eKtab
EN ع
حبيبي كوديا
Read free sample

حبيبي كوديا

by هدية حسين

Page 1
رواية حب في زمن الحرب
 
لا يمكن لأي دارس أو متتبع لخارطة الأدب العراقي أن يغفل اسم لطفية الدليمي، فهي تقف في الصف الأول من كتاب القصة والرواية في العراق منذ أول إصدار لها ممر إلى أحزان الرجال قصص عام 0791 وحتى آخر رواية حديقة حياة، وبينهما سبع مجموعات قصصية وأربع روايات ولها عدد من الدراسات والنصوص والمرويات والترجمات والمسرحيات والنصوص الدرامية التي تستلهم حضارة وادي الرافدين وتعمل حالياً رئيسة تحرير مجلة (هلا)·
 
**
 
لغة لطفية الدليمي ثرّة وغنية وعميقة، تقترب من الصوفية حين تتناول أسئلة الوجود، وتمتزج بالموسيقى وهي تدلف إلى أعماق النفس البشرية، ليس بكثير من الحذر فهي صاحبة خبرة طويلة، بل بالمزيد من الثقة إذ أن تجربتها المتميزة والمستمرة أعطتها مناعة ضد التردد ومنحتها لغة راقية وخالصة هي لغة لطفية الدليمي وحدها·
 
**
 
حديقة حياة آخر رواياتها صدرت عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، حديقة غنّاء بمادتها وشخوصها وأشجارها وثمرها في فصولها الثلاثة الأولى - الرواية تتألف من سبعة فصول - ثمة امرأتان أم تدعى حياة، وابنتها ميساء البنت غادرها خطيبها زياد إلى المنفى بحثاً عن فردوسه المفقود، وبرغم مضي سنوات سبع على غيابه إلا أن ميساء تحلم بعودته، حتى إنها في كثير من الليالي تفتح النافذة وتناديه لعلّ ضجيج الحياة وحركة الريح في أشجار الشارع تحمل نداءها إليه:
 
- عد ألا تعود؟ تعال دع الصيف يزهر على يدي تعال ليتفتح الربيع في جسدي عد أين أنت؟
Page 2
هي في قرارة نفسها تدرك أنه لا يسمع النداء فهو قد غادر لغتها أما الأم حياة فهي تدرك أيضاً أن لا عودة لزياد، وتعرف أن ميساء تهدر صوتها مثلما تهدر أيامها ولا تتوقف عن التشبث بالحلم·
 
لعل ميساء استعذبت أوهامها وتطامنت مع أحلامها، ولذلك فهي تستعيد دوماً تأريخ حبهما دون أن تدري أن الذاكرة لم تعد متناغمة مع ذاكرته وهو في مكان مختلف فقد استعبدته رغبة الفرار من الوطن باع البيت، تسلّم ثمنه، وحزم حقائبه ورحل ليس هو وحده من فعل ذلك هناك الكثيرون غيبتهم الهجرات وابتلع البحر أحلامهم في السفن التائهة·
 
في حديقة البيت المهجورة ثمة زهرة حمراء تفتحت في وحشة الخراب، تدهشها أن الشجيرة الصغيرة المهملة تحمل مثل هذه الزهرة اليانعة، ومن هذا الجدب تولد الحياة ومن هنا يتجذر الأمل في داخلها إذ تحمل لها الزهرة مفتاح الحقيقة وتكشف لها أنها لن تكون الخاسرة مهما حدث ويحدث، هكذا إذن بوسع المرء أن يحيا بذاته دون اتكاء على شخص أو جدار أو وعود ألا يمكن؟·
 
**
 
تتساءل لطفية الدليمي دون أن تطرح الأسئلة، إنما يأتي ذلك في سياق المعنى إذ كيف يتحول رجال المدينة - وزياد واحد منهم - إلى حالة يأس فيغادرون الوطن لماذا ما عادوا يرون الأزهار، ولا بوسعهم التمايل مع الريح على إيقاع الموسيقى؟
 
الحروب تفعل فعلها، وزياد (فتى من يأس وصمت ودخان، ومن مساماته تفوح رائحة الحروب والموتى) هو، و، هم أيضاً الدنيا عزلتهم عن شذا الاقحوان وألوان الأزهار (ما عاد أحد من هذا الجيل يرى روائع خلق الله في الطبيعة لا أحد منهم يلمس غصن ليمون وتصعقه الدهشة من نعومة الخضرة اليانعة، ولا أحد منهم يميز بين زهرة القرنفل وعلبة أصباغ مصنوعة من البلاستيك)·
Page 3
هكذا إذن وهذا هو قانون الحروب، والرجال ينصاعون إلى اشتراطاتها وعبثيتها وتشويه إنسانيتهم حتى الإلغاء رويداً رويداً بل حتى ذاكرتهم تمسحها الكارثة تحولهم الحروب إلى مسوخ (لا ميعاد يعرفونه عن تفتح قدّاح البرتقال أو موسم تفتح التوت لا أحد منهم تبقّت لديه تلك الإشراقة الأولى للكائن الإنساني وهو يندغم بالأرض والهواء والعشب ويحيا ملكوت الجمال البدائي ها هم يهيمون وحيدين بذاكرة لم تعرف القبول بالإحباط والانسياق في شهوة الفرار)·
 
**
 
ميساء الغارقة في حلم عودة زياد كانت قد غرقت من قبل في حزن فقدان الأب في واحدة من تلك الحروب العبثية، وبرغم ذلك فهي تدرك أن الضوء يمكن أن ينير مساحة ما داخل ظلمات الروح ما دامت زهرة استقبلت شمس الحياة منبثقة من حديقة البيت المهملة يترك الأب (غالب) مدرس التاريخ ذاكرة تضيء من فترة إلى أخرى وتأبى الانطفاء، لأن الأب يؤمن بأن الذاكرة هي التي تصنع المستقبل·
 
وبالمقابل تمتد ذكرى الأب في قلب الأم - حياة - مدرسة اللغة العربية، ويسطع حضور زوجها برغم غيابه المادي صوته يتردد في الأرجاء وتصلها رسائله التي لم يرسلها من قبل عبر بريد الجبهة المحمول في جعب الجنود العائدين في إجازات دورية ويحدثها عن زمن طاعن في القدم سيأتي بعد شموس كثيرة·
 
كل واحدة منهما - الأم وابنتها - فقدت رجلها الأول في الحروب والثاني بنتائج الحروب وبين الطفولة المتكسرة بفقدان الأب والأنوثة واضطراباتها وفقدان الحبيب، تنسحق ميساء، يتغير شيء ما بداخلها - برغم خيط الأمل الذي يضيء من آن لآخر - تتغير الأشياء من حولها، لون الستائر يصبح حائلاً، وعلى وجوه السيدات الجميلات تظهر الغضون وكذلك سيارات المدينة التي لا تحصى سيارات شرطة واسعاف ونفايات وسيارات الناس كل شيء يتغير، يصبح قديماً، يفقد ألقه، إلا الأمل الذي كلما خبا وجدت له زيتاً ليضيء فالمفقودون سيعودون مثل الأسرى وميساء مثل أمها تماماً إنهما تتقاسمان الهموم والفقدان والأمل أيضاً
Page 4
في (حديقة حياة) تدحض لطفية الدليمي اسطورة آدم وحواء بخروجهما من الجنة تلك الأسطورة التي عرفناها منذ أزمنة بعيدة حيث انهما في حديقة لطفية لم يقترفا خطيئة الجسد، بل جازفا بالفردوس من أجل المعرفة وذلك حين أهدى غالب زوجته حياة هدية هي عبارة عن رسم سومري لرجل وامرأة وبينهما النخلة شجرة معرفة الخير والشر وتبدو من ورائهما الأفعى وهما يمدان أيديهما إلى عذوق النخلة الدانية (انظري كلاهما يقطف لم تكن حواء هي البادئة لكن الأفعى تقف وراءهما وتغوي الرجل الذي يواجهها انهما شريكان في المعرفة وليسا شريكين في الخطيئة، هذان لم يقترفا خطيئة الجسد، بل جازفا بالفردوس من أجل المعرفة فعرفا نفسيهما في الشك وتجربة السؤال الأفعى لم تكن شيطاناً بل هي شهوة المعرفة العظيمة، والمعرفة أخرجتهما من أمان الفردوس الأزلي إلى أرض المجابهة مع الموت)· ص 43-53·
 
ولكن تلك الحوارات والأحاديث التي تنعش حياة ولّت، بل سقطت في الزمن الذي لا يعرف أحد أين يسقط هي اليوم تعد سنوات عمر ابنتها بعدد سنوات الفقد أربع عشرة سنة - حين ولدت ميساء بدأ القصف بالصواريخ على المدن الآمنة كان ذلك في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات - ومع هذه السنوات تحضر الذكريات وتسطع لتعتاش عليها·
 
**
 
امرأتان واحدة تقاوم الحزن أو الفناء بالعمل والثانية تقاوم اليأس بالمزيد من الأحلام الأم حياة تجد دوماً مسوّغات لكل ما يحدث، وتستعد لمواجهة أي طارىء حذرة، يقظة، تتسلح بالإرادة حتى في أحلك الظروف امرأة تقدم على الدوام الحب للآخرين مع أنها مثقلة بالأحزان وتنزلق إلى الصمت عندما لا يعود الكلام مجدياً
 
 امرأة آمنت بما أعطتها الحياة لكنها أبداً لم تستسلم، لأنها تدرك بأنها لن تكون أكثر أو أقل مما هي عليه·
 
والبنت ميساء ترعى بذرة الأمل لتصبح عازفة كمان كما أراد لها الأب ومن ثم ستصبح مدرّسة موسيقى وبين الأم وابنتها وبقية الشخصيات تستمر الحياة، وتتبدل حيوات الناس في ظل الحروب والحصارات، مثلما تتبدل الكثبان الرملية في عاصفة ليل·
Page 5
شيء واحد لم يتبدل في (حديقة حياة) إنه الحب وحده يبقى عصياً على التبدل الحب للرجل الغائب الذي ما يزال حضوره يضيء عتمات جسدها·
 
**
 
في أزمنة الكوارث وحين يعجز العالم عن إيجاد حل لبلد دخل الحروب وانكمش في سنوات الحصار، يبحث الناس فيه عن معجزة في وقت ليس فيه معجزات إنهم يبحثون عن حلول لشفاء مرضاهم حيث فقدت الأدوية وعن حلول لفك السحر وقراءة الطالع، أعمال يمارسها المشعوذون والمنجمون، تصبح لهم حظوة وسطوة كلما ازدادت الإشاعات عن قدراتهم على (العمل) وهكذا خصّص أحد متعهدي النقل خطوط سيارات بين منطقة العلاوي في كرخ بغداد وبين القرية، أسماها خط أم حمزة التي يقال إن في بيتها بئراً قديمة تفجرت بمياه عذبة بظهور رؤيا لشيخ صالح أخبر أم حمزة بأن مياه البئر قادرة على شفاء المرضى·
 
وفي مثل هذه الأجواء تأتي من البصرة أنيسة عمة ميساء المصابة بالسرطان علّها تجد علاجاً لهذا المرض الخبيث الذي استشرى في كبدها بعد أن عجزت من مراجعة الأطباء وأنيسة امرأة لم تعرف هناءات الحب تتسرب الحياة من بين أصابعها وشعرها وجلدها، ومع ذلك فهي امرأة قوية حتى وهي تصارع الألم تتشبث بالحياة تمد يديها للشمس لعل المعجزة تأتي تقاوم بشراسة لكن المعجزة لن تأتي أبداً إذ ستموت بعد صراع طويل وعنيف·
 
نساء لطفية الدليمي قويات ولا يستسلمن لأقدارهن برغم الجوع والحصار وفقدان المعيل، والموت الذي يتربص بأرواحهن نساء لا يعرفن السكون، بل يجدن الحياة بحركة الكائنات من حولهن إذ لا مجال للتراجع ولطفية الدليمي في أعمالها أو جلّ أعمالها مسكونة بالموسيقى موسيقى تتسامى وتسمو معها الروح، وكذلك الطبيعة يكاد لا يخلو عمل من أعمالها منهما، موسيقى وأشجار تين ونارنج وكمثرى وورود شتى وطيور ولذلك تشعر وأنت تقرأ لها أنك وسط حديقة الحياة الغنّاء حتى بطلتها حياة في هذه الرواية حين تقطف قبضة عشب طري في أحد الأيام تحس بروح العشب تعانق روحها، ذلك أنها تؤمن بأن لكل الأشياء بما فيها النباتات حيوات وأرواحاً لذلك تأتي نصوص لطفية الدليمي مفعمة بنبض الحياة وهي لا تتخذ من تلك العناصر ديكوراً يكمل الشخصيات، وإنما هي جزء لا يتجزأ من العمل·
Page 6
الرجال في رواية حديقة حياة إما متجذرون في تربة الوطن برغم كل ما جرى ويجري، وإما هاربون من جحيمه إلى المنافي لا يعرفون أي شيء أو لا يريدون أن يعرفوا تقول عن الصنف الأول وعلى لسان شخصية غسان، المصور الفوتوغرافي أفضل الموت هنا، في زاوية منسية على أن أغادر موقعي وعندما تحاصره حبيبته وتلح عليه بالرحيل يقول: هناك أشياء في الحياة لا يمكن فهمها ولا تفسير لها، يصعب على الآخرين قبولها أشياء مثل الذكريات، التعلقات الصغيرة بالأماكن والروائح والفصول بالأمل الذي نريده أن لا يموت ولا يغيب عن أيامنا عندما أغادر كل هذه الأشياء، أجدني مهزوماً بين المهزومين، ضائعاً بين الضائعين ص 461·
 
وتقول عن الصنف الثاني يسيرون إلى قرى مجهولة وبيوت لم يألفوها، وسوف تنكرها أرواحهم وتتعذب بها أجسادهم، لن تتواءم مع رائحة تلك البيوت وزواياها وعتمتها سيتوجب عليهم أن يغيروا عاداتهم وألفاظهم وطريقة ارتدائهم لملابسهم، وربما يستبدلون أسماءهم لتتقبلهم المتاهات التي سيغيرونها كل يوم ص67·
 
أما النساء الهاربات معهم فهن مسكونات بالوحدة والخوف والمرارة يتركن كل شيء وراءهن، باحثات عن أوطان جديدة لا تمنحها المنافي نساء وحيدات يبكين بمرارة لأنهن يعرفن أن طعم الوحدة سيدوم العمر كله، وسيحملن وطأته ولن يعوضهن الفرار ألفة أو رفقة حياة ص77·
 
**
 
ميساء لا تخاطر بشيء، وهي تتساءل في أوراقها، بماذا يخاطر الإنسان إذا كان لا يملك شيئاً؟ لا شيء لديها غير قصة الحب المبتورة لزياد الذي أخذته المنافي زياد الذي فقد أمه وأباه وشقيقتيه عندما دك صاروخ بيتهم هو الوحيد الذي نجا من الحادث وكان خارج البيت تكتب ميساء في أوراقها أيضاً: الحب مد لا نهائي، لا ضفاف له موج تستولده الريح كلما هبت، ولا أحد في لعبة الحب يبصر الحد الفاصل أو الضفة الأخرى كل الأشياء تتحفّز لمواجهة الكارثة التالية البشر والبيوت والأرصفة والنجوم والريح والسحب الأشجار ستنال نصيبها من النار والشظايا الكتب التي سيغرقها الطوفان انتظارنا يدوم دهراً وبعض دهر نهيىء ما بوسعنا تهيئته لمواجهة الخطب القادم ولكي نعزز الأمل بالمستقبل جازفنا في إنفاق مدخراتنا القليلة في شراء أغذية ومياه معدنية ص 59-69·
Page 7
في الفصل الرابع تدخل شخصية سوزان مدرسة اللغة الإنجليزية، امرأة جميلة وثرية، ومع أنها تملك الكثير من الجمال والمال والوجاهة، إلا أنها تسأم من ذلك كله وهي على النقيض من شخصية حياة، إنها مولعة بتبديد الوقت والثروة التي ورثتها من أبيها تاجر السجاد والعقارات وترى كل شيء أقل شأناً منها وحين تدرك علّتها تلجأ لحياة، تستعين بها لمعرفة الكثير، ولتغيير نمط حياتها إنها تعتقد بأنها ولدت تحت طالع نجمة نحس، لذلك تريد التخفيف من وطأة ما لحق بها من إهانة وابتزاز من قبل عبدالمقصود الغنام الذي عقد عليها وراح يبتزها مالياً، ثم تزوج ابنة عمه ليزيدها إذلالاً، وطالبها بالتنازل عن نصف بيتها ليسرحها·
 
تعيش سوزان مع أم توماس التي تعمل لديها طباخة، وهي امرأة مسيحية مسنة مثقلة بالهموم مثلها ابنها الوحيد توماس هاجر إلى ديترويت وهو يدعوها في كل مكالمة للهجرة اليه، لكنها ترفض عروضه المتكررة، لم يبق لها أحد أهلها - الأم والأب والعم والخال والعمة، وكذلك أبو توماس - كلهم ماتوا ودفنوا في بغداد، إلا أنها تحسّهم أحياء إلى جانبها ولذلك ترفض الهجرة، وهي امرأة متجذرة بالأرض حدّ النخاع·
 
سوزان وام توماس تحاولان معاً صنع أسرة مع احتفاظ كل منهما بفارق المكانة وحين يطبق اليأس على سوزان وتقع فريسة الكآبة جرّاء وضعها مع عبدالمقصود الغنام تداهمها رغبة مجنونة: أن تتحول إلى رجل لتنهي مشاكلها تصارح طبيبها بذلك وحين يرفض تذهب إلى طبيبة نسائية فتخبرها هذه بأنها أنثى كاملة إن خساراتها العاطفية تدفعها لإلغاء جنسها بأي ثمن·
 
كانت لسوزان قصة حب مع المصور الفوتوغرافي غسان، وهو قريب حياة، ولكن زهو سوزان بنفسها وتعاليها حالا دون استمرار علاقتهما لترتبط بعبد المقصود الغنام وفي لحظة يأس تمضي إلى بيت غسان تدعوه للخروج معها:
Page 8
- هل تأتي معي؟
 
إلى أي مكان تشائين يروق لي اليوم أن أغامر·
 
- حتى لو رافقتني إلى المجهول؟
 
- وهل أنت إلا المجهول أو اللعنة؟
 
- إذن هيا مع اللعنة·
 
وتأخذه إلى بيتها دعوة غداء تناقش خلالها رغبتها بالعودة إليه، لكنه يرفض ويصارحها بأنه مرتبط بامرأة أخرى تغريه بالسفر والحياة المرفهة وإقامة معارض في طنجة ومدريد وبروكسل وباريس، إلا أنه يحسم الأمر بالرفض تصارحه بخوفها من الحرب القادمة، بينما هو مؤمن أينما ذهبنا فسنجد حروباً مختلفة وستستمر سوزان دون كلل محاولة جذبه فهو معركتها الأخيرة التي لا تريد لها الخسران·
 
**
 
وفي الفصل الخامس سنتعرف إلى رويدة عبدالكريم أم زياد التي قضت هي وزوجها وابنتاها تحت الأنقاض عندما ضرب بيتهم صاروخ رويدة هي التي تروي حكايتها لحياة بعد (21) عاماً على موتها فتخبرها بأنها تزوجت من هشام بعد قصة حب رائعة وأنها ما تزال في العمر الذي قضت فيه (83) سنة، وكذلك زوجها وابنتاها، لأن الموتى لا يكبرون تحكي أيضاً بأنها أطلّت على الحفلة التي أقامتها حياة لمناسبة خطوبة ميساء وزياد وأنها ترى وترصد كل شيء برغم موتها وتعترف لحياة بأنها كانت تغار منها ومن حديقتها، ولطالما سرقت بعض الأزهار والثمار منها تغار من تأثير حياة على زوجها هشام وكيف كانت ترقب نظراته خلسة أسرار أخرى تكشفها رويدة التي تجيء من موتها على هيئة رؤيا أو حلم يمر على حياة - إنها لعبة ذكية من لطفية الدليمي للتشويق وكسر روتين السرد الذي جاء بأكثر من شكل واحد واختلفت مستوياته - (لقد أخفيت عنك قصة جارنا حمدي الذي فاتح هشام ليحدثك عن رغبته بالزواج منك، فما كان من هشام إلا أن رده على أعقابه حين أخبره بأن زوجك قد يكون أسيراً)·
Page 9
ثم أدلت بما هو أهم من ذلك حين أخبرت حياة، وأخبرتنا، بأن غالب - زوج حياة - ميت، على الرغم من أن حياة لا تصدق ذلك، وأنه يشاركها وزوجها الحديث عن زياد وميساء، وبأنها هي التي جعلت ابنها زياد يرحل عن البلاد خوفاً عليه من الحرب القادمة التي لا تستثني أحداً تفاصيل كثيرة ترويها رويدة عن موت العائلة في ذلك اليوم المشؤوم الذي سقط فيه الصاروخ على بيتهم ثم تعرج على عائلة زوجها حيث نال عدد من أفرادها ضريبة الحرب السابقة في الثمانينات وتسلط لطفية الدليمي من خلال رويدة الضوء على الكثير من المآسي التي طالت البشر في تلك السنوات العجاف·
 
لم تصدق حياة ما تراءى لها من صوت يشبه صوت رويدة، بل عزت ذلك إلى اضغاث الأحلام ولو كان غالب ميتاً لأخبرها عن موته وتروح تستدرج الذكرى وتستحضر صوته، وتبتكر حكايات عودته من جديد، وما سوف يقصّه عليها من عذابات الليالي في سجون الأسر سيحدثها عن الأماكن المريعة التي افترست أيامه ثم تتساءل فجأة: ترى كيف سيعود إليها؟ وهنا تتبرع الكاتبة بالجواب وتبرع بتصوير الحالة التي يعود بها الأسرى (رأت أسرى كثيرين عادوا بلا ذاكرة، وقد تساقطت أسنانهم وابيضّت رؤوسهم وجحظت عيونهم وتضاءلت أجسادهم، كأن الحرب حشرتهم في آلة للمسخ وطحنتهم وأعادت تشكيلهم من بقايا ما تبقى منهم يد مبتورة أو ذراع بلا معصم قدم مهروسة وجذمة ساق نصف وجه أو عين لا ترى غير الذي يراد لها أن تراه لا شيء يُرى غير الظلام مسوخ تقوم من أضرحة الأسر تشق الأكفان واتفاقيات جنيف لتبادل الأسرى، وتعود لا كما كانت بل كما شاءت لها شرعة الحرب أن تعود، مغسولة الذاكرة مثقوبة الروح كل ما يأتي يتساقط من ثقوب النفس الجسد منخل لا يستبقي سوى الكلمات التي ترسبت في القعر كلمات عتيقة، منسية، لا معنى لها، يجدون فيها راحة غير مشروطة وقد دفعوا الأثمان منذ ولادتهم الأولى وولادتهم الثانية وولادتهم الثالثة) ص012·
 
**
Page 10
تمسك لطفية الدليمي بخيوط لعبتها الروائية دون أن تفلت من بين أصابعها تعود بنا إلى ميساء التي تعتاش على الذكريات وعلى ما يردها من رسائل تشعر من خلال رسائل زياد بأن المسافة بينهما تتباعد كلما أمعن في المنفى، تصبح له لغته الخاصة، فهو يستعيد مقاطع ويكتبها بلغة أخرى تتذكر حديثهما عن الموت الذي صار أليفاً يعيش في البيوت والحدائق ويتغذى من الأرواح، لكنه يهرب عندما يشم رائحة الموت الحب والموت لا يتجاوران حبهما هاجر بعيداً ربما لنسيان كارثة موت أهله أو هرباً من الحروب القادمة أو بحثاً عن مجد شخصي يخلده تماماً مثلما هام جلجامش حين راح يبحث عن عشبة الخلود بعد موت صديقه أنكيدو تعتاش ميساء على رسائلهما التي لم تنقطع برغم سنوات الغياب، وهذه المرة تكتب له نصاً مسرحياً عن فكرة البحث عن الخلود فيفاجأ زياد به ويعمل على تفعيله هناك كان زياد عاشقاً لجلجامش وربما تمثله في بحثه عن حياة أخرى يحقق فيها ذاته بعيداً عن أهوال الوطن في النص تخلص ميساء - أو الكاتبة - إلى أن مغامرة البحث عن حياة أخرى ما هي إلا وهم، وإن كان من يذهبون سيعودون يوماً ما، في إشارة واضحة إلى الذين هربوا من جحيم الوطن إلى جحيم أكثر سعة وعمقاً·
 
وثمة من يريد أن يستولي على كل شيء في هذا الزمن الذي اضطر فيه الناس إلى بيع مقتنياتهم لكي يسدوا احتياجاتهم اليومية، وثمة أشياء لا تُباع أشياء تعيش في نسغ الروح وتعطي أصحابها هوية اعتراف بالأصالة والانتماء تلك هي حديقة حياة التي طمع فيها كايد الحردان ليضيفها إلى ممتلكاته ويحولها إلى مطعم، فقد استكثر على امرأة وحيدة أن تكون لها مثل هذه الحديقة، هذه المرأة القوية بالحب الذي تحمله داخل قلبها لرجل أخذته الحروب·
 
**