eKtab
EN ع
حبيبتي تنام على سرير من ذهب
Read free sample

حبيبتي تنام على سرير من ذهب

by محمد عيتاني

Page 1
الفصل الأول

1 - خبر الصحيفة

قبل أن أسجل كل تلك الحوادث في دفتر يومياتي أريد أن أورد الخبر كما قرأته حرفياً في جريدة الأستاذ، تحت هذا العنوان:

ثلاثة أثرياء يتنافسون فيما بينهم في شراء سرير

نابوليون من صاحبته اللبنانية!

«تجري اليوم بين أرسطو أوناسيس وبين أحد أثرياء الخليج من جهة، وبين أحد أثرياء الولايات المتحدة منافسة حادة في شراء قطعة نادرة من الفضة الصرف نقشت عليها وحفرت أجمل الرسوم في العالم!

سرير ضخم، يزن ألفا وخمسمائة كيلو غرام من الفضة الصرف نقشت عليه و حفرت أروع الزخرفات».

تملك السرير حالياً هاوية لبنانية لجمع التحف هي نهاد م. تاريخ السرير يعود إلى عهد نابوليون الثالث. وكما أفاد الخبراء الفرنسيون إنه كان سرير نابوليون الثالث مئة بالمئة.

والسؤال الآن: «كيف بدأت هذه المنافسة الدولية في شراء السرير»؟

من عادة نهاد م. أن تقوم سنوياً بعدة جولات إلى العواصم الأميركية والأوروبية للبحث والتنقيب عن أجمل التحف وأندر القطع «الأنتيكا» للغاليري التي تديرها في بيروت، ولا تعود من جولتها إلا وهي حاملة أغرب وأندر قطع «الأنتيكا»، إذ إنها لا تبحث إلا عن تحف ذات قيمة تاريخية وفينة، فهي كما تقول: «هاوية جمع تحف نادرة أكثر ما أكون تاجرة أنتيكا»!

وفي جولتها الأخيرة، وبينما كانت تبحث عن تحفها المنشودة، تعرّفت إلى مجموعة من الصحافيين والإذاعيين في فرنسا أجروا معها مقابلات تحدثت فيها عن الشرق وعن مجموعاتها النادرة من التحف وعن الزواج: الذي لا تفكر فيه حالياً إلا إذا وجدت الرجل صاحب الشخصية القوية الذي يعرف كيف يعامل المرأة كأنثى بحاجة إلى حب وحنان و...

ولم يمض على تلك التصريحات فترة حتى جاءتها مخابرة هاتفية في فندق جورج الخامس حيث كانت تنزل في باريس يطلب منها موعداً للبحث عما تحدثت عنه من على شاشة التلفزيون وذلك من قبل أصدقاء الثري اليوناني أوناسيس، لا للزواج بالطبع، بل لأنه ينوي شراء السرير الفضي الذي تحدثت عنه، ليقدمه هدية لزوجته جاكلين أوناسيس.

ويبدو أن هذه المخابرة التي جرت بسرية تامة، تسربت في اليوم الثاني بحذافيرها إلى أكبر الصحف في فرنسا وأوروبا بينها «واشنطن بوست» و «غارديان لندن» و «هانت سويد» التي صدرت بالعناوين الكبيرة، وهي تحكي قصة «سرير فضي من الشرق ينوي أوناسيس إهداءه إلى زوجته الأميركية».

وأمام هذه الحالة وقفت نهاد م. حائرة، فقبل هذه المباحثة «الأوناسيسية» كانت هناك مباحثة جادة من قبل أحد أثرياء أمراء العرب، وبالتالي من قبل شخصية أميركية معروفة، فماذا تفعل، أو ماذا تقول؟

قالت للوسطاء الأصدقاء من قبل المنافسين الثلاثة: دعوني أفكر في تلك العروض، لأنه من عادتي ألّا أفرط بقطعة من مجموعاتي إلّا إذا تأكدت بأن «الشاري» من أصحاب الذوق الرفيع، ومن ذوي أصحاب التقدير الفني والأثري، والمتنافسون الثلاثة في مستوى واحد من الذوق والتقدير!.

وعادت نهاد م. صاحبة «السرير الفضي» وهي تتساءل، كما تتساءل كبريات صحف العالم؟

من هو المرشح لينعم بالدلال على سرير أثري يزن طناً ونصف الطن من الفضة.. هل سيكون من نصيب «جاكي أوناسيس، أو أمير الخليج أو الثري الأميركي»!.

ـ انتهى الخبرـ
Page 2
حدقت جيداً إلى اسم مالكة هذا السرير الفضي ـ وعلى فكرة ـ يجب أن يقول لنا القصصي، ساعة يستطيع، لماذا سماه «السرير الذهبي»، مع أن معدن هذا السرير التاريخي واضح تماماً في النبأ، كما نشرته جريدة الأستاذ. تأملت اسم صاحبة السرير، دارت عيناي حول حروفه، بتساؤل في البدء، ثم في حيرة، ثم في ما يشبه اليقين. إنها هي بذاتها، نهاد م. ياه ما أقدم وأروع الذكريات! حبي الأول، وربما الوحيد، بلا كذب!! تأملت الاسم، ودارت عيناي بلهفة تنبع من أعماق الروح، ووجد ملتهب من جديد، ورغم بعد السنين، فقد استيقظ ماضي حبي لهذه السيدة الرائعة الحسن ـ ملكة جمال لبنان في أحد أعوام الخمسينيات ـ استيقظ فجأة وبشكل صارخ وراح يجرفني مثل أمواج نهر عارم. وسألني زميلي، في إدارة الجريدة، في إحدى غرف المحررين المضاءة بشمس الضحى الوهاجة، كنت أنا في الزاوية الجنوبية وهو في الزاوية الشمالية من القاعة الغربية الأنيقة الواسعة في دار الجريدة ـ بل جرائد ومجلات وصحف ـ الأستاذ:

- ماذا تقرأ يا باسم؟ أرى أذنيك تحمران مثل قبعات الفرقة «16».

قلت له، وأنا أشعل سيجارة: أقرأ نبأً طريفاً، ولزمت الصمت، ناظراً إلى الجريدة، ليتركني وشأني. لكن زميلي البدين، ذا الشاربين الدوغلاس، والقميص الأبيض الناصع عاد يقول: لن أسالك أية جريدة. أنا أعرف أنك خبيث ولن تقول لي. وسأقرأ تعليقات قصتك المستوحاة من هذا النبأ، في جريدة «الضياء» هذا الأسبوع، أو الأسبوع المقبل. يعطيك العافية.

لعل حبي الكبير لنهاد م. سيدة المجتمع الراقي هو الذي جعلني أقف عند اسمها وأحدق إليه ملياً.إنه هو. وهي هي، الغاليري مكانه معروف. كنت أذهب إلى هناك قبل انقطاع علاقاتنا نهائياً، بحجة رؤية المعارض المتنوعة التي تقام فيه، ذريعة، مجرد ذريعة. وأبحث عن نهاد. تتجاهلني أكثر الأحيان، تبتسم ابتسامة خفيفة أحياناً ثانية. المصورون، النقاد يحيطون بالفنان أو الفنانة، مجاملة، ثم شيئاً فشيئاً، يقتربون على مهل ولكن بخطى ثابتة نحو السيدة نهاد، صاحبة الغاليري. هل كانت تعرف بأنني كنت أنا صاحب المقالات الجيدة، في النقد الفني ـ ومادح نفسه يقرئك السلام ـ مقالات التقريظ في الجريدة الكبرى وفي مجلات الأستاذ، وأظنها كانت تعرف. أحد زملائي الصحافيين قال لي مرة، وكان قوله شيئاً نموذجياً يتكرر تقريباً وإن بأشكال مختلفة، مراراً كل عدة أسابيع. قال زميلي الصحافي: دعتنا السيدة نهاد إلى قصرها، وأقامت لنا حفلة عشاء. وأكملنا السهرة في الكازينو وسط الرقص الأوروبي والشرقي المذهلين والأضواء الساطعة والصدور النسائية المكشوفة والطيوب، وزنابق الليل العميق، وسحر الموسيقى. وتحدثت نهاد مرة واحدة عنك. ارتعشت شفتاها، الظاهر أن وسامتك، مضافة إلى موهبتك الصحافية، مضافة إلى شيء لا أعرفه قد جعلها تتحدث عن شخص غائب وكأنه معها، يملأ وجدانها بحضوره.

وأنا عصام ناجي، المحرر في إحدى جرائد الأستاذ، أنا وحدي ربما أعرف أن زميلي أهمل في جملة عطفاته وإضافاته كلمة وهي «إلى الماضي»، أقال «شيء لا أعرفه»، وهل يمكن أن يعرف الإنسان، ولو كان صحافياً، كل شيء. في المعارض التي كانت تقيمها نهاد م. الشقراء الندية الرقيقة، الحلوة الزرقاء العينين، ذات الضفيرتين العسليتين، والعينين بزرقة أعمق مكان في قاع البحر، أو أعلى مكان في السماء ـ حبيبتي ـ بفستانها الأبيض الديكولتيه، وهدوئها العجيب، تنظر بفتور إلى زائري أروقة الغاليري الواسع الأنيق، المضاء بمصابيح نيون في أعلى الجدران، لكنه فتور ملهب، وإذا صدف أن استبقها نظرها نحوي فإنها كانت دوماً تكبح ضياء عينيها عني وتتجاهلني. في البدء، قبل أشهر، وربما سنوات، حاولت التقدم نحوها، لأقول لها بمجرد مصافحتي الحارة لها إن الماضي انتهى، وإن الحاضر هو مستقبل العمل بيننا. أي معارض الغاليري عندها، ومقالاتي في الصحف، وإنني سأكتب عن معارضها، كما أرى، وبكل إخلاص، مع المحبة، ولكن دون انتظار أي لقاء. ومرة واحدة، ربما مرتين، بين الناس، والزوار. اللحى الطويلة على وجوه الشباب الحمر البشرة، وسيقان الفتيات الملساء الخمرية اللون، والحقائق شبه النهائية لأفخاذهن، أفخاذهن تظهر من الميني جيب الذي يمكن تسميته «ميكرو» بسهولة بل زيرو جيب إلخ. أي بدون فساتين بالمرة، عاشت الحرية! مرة واحدة أو مرتين ابتسمت، حبيبتي صاحبة السرير الفضي، سرير نابوليون الثالث، الذي يتنافس في شرائه اليوم، كما قرأت وقرأتم، أوناسيس الملياردير اليوناني الذائع الصيت، خصوصاً عندما أصبح ينام مع جاكي كندي ـ أجل، زوجة جون كندي، الرئيس الأميركي المقتول ـ والمليونير الأميركي، إلى آخر المتنافسين. مرة واحدة، وكانت وراء طاولتها، في «بريزيديوم» معرض لوحات الرسام المودرن ذي اللحية الطويلة جداً، وكان من الطراز التاشيست، براعة في توزيع الحجوم وعرض محتويات علب الألوان بأشكال أشبه بغيوم تشرين الثاني، مع ذكاء في الأسلبة، مرة واحدة وربما مرتين، منذ أشهر، ابتسمت حسنائي المعبودة نهاد م. بل مرتين ابتسمت لكنني احتفظت بعزة نفسي. كان كل ما في أعماقي يغلي وينهار ويذوب وتغمره ثلوج طيبة ومريحة ولذيذة: تقدم يا عصام الحياة تنازل أحياناً. شخص آخر أو غير آخر ما هم. وهل يستعيد الرجل لغزاً. لكنني تجاهلت ابتسامتها، مرتين، ثلاث مرات، بل أربع مرات. الآن أذكر كل شيء جيداً. لكنني في كل مرة كانت تتسلل بوجهها الفينوسي الفتان،وعينيها الزرقاوين المجتاحتين، وحاجبيها الرقيقين الآسرين، كانت تتسلل من بين الزوار وكتل التماثيل وقطع الحجارة المنحوتة كيفما اتفق رأسي، على مربع، على مدور، على ظلف ماعز، على مجموعة من الكتل النحاسية تشكل رمزاً هادئاً للديمومة وسط مجيء وذهاب عشرات الفتيات، شبه العاريات، الرائعات الجمال، المنكوشات الشعر. مراراً كان نظر نهاد يتسلل من بين كتل التماثيل والنقاد والوزراء والنشالين والمشترين والمصورين والإذاعيين وطالبي الأوتوغراف والحمالين.
Page 3
مراراً عديدة بحث نظرها عني، لكنني كنت أجتنب نيرانها الزرقاء المذيبة وأختفي وراء رسوم مائية زاهية أو كتلة «كآبة» سوداء. مرة أو مرتين تقدمت منها، لكن معبودتي الفاتنة تجاهلت يدي الممدودة، وبدلت ابتسامتها عبوساً، وفتحت كتاباً أو جاروراً في طاولتها الرئاسية متظاهرة بأنها منهمكة في القراءة.

وحين قالت نهاد «نعم» الأولى، وانتقلت أنا بسيارة تاكسي مارسيدس إلى قصرها، طلبت إلى المارسيدس أن يوقفني قبل باب القصر بمئتي متر. وصعدت ببذلتي البيضاء، وقميصي الأزرق وشعري البني الأجعد، وكرافتي البيضاء المقلمة بخيوط سوداء دقيقة، وقامتي العملاقة، ـ مادح نفسه يحييكم مجدداً ـ لكننا الآن في ساعة الحقيقة. دققت الباب. فتحت الخادمة. نعم السيدة موجودة. حديث عابر.

حيرة. خجل. تبريرات ساذجة. موسيقى. ويسكي. التلفزيون يقفل سريعاً. موسيقى. حياة المرحوم. تاجر ترانزيت. صدمه حادث سيارة. كانت تخلص حتى الموت إخلاص مريم العذراء. تعزيات. موسيقى راقصة. غرفة النوم. ستائر حرير أبيض مستكاوي. سرير واحد عريض. في أعلاه وسائد نبيذية مزركشة. جلسة إلى التواليت، عيناها البحريتان الهائجتان تنظران إلي من المرآة. هدوء عجيب. غليان في الأعماق. وجهها أحمر كالنبيذ، كأضواء الشفق، كقلب الوردة الجورية. «ولماذا تقف هكذ مثل تمثال رياض الصلح؟ ألا تحس بالحر، تعال يا حبيبي»...

2 ـ المصحح

المصحح يعلق على النبأ المنشور في جريدة الأستاذ عن السرير الفضي الذي يبلغ وزنه كما قرأتم طناً ونصف الطن، أي بحساب الجمل، ألفاً وخمس مئات لا أبالكم من نوع كيلو، وهذا البيت قد نقص! والذي تملكه فلانة الفلاني، والذي ـ أيضاً ـ وكان ينبغي عدم تكرار الذي ـ فيقال التي يتنافس فيه ثلاث من كبار شخصيات عالم الأعمال والرأسمال، والذين هم بحاجة أثناء خلواتهم «الهزيعأ خيرية» من الليل إلى سرير فضي محفوف بأمجاد نابوليون وفتوحاته ـ ولكن الثالث انتبه وهم ثلاثة. والعشرة متى تأتي يا نرد الحظوظ السعيد؟

المصحح: اسمحوا لي أولاً أن أتحدث عن النص من ناحية اختصاصي. زوجتي في الصباح قبل أن آتي إلى مكتب جريدة الأستاذ، أنبأتني بأن الأولاد بحاجة إلى دواء، وبأن الصغير مصاب بنوبة سعال حادة. ثمن الدواء المهدىء «فيوتونين» خمس ليرات، وهذه لا يمكن الحصول عليها ـ إذا أمكن ـ إلا بعد الظهر. موشح ضد شراء الكتب والجرائد. رد صارم. ثم في حنان: قدمي له فنجان شاي. لا شاي في المنزل بل هناك بحر في بيروت. رأيته واستحممت به. هل نسقيه من مياه البحر؟ أرسلي وليد إلى الدكنجي يستدين قليلاً من الشاي. توقف عن إعطائنا الأغراض ديناً ـ لماذا؟ هل أكلنا عليه شيئاً ـ لم يقل ذلك. لكنه رفض قطعياً أن يعطي الولد البارحة حتى علبة كبريت. وزمت أم علي شفتيها ولفت غطاءها الأبيض حول رأسها وقالت، في تردد: وهل أعطي الولد شاياً بدون سكر؟ ـ لا يوجد سكر، ـ لا يوجد سكر. ولا شوي. ولا شوي. جاءت أم علي بالعلبة التنك المدورة البيضاء. وضعتها على المصب. فتحتها أم علي. ثم قلبتها. نظرت أنا، مصطفى الصالحاني، إلى داخل العلبة: عجيب! ولا حبة! ـ العادة أن يعلق في كعبها بعض الحبات.

- بسلامتو إبنك منير اليوم قبل أن نفيق نحن من النوم ملأ العلبة ماء وشربها وعاد إلى النوم. هل يمكن ضربه! الخيزرانة فوق النملية في المطبخ. حملتها وسعيت نحو سريره. في الطريق أمسكت أم علي بيدي بقوة عطلت حركتي. كدت أصرخ شاتماً إياها في هذا الصباح الباكر. ولكن بعد قليل هدأت وقلت لها: طيب، معليش. ليبق منير في الفراش، استعيري فنجان سكر وقليلاً من الشاي من عند الجيران. السكر من محل، والشاي من محل. راتب ثلاثمئة ليرة شهرياً لا يكفي الشخص في هذه الأيام لأن يأكل خبزاً فقط مع أولاده. والملابس والمدارس والضرائب وأجرة البيت وثمن الزيت كيف نعيش يا جماعة بثلاثمئة ليرة؟ عند الباب، على رصيف الشارع، كان رجال الفرقة «16» ينزلون من سيارتهم السوداء الكبيرة. انتظرت لأرى ما الخبر، بعد دقيقتين عادوا يسوقون أمامهم العتال أحمد الفيل. ماذا نعمل؟ شيء فظيع وخطير ومؤثر وخرج جرايد. لن أحكيه للأستاذ عصام إلا إذا أقرضني عشر ليرات. هل تسمح لي كرامتي بأن أقترض منه عشر ليرات؟ ولكن ضروري. تشرشحنا في المحلة. الدكنجي يهاجمني، وبائع اللبن، والخضرجي يترصدني مثلما يترصد فأراً. أم علي سألت: لماذا يلزمك قاموس المحيط ولسان العرب وعندك حرفوش؟ والفران أوقف عنا إرسال الخبز كل صباح. الله يغير الحال بأحسن حال.شو عمل العتال أحمد الفيل يا حاج سعيد الطش؟
Page 4
3 ـ الدكنجي

- الدكنجي يتكلم عن حادثة لعلها خارجة عن سياق القصة وليس مطلوباً من الروائي تفسير سبب هذا الخروج لأنه قد لا تكون خارجة عن السياق والله، أي الروائي الأعظم، أعلم.

الدكنجي سعيد الطش يتكلم عما ارتكبه العتال أحمد الفيل من فعل شنيع بكيس السكر.

سأل الأستاذ المصحح القصير البدين، وهو على رصيف الشارع، جاره الدكنجي الحاج سعيد الطش، وكان هو الآخر وهو طويل ناحل معوسق مثل قصبة الصيد: لماذا الفرقة «16» هون يا جار؟

كان الدكنجي الحاج سعيد الطش يرش الملوخية المعروضة أمام باب الدار بالمياه لتصبح أكثر نداوة. الوزن عالذمة والدين الله وكيلك. تفضل اجلس يا أستاذ ـ ليش الفرقة «16» آخذي أحمد الفيل العتال؟ ضحك الحاج سعيد الطش. تفضل قعود يا أستاذ. وقدم له كرسياً خشبياً وهو مزيج من الخيزران وخشب السحاحير مربوطاً بحبال عن يمين ويسار. ومن الضحك ظهرت أسنان الحاج سعيد الطش الصفراء، وماء الوضوء والملوخية يقطر من زنديه، لقد تأخر الحاج سعيد الطش، لأول مرة في التاريخ، عن صلاة الصبح، والآن بعد أن يرش الملوخيات بشيء من الماء، سيذهب إلى جامع عائشة بكار ليصلي الصبح قضا. وسيجلس ابنه عفيف على سحارة كبيرة ـ الكرسي الخيزران المرمّم له هو الوالد وللضيوف من أمثال الأستاذ مصطفى ـ سعيد الطش ليس هو الدكنجي الذي رفض الاستمرار في بيع الحاجيات ديناً للمصحح الصحافي الأستاذ مصطفى ـ ليحرس له الولد المحل ـ اشتري لك شي كلب ينطر المحل، قالت في رجاء وخضوع امرأة الحاج سعيد الطش لزوجها الحاج سعيد الطش أو استأجرلك صانع. الصبي عم تضيعلو علماتو يا رجال، الصبي عليه إكمال بالشغرافيا والبرنساوي.

- هيدا ما شغلك يا مرا. الكلب نسَّى والصانع حرامي. كل الصناع حرامية. والصبي تبعنا شاطر بكرا بجمعه بيدرس وبيصير بلبل. وأعاد الأستاذ المصحح مصطفى سؤاله وهو يشتم الأستاذ صاحب دار «الضياء» ابن ألف كلب. بيقول إني ناصح لأني بقبض برطيل من هون وهون من صحاب الجرايد التانيي مطرح ما بصلح كمان، حتى أعطيهم مواضيع وأخبار اخترعها الأستاذ والصحافيين اللي عندو. الله وكيلك، كذاب، منافق الأستاذ، اللي بيهدي مرتو كل ليلة لأمير كويتي أو سعودي، وبيقضيها للساعة خمسي في الكازينو عالقمار وبيجي يفقع افتتاحية مع 10 أو 15 صورة كبيرة عن بطولات الفدائيين ومعارك القومية العربية الجبارة على القنال، شو بيطلع منو؟

- اي يا حاج سعيد، شو قصة أحمد العتال. كانت سيارة الفرقة «16» السوداء الطويلة قد حملت العتال بعيداً وهو يقاوم بشدة وشارباه الغزيران ينتفضان غضباً، وضربه أحد الشرطيين بعقب البندقية على رأسه فتدفقت دماء غزيرة حمراء متوهجة تحت شمس الصباح راحت ترتسم بقعاً كرؤوس الحراب والقنابل اليدوية ووجوه الوحوش الهاجمة، على بروتيل أحمد العتال وكلسونه، وأحمد العتال يقاوم الشرطة بعنف: أخت اللي طرقكم. شو عملت.الكيس انفتح معي بالشرشور بالغلط... شو كفرنا؟ نهبنا بنك الدولة؟... أخت هالحكومة!

قلب المصحح الأستاذ مصطفى ينقبض مثل ليمونة حامضة تنعصر بالعذاب لكن زومها طفر إلى عينيه فيما الحاج سعيد الطش يكاد يستلقي على ظهره من الضحك:

- شو عمل أحمد العتال يا حاج؟! وشو قصة الكيس والشرشور؟

ضحك كثيراً ثم قال الحاج سعيد الطش صاحب دكان السمانة والخضرة في شارع «الراشدين» في محلة عائشة بكار، بعد أن أنهى رش حزمات الملوخية بالماء وهو يوزع عليها الماء بأصابعه الهزيلة:

- شو عمل؟ عمل جريمة ما إلها رب!

- شو؟

- يا خيي مبارح إجت خالتك أم السبع، الأرملي الختيارة البهلا اللي ورا الجامع وفاتت عالزاروب عند أحمد العتال وقالت لو: دبرني بشوية سكر الله يخلي لك هالولاد ويرد عنهم. ولادي بدهم فنجان شاي يتروقوا. الست أم خضر، ضرّيبة الإبر، شحدتني شوية زيتون، والفران بعدو عم يدين، وفيه من خيرك كمشة شاي الله بعتها ـ كيف بعتها؟ ـ شو الله تاجر شاي! ـ لا اصطافر الله! بس مبارح كانت مارقا أختك عواطف بنت أبو عبدالله قالت لي كيفك يا خالتي تفضلي هولي ـ وناولتني كيس زغير فيه نصف أوقية شاي ـ الله يرد عنك، الله يخليكي لأهلك. الله يستر عليكي، الله يبعت لك نصيبك! كشفت رأسي وصرت إدعيلها ـ الله يخليلك الماما والبابا، يا بنت الحلال ـ طيب وآخرتها، بدنا نروح عالشغل، شو عمل أحمد العتال حتى أخذتو الفرقة «16»؟، شو عمل؟ وقهقه الحاج سعيد الطش وهو يطوي جسمه الطويل الهزيل بحيث ظهر كزاوية مستقيمة جالساً على كرسي خيزران جديد للمعلم، وطربوشه الأحمر الطويل الغامق أشبه برأس مئذنة: شو عمل؟ عمل السبعا وذمتها. يخرب بيتو ما أنجسو! وهزّ رأسه يمنة ويسرة مثل رقاص ساعة عتيق ينوي أن يتوقف نهائياً منذ زمن طويل.
Page 5
- (بالفصحى أرجوكم. أجل. أنا المصحح الأستاذ مصطفى أنظم الشعر... أيضاً).

بربك يا حج بدنا نروح

على الشغل تا نصحح المطبعة

فهات لما فعل الأحمدون

فجاءت لهم فرقة المرقعة

ازداد ضحك الحاج سعيد الطش وبرز الصف الأمامي من أسنانه، وهو عبار عن سنين أو ثلاث أسنان عفنة سوداء منخورة يراوح لونها بين الأزرق والأصفر والباج، وبقية فمه نيرة بنفسجية أشبه بقفا السعدان.

صاح الحاج الطش: عمل السبعة وذمتها. يخرب بيتو ولا خطرت ببال إبليس. مبارح إجت خالتك أم السبع تدب على عصاها ساحبة فستانها الرمادي المرقع الطويل: الله يرضى عليك يا أحمد أفندي. يجعلك مقصد. أمر يا خالتي أم السبع. قالت خالتك أم السبع الأرملي أم سبع ولاد: الله يرضى عليك قاصدتك عاغرض.

- أمر يا خالتي شو هالغرض، وبلا طول سيرة قالت: بدي شوية سكر من عندك. حدق أحمد العتال بخالتك أم السبع، وزم شاربيه بقسوة، وثبت على المرأة العجوز عينيه الكبيرتين الواسعتين وقال لها: تكرمي يا خالتي. استني شوي! ودخل إلى بيته وجاب لها علبة السكر وفضالها ياها بغطاها الأبيض المعوم قطرا زرقا. وقال لها، وهو يكظم غضباً لا أدري من أين جاءه، وكنت أنا، خيك الحاج سعيد الطش حاضراً الرواية كلها: هيدا كل شي عندي. واليوم عشيي بجبلك شوية كمان. والظاهر، ما عرفت بعدين أنو البيك أحمد العتال ذهب إلى البور، ومعو الحبل والشرشور، وفات عا ديبويات (مستودعات) الخواجة بطرس الخوري وشركاتو مطرح ما بيشتغل، وهي مستودعات كبيرة، عا مد عينك والنظر، قناطير مقنطرة من السكر، بابور متلان واصل من إيطاليا قبل يومين، زقوه العتالي وأطمبيلات الشحن وستفوه أحمد العتال ورفقاتو بكل الديبويات عالبور. فيه بآخر الديبو باب مسكر بأكثر من خمسين كيس سكر. ضرب أحمد العتال الشرشور، وفتح سبيل سكر للناس: وصاح مثل المجنون وهو يقف في نص الشارع: تعوا عبوا سكر عا حساب المعلم. الخواجة قال لي: بدي إعمل نايب هالسني. أعط الناس سكر ورز وطحين. الأفندي أحمد العتال ضرب الكيس النصاني شرشور، بخشو، نزل السكر عالأرض بالأول مثل مي النبع، بعدين ركضت العالم من هون وهون وكل واحد ناتع كيس أو تنكة ونسوان كتار رفعوا حراجهم وعبوا فساتينهم سكر أبيض تشيكي عاحساب الخواجة بطرس الخوري وشركاتو. وعاصوت الضجي والعياط والخناق، لأنو الناس هجموا عالكياس وصارت المسألة خلط بلط، تلفن الجيران، تلفنوا لواحد من الشركي إجا، هجم، صار يدفش العالم ويبكّسهم، عوّر تنين تلاتي بعدين الناس بلشو يضربوه: شو إنتي بدك تسقط أبوك بالانتخابات بدنا سكر! الجيران تلفنو لواحد من الشركي إجا مع البوليس كمشو أكثر من عشرين شخص حاملين كياس وتناك سكر والنسوان هربت، ناس منهم نفدت بجلدها وناس كبت كل شي ـ بلا معنى ـ عالأرض، وولعت، وعلق اللبخ، وصار الناس دماياتهم حماياتهم، وإبن الخواجة وتلاتي أربعا من البواليص صاروا بين الإجرين بعدين طلع الرصاص وكل الحراميي أخدوهم لعند بيت خالتهم.

وأحمد العتال شو عملوا فيه؟

- ما عملوا فيه شي. أحمد العتال كان أشفق من النسيم فركها واختفى بأرض بسما. الظاهر إجا يتحامى بمرتو. واليوم إجت الفرقة «16» عفشتو.

وقف المصحح الأستاذ مصطفى، وهو يهز رأسه بين ضاحك ومستعبر، وقال للحاج سعيد الطش وهو يودعه: طيب، ليش ناس بيكون عندها ألوف كياس السكر، جبال من السكر، وناس ما عندها ربع أوقية حتى تعمل شاي لولادها؟ فانتفض الحاج سعيد الطش عن كرسيه الخواجية من قرب ملوخياته المنداة بتعب أصابعه وصاح وهو يودع الأستاذ مصطفى القصير البدين الواسع العينين: ناس بتتعب وبتشتغل والله بيعطيها وناس بتنام أو بتقعد تكش ذبان. وقال الحاج سعيد الطش وقد ظهر غضبه: كلامك كلام الشيوعيين يا أستاذ! شو بدكم تشاركو الناس بأرزاقهم!

كان الأستاذ مصطفى قد ابتعد قليلاً عن باب الدكان، محركاً حقيبته الجلدية البنية، منتظراً السرفيس، فأراد الحاج سعيد أن يجهز على خصمه بالآية الكريمة:(,ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، يا أستاذ!

- أي، بس نسيت آية تانية، سأله الدكنجي الطويل الهزيل متحدياً: أي آية. تفضل هاتها. وتلون وجه الطش بكل ما تركت ستون عاماً من الكفاح البضاعي وأعمال تدقيق الذمة في عروقه من دماء.

فرد الأستاذ مصطفى وهو يصعد إلى سيارة السرفيس السوداء اللامعة التي توقفت لنقله: أي بعدين. بعدين بقول لك هالآية الكريمة. بعدين.

وراح يردد في سره:

«والذين يكنزون الذهب والفضة تكوى به وجوههم وجنوبهم يوم القيامة». وقال الأستاذ مصطفى في سره أيضاً: يوم القيامة؟ القيامة بعيدة. إذا كان أبكر شوي «معليش».
Page 6
الفصل الثاني

1 - الشرشور

- سيارة الفرقة «16» السوداء تحملك إلى المخفر، أحاط بك رجال الشرطة جيداً، الدنيا ربيع حار، والشمس تضرب عيون الجميع وتتوهج على رفاريف السيارة . ما أكبر هذا الكيس الذي يحمله هذا الرجل على ظهره. وأنت الآن بين أيدي البوليس، ما كان أغناك عن كل تلك الشرشحة! في الشارع أولاد بدأوا يفجرون الطرطيق. العيد الكبير غدا قريباً. الناس بدأت تروح إلى الحج. وأنت حججت مرتين يا أبو حسين أحمد العتال: مرة إلى الكعبة ومرة إلى كربلاء. والآن أنت بين قبضات رجال الشرطة وبنادقهم، أنت الرجل الجبار، المرشح لتكون شيخ عتالة المرفأ، ها أنت الآن كالفأر الحقير، كالبسينة اللي خابصها مارسيدس أو بويك، أو ضربتها برأسها عصا قوية، أنت بالكلسون والبروتيل، يا عيب الشوم، ودمك يتجمد على صدرك وركبتيك وقدميك، أحمر متوهجاً، كدم الديوك المذبوحة أيام العيد، بعد أيام، يأتي عيد الأضحى، من سيكون للمرأة والأولاد في العيد يا أحمد العتال؟ سيارة الفرقة «16» الأميركية السوداء تجتاز الطرقات الضيقة، المحاطة بعمارات ضخمة، وأشجار، هذه سينما «ياسمين»، وهذا مكان حبس النسوان القديم الذي احتله الناس أثناء ثورة 58 وكان أبو حسين بين الذين دخلوه عنوة بعد أن كتفوا رجال الدرك الذين كانوا يحرسون أبوابه وجدرانه، وسألهم أحد الجنود، المقيدين بشراشف النسوان بعد أن خرجت عشرات السجينات، صبايا وعجائز يزغردن ثملات ابتهاجاً بأصوات تشق صدر السماء: يعيش «صائب بك»، يعيش عبد الناصر! سألك يا أحمد الفيل، الدركي الملقى على الأرض مثل ديك مذبوح: هلق صرتو مبسوطين؟ مبسوطين ونص. عم نحرر البلد!

- يعني تفليت البنات اللي ما بيسووا والنشالات والنسوان اللي بيفوتوا عند تجار القماش والكلسات تا ينهبوا ويسرقوا معناتو تحرير البلد؟ قلت له مردداً قول الزعيم أحمد بك: الثورة ثورة. إذا ما كبرت ما بتزغر! ـ إيه، طيب، بكرا منشوف. تقدمت منه، ورفعت فوقه رشاشك التومي غن التشيكي قاصداً تحطيم رأسه: كول خـ ...! ولا كلمة، بكسر راسك! سكت الدركي المربوط بشراشف النسوان الملونة القذرة،ونظر إليك بعينين فيهما يغلي الحقد والفزع والتوسل. كم تشبه عيناه عيني أخيك أبو علي، الذي قتله الجيش منذ بدء الثورة ضد مشروع أيزنهاور وضد التجديد لكميل شمعون. وضربته دون حقد كبير ولكن بقوة على كتفه بعقب الرشاش: بس يا عـ... شاطرين تقتلوا الناس وتجيبوا الأميركان تا يحتلوا؟ إذا حكيت كلمي واحدي بعد، بطخك! والآن ها هي جدران وأنقاض حبس النسوان، ها هي الطريق الإسفلت السوداء الهابطة إلى البلد عن طريق المصيطبة تلمع تحت أشعة شمس الظهيرة، واشتعل قلبك شوقاً ولهفة ووجداً: ها هي عربات أبناء الجنوب في حي اللجا، محملة بالخضار والفواكه الزاهية الألوان. ورجال ونساء وأولاد، جمهور كبير متجمعون حول العربات يشترون ويفاصلون ويسدون طريق السيارة. فتيان يبتعدون عن طريقها وهم يصلونها بنظرات شزراء، صبية هيفاء مثل بنتك زينب تسير بفستانها الأحمر بغنج ودلال مرخية ضفيرتها العسلية الطويلة، مثل ضفيرة بنتك رقية على ظهرها الناعم الجميل: قلت لك يا أم حسين ما بدنا نحط بنتنا زينب صانعة. هاي بلش ابن معلمها يلحقها من أوضة لأوضة. وغلا دم أبو حسين في عروقه: سوف يقتل أحداً اليوم أو غداً. وشد يديه القويتين على الأصفاد الحديدية والسلاسل. سوف يحاول الهرب ولا شك. مجرم خطير. وضربه جندي على رأسه بعقب مسدسه، ضربة متوسطة، إرهاباً وتحذيراً:

طيب، طيب يا إخوات الـ... يا دايم الدوم، كل مين إلو يوم. ووصلت السيارة الكبيرة السوداء بفرسانها الخمسة أو الستة إلى مخفر المزرعة. زاروب ضيق، بنايات صغيرة، ـ تفضل شرف سيدنا! ضحكة صفراء من قائد الدورية - سيدك غصباً عنك! لا يمكن ضربه الآن حتى الدماء، بل أدخله أحد رجال الشرطة إلى حمام المخفر، قبل إيصاله إلى غرفة معاون المفوض: غسلوه منيح وسلموه بضاعة نظيفة. وفي وعظ: وهلق الحكي بيناتنا. شو بدك بكياس السكر بتاعت الشيخ بطرس الخوري؟ أمك عا أم كل الخواجات! الصفعات لا تحدث تأثيراً ضخماً في هذا الوجه الأسمر الغليظ والشاربين العنتريين. ومع ذلك كانت الصفعات أقرب إلى البوكس، فسالت أيضاً دماء غزيرة من بين أسنان أحمد العتال المقيد اليدين بالسلاسل والذي كان يستعمل اللبيط دفاعاً وقال، وقد جحظت عيناه من الغيظ والهياج: طيب يا أخو الـ... إذا ما قتلتك بكرا بكون عـ... عامرتي! وبعد أن جرى تنظيف أحمد العتال تماماً سحبه رجال الشرطة إلى غرفة نائب المفوض. يجب الانتظار قليلاً على بنك خشبي طويل، في القاعة الوسطى السوداء، على الجدار الجنوبي المقابل صور عديدة: وجوه كاملة، وجانبية. رجال عديدون. وفكر أحمد العتال. كلهم مطلوبون. ولم يستطع البوليس حتى الآن القبض على أحد منهم، لماذا لم نهرب إلى بيت علي بك. إلى جباع. إلى حاصبيا. هناك مخابىء في سحمر لا يعرفها الله عز وجل نفسه. لو كان يعرفها لأرسل إليها قليلاً من الرحمة. لكنك لم تهرب. لم تفر من وجوه البوليس. علمت أن المسألة حينئذ ستطول، تتعقد، وقربه على البنك الخشبي بوليس بعلبكي يقرأ جريدة: اسمعوا يا جماعة. تخت كبير لنابوليون الثالث كله من الفضة. ألف وخمسماية كيلو! ـ فظاعا.

قال أحد الموقوفين: ما بيسوا يناموا كمان إلا على الفضة! ـ طبعاً، هيك ألذ .
Page 7
وقال موقوف آخر: نابوليون؟ هيدا يلي ما قدر فتح عكا؟ ما بعرف بس هيدا نمرو تلاتي. بيكون من العيلي. موقوف آخر أبرص، قصير: هيدا بطر . كفر. قرب يوم القيامي، ألف وخمسمية كيلو فضة! الناس كفرت! بكرا بدو يجي أعور الدجال! موقوف آخر ذو لهجة سورية ودشداشة حلبية وطاقية بيضاء قذرة: ليش موشى دايان ما أعور مظبوط؟ ما هو دجال ونصف! صرخ الشرطي: اسكت إنتي وياه. وكمان جايين هون تحكو سياسة! سدوا بوزكم. ثم يخاطب زميله الجالس في الغرفة الشرقية، وراء السجلات والملفات: ألف وخمسماية كيلو فضة يا فريد أفندي. الله يطعمك ـ يطعمني شويا. سأله فريد أفندي من الغرفة التي أقفلت من الشرق دون أشعة شمس الضحى: يطعمك نصفهم! بيكفيني يا سيدي نام ليلي واحدي عا ها السرير مع اللي بدي ياهم. وصاح صوت عريض حازم من وسط الطاولة المقابلة وفي الغرفة الشرقية أيضاً: انضباط! وبلا كترة حكي! الموقوف التالي يتقدم! كان الدور لأبو حسين أحمد العتال، فتقدم بقامته المربوعة، وهو يذوب خجلاً ويغلي غضباً ويتمزق ندماً وحسرات، وفي مثل لمح البرق قال في فكره: شو كان بدك بكل ها القصا؟ مين بدو يدير بالو عالمرا والولاد؟! بكرا جايي العيد. مين بدو ياخذ ديك للعيلة ويشتري لهم فشفيش وطرطيق وياخدهم عالحرش يطعميهم مخلل أحمر، ومقانق مقلي بين شجرات الصنوبر الخضرا ويطلعهم بالدويخات الملونة العالية.

إبنك زين العابدين، الصغير يحب أكثر من كل شيء، الحصان الخشبي الأزرق الذي يدور تحت جنزيره الحديدي محاطاً بفرح الأولاد وضحكاتهم. شو كان بدك بكل هالشغلي، اللي بياكل سكر ولا عمرو ما ياكل! وقال له أبو برنيطة حمرا: إذا حكيت كلمي واحدي انو ضربناك بتعرف شغلك! زم أحمد العتال شفتيه تحت شنبه الأسود الغزير ولم يجب. معاون الكومسيير يحدجك بنظرة هادئة، ساخرة لكنها تتوهج بالغضب والتهديد: هيدا هوي البيك اللي فتح سبيل سكر للعالم. ـ هيدا هوي سيدنا كان روحنا اليوم كمان! يعني قبضاي. قبضاي غصباً عنك. بس يا إمام علي، شو كان بدك بكل هالقضية. إسمك. مهنتك. عمرك. أبوك. أمك. مذهبك. مكان الولادة. خود نفس. السوابق.

كاد أبو حسين العتال يقول له: سوابق قليلي. بس احتلينا جاركم حبس النسوان سنة 1958، وسنة 62 اشتركت بإضراب عمال المرفأ وعورت كومسيير! لكنه لزم الصمت. لشو كترة الحكي؟ استجواب طويل. حكيت اللي صار تمام. شيئاً فشيئاً أبو نقولا معاون المفوض، الطويل الجسم الشائب، بملابسه الكاكي، وقبعته الصفراء قربه على الكرسي، لم يستطع أن يقمع ابتسامة أقوى من ضحكة مجلجلة وسأله:

- ما عيب عليك جايي تقابل الحكومي مظلط هيك؟ لم يجب أحمد العتال.المعاون: طيب، إذا كان الشيخ بطرس الخوري وشركاتو طيبين معكم، وبيعطوكم ريق حلو، ضروري تركبوهم؟ قال أحمد العتال، وقد هدأت جوارحه، وأحسّ أن الجو غير معاد له تماماً في ناحية أبو نقولا: ـ يا سيدنا ما ركبناهم ولا شي. كل شي عملنا بخشنا كيس سكر وإجو الناس، وكل واحد أخذ شوي! ـ برافو وهالسكر هيدا مال أبوك؟ لا سيدنا، بس حزن قلبي عا جارتنا أم السبع الختياره البهلا أم سبع ولاد. سأله المفوض وهو يكاد ينفجر غيظاً: إشبها أم سبع بزاز؟ جارتنا أم السبع الختياره البهلا اللي ساكني وراء الجامع إجت مبارح عبكرا لعندي قبل ما روح عالشغل، فاتت لعندنا عا حوش شومان قرب.. المسلماني وطلبت نتفة سكر تا تعمل شاي لولادها.

- طيب وإنتي ملزوم تشرب أم سبع بزاز شاي؟ وعالبور، شو دخل البور بخالتك أم سبع صرامي؟

- سيدنا ما دخلوا شي! بس بعد ما ركبت السرفيس لصوب الأوتوماتيك تا روح عا شغلي في مستودعات الشيخ بطرس الخوري وشركاتو عالبور صرت فكر وفكر: شخص واحد، عندو جبال سكر، مزتوتين بالديبويات (المستودعات) كل يوم لو باع ميت كيس بيضل عندو ألوف الكياس، وألفان أو ثلاثة آلاف شخص فقير في زاروب العليّي والمسلماني وعيشي بكار ما معهم حق رغيف أو حق وقية سكر؟!

- طيب، عال. خلص يعني بتعترف بأنك بخشت كيس السكر.

- لأ. ما أني بخشتو.

- لكن مين بخشو؟ النبي كيكي؟

- لأ. الشرشور عملها.

- ومين كان ماسك الشرشور؟

صمت أحمد العتال. وأصبح شنبه الأسود وعيناه السوداوان الغامقتان الواسعتان، مباشرة في مواجهة أبو نقولا، معاون المفوض.

- رد. ما عندي وقت كتير. وأخرج كرباجاً من غضروف العجل من درج الطاولة ووضعه عليها في هدوء، وقال بلهجة باردة لكنها زاخرة بالتهديد: إحكي متل العالم وحياة العدرا إذا صرت تلوفك هيك وهيك بكفي عليك! كانت الدماء القانية المتوهجة قد عادت تسيل من جرح بالغ في صدر أحمد العتال العاري، ومن بين أسنانه حتى سالت على صدره وبطنه وأصابع رجليه: هلق رد عالسؤالات ومتل ما لازم. ونهض أبو نقولامن مقعده، ممسكاً بالسوط، واقترب من مكان جلوس أحمد العتال، الذي بدأ يتحفز لعمل ما.

أبو نقولا: ـ مين بخش كيس السكر؟

- الشرشور؟
Page 8
رفع أبو نقولا الكرباج فوق رأس أحمد العتال، فهيأ أبو حسين قدمه اليمنى ليلبط الكومسيير في بطنه لبطة تعيده بسرعة إلى وظيفته وراء الطاولة:

- ومين كان ماسك الشرشور؟

- إيدي.

- ومين كان ماسك إيدك؟

-ما بعرف.

_ أني بعرف. أني بقلك! هكذا قال معاون الكومسيير ورأسه الشائب، الصغير بعض الشيء، وشاربه الدقيق، وعنقه النحيف، تكاد كلها تفقد توازنها: أني بقلك مين ماسك إيدك. ها نحن في الألغاز والمجهول. رفع أبو نقولا رأسه، ونظر إلى النافذة الشرقية، رغم أن أضلاعها كانت مغلقة دون شمس الضحى، إلا أن دفعات الضوء كانت تتسلل من خصاص الخشب إلى وجه أحمد العتال وكرباج أبو نقولا المرفوع فوق رأس الرجلين: أني بقول لك مين ماسك إيدك؟ ـ مين؟ اقترب أبو نقولا، عملاق عالي القامة جداً، من السماء السابعة بكلمة لكن صوته كان هامساً رقيقاً الآن، ملعوناً: ماسك إيدك الحزب الشيوعي.

- الحزب شو؟

- الحزب الشيوعي ما غيرو! أشو بتظن إنو بتخفا خافية عالحكومة والبوليس؟

2 - ديك العيد

تذكر أبو حسين العتال إضراب عمال المرافىء، وكيف كان بعض الحمالين والعدادين يتحدثون بأشياء قوية ملهبة تملأ العقل والروح وتبعث النشاط والقوة في أبدانهم. لعل هؤلاء كانوا شيوعيين، كانوا يقولون دائماً: الرأسماليون ينهبونكم. تضامنوا. اتحدوا. لا تفكوا الإضراب قبل نيل المطالب. ثم وصل زعيم محلة الباشورة الرئيس عليان الفهيم في سيارة بويك زرقاء طويلة. ونزل منها وسط تصفيق العمال. وكان بواليص البلدية وبعض رجال الإطفاء يفسحون له في المكان بين الجماهير. وصعد الفهيم على ظهر برميل نفايات أسود كبير، مقلوب على قفاه، وخطب في المضربين صائحاً:

بسم الله الرحمن الرحيم. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا! أيها الإخوان إضرابكم عظيم. لكنه غير ضروري. غير مهم. ليس هو المطلوب.

- شو المطلوب لكن يا عليان بك؟ سأله عتال صغير الجسم، مهزول، حليق الشاربين وعلى رأسه عرقية صوف سوداء.

- المطلوب إحصاء. تانعرف قديش المسلمين بها البلد وقديش المسيحيي. تعديل الدستور. إرسال بسط جديدة إلى المساجد. توسيع مقبرة الباشورا. زرع أزهار تم السمكي عاقبور شهدا ثورة الـ 58. المطلوب نعرف حقوق المسلمين في هذا البلح. عفواً. في هذا البلد. كان الخطيب، الفارع القامة، البدين، ذو الشاربين الغبيين والعينين الزجاجيتين الملونتين بالأزرق والأخضر في أوج حماسته الخطابية، كان، على غير عادته، يتدفق كنهر أبو دجاجي، قرب كوكب عرب، الذي يعرفه أهالي راشيا، والذي يزخر مرة واحدة في العام، في إبان هطول الأمطار. صاح الرئيس عليان: الإحصاء أيها الإخوان. الإحصاء. لنعرف حقوق المسلمين من حقوق المسيحيين. وهاج التصفيق، الأكثرية الساحقة من حمالي المرفأ مسلمون. والأقلية غير ذلك. وسيطر الرئيس عليان على الجو. وانشق المضربون. ومع ذلك، وقبل أن يحضر كامل بك ليكمل شق الصفوف ويبدد الإضراب، صرخ أحد الشغيلة الحمالين:
Page 9
يعني إذا تبين إنو عدد المعترين زايد ميتين ألف عن عدد الزناكيل.وصرت جنابك تركب السيارة نمرو واحد وقدامك بترفرف البنديرة، راح نحصل نحنا عا حقوقنا؟

هاج بعض المجتمعين في ساحة المرفأ، تجاه مستودعات درويش الحداد، وإلى الشمال كان البحر وأشرعة المراكب الكبيرة ومداخل السفن العالية، وهياكل البواخر البيضاء والبرتقالية. وفوق، في الأعالي، وسط الدخان الرمادي، والسماء الزرقاء تتخللها بعض الغيوم الثقيلة، طيور البحر المتألقة تحلق خافقة بأجنحتها البيضاء البعيدة. وحين وصل كامل بك ارتفع تصفيق الجماهير... وارتفعت الآن الصيحة الهادئة، المهددة لمعاون المفوض.

ابو نقولا وهو ينهال على كتف أحمد العتال بالسوط الأسود يشوي به جسده العاري: لا تجرب تنكر. الحزب قال لك تنهب سكرات بطرس الخوري.

- شو الحزب بدو يشرب شاي؟

في البدء كان أحمد العتال شارد الذهن يستعيد ذكريات إضراب عمال المرفأ، الحمالين وسائر الشغيلة، فلم يتمكن من لبط معاون الكومسيير كما كان يعتزم، فقال وهو يرفع قيوده بصعوبة محاولاً أن يرد ضربات الكومسيير، متحسساً كتفي أبو حسين هو نفسه، ولكن لم يستطع. وعاد أبو نقولا بعد أن شفى غليله من جسد العتال أحمد الفيل أبو حسين، وأمسك بسماعة الهاتف اللامعة السوداء، ركب رقماً الله معك سيدنا. نعم سيدنا. تكرم سيدنا. وضغط وراءه على زر جرس أبيض صغير. فحضر شرطيان من رجال المخفر. نحيفان.. ملابس كاكي وقبعة نظامية. مسدس في وسط كل منهما، أخذا التحية العسكرية، بتأمر سيدنا. فتشوا، فتشوه مليح، ووصلوه عا حبس الرمل. انتظروا قليلاً لتأخذوا معكم مذكرة التوقيف. خلّي ها العـ... يتخ بالحبس!

وجاء من أقصى الرواق الغربي، من قرب حمام المخفر، شرطي صغير الجسم بعض الشيء، وقف وهو يحمل جريدة «الضياء» مفتوحة على يسارها: عرفت آخر الأخبار سيدنا؟

- شو آخر الأخبار؟ أجاب متسائلاً معاون المفوض بامتعاض، ولكن في فضول غير مكتوم.

- مبارح صارت أول عملية فدائية داخل الأراضي الإسرائيلية. فات أربعا أو خمس شباب فلسطينيين عا إسرائيل ونسفوا جسر من جسور تحويل نهر الأردن. ورجعوا عالأراضي اللبنانية، القوات المسلحة قوصت عليهم. ولقطت تنين منهم. وزير الأشغال العامة، عثمان الدنكلاوي، في حكومة الحاج حسين، صرح بأن النضال عمل بناء. وأن التخريب ليس من شيمة العرب. وأن نسف الجسور عمل تخريبي. ولا شيء يمنع العدو من مقابلتنا بالمثل. وأن التضامن والأخوة والتنمية والإطلالة اللبنانية السمحة التخطيطية على العالم هي كل قوتنا تجاه إسرائيل عدوة القومية العربية.

وسأل أبو نقولا الشرطي الضئيل الجسم وقد تبدل امتعاضه اهتماماً: ـ وغيره؟

- هناك شي أهم يا سيدنا.

- بكرا انتخاب رئيس الجمهورية وشهاب ما بدو يجدد!

- الناس كلها مع التجديد لشهاب.

- بسلامة معرفتك سيدنا. ما الناس كلها!

وقال أبو نقولا ساخراً: الفرقة «16» والإخوان في المكتب الثاني، وقسم كبير من الأمراء والمشايخ والبكوات وأصحاب الشركات الأميركية واللبنانية الجديدة، ونص المسيحيين كلهم بدهم التجديد لشهاب.
Page 10
- بس هوي ما بدو يا سيدنا.

- ومين قولك بيجي رئيس؟

- ما معروف. بعد. أكيد، فيه ورقا مخبايي يا سيدنا.

ابتسم أبو نقولا. كان يعرف تقريباً هذه الورقة المخبأة، فقبل يومين اجتمع بصديق ناصري على كأس عرق، في مقهى حنا يزبك وتداولوا أسماء المرشحين، وهمس الصديق، وهو مدير شركة سفريات بحرية، همس في أذن أبو نقولا:

- ما راح يجي غير شارل حلو! شارل حلو. الأستاذ المحامي الكبير. ونائب بيروت السابق. ورئيس مجلس السياحة، وهو دماغ كبير شغل الجزويت.

قال له أبو نقولا: صحيح. رئيس مناسب. شب حلو، فوتو جينيك بياكل وبيطعمي.

وسأل معاون المفوض مرؤوسه:

- وغيره يا فؤاد أفندي، شو عندك أخبار؟

- سيدنا، اليوم الساعة 12 الظهر بدهم يتظاهروا عمال الريجي والحاج حسين عطا أوامر لقوى الأمن للقواص عالشغيلة إذا تظاهروا!

- إي للقرد. خليهم يخلصونا منهم بقا. صار كل ما اجتمع شرشوحين بيعملوا إضراب. وهلق. خلينا نرجع لشغلنا. نواف أفندي وسامي أفندي. ضرب كعبين تحية عسكرية. أمراً وطاعة!

- خذوا هالمجرم عا حبس الرمل خليه يتخ بالحبس.. بس انتبهوا عالطريق. إذا جرب يهرب... وغمز أبو نقولا رجلي الشرطة غمزة أرادها بارعة فجاءت فاضحة.

اقترب الشرطيان. الدماء الحمراء المتوهجة تصبغ وجهك وصدرك وساقيك، حياتك منذ نزوحك عن جباع حتى احتلال حبس النسوان حتى الآن، مرت أمامك كلمح البصر.

- تفضل يا بيك. الكاديلاك ناطرا برا تا تاخدك لعند بيت خالتك.

يا إمام علي!. شو كان بدي بكل ها القصة! وعند وصول الجميع إلى زاوية الشارع حيث ظل سيارة الجيب العسكرية يضيء على قطة بيضاء نائمة تحت الجدار، ارتفعت أصوات مفرقعات المخفر، فصرخ المعاون من الداخل، شاتماً مهدداً، واستيقظت القطة البيضاء هاربة، وركض شرطي نحو الشرفة حيث يلهو الأولاد في البيت المقابل. لكن مقدمات العيد كانت تتفجر، ملعلعة في زخم قوي هنا وهناك في تيار لا يمكن صده.

- يا إمام علي! شو كان بدي بكل هالقصة!

مين بدو ياخد ديك العيد للأولاد يوم الوقفة، مين بدو يدفع إيجار البيت لأبو سليم شومان؟ بعد شهر بيقدر يطلع عيلتي من البيت ويزتهم بالشارع. ما كان لازم أبخش كيس السكر. كان لازم اشتغل، شيل كياس وحط كياس، ليش عملت هيك يا أبو حسين؟ كانت شغلي: وبس! وتصطفل العالم. كل واحد يدبر حالو بحالو. شو النبي محمد مات ووصاني بأمتو؟ هدرت سيارة الفرقة «16» الأميركية السوداء استعداداً للسير نحو حبس الرمل. قبضات قوية عن يمين ويسار تشدان على زنديك الجبارين بقوة غادرة: في السماء سهم ناري أصفر، ضئيل يشق عنان السماء بصعوبة وكلال. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يلعن ساعة الشيطان! ولست تدري لماذا رحت تتذكر فجأة أولادك الصغار، وبنتك زينب، والتينة الخضراء التي وراء البيت.