eKtab
EN ع
حب في زمن الغفلة
Read free sample

حب في زمن الغفلة

by هدى عيد

Page 1

(1)

يذكرها تماماً الّلحظة التي وصلَ فيها إلى تورنتو... المدينة الكندية الكبيرة، الأكثر عدداً بسكّانها، والأكثر شهرةً في شمال أمريكا...
اجتذبته بمجرّد أن وطأت قدمهُ أرضَها، بدا له كلّ ما فيها مبهجاً فاتناً... شوارع أنيقة أُحسنَ تأهيلها، ورصفُ جنباتها، أشجارٌ خضراءُ زاهية تفتحت ورودها، وأزهارٌ ملونة غُرستْ بجوار جذوعها، مبانٍ شاهقة زجاجية ملتمعة في معظمها، بشرٌ مختلفو الألوان والهيئات ينسابون بهدوء على طرقاتها عند التماع الضوء المؤذِّن بسير المشاة، وسياراتٌ تتلاحق هادئةً بلا أبواق تعلو أصواتها منها، وبلا سائقين متوترين دائماً يجلسون حول مقاودها.
مضى على وجوده في هذه المدينة الجميلة أكثر من سنة وشهر، أو ربما أكثر، وقتٌ مرّ كحلم هشّ... استقبله يومَها عمّه ابراهيم على أرض المطار، وقاد به السيارة الكبيرة الزرقاء اللون، زوجته الأجنبية السمراء جلست إلى جواره، تنتمي إلى إحدى الإثنيات العرقية الكثيرة التي اجتمعت على هذه الرقعة الآمنة من الأرض، ربما تكون جذورها برازيلية أو أرجنتينية، الصور الكثيرة التي توزّعها على الطاولات والرفوف في منزل عمه تشي بذلك، لا يسألها هو، لا يحبّ التدخل فيما لا يعنيه، عادة ربما ورثها عن أمه التي أرادت أن تعزله عن كلّ ما يزعج في الحياة...
منذ اللحظة الأولى التي سلمت عليه فيها روزيتا أحسّ بلطافتها، بدت فرِحة بوصوله كأنه قريب حقيقيّ لها، الأمر أراحه، وأسعده أكثر أنه وجدها قصيرة نحيلة، وهو يحبّ الأنثى ممشوقة تهتزّ بالحياة، لم تشبه سارة في شيء، أمرٌ أسعده.
اليوم لم يعجبه صوت أمّه عبر السكايب، ولا وجهها، بدت له شاحبةً حزينة، رغم أنها نفت كلّ إزعاج جديد، أكدت له أنها بخير، وأنّ كل أمورها عظيمة، أنهى المكالمة وهو يحسّ بضيق في صدره، لم يستطع التركيز على الدروس بعد عودته من الجامعة، خرج إلى الحديقة العامة القريبة من منزل عمّه، جلس على مقعده الأثير، إحدى عاداته التي لم يستطع تغييرها بعد، يألف الأماكن والأشخاص، ويتعلق بهم، راح يراقب أطفالاً يلعبون على الأراجيح، بعضهم ينزلق على ما يشبه التلة البلاسكتية القوية، آخرون يلعبون بالكرة، المشهد يسليه، لكنه يجد نفسه دائماً خارجه، يقع أحد الأطفال أرضاً يبدو أنه اصطدم بشيء، تسارع أمه إلى التقاطه والعناية به، وتفقّد كلّ ما فيه، يختلط مشهدها بصورة أمه هو، ليلى كما اعتاد أن يناديها... يذكر أنها حاولت قدر الإمكان أن تبدو متماسكة في اللحظات الأخيرة التي سبقت مغادرته بلاده، أرادت ألّا تتهاوى أمامه، راحت تبتسمُ كيفما التفتت، وهي تقف إلى جواره في توتر، لكنها استمرت تهربُ بعينيها منه، لم ترد له أن يرى جفنيها المتورمين من طول ما بكت ليلاً.
أبوه صالح ظهر فرحاً به، لكنه مضطربٌ كحاله دائماً، لا يستقرّ على وضع ولا في مكان، يعانقه ويخبط على كتفه بمودة، يفعل ذلك أكثر من مرة:
-أهلاً بالبطل...
يقول له محدقاً إلى عينيه، ليلى تنظره بحنق، يحاول التّودّد إليها من حين إلى حين، تبتعد عنه، تقترب منه هو، تتلهى بتفقّد حقيبتها، بتفقد ياقة قميصه الأبيض، تضعُ يدها على شعره وتمسّده، ربما تبكي بصمت، يحسّ بذلك، تبتعد مجدداً، تشيح بوجهها، لا يحب إحراجها.
حاولَ أن يجعلَ ضمّته لها سريعة، لكي لا يضنيها، لكنها اهتزت كورقة بين ذراعيه، فبكى رغم إرادته، وسارع إلى إفلاتها من حضنه.
طوال الطريق التي أوصلتهم إلى البيت حاول عمّه إبراهيم تسليته، وقد شعر ببعض انقباضه، كان يشير دائماً:
-أنظر أمامك بشّار، دخلنا الآن منطقة Centre ville، وهذه بحيرة أنتاريو، هذه المنطقة تقعُ على ضفافها.
أذهله المشهدُ يومها، مياه نقيّة، صفحة زرقاء تمتدّ بلا انتهاء، على سطحها تنسابُ سفنٌ شراعيّة كثيرة، كثيرة لم يتمكن من إحصائها، وعمه يواصل كلامه، علتها صوارٍ بيضاء بعضها ملون، تحلق فوقها طيورُ النّوارس، مشهد انتزعه من مزاجه، وجعله يشعر بانشراح لطيف أسعد عمّه.
-ستعجبك هذه البلاد، أنا متأكد، لن تندم على مجيئك...رغماً عن أنف أمك...
قال العبارة... ثم علا الندم وجهه، وقد حدجه بشار بعينيه المتسعتين...
-رأيت البط العائم هناك، أنظر، يبقى طوال السنة على هذه الشاكلة تقريباً، يختبئ مدة حينما يتجلد سطح البحيرة فقط.
يعومُ البطّ كقلبه، قال حينها في نفسه، لكنه بدا له أكثر هدوءاً منه، صوته لم يغادر شفتيه.
سحرَه المشهد في تلك اللحظة، مدى واتساعٌ رحب أنبأهُ أنّ في العالم متسعاً بعدُ، غير تلك الحدود الضيقة التي كان قد غادرها قبل حوالى خمس عشرة ساعةً.
-يُعتبرُ وسط المدينة مركزاً سياحيّاً من الدرجة الأولى في العالم، فالـ CNTOWER هذه الناطحات الهائلة ذات الهندسات الرائعة بحداثتها، تشرف على المدينة بأسرها، مشكلةً عنصر جذبٍ هائلٍ للسياح، تعرف أن ارتفاع بعضها يبلغُ نحو 533 متراً؟
لم يكن بشار يفعل أكثر من هزّ رأسه نافياً.
Page 2
يضيف عمه مبتسماً، وقد أسعدته دهشة ابن أخيه بما يرى:
-أنا أعمل في بناء إحداها هذه الأيام مع فريق الشركة طبعاً، مشروع ضخم للغاية، سأصطحبك إليه يوماً، وسترى كيف يكون البناء الحديث.
على أحد المباني يرفرفُ علمٌ كبير رُسمت عليه ورقة شجرة كبيرة، ورق الأشجار الشامخة نفسها التي كان قد رآها عند وصوله.
كانت المرة الأولى التي طرح فيها السؤال:
-أليست هذه ورقة...
-بلى، بلى هي بعينها... هنا يعتزون كثيراً بأشجارهم، لذلك رسموا ورقة شجر رمزاً على العلم الوطنيّ، الخضرة مقدسة في هذا المكان، تحافظ عليه الدولة، ويعتز المواطنون به، ممنوع قطع الأشجـار، وإذا حصل فبإشراف جهـة مسؤولـة، بعض هذه الخضرة يستحيلُ مرجـاً من اللـون الأحمر الداكـن والبرتقالي في فصل الخريـف، وهو الأمـر الذي ذكـره المطـرب الفرنسي الشهـير Joe Dassin في أغنية له L´été indien.... يومها بدا له عمّه مثقفاً، لكنه استنكر في داخله أنه نسي الأرزة التي تزين علم بلده.
استمرت السيارة تتهادى على الطرقات المتسعة النظيفة، نظافة لافتة لم يجد للمشهد خلفيةً في ذاكرته، فأكثر ما يحمله من الطرقات في بلاده هو انزعاج أمّه وهي تقود، وهو إلى جوارها في السيارة، تتأفف طوال الوقت من القمامة الملقاة على جانب الطريق، أو من المطبات والحفر التي تظهر فجأة فتكاد تهشّم سيارتها.
يبسمُ لصورة أمّه، يحبّها تلك المرأة التي أحبته كطوق أحياناً، لم تكن تريد له أن يسافر... خاضت معارك كثيرة لكي تمنعه، خاصمت أباه وعمه، لكنه حسم الأمر في النهاية.أخبرها أنه يختار هذا الطريق بإرادته، فاجأها.كلّ الكلام الذي قالته سابقاً لأبيه، وكل التحدي الذي أظهرته لعمه إبراهيم اختفى، صمتت تماماً، وأعلنت أنها تحترم رغبته، واحترم هو موقفها.
يعرف أنها متعلمة ومثقفة، لكنها في هذه المسألة بالذات عادت مجرد أنثى تغلي بالأمومة الأولى، أرادت الاحتفاظ بجروها بين أحضانها، لكنها بالمقابل حسمت أمرها حيال أبيه.
عندما أخبرته بطلاقهما، راح يحاول محاورتها، قالت له بحزم:
-لا تتدخل في هذا الموضوع بالذات بشار، إبقَ بعيداً عنه، هذا حسابٌ خاص بيني وبين أبيك أصفّيه.
كرةٌ مفاجئة تتدحرج بين قدميه، يسارع صبيٌ إلى التقاطها، يعتذر مبتسماً، الناس هنا لطفاء في الغالب، بمجرد أن يروك يسارعون إلى تحيتك، وهو أمرٌ سرّع من تآلفه مع المكان، لكنّه لم يستطع أن يقلل من حنينه إلى الأرض التي احتضنته طفلاً ويافعاً، وإلى حضن ليلى الدافئ الشهي، يشتاقها كثيراً هذه الأيام، لا تعجبه أحوالها، تعاني وتَأْلمُ منذ أسبوع تقريباً، لم تخبره إلّا البارحة، الرجل الذي تحبه بعد أن طلقت والده مصاب بحادث خطير، ورغم أنّ إحساساً خبيثاً بالتشفي قد زار صدره حين نقلت إليه الخبر، إلّا أنّ ألمها أزعجه، بقي يلح عليها، ويلح حتى انتزع الخبر من صدرها، لا تريد إزعاجه، وإلهاءه عن دراسته، لكنها لا تقدر الموقف تماماً، وكيف يشعر بمسؤوليته تجاهها.يحسُّ أحياناً أنه رجلها الذي تتكل عليه...
حاولت ليلى كثيراً أن تنقل أمواج الكره من نفسها إلى قلبه حيال أبيه، لكنها لم تفلح، بقي يحبّ ذاك الرجل بعمق، يحبه ويشفق عليه، أحياناً، في لحظات يحسّ أنه هو أبوه، تولّد ذلك في نفسه كفطر، نبت فجأة حين دخل عليهما في غرفة نومهما، يمنعه من التعدي يوماً عليها، بعد أن علا صراخها.
أربكه ذاك النهار، وجعله يبكي في ليله بعد أن خلا إلى نفسه في غرفته...... تقتربُ منه طفلةٌ صغيرةٌ شقراء لطيفة تلعق الآيس كريم يسيل من بين أصابعها، ترفعه أمام وجهه وتبتسمُ له كاشفةً عن أسنانها المكسوة بالكريما وبالشوكولا، يبتسم لها من قلبه، أحبّ ابتسامتها، بقعة ضوء شعّت خارج ذاكرته الملبدة، بقي ينظر إليها، من بعيد تبدو سيدة تلبس زيّاً رياضياً تناديها نيكول وتشير إليها، أمها على الأرجح، الصغيرة تبقى تبتسم له، وترفع كتفيها علامة على عدم رغبتها في المغادرة، تمتدّ أصابعه تداعب شعرها الحريري، يده الأخرى تشير للسيدة بلطافة، والابتسام يعلو شفتيه.سيعاود محادثة ليلى بعد قليل... القلقُ ينهشُ صدره عليها...
Page 3

(2)

للمرة الثالثة تطلب الرقم، ثمّ تطفئ شاشة هاتفها، تتمنى لشيء، لبشر في الحياة أن ينقذها مما تغرق فيه، لو أنّ بشاراً إلى جوارها الآن، لوأنّ... الحياة لم تخاصمها على هذه الشاكلة...
تغريمٌ هذه المحاولةُ لقصّ ما كان، لاستحضار ما سيكون...
أن تستعيدَ اللحظةَ التي انفجرَ فيها كلّ شيء، الثانية التي أباحَ لها من خلالها أن تُطلق النيران، وأن ترفعَ الصوت بحدّةٍ: إيّاكَ تُزعجني بعد الآن.
بصعوبةٍ ما بعدها تزدردُ الأحداث، الانتظارُ يلوكُ أعصابها، يدهسها... تودُّ تسمعُ صوتَه مجدداً يهاتفها بحرارةٍ، من يستعيدهُ من غيبوبته التي طعنت الجميع؟ ربّما أحبّتهُ في غفلةٍ منها، ربّما اجتذبها غصباً عن ذاتها المتعبة المتمرّدة... يسألها المرّة تلو المرّة، يطلبُ، يلحُّ، يُغضبها، لكن حينما يغيبُ صوتهُ، يسكنها الشوقُ إلى السّؤال، تقعُ بين الحافّة والحافة، يُرعبها عمقُ الهاوية التي قد تبتلعها، فتصبحُ مسكونةً بالريبة، بالخوف من كلّ كلمةٍ قد يقولها، من كلّ خطوٍ قد يقومُ به، ياه، كيفَ تُكتشَفُ عتمةُ الدواخل؟
تفجؤُنا التقرّحاتُ التي تنبتُ خلسةً في أنحائها، نجدُ أنفسنا في مواجهةٍ مستحيلةٍ مع نزفها...
تزحفُ الساعاتُ، سلحفاةٌ تريدُ منها ارتقاء الجبال، بطيئة معلولة، تجرجرُ الثواني واللحظات، أذنها تترقّبُ صوت الهاتف، أحدٌ ما يطمئنها أنّه بخير، وأنّ الحياة ستنهضُ على قدميها لتسيرَ من جديد.تحدّثَ عن حبّ خالد مجنون، عن اكتشافه فجأةً بأنّها هي، لا أحد سواها المرأة التي انتظرها عشرين سنةً حتى أتت، يسألها لمَ أنت الآن بكلّ هذا البهاء والجمال؟ومن جعلكِ تتأخرين عن الموعد عشرينَ عاماً، من؟
يدها تداعبُ الهاتف الخلويّ مجدداً، ترفعه أمام ناظريها، تتملّاهُ، تضيء الشاشة، تستعرضُ الأرقام، الأسماء والأصفار...تفشلُ، لا تتمكّنُ من الإمساك بأي ذرّةٍ منه، لا شيء... تحادثُ نفسها: بلا سخافة، إيّاكِ أن تسقطي في سخافة الأشياء، أنت أقوى من هذا السقوط.
تريدُ تبقى متماسكة، لا مشكلة في كل ما حصل، أصلاً لم يحصل شيءٌ سوى إحساسها هذا بالتداعي، وكأنه كان ثمّة رباطٌ ما يمسكُ بها، حُلَّ بقدرة قادر، فراحت بعدها تتهاوى، تتحللُ أجزاؤها، تتفرّق وتتناثر مبتعدةً عن بعضها، تخفقُ في إعادة الجمع... لا تحبُّ إحساسها، كأنّ كل ما فيها مريضٌ، تفكرُ ماذا ستقولُ للطبيب إذا ما زارتهُ، أيُّ عضوٍ تسمّيه له مريضاً يحتاجُ العلاج؟
-الاتّصالُ بك كان فكرتي، لا هم لم يفكّروا، أنا من فعل، وأنا من تولّى الاتّصال...
مذ رأيتكِ في تلك القاعة، وأنت تسكنين الدّماء.لم يحدث لك هذا الأمر؟ لا لم يحدث، تنفينَ، لم تقعي فريسة النظرة الأولى، ها، لكني فعلتُ، بمجرد أن رأيتك، بمجرّد أن لمحتُ وجهك الملائكيّ، عينيك المشعّتين، وجدتكِ تنزرعينَ في قلبي، نبتةً حنوتُ عليها، وجعلتُ لها من لحمي أرضَ الجذور...
Page 4

(3)

الظّلّ يغمرها...
في هذا المقهى، تجلسُ إلى الطّاولة، قريباً من جذع الشجرة الثّخين، عجقةٌ وناسٌ وأصوات، نادلٌ يذهب وآخر يهرعُ حاملاً الصواني عامرةً بالمأكولات أو بالمشاريب...
يجلسون جماعاتٍ، كيفما التفتت أبصرت وجوهاً تضحك، وأسناناً تتبدّى، وأفواهاً تنفتح وتغلق، تلتقم ما في الصحون، أصواتٌ وضحكات، وأغانٍ عالية الوقع تتوالى بسرعةٍ، لا تكاد تلتقط نغمة واحدة لتحفظ إيقاعها حتّى تنتهي، النادل نسيها فيما يبدو، أو لم يعجبه القليل الذي طلبت، تباطأ في التقديم، ضحكات النسوة الجالسات قبالتها تفرقع في أذنيها، سيقانٌ تتبدّى، أثوابٌ ترتفع جرّاء حركات الأجساد المتماهية مع الضحك العنيف، لا تعرف لم اختارت هذا المقهى المكتظّ، وجدت نفسها تنقاد بسهولة إليه، عادةً تهربُ إلى المقاهي الهادئة... حدّثها بشار البارحة طويلاً، وعدته أنها ستتحسن، تخفق في الالتزام بوعدها.
ظلٌّ أخضر يغمرها، ملفوفٌ بأشعة الشمس التي تنسربُ من خلل الأوراق، اختارت الطّاولة التي تكاد تلتصق بالجذع، تتسلّى بين وقتٍ وآخر بالتقاط الدّوائر الضّوئية التي تلامس خشب الطاولة البني، تتسلل أصابعها لتلامسها بخفّة، تهبّ نسمة هواء، تتحرك الأوراق، تختفي دوائر وحلقات، بعد فترة تظهر أخرى، تلاحقها مجدداً...
ضجيجٌ وامتلاء وأصواتٌ مختلطة، وأخرى تبرز على انفراد، ترسل بصرها إلى البعيد، تستطيع أن تلتقط الخط الأزرق الواهي، البحر يبدو من بعيد، ورغم ذلك ينجح في بعث إحساس ضعيف بالانتعاش، تلتقطه هنيهةً، بعدها يتسرّب، كأنّ جوفها كيسٌ مثقوب، منذ أسبوع تشعر أنّ فيه ثقباً خفياً ناعماً، لا يوحي بالعطل، لكنه بعد وقت يمر يتسرّب منه كلّ شيء، لا تبقى فيه نقطةٌ واحدة، لا انتعاش لا فرح، لا حزن، لا شبع، لا جوع... خواءٌ وريحٌ خفيفةٌ تصفرُ بهدوء، لكنما الصّفير لا ينقطع، تنام وتفيقُ، تبقى في المنزل، تغادره، تلتقي بشراً ووجوها، تلتقي وحدتها وترحّب بها، والصّفير الهادئ هو الثابت الوحيد الذي لا يغادرها، صحراء الربع الخالي _ التي حدّثَ عنها في الحداثة أستاذ الجغرافيا وهو معجب – تقيم في جوفها منذ أسبوع، لا تدري كيف وصلت إليه، وكيف اتسع لشساعتها التي لا تحَدُّ...!
اختفت دوائرُ ضوئية عن الخشب البني السميك، أو هي انسحبت حينما اقترب النادل من طاولتها، يبتسم ابتسامةً باهتة ويروح يضع إبريق الماء المغلي، الفنجان الأبيض الفارغ، كيس الشاي المعطّر، علبة السكر الأسمر، وطبقاً صغيراً من الـ بيتي فور...
تسكب الماء المغلي، تتصاعد خطوط الدخان بخفة، تلاحقها وهي تتشكل، تتلاحق، تتمازج، ترى فيها أشكالاً رقيقة، هلامية، من ثم تتلاشى في ارتفاعها الناعم إلى العلاء، تسقط الكيس في الماء، تجرّه يميناً ويساراً، ترفعه ثم تسقطه، يصطبغ الماء تدريجاً باللون النبيذيّ الجميل، بعد ذلك تنتشله بأناة، تعتريها رعشةٌ، وهي تفعل، هل ستتمكن من انتشال نفسها هكذا في لحظة ما؟ لا تضع السكر الأسمر، تكتفي بقطعتين من البيتي فور، تمضغ الأولى، الطعم لذيذ، القطعة مغمّسة بالشوكولا، تشعرها بلذةٍ فائقة وهي تذيبها في فمها، وهي ترتشف الشاي، مضى وقتٌ لم تستمتع فيه بشيء، الشوكولا اكتشافٌ هائل!
تتذكر جلستهما الأخيرة في petit café، المقهى الذي يجتذب الناس من الجنسيات والأعمار كافة، يحادثها ويضحك، يتأمل عينيها باشتياق، يطلب الشاي لها وله، مشروبه المفضل يقال فيه إنه خمر المؤمنين، يعلق، وهو يرفع الفنجان إلى شفتيه، لكنك وحدك خمرتي، يضيف، يضع الفنجان من يده، يذكرها بالشاي الذي تناولاه أول مرّة في مكتبه، نبيذي اللون مشبع بالسكر، يخبرها: أطيب شاي تذوقته في الحياة!
Page 5

(4)

تتركُ المقهى الذي جلست فيه، تُنهي فنجان الشّاي السّاخن، كما أحبّت كلّ شيء في الحياة طازجاً ساخناً واحياناً لاسعاً، لكنّه لم يُقدَّم كذلك!
قدماها تقودانها مجدداً إلى المستشفى، إلى حيث يرقدُ منذ أسبوع، تتوالى أنباؤهُ، وهي لم ترهُ بعدُ.
في رأسها الجميل معركةٌ لا تعرف الهدوء، بين حزمها، وبينَ توقها الهائل لرؤيته، واحتضان يديه وتقبيلهما، وسؤالهما أن يسامحاها طويلاً، وقد اقترفت ذنبها إذ أحبّته.
منذ يومين وهي تقتربُ من مدخل المستشفى العريض، تكادُ تتجاوزه، ينفتحُ الباب الزجاجيُّ على مصراعيه، يبدو البلاط لمّاعاً نظيفاً مستعدّاً للاستقبال، تخطو الخطوة الأولى، ثمّ تتراجع... تنهزمُ وتعود إلى منزلها، بعد أن تتعب سيارتها من الّلف والدوران في الشوارع والطرقات، وبعد أن تزوغ نظراتها تماماً.
تعودُ إلى منزلها مكدودةً مرهقةً، كأنها قطعت آلاف الكيلومترات عدواً، هي التي لم تعدُ من زمنٍ، مذ كانت صغيرة تتواثبُ ورفيقاتها، يقفزنَ على الحبل، ويتراشقن بالأحجار، ويرمين الفراشات بأحداقهنّ الجميلة.
اليوم قرّرت أن تعبرَ، ستراهُ وهي تحلفُ له بعينيه اللتين تحبّهما أنها لن تنهارَ، ولن تسمحَ للآلام أن تفتك بقلبها.
ستقوى على كل شيء حتى تتمكّن من هذه الرؤية، لذلك تجدها الآنَ تلجُ من الباب الزجاجيّ الكبير الذي انفتح لها مجدداً على مصراعيه بمجرّد أن رآها، انفتح سريعاً كأنه ملّ من رؤية ترددها وانهزامها، أراد تشجيعها.
سيضحكُ من ترّهاتها، لو يعرف، كما كان يفعل دائماً، وسيقولُ لها بفرحٍ حقيقيّ:
-تخبّئين في داخلكِ طفلةً صغيرةً أحبّها.
وهي ما عادت تحبّ طفولتها التي امتدت طويلاً، والتي جعلتها دائماً في حال الدهشة الأولى أمام الحوادث والمشاعر والأشياء.
وهي في الممرات الطويلة تتنبّه أنّها لم تسأل عن اسمه، عن غرفته، عن المكان الذي يحمونه فيه من تمرّد جسده على الموت، فتعاودُ الهبوط إلى الطابق الأرضيّ، إلى مكتب الاستعلامات، تسأل وهي تكادُ تبكي عن اسمه، وعن الغرفة التي ينزلونه فيها:
-501 تقول الموظّفة دون أن تلتفت إلى وجهها.
كان مجرّد رقم بالنسبة إليها، وكانت هي مجرد سؤال ينتظر الإجابة.
تغبطُ هؤلاء البشر الذين لا يعبأون، الذين لا يستوقفهم شيء، يمرّون ولا يتنبهون، أيّ سعادة يرتعون في أحضانها، وأيّ خفة جميلة يتّسمُ بها مسارهم في الحياة؟
يحملها المصعدُ إلى الطابق الخامس، ممرضةٌ تعبرُ إلى جوارها، تسألها عن غرفته، تشير إلى الممرّ:
-الغرفة الأولى ناحية اليمين.
تبتسم بلطافةٍ كأنها تشجّعها.بياضٌ لا يوحي بالبياض.تتقدّم... ثمّة زوارٌ يقفون أمامها، ثلاثة رجال في مثل عمره، تحسّ بخوف قليل، لكنها تتقدم، تسلّم عليهم، تطلّ على الداخل، شخصٌ آخر يحادث امرأة، الأرجح أنها زوجته أو مطلّقته... حنطيّة اللون، بنية الشعر، قصيرة القامة، حازمة القسمات، تماماً كما وصفها يوماً، سيدة واجب لكنّما تفتقرُ إلى الحياة ترعى في قسماتها.تجد نفسها قبالتها، الآخر يحدّق إليها، المرأة تنظرها باستغراب.
-أهلاً وسهلاً.
-أهلاً بك، كيف أصبح الدكتور سهيل؟
-الحمد لله أحسن.
تبقى تنظر إليها مستفهمةً، تشعرُ أنّ عليها أن تقدّم تفسيراً.
Page 6
-أنا ليلى، ليلى بدران، طالبة ماجستير، يشرف الدكتور سهيل على رسالتي، سألت عنه اليوم في الجامعة، قيل لي إنه في المستشفى، أحببتُ أن أطمئنّ عليه بعد أن عرفت خطورة الإصابة، كيف أصبح الآن؟
نظرتها غير ودودة، كأنها لم تصدّق.تتكلم ليلى وترتبك وهي تبرّر وجودها، فلا توقف ارتباكها، وهي لا تريدُ أن تتكلم بعدُ.تريدُ أن تقفَ خاشعةً لديه.هي تعرفُ أنّ علاقتهما غريبة.
تشير بيدها إليه ناحية السرير، عليها أن تقابل وجهه الصامت المغمض العينين، لا يحتفي بها هذه المرة، يغمضهما عنها للمرّة الأولى، فلا تفرحان لاستقبالها، ولا تتسعان دهشة لقدومها:
-في كلّ مرة أراك كأني أراك من جديد، أنت عمري.
كان دائماً يقول لها ذلك، لكنه الآن لا يفعل، ولا يهبّ لاستقبالها، وكأنه يستقبل أغلى ما في الحياة.
وجهه شاحب هزيل، يبدو كنائمٍ منذ زمن طويل، منذ شهر، لا منذ أسبوع فقط، شعر رأسه الذي يعلوه الشيب استطال، ذقنه غير حليق، والأنابيب تمتدّ حوله وتحيط به، أنابيب كثيرة يحافظون من خلالها على نبض الحياة يصلُ إليه.اخطأت الرصاصة قلبه، حاذته وتركته يحيا بعدُ.
سمعت من خارج أنّ حالته حرجة، وأنّ قلبه مجهَد كثيراً، مطلّقته لا تقول الكثير:
-الحمد لله، الله يستر.
قليلة الكلام كما وصفها، قليلة الحياة، لذلك طلّقها، لكنه حافظ على علاقة جيدة بها:
-وأنت تضجّين بالحياة.
يقارنُ بينهما، وهو يبرّر إقباله عليها.
أخبرها يوماً:
-قلةٌ هنّ النساء اللواتي استطعن إثارة انتباهي في الدنيا، بعضهنّ تهافت عليَّ، وأنا أنفر، أنت مسألة أخرى ليلى، بمجرّد أن رأيتك... كيف أشرح لك؟ لو طُلب مني أن أرسم امرأةً أتمناها منذ تفتّح وعيي لما وجدتُ رسماً وتمثيلاً أفضل منك لما في رأسي، هل تفهمين كم تمنّيتك حتى قبل أن أراك شكلاً وعقلاً وحسّاً وحبّاً، وبعد ذلك كيف تريدين مني أن أفلتك من يدي؟
تقول لها المرأة التي حافظ على وجودها في منزله كُرمى لعيني ابنتها، واتّخذ لنفسه شقّة صغيرة يقيمُ فيها بمفرده.تقولُ وهي تنظر ناحية الجدار:
-لا ندري ماذا حصل، كنت أنا وريّان ابنتي، لا تعرفينها، تقولُ في نفسها (بلى أعرفها)... رنَّ هاتفه مرّتين، تحدّث قليلاً، شحُب وجهه، نهضَ وغادرَ مكانه، بدا غاضباً، سينفجر، سألته عمّا به، أجابني بجفاءٍ لا شيء، وبعدها غادر المنزل، كانت قد مرّت ساعةٌ كاملةٌ حين اتصل واحدٌ من رجال الشرطة، وأخبرنا بالمصيبة التي وقعت.
تعضّ شفتها، وهي تقول ذلك، لكنها لا تبكي، تسردُ ببساطة وبعفوية، تقطّعها بالسّكاكين المشحوذة بهدوءٍ بالغ.كتبت الصحف عن الحادثة، ولاكت الجامعة كلاماً كثيراً عن الموضوع، بعضهم استنكر، وبعضهم اعتبر المسألة عادية، فأرض البلد خصبة، حبلى مستديمة بكلّ أنواع المفاجآت، وبعد ذلك هدأت المسائل، وحدها تشعر بالمرض يستمر يتفشّى في أنحاء جسدها مذ أصابته الرصاصة، وطالته الطعنات.
-لم تعرفوا شيئاً عن الجاني بعد؟ ولا عن طبيعة الحادثة؟
-لا شيء، يقولون إنهم يقومون بالتحقيقات، المهم هو الآن.
في عينيها دموعٌ معلّقة تأبى السقوط.
سمعتْ أنّ طعنات أصابته، وأن رصاصةً استقرّت في الصدر، تريد الاستفهام، رصاصةٌ أم طعنٌ بالسكين؟ وجهه كثير الصفرة، يؤلمها، قيل في وصف الحادث إنه نزف كثيراً، وإنّ تمزّقات كثيرة في رئتيه...
Page 7
تمدّ يدها تسلّم على المرأة الحازمة، تتمتم كلاماً لا تفهمه، تلتفّ تريد مغادرة الغرفة، ترمي وجهه الشاحب بنظرة أخيرة، تخاف تبكي أمامهم، عقلها يقول: يجب أن تخرجي، كفى.
تتحرك باتجاه الباب، تصلُ ريّان ابنته، أربكها كم تشبهه!
-ابنتي ريّان... مدام...
-ليلى.
-أهلاً وسهلاً.
يبتسمُ لها قلبها:
-أهلاً بك، الحمد لله على سلامة والدك.
-مرسي.
عيناها تدمعان، تسأل أمها بلهفة:
-كيف صار اليوم؟ ماذا قال لك الطبيب؟
-أحسن.
تحملُ على ذراعيها طفلةً صغيرة لا تشبهها.
تعاتب الأم ابنتها لحملها الحفيدة إلى المستشفى، تخاف عليها من الميكروبات، تعلن الابنة أنها لن تتأخر في الزيارة، تريد الاطمئنان فقط.
-عليك أن تفرح حبيبي، فابنتك الوحيدة التي حصلت عليها من هذه الحياة متألمة لمرضك، الأمل الوحيد الذي جعلك تستمرّ إلى أن رأيتني كما رددت على مسامعي أبداً.
تخاطبُ نفسها، وتتذكر أنّه أخبرها:
-مهندسة معمارية، فنانة ومرهفة، تخرّجت السنة الماضية.
طالت وقفتها، لا بدّ أن تغادر، وقد فعل قبلها الزوار الآخرون، لكنها لا تريد، قدماها تندفعان إلى الأمام، وقلبها يشدّ بها إلى الخلف، وبينهما وجهٌ باهتٌ شاحب المشهد والنظرات، لمَ لا تجلسُ الآن إلى جواره لتمسك يديه الدفيئتين الكبيرتين، فيهما أمانُ الدنيا، وهما تحتضنان يديها الصغيرتين، لمَ تغادرُ؟
كم تغيّرت مذ قابلت هذا الرجل، عليها أن تتركه وحدَه يصارع لاستعادة الحياة! كلّ الضعف الذي يحتبسُ في داخلها منذ سنوات يطفو على السطح، بقع زيتٍ تسبحُ على وجه المياه.
Page 8

(5)

وحيدةً تجلسُ في شقتها الصغيرة التي استأنفت بها حياتها الجديدة.معها صوتُ بشّار يحادثها عبر السكايب.
أمضت حوالى الساعة وهي تحدّثه، بلغت الساعة العاشرة مساءً، أخبار كثيرة لاتزال في جعبته، يكلّمها عن أدقّ التفاصيل، يحاول دائماً تسليتها حتى لا تحسّ بوطأة الغياب، منذ وصوله إلى كندا وهو يفعل، شأنه مذ كان صغيراً، يعود من المدرسة، ويروح يخبرها بكلّ ما صادفه خلال النهار من مغامرات صغيرة وأحاديث، وهي تلقمه الطعامَ بولَه، تقبّله على وجنتيه المحمّرتين، وأحياناً تقبّل يديه الصغيرتين، مفتونةً به كانت، وبأصابعه الرقيقة وبابتسامته ولثغته وكلّ ما فيه، وحدَه استطاع أن يغرسها بجوار صالح كلّ هذه السنوات.
«من حَي قردة بتخلّف وردة»، وهو كان وردتها الوحيدة في الحياة، ثمرة زواجها الفاشل الذي ربطها بصالح.
سافر إلى كندا منذ أكثر من سنة وشهر، الضربة الوحيدة المُحكَمة التي تمكّن صالح من تسديدها إلى قلبها، كلّ ضرباته كانت هباءً، هذه كانت مختلفة.
ليست شطارته طبعاً، أخوه ابراهيم المقيم هناك منذ سنوات بعيدة هو من زيّن له الأمر.يريد ابناً له على الجاهز بعد أن فشل في إنجاب الأولاد!! زيارته الأخيرة إلى لبنان كانت استنزافاً لما تبقّى من أعصابها.
انبهر به صالح كما يفعل دائماً، كلّ طارئ، كل جديد يدهشهُ، ويجعله يدور حوله كالكلب، يلتفّ على ذنبه، يفقد توازنه.
منذ داست رجله أرض البلاد أصرَّ أنه سيكون ضيفاً في بيتهما، لديهما متسع، لا مشكلة في ذلك، استقبلت الأمر بلا مبالاة بداية، كما عوّدت نفسها منذ زمن، لكنْ بما أنّ الأخ الكبير الذي يعود إلى لبنان بعد عشرين سنة من الغياب سيبقى مدة شهرٍ كامل على أراضيه، وعلى أرض منزلها تحديداً، فقد راح بعد يومين من وصوله يأخذ راحته بالكامل، فيتصرّف بمنتهى الحرية في مكانها كأنه في فندق، وصار يستقبل الضيوف الذين يأتون للتسليم عليه، وهو يرتدي الشورت القصير، غير عابئ بساقيه الملتويتين المشعّرتين واللتين ذكَّرَتاها بمجرد رؤيتهما بأصل أبي البشر كما رأى داروين.
ثمّ حلا له بعد ذلك التدخل بكل كبيرة أو صغيرة تُقال أمامه، كان بشّار في السنة الثانوية النهائية، في صف علوم الحياة.أحبّ صالح استشارته، والتأكيد على تفوق ولده الوحيد، رغم أنها هي أمه، مشيراً إليها، فما كان من ابراهيم إلّا أن اقترح أن يسافر بكرهما إلى كندا لدراسة الطب هناك:
-أقلّ كلفة، وأكثر إفادة، ومتعة السفر و...
-وهكذا نوفّر، ويبتعد عن هذا البلد الذي لا مستقبل فيه للمتعلمين...
علّق صالح مشيراً إلى نفسه طبعاً.
لم تُعر الأمر اهتماماً بدايةً، لكنّ حماس بشّار والتهاب رأس صالح حيال الموضوع أثارا حفيظتها، فراحت تعلنُ اعتراضها بصوت خافت بداية، بينها وبينه فقط، لكنه عاود طرح الموضوع أمام ابراهيم حول مائدة الطعام، مستفزّاً إيّاها، كأنه يريد الاستعانة به عليها.
انطلق أخوه يسفّه خوفها، ورغبتها الاحتفاظ بابنها إلى جوارها كدجاجة مذعورة، متهماً إياها بالأنانية المفرطة مثلها في ذلك مثل سائر الأمهات الشرقيات، لذلك لم أتزوج منهن، أضاف الرجل بصفاقة، الأمر الذي أبهج صالحاً، فراح يهزّ رأسه المرّة تلو الأخرى كأنه حرذون يتمتع بدفء الشمس، معقّباً أكثر من مرة:
-ألم أقل لك، ألم أخبرك؟ صدّقتني الآن؟
انصرف الأخ الكبير يشرح لها بأناة كيف أن الأباء والأمهات، في تلك البلاد التي سبقتنا بمئات السنين الضوئية، ويلتفت إليها هازّاً رأسه، أكثر فهماً واستيعاباً لطبيعة الأمور، وأنهم لا يتدخلون إطلاقاً في هذه المسائل الحساسة، كالعمل والاختصاص والعلاقات العاطفية وما إلى ذلك... يحدّثها كأنها غبية، وحين أجابته بحنق إنه شأن عائليّ محض، لا تحبّ له أن يتدخّل فيه.أجابها بصفاقةٍ مجدداً:
-صالح على حق، لقد أخبرني أنك أنانية تماماً، لست معك، دعيه يسافر وانسي نفسك قليلاً، كأنك لست متعلمة يا امرأة، يه ما بك ليلى؟
عندما أعادت فتح موضوع الاختصاص في الجامعة الأمريكية في بيروت بحيث يدرس بشار اختصاصه، ويبقى إلى جوارها، ضحك صالح ملء شدقيه، مادّاً أصابعه ذات الأظفار الطويلة تعبث بلحيته المستجدّة:
-ومن أين أوفّر لك كل هذه الأموال أيتها السيدة؟ تفضلي الحقي أباك في تربته، وطالبيه بتمويل رحلة الدراسة المكلفة هذه.
كانت تحفظ عن ظهر قلب خططه الحربية، سيتذرع بالأموال العسيرة، بقلة السيولة، بانعدام الشغل في العيادة حتّى توافق على ما يريد أو على ما يريد أخوه. ورغم أنّها في دخيلتها كانت لا ترى ضيراً في هذا السفر، إلّا أنها لم تكن تريد أن تقف موقف المنهزم أمامهما. لذلك قررت تأجيل البحث في الموضوع حتى يسافر ابراهيم، فيصبح التفاهم مع صالح أسهل بعد أن يعود مفرداً، ستخوض المعركة ضد واحد، لا ضد عشرة. باتت تتحاشاه طوال فترة وجود ذاك الأخير في المنزل.
كانت زيارات صالح إلى المنزل قد تناقصت كثيراً في الآونة الأخيرة التي سبقت عودة إبراهيم، قال إنه سوّى لنفسه إحدى غرف العيادة منامة، وبات يسهر فيها وأصحابه، وحين يتأخرون في السهر ينام هناك. وهو أمر أسعدها في جوهره إلى حدّ كبير على عكس ما كان يتوقع إذ اعتبر نفسه يُنزل بها عقاباً قاسياً وهو يهجرها. مع عودة إبراهيم تجدد حرصه على النوم في المنزل، وخلال النهار يروحان يستقبلان بعض الضيوف، أو يزوران بعض معارفهما في البلدة، وأحياناً يقصدان المدينة القريبة في تلك الناحية. تنصرف عند قدومهما إلى المطبخ متظاهرةً بالانشغال بأمور شتّى، تبقى هناك حتى يطلبا منها شيئاً فتلبي بحزم وصمت.
Page 9

(6)

في الأشهر الثلاثة التي تلت سفر إبراهيم أدّت كلّ المحاولات التي قاما بها لفضّ النزاع إلى مزيد من احتدامه.وبالطبع فقد أتاح لها هذا الحادث الفرصة لتذكر أمور أخرى، مآخذ منسية صغيرة وكبيرة منذ أيام الزواج الأولى، جرّت في أيام صعبة عديدة بعض الضغائن، وأثار بعضها الآخر، أعيد فتح جروح قديمة، بدت جروحاً حديثة، اعترى الهلع كلّاً منهما إزاء الواقع المحزن، إذ إنه طوال كل تلك السنوات الممتدّة من المعارك الزوجية لم يتوصّلا سوى إلى اجترار الضّغينة، وإذ وصل بهما الأمر إلى هذا الحدّ أخبرته أنّه إذا أصرّ على سفر بشّار إلى الخارج فهي تريد الطلاق.
وبما أنّه أحمق، ويعتبر نفسه رجلاً لا تُكسر كلمته قال لها بعشوائية تمنّتها طويلاً:
-أنت طالق من الآن، وقبل سفره.
بدا بشّار حائراً بينهما، حاول التدخل أكثر من مرّة، فأقنعته أن هذه معركتها هي، ليست مستجدّة بالمرّة فقط ثمّة ما فجّرها الآن: محاولة تَسفيره غصباً عنها.
ربما أراد بشّار أن يريح الاثنين معاً، أو ربما أراد أن يرتاح منهما جميعاً، ومن خصامهما الذي صدّع رأسه منذ ولادته، أو قد يكون راغباً بالسفر فعلاً، لا تعرف حقاً، فهي في حمأة كل النزاعات المشتعلة لم يمرّ في بالها أنه قد يكون راغباً في الابتعاد عنها.
أخبرها في إحدى المساءات أنه يرغب ببساطة أن يسافر حقّاً، وأنه ليس عليها أن تغضب لهذه الدرجة، ولا أن تحمّل الأمور أكثر مما تحمل، فوالده طيّب في أعماقه، ولا داعي لأن تتركه بسبب هذه المسألة بالذات.فهو سيكون بخير هناك، وسيتصل بها في كلّ دقيقة وثانية.وهو متأكد: والده يحبها بجنون.
تحدّث معها كرجل كبُرَ فجأة.وربّما عنّ على بالها أن تبكي للحظة فرحاً، بدا كلامه منطقياً للغاية، لكنه لم يلقَ قبولاً لديها، اعتبرت أنها خسرت المعركة الأهم في حياتها، وأن ثمرة أحشائها بشّار الذي احتملت من أجله التعايش مع كل حماقات أبيه وترّهاته التي لا تنتهي، سيتسرّب من بين أحضانها نهائياً ليتركها تسقط دفعة واحدة في الفراغ.أما حبّ والده فآخر شيء تطمع فيه.
كُثرٌ تدخّلوا للإصلاح بين الزوجين، كلّ منهما تعنّت واستكبر، وجنّ جنونها إذ وجدته يتعامل مع الأمر باستهانة، هي التي اعتبرت حياتها معه خسارة فادحة، وأحياناً تنازلاً.
لذلك أصرّت على موقفها، وأقسمت بأغلظ الأيمان أنها لن تقبل عودة لحظة إليه، فكلّفت أخاها المحامي بتخليص كل ّ معاملات الطلاق بأسرع السّبل الممكنة حتى ترتاح نهائيّاً من رؤية وجهه، ومن احتمال رائحته وقذارته.
Page 10

(7)

رغم أنه كان يعلم بخصامهما وبتأرجح علاقتهما، إلّا أنه تألم بحقّ عندما أكدت له أنها حصلت على حريتها أخيراً... كان عليه التماسك وعدم الانهزام، ومدافعة الموج الذي ظلّ زمناً يشده إلى هناك، إلى حيث ترك أمه تتمزق بين الحب والكره، وإلى حيث ترك صالحاً... أباه الذي أربكه منذ تفتح وعيه عليه، أو ربما أربكته علاقة أمه به.
اعتاد بشار، وهو صغير، الاستيقاظ كل يوم على خصامهما، يرتفع صراخمها قبل أن يثب من السرير، يسمعهما يتناكفان على كل شيء، يختصمان على كل سؤال... كل حركة تثير بينهما عاصفة من الزعيق لا تنتهي، يسمعهما يتناقشان، يبرطمان، يسخران ويشتمان، ثمّ ينصرفُ كلٌّ منهما إلى ناحية، تقبلُ ليلى عليه، ولسانها لا يكفّ عن الكلام الخفيض تهمسُ به لنفسها، ويداها ترتجفان، لا تفلح في إيقافهما، وحين يسألها بإشفاق، وعيناه الصغيرتان تتطلعان ببكاء إلى وجهها:
- ما بك؟
تقول وابتسامة صفراء تتراقص على شفتيها:
- لاشيء حبيبي، يلّلا ستتأخر عن مدرستك، لا تشغل رأسك الجميل بي، إهتم أنت بدروسك فقط، واترك الأمور الأخرى كلها لي.
كانت دائمة الرقص على الحواف أمّه تلك، يفكر أحياناً بذلك، تنتقل من أقصى الغضب، وهي تحادث أباه، إلى أقصى الحنان وهي تناغيه، وتقبّل وجنتيه وأطراف أصابعه، يبقى دهشاً وقتاً من قدرتها على التنقل بينهما بهذه السهولة، لا ينتقص من تلك القدرة سوى ارتجاف يديها الصغيرتين.
يسمع كامل صراخهما، ثم تريد منه أن يبقى هادئاً، وأن يذهب إلى المدرسة سعيداً، وأن يصغي إلى شرح الأساتذة صافياً كما النبع المتدفّق في أقصى بلدتهما، يتدفق الآن في ذاكرته، كلما غزته الوحدة، وجالست قلبه الأشجان.لو تدري ليلى أنه كان يذهبُ إلى هناك، لكانت جنّت حينها تماماً، لكنّه خبّأ عنها ذلك، كما خبّأ أشياء كثيرة عنها في الحياة، رغم أنها كانت تعتقد أنّها تحفظه عن ظهر قلب، وتحفظ حركاته وسكناته وبسماته، وعدد شعرات رأسه، وقد تحصي عليه الأنفاس.
وحين بات يغلق أمامها باب غرفته عندما بدأ يكبر، وقد راح الشعر يغزو كلّ أنحاء جسده مثيراً ضيقه في البداية فقط، فهو سيمتلئ بعد فترة بإحساس جميل برجولته اليافعة المستجدة، استغربت بدايةً، وحاولت الاعتراض، بعد ذلك ألزمها بلطف أن تفسح المكان بينهما، وكان عليها أن تحترم وتبتعدَ قليلاً.
تعلّم مع الأيام كيف يرضيها، ويدخل السعادة إلى قلبها، تريده متفوّقاً في المدرسة ليس إلّا، نموذجاً ذكورياً ناجحاً شاءت صناعته بيديها الحازمتين، لا يشبه أباه صالحاً في تردده وانهزامه... لم تكن تدري في أية ساحة مشتعلة تُرديه يصارع وحدَه، يشعّ وجهها ويشرق كشمس، وهو يأتيها بعلامات الامتياز وبشهادات التنويه، ويجده مكفهراً بهت بياضه، وبات شمعيّاً، وهي تراه يجالس صالحاً، يداعبه ذاك الآخر، ويركله، ويسدد إليه بعض اللكمات الخفيفة، وإن كانت أحياناً توجعه، لكنه كان يحبها، يشعر من خلالها بقرب ذاك الرجل منه، تغضب هي بشدّة، تقول له ببساطة:
- أحمق، تؤذيه... لايزال طفلاً صغيراً لا يتحمل ضرب يديك.
تحتضنه، وتجرّه بعيداً عنه، يرتجّ أبوه الذي طالما بدا له كبيراً صغيراً في آن، يفور بسرعة البركان إذ يغضب، وينتثر كرماده عندما يهدأ.
أتقن بشار مع الأيام التسرب من بين أيديهما القابضة عليه، يجلس في الحديقة يتسلى بمرأى العصافير تتواثب في المكان، يتسلق في غفلة منهما، ويستقر على الأغصان الطريئة، يقلد تلك المخلوقات الصغيرة في انتقالها، وفي تلفتها، يشعر أنها تألفه إذ يجلس مثلها بين أحضان الشجر، في البداية كانت تفر مذعورة منه، تتطاير جماعات تصفق بأجنحتها الرشيقة، بعد ذلك بمدة أنست إليه وهو يصل بهدوء إلى الغصن، يتموضع بأناة، ويروح ينظر إليها بودّ، وقد يُفرد أصابعه الصغيرة لتبرز من بينها حبّات أرز أو عدس أو حتى فتات خبز كوّرها في قبضته، يضعها على مسافة قريبة منه، يبقى هو بعيداً ساكناً، ويجلس ينظرها باستمتاع كيف تحار نظراتها، تنقّلها بين الحبات وبينه، إلى أن تكرج بساقيها الدقيقتين، تخطف حبة أو كسرة خبز ثم تعدو، تقفز فيما يشبه الفرح، تزدردها ثم تعاود الكرة.أيّ متعة قبض عليها زمناً والألحان تعلو من حناجرها؟
بين تلك الأغصان بنى هدأته، ومستراحه من العراك الذي كان يدور تحت في جوف الدار بين والديه، وسيبقى في مخبئه إلى أن يعلو صوت ليلى:
- بشار، بشار...