإشارات الخاصة بمنتجتها. فاللغة تحمل التعبير عن كاتبتها، ثقافيا ونفسيا .
 
إن المعاناة الوطنية السياسية الواقعية في بلادنا واحدة للشعب الفلسطيني المنكوب، برجاله ونسائه وأطفاله، وما أنتجته الأقلام النسوية في هذا المجال لا يجد ما يميزه عما أنتجه رفيقها الرجل على المستوى السياسي الرافض للاحتلال ، الساعي للحرية وقيم العدالة 
Page 2
يبقى البحث في السطور وما وراءها وما بينها عن معالم الشكوى، والنقد، والمعاناة التي تنقلها في إشاراتها لواقعها الخاص كأنثى في مجتمع تصطرع فيه المفاهيم، وتتعاكس الرؤى، وتختلف الآفاق، فلا أصدق من التعبير عن واقع المظلوم أكثر من المظلوم ذاته، بتجربته، ولغته، وعاطفته، وتعبيره.
 
 سنجد بعد تحليل ما كتبته المرأة الكاتبة جمالا في الأسلوب، وجرأة في الطرح، وتعبيرا عن الهموم والقضايا الإنسانية العامة والخاصة. وسنجد تميزا لافتا للنظر داعيا للتوقف في الكتابة النسوية حين تتحدث بلغة العاطفة الذاتية، والوطنية. وهو تميّز عائد في أحد مسبباته إلى طبيعة تكوين الأنثى الحساس  الصادق، الداعي إلى التربية والتغيير. 
 
 
 
هنا في هذا الإصدار التاسع لمداولات (ندوة اليوم السابع ) ننتصر للمرأة المبدعة. هذه التي تكتب، وتعمل  وتناضل على الجبهة الثقافية لتضيف عبئا آخر إلى جانب أعبائها الأخرى القائمة، وهي تؤكد قدرتها على الإسهام في بناء الوطن .
 
المرأة المبدعة في الأعمال المدروسة هنا ليست كلا واحدا، ولا قلما واحدا ينطلق من موقف محدد المعالم ذي استراتيجية مدروسة مسبقا. بل سنجد التعبير الفني بلغة الأدب والوصف ونقل المشاعر وتاريخ المكان والإنسان، بروح شفافة أحيانا، وبتعبير ساحر أحيانا ...ولكنه قد يسقط في فخ التقليد للأدب الغربي البعيد عن ذائقة القارئ العربي، والفلسطيني تحديدا، حين يتناول قضيته المركزية، ويرسم أفق حلولها بروح قد لا نتفق معها في مستوى الحل السياسي. فالأفكار تختلف هنا، وقد تصل حد التمرد السلبي المعبر عن سورة غضب تدميري منفلت من إطاره الموضوعي الحكيم.
 
ولا عجب هنا، فالأدب بناء فكري يحمل أصوله النابعة من معتقدات كاتبه وفلسفته الخاصة. 
 
المرأة هنا، في هذه الإضمامة من الأعمال المدروسة، شريحة ممثلة  لما يقلق جنسها وشعبها وذاتها 
Page 3
مجموعة (الأفعى والتفاح) القصصية لأنوار سرحان
 
 
 
القدس"16-6-2011 استضافت ندوة اليوم السابع الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس هذا المساء الأديبة الفلسطينية الشابة أنوار أيوب سرحان، ابنة قرية نحف الجليلية لمناقشة مجموعتها القصصية" الأفعى والتفاح" الصادرة عام 2007 عن منشورات معين حاطوم-دالية الكرمل.
 
ومما قاله جميل السلحوت:
 
في باكورة إصدارها الأدبي"الأفعى والثعبان" تطل أنوار أيوب سرحان على القارئ طلة بهية، تنبئ بأننا أمام أديبة شابة واعدة.
 
فمنذ بداية المجموعة تصدمنا الكاتبة بالعنوان"الأفعى والتفاح" وتكتب تحته"سيناريوهات لجرائم محتملة"، وكأني بها تعيدنا إلى غابر الأزمان في صراع المرأة مع الحياة، وما تعانيه مع الفكر الذكوري التسلطي، فحسب الأسطورة الدينية التوراتية، فإن الأفعى هي التي أغوت حواء بأكل تفاحة الجنة، وقامت حواء بدورها بإغواء آدم، فطردهما الربّ من الجنة، ولعن الأفعى التي عاقبها بأن تسير على الأرض زحفا بدون أرجل....فهل أرادت الكاتبة من هذا العنوان أن تعيد إلى الأذهان بأن النظرة الى المرأة لم تتغير، وأن اتهامها بالغواية هو من أجل تجريمها وتبرئة الذكور من وزر أعمالهم؟ وأعتقد أنها تقصد ذلك من خلال ما كتبته تحت العنوان(سيناريوهات لجرائم محتملة) ولا أعلم لماذا اختارت الكاتبة عدم تصنيف نصوصها هذه تحت صنف أدبي معروف، مع أنها في غالبيتها قصص؟ فهل أرادت أن تترك ذلك للقارئ أم ماذا؟
Page 4
قضية المرأة:
 
يتضح من خلال النصوص أن كاتبتنا تحمل هموم وقضايا بنات جنسها، لذا فقد سخرت قلمها للدفاع عن المرأة، وفضح بعض العادات والتقاليد التي تحط من قدرها ومكانتها الإنسانية، بل إنها تعدت ذلك إلى خصوصية معاناة الشعب الفلسطيني- خصوصا من بقوا في ديارهم- وما يعانونه من اضطهاد وعنصرية في مختلف مجالات الحياة، والعربي مشبوه دائما، انظر قصة"فوبيا...وغربة وغزل"ص11 فالساردة كانت مع حبيبها في جلسة نورمانسية في مطعم، لكن عيون ونظرات الزبائن اليهود بقيت تلاحقهما، ثم يأتي شرطي ويحشر الجميع في زاوية قرب المطعم بحجة وجود جسم مشبوه، وهناك تسمع شتيمة العرب"يبدو أن أحد العرب القذرين قد وضع عبوة ناسفة في المطعم"ص12 ، وهناك منعوها بالقوة من الرد على هاتفها النقال، إلى أن جاءت النادلة تقول:"نأسف لإزعاجكم، بإمكانكم العودة الى أماكنكم، كانت تلك عبوة حفاظات للأطفال يبدو أن إحدى الزبائن قد نسيتها...ليس هناك ما يقلق" ومع طرافة النهاية التي سبقتها تصرفات مرعبة، إلا أن هذا واقع مع الأسف، وكأني بالكاتبة هنا تريد أن توصلنا إلى أن الإنسان الفلسطيني يعاني قهرا قوميا وطبقيا، لكن معاناة المرأة تتضاعف من خلال العادات والتقاليد التي تحط من شأن الأنثى، وتجعل الذكور يمارسون عليها اضطهادا آخر أيضا. 
 
وفي قصة"الدّخلة والقربان"نقد وتذمر شديد من العادات والتقاليد السائدة في العلاقة بين العروسين، من الخطبة حتى الزفاف والدّخلة، ففي الكثير من المناطق لا يسمحون للعروسين بالانفراد وحدهما حتى ولو كان عقد زواجهما مكتوب، فالأمّ تحذر ابنتها:"إيّاك أن تسمحي له بلمسك...كوني أمامه محافظة...الرجل لا يحب إلا الفتاة الرصينة...إيّاك أن تضعفي أمامه فيتركك."ص15 ومع أن العروسين كل منهما يشتهي الآخر، إلا أن العادات والتقاليد تمنعهما من الإقتراب من بعضهما حتى ليلة الدّخلة، وعند ليلة الدّخلة فإن الحياء يمنع العروسين من الإنكشاف على بعضهما، خصوصا العروس التي تكون في خوف شديد من عدم حصول ما يثبت عذريتها تلك الليلة، فهي مطلوب منها أن تلقي كل المحاذير التي تربت عليها في لحظة واحدة،"تبوأت مقعدي عند طرف السرير المزدوج...دون أن أخلع فستاني...ذلك الفستان الذي تقضي الفتاة عمرها تحلم بارتدائه...وما أن ترتديه حتى يكون عليها أن تخلع معه كل أثواب الحياء"ص16 وعليها أن تسلم نفسها للمعاشرة الزوجية دون تردد، ويؤرقها خوفها من عدم وجود ما يثبت للعريس وللآخرين عذريتها، وتتذكر ما قالته لها احدى صديقاتها في المدرسة"هناك بنات لا تثبت عذريتهن حتى لو لم يمسسهن أحد"ص17 وهناك سيتنادى الأهل والإخوة والأقارب للدفاع عن الشرف، 
Page 5
 "ستغدو دعارات اخوتي وسقطاتهم كلها طهرا أمام جريمتي"17، فهل الشرف حكر على النساء فقط؟ وهنا نلاحظ كيف تلصق بها تهمة جريمة لم ترتكبها، لكنها قد تخسر حياتها. ومن العادات والتقاليد في ليلة الدخلة عدم ترك العروسين وشأنهما في تلك الليلة، وكأن المعاشرة الزوجية بين العروسين شأن يهم الجميع، وعدم حصول المعاشرة ستتبعه أقاويل كثيرة، وفي القصة هنا...لم تحصل المعاشرة الزوجية، لكن العريس استجاب للعادات والتقاليد، وأنقذ الموقف بطريقة أخرى"خلع حذاءه ومدّ سكّينه الى قدمه، فجرحها عند طرف الكعب وراح يرش على الثوب بضع قطرات من دمه النازف"ص18، ومع جمال السرد في هذه القصة، إلا أنني لم أفهم نهايتها، أو بالأحرى لم أجد ضرورة لها.
 
وفي قصة"وينطفئ ذاك النور" نقد لاذع لتزويج الفتيات من شيوخ طاعنين في السنّ قد يكبرون آباءهن عمرا، وعندما يموت الزوج تبدأ الإشاعات تطارد أرملته، وتشارك النساء أيضا في بثّ الإشاعات، وهنا تعامل الأرامل والمطلقات بعدم السماح لهن بالعمل وعدم السكن وحدهن مع أطفالهن، بل يجب أن يكن تحت رعاية الأهل والإخوة، انظر قصة"سأسجد لهما"ص48 فالمرأة مجبرة على التعايش مع الزوج مهما كان سيئا وشريرا وظالما معها ولها، وإذا ما وافق الأهل على الطلاق فعلى المرأة أن تبقى رهينة البيت، بل إنهم يحرمونها من أبسط حقوقها وهو حقها في الأمومة ورعاية أطفالها، من خلال تجريدها من هذا الحق.
 
اللغة والأسلوب: تملك الكاتبة لغة أدبية جميلة، تتحلى بالبلاغة التي تبرز مفاتن اللغة من خلال التشبيهات والاستعارات والكنايات وغيرها من الفنون البلاغية.
 
ولفت الانتباه أن الكاتبة اتخذت أسلوب السرد القصصي بلغة الأنا، ليكون أقرب حميمية في التعبير عن الذات، وعند المتلقي أيضا، مع أن"الأنا" هنا ليست خاصة بالكاتبة بل هي كل فتاة عربية....لكن الكاتبة وقعت في أكثر من موضع في تفسير بعض الجمل، أو تفسير ما تقصده وهذا ليس في صالح النص.
Page 6
وقال الشاعر رفعت زيتون:
 
الأفعى والتفاح، قصص قصيرة وبعناوين مختلفة جمعتها الكاتبة تحت عنوان واحد وهو "الأفعى والتفاح" الذي لم يكن له حضور خاص كما توقعنا في إحدى تلك القصص، ولكن هذا العنوان ربما أرادته الكاتبة عنوانا عامّا وشاملا يصلح لكل تلك القصص، خصوصا أنني وجدت الكثير من هذه الثعابين والأفاعي البشرية تنتشر داخل تلك القصص. 
 
القصص جاءت قصيرة ومشوقة وبلغة عربية سهلة وممتنع، خالطها بعض العامية وكذلك اللغة المحكية في بعض الأحيان وبلهجة أهل شمال فلسطين. 
 
وكانت معظم القصص مشوّقة جدا، وتشدّ القارئ إلى أن يسير قدما في دروبها إلى أن يصل نهاية جعلته يضع الكثير من سيناريوهاتها، إلّا أنه أي القارئ غالبا ما فشل في التوقع، لأن النهاية كانت دائما مفاجئة ومباغتة بل ومدهشة، فكانت حبكة قصصية تدلّ على تمكن الكاتبة وقدرتها على إيصال ما تريد بطريقة جميلة وبفنيّة عالية. هذه الحبكة والنهايات الجميلة والأسلوب الرائع قد أخفى بعض الهنات القليلة التي وجدت هنا وهناك على اعتبار أن الخلط بين اللهجة المحكية والفصحى من هذه الهنات. 
 
عالجت الكاتبة وبجرأة واعية وبأدب كبير الكثير من القضايا الاجتماعية، ومنها المعقد والذي يقدم عليه الكتاب بحذر شديد، وقلّما تصل مراكبهم إلى شواطئ الأمان، لأن بحر هذه القضايا بحر لجيّ عالي الموج، ولكن هذه الكاتبة الماهرة قد كانت ربان مركب يطيعه الموج، فوصلت إلى الشواطئ بأمان، ووجدت أهلها بانتظارها مرحبين ومستقبلين إياها بالأزاهير. 
 
ومن القضايا التي تطرقت إليها الكاتبة : قضية منع ترميم المباني القديمة نتيجة الإجراءات الاحتلالية في أغلب المدن والقرى العربية، في عكا ويافا وحيفا والقدس وقضية نظرة المجتمع للمرأة المطلقة، أو التي تنوي الطلاق وما تتعرض له من الزوج والأهل، وقد كانت القصة الخاصة بهذه القضية مؤثرة جدا وأظهرت فيها الألم بحوار ذاتي واجتماعي دار بين المرأة وأهلها، وبين المرأة وذاتها إلى أن توصلت إلى نتيجة أن تختار أهون المرّين بل وأنها وصلت إلى حد تمنّيه .
Page 7
وقضية أخرى عالجتها الكاتبة وهي قضية الوهم المفرط عندما يسوء فهم موقف ما، ثمّ يتطور هذا الفهم إلى أن يصل إلى ما يشبه الغول، يأكل الأخضر واليابس في نفوسنا، ويكاد أن يطيح بنا إلى أن يتبين لنا أنه مجرد وهم كما جاء في قصة " انتفاض " وهذه القصة اشتملت على الكثير من الفنّ في سردها، وكذلك أنها تطرقت إلى قضايا أخرى سياسية، فكان الجمع بينها دليلا آخر على قدرة هذه الكاتبة الكتابية. وكتبت عن  معاناة الثّكالى وبطريقة توحي بما يشيه الطبّ النفسي والعلاج بوضع المريض بحالة وجدانية تحاكي حدثا كان في السابق ليستفيق المريض، ويقرّ بشيء ما كان يقتنع به كما كان مع الأم التي فقدت ابنها .
 
 
 
وبعد: فقد قرأتُ مجموعة قصصية نالت إعجابي وإعجاب الجميع، ولا أخفي بعض التحفظ على بعض القضايا والتي أوضحت الكاتبة بعضها في ردّها الذي دلّ على سعة صدرها ومقدار كمّ الثقافة والوعي الذي تمتلكه الكاتبة.
 
أمّا هذه الملاحظات فكان منها أولا الخلط بين المحكي والعامي والفصحى دون وضع المحكي بين أقواس أحيانا، وثانيا صورة الأب والزوج والأخ رغم عدم إنكاري لوجود مثل هذه الأنماط والشخصيات في المجتمع، ولكنها ليست بالنمط العام وتمنيت أن تكون هناك قصة تتحدث مثلا عن تضحيات الأب ومحبة الزوج ( ولو أن ذلك ذكر مرة واحدة في قصة ( الدخلة والقربان)
 
ثالثا تكرار اللعن تقريبا في كل القصص فظهرت الفتاة دائما لاعنة وشاتمة، وهذا حتى يجعلنا نفكر أن البطلة في أغلب القصص كانت تقريبا شخصية واحدة، وأخيرا التطرق لبعض القضايا الدينية وذكر أئمة المساجد وتقديمهم على النحو الذي ظهر في القصة. 
 
وأقول في النهاية أن الكاتبة أنوار سرحان هي كاتبة كبيرة وقدمت عملا كبيرا.
Page 8
وقال الناقد ابراهيم جوهر:
 
الثنائيات الاجتماعية ولغة الشعر في النثر
 
يفاجئ عنوان مجموعة نصوص الأديبة أنوار سرحان قارئه داعيا إياه للتوقف وإمعان النظر ؛ في الكلمتين البارزتين (الأفعى والتفاح) وفي الجملة التقريرية الغريبة التي ألحقت بهما كتفسير وصفي لهما  سيناريوهات لجرائم محتملة). )
 
إنها تعيد القارئ الى بدء الخلق والخليقة وقصة الإغواء والنزول من الجنة، والعلاقة بين آدم وحواء وفق الكتب الدينية، ولكنها أضافت جملتها التحذيرية : سيناريوهات لجرائم محتملة، للتحذير، والدعوة الى التغيير  والتوعية والتثقيف. 
 
ثم إن القارئ المتفحص يستطيع أن يجد ما يدل على هوية المكان المقصود والناس عن طريق التقاط الألوان الدالّة على الفلسطيني وفلسطين، ولون الأرض والسماء. ...
 
 
 
يصح الحكم ابتداء على مضامين نصوص الأديبة أنوار سرحان الاجتماعية جميعها بتنوّع شخصياتها وأحداثها وأسلوبها المتفاوت من نص الى آخر، بأنها تشكّل بانوراما اجتماعية للعلاقة بين المرأة (كنوع) والرجل (بفكره الذكوري )، لأنها لم تتحامل تحاملا أعمى على الرجل كرجل، فقدمته في لفتات هادفة في حالات غير قامعة ولا ظالمة. كما قدمت المرأة نفسها في حالات أخرى مشابهة غير حالتها العامة المظلومة والمضطهدة 
 
وجدت صورتين كليتين للمرأة وللرجل، وتتفرع كل منهما الى صور فرعية :
 
صورة المرأة: 
 
الأولى : المرأة المغلوبة المقهورة المظلومة المجبرة على القبول والزواج ممن لا تود وتريد وتختار والصورة الثانية : المرأة المغلوبة ، القاهرة ، المنتقمة. 
 
والصورة الثالثة : المرأة المغلوبة المسايرة الراضخة التي تعود الى سكة الطاعة والتبعية والرضى بالزوج الذي ترفضه فيصدها المصير الظالم الذي سيتلقفها ، فتعود لتسجد لهما ...
Page 9
وفي المقابل نجد صورة مقابلة على النقيض تماما، المرأة الواثقة ، القوية ، الجريئة ، المتحررة 
 
أمّا الرجل فوجدت الكاتبة وقد صوّرته في حالاته الثقافية التالية: 
 
الرجل الأب القاسي الزاني، الرجل الأخ الزاني، وهما يتنافحان صونا للشرف بمفهومه المجتمعي الذي يتيح لهما ممارسة شذوذهما، ويقودهما للحرص غير المبرر على رحمهما الخاص بهما. أنهما شخصيتان / نمطيتان متمفصلان اجتماعيا وغير متّسقتين نفسيا 
 
ونجد من صور الرجل: صورة الزوج المتفهم المحب الحاني الذي يرفض بعض المفاهيم الاجتماعية (فالمهم "أنت وأنا". 
 
كما نجد بالمقابل صورة الحبيب السلبي البارد غير القادر على حماية محبوبته ولو بتهدئة مخاوفها وانفعالاتها 
 
لا تتحامل الكاتبة هنا على الرجل بل على الفكر الذكوري الذي يضع قوانينه الخاصة الظالمة للأنثى، وما ألفاظ القسوة في اللغة إلّا للإشارة الى قسوة الحياة التي يقيدها الفكر الذكوري المتناقض غسر المتسق مع ذاته ، وتناقض أفعاله أقواله. 
 
جاءت نصوص الكاتبة التي تنوّعت بين القصة القصيرة، والقصيرة جدا، وقصة البوح والتحليل بلغة فيها من الشعر أسلوب المجاز، والرمز، والبوح الداخلي . وقد استخدمت الحوار بلغة فصيحة حيث وجب ذلك، وبلغة محكية (لهجة شمال فلسطين ) الأليفة الدالة على ثقافة الشخصية وهوية المكان. ولم تكن نافرة عن السياق الفني العام للقصة ، بل خادمة لمضمونها .
 
تمثلت جرأة الكاتبة المحمودة في جرأة الطرح للواقع الاجتماعي المسكوت عن بعض قضاياه، وفي استخدام بعض الصفات والألفاظ التي باتت اليوم شائعة (!!) في بعض الفضائيات وفي أحاديث المجالس الخاصة. لم تسفّ ولم تذهب وراء إغراء اللفظة وإيحاءاتها كما فعلت سامية عيسى في روايتها المقززة (حليب التين ) مثلا، ولكنها استخدمت الألفاظ المقصودة هنا بما يخدم التعبير عن الحالة الموصوفة المعنية بالمعالجة . لم تكن اللفظة مقصودة في حد ذاتها لذاتها بقدر أكبر مما تعبر عنه من واقع قائم لا يستطيع المنصف تجاهله وإخفاءه .
Page 10
توسلت الكاتبة بالسخرية، في الموقف، والحوار، والتعليق، والوصف . واعتمدت على المفارقة في الحدث والنهاية . وعلى الرمز الذي ينبئ باستمرار الحالة الموصوفة. من هنا ظلّ الأبناء يولدون بإشارة الى مكان جرح الأب لقدمه، وبأقدام مفلطحة، دلالة على استمرار الواقع، وعدم صلاحية الأقدام للسير والتقدم، لأن القدم المفلطحة تتعب في السير ولا تصلح للمسافات الطويلة ....
 
بنت الكاتبة فكرها الأدبي هنا على ثنائيات متقابلة: المرأة والرجل ، العربي واليهودي، أنا والآخر، الحبّ والكره، الموت والحياة، الضحك والبكاء . كما ابتدأت بـ (الأفعى والتفاح) : السماء والارض ...فأرادت رسم خطين متوازيين يحملان جسما وقضية يسير نحو هدف محدد، مثل القطار السائر فوق خطي سكة الحديد في طريقه المعلوم ...ولكن كلا من خطيها كان يأخذ باتجاه مغاير لاتجاه الآخر !! وكأنها تسأل : متى يتحدان معا ؟
 
ومما يلفت الانتباه في أسلوب الكاتبة اعتمادها على الروي بضمير (الأنا ) لأنه الأقرب، والأكثر حميمية، وهو الذي يدفع القارئ الى الاقتراب أكثر من الحالة الأدبية. 
 
في العناوين الداخلية للنصوص برزت ظاهرة العنوان المكون من جملة طويلة، وجاء بعضها وصفا وليس عنوانا (مثل : تلك العجوز الصبية التي ضحكت منهم جميعا ، و: أشدّ غرابة من عدد حروفها ) .
 
والمعروف أن العنوان والجملة الافتتاحية وما يليها يشكلان أهم شروط التشويق . لأنهما أشبه (بالفاترينا ) التي تجذب المشتري للولوج الى محل (النوفوتيه).
 
في القصة الأولى(فوبيا وغربة غزل) جاءت المقدمة على الشكل التالي : (( نظرت الى عينيه بلهفة ...ما أجمل عينيه البراقتين، ولكم أعشق التجاعيد الناعمة حولهما . من الغريب أنني أكره البشرة المشدودة وأجد في التجاعيد دليلا الى الحياة كما أنني أموت في ضحكته التي لا تكاد تفارق وجهه الا نادرا ......)) ؛
 
هنا بدأت الكاتبة بجملة فعلية أولا، وأتبعتها ب(مونولوج)يبدأ بالتعجب ، 
 
ثم :تعود الى الجملة الفعلية (حدقت فيه طويلا)+ 
 
ثم : وصف جو المكان وتأثيره على نفسية الراوية (أنغام التايتنك المنبعثة من داخل المطعم)