Page 1
-1-
بدأ موظف المطار يتفحص جواز السفر بدهشة وريبة، نظر إلى أيوب بعينين يملأهما الفضول كمن يحاول معرفة سر ما، لكنه فضل التزام الصمت واكتفى بأن طلب منه الوقوف جانباً كي لا يعيق حركة المسافرين الذين اصطفوا وراءه، ثم راح يتكلم عبر جهاز اتصال كان قد وضعه قرب جهاز الكومبيوتر الذي يعمل عليه.
لم يعرف أيوب ماذا يفعل في تلك اللحظة، وبقي أسير حيرته، لكنه سرعان ما خرج من ذهوله فاقترب من الموظف وسأله:
- ما المشكلة يا سيدي؟؟
- أرجو أن تنتظر قليلاً.
- لكن الطائرة ستقلع بعد قليل !
- لا أعرف ماذا أقول لك ؟! أرجوك عد إلى مكانك.
لاح من بعيد رجل يرتدي لباساً مدنياً يقترب بخطى متسارعة باتجاه الموظف الذي بدأ يعرض أمامه جواز السفر ورقة تلو أخرى.
حمل الرجل جواز السفر واقترب من أيوب.
- السيد أيوب؟
- نعم!!
- جواز سفرك عليه تاريخ دخولك إلى كوراساو.
- هذا صحيح..
- لكنه لا يحمل تأشيرة دخول إلى فنزويلا!
- الحقيقة.. لا أدري كيف سأشرح لك...
قاطعه قائلاً:
- لا تدري؟ ومن يدري إذاً؟
- أقصد.. أن ضيق الوقت لا يسمح بتوضيح التفاصيل كلها، فطائرتي ستقلع بعد قليل.
- ومن قال لك إنك ستسافر؟
- ماذا تعني؟.
- أعني أنك مضطر للبقاء لكي نحقق معك.
- أرجوك يا سيدي أريد أن أعود إلى وطني... أريد أن أعود إليه فحسب.
بدأ موظف المطار يتفحص جواز السفر بدهشة وريبة، نظر إلى أيوب بعينين يملأهما الفضول كمن يحاول معرفة سر ما، لكنه فضل التزام الصمت واكتفى بأن طلب منه الوقوف جانباً كي لا يعيق حركة المسافرين الذين اصطفوا وراءه، ثم راح يتكلم عبر جهاز اتصال كان قد وضعه قرب جهاز الكومبيوتر الذي يعمل عليه.
لم يعرف أيوب ماذا يفعل في تلك اللحظة، وبقي أسير حيرته، لكنه سرعان ما خرج من ذهوله فاقترب من الموظف وسأله:
- ما المشكلة يا سيدي؟؟
- أرجو أن تنتظر قليلاً.
- لكن الطائرة ستقلع بعد قليل !
- لا أعرف ماذا أقول لك ؟! أرجوك عد إلى مكانك.
لاح من بعيد رجل يرتدي لباساً مدنياً يقترب بخطى متسارعة باتجاه الموظف الذي بدأ يعرض أمامه جواز السفر ورقة تلو أخرى.
حمل الرجل جواز السفر واقترب من أيوب.
- السيد أيوب؟
- نعم!!
- جواز سفرك عليه تاريخ دخولك إلى كوراساو.
- هذا صحيح..
- لكنه لا يحمل تأشيرة دخول إلى فنزويلا!
- الحقيقة.. لا أدري كيف سأشرح لك...
قاطعه قائلاً:
- لا تدري؟ ومن يدري إذاً؟
- أقصد.. أن ضيق الوقت لا يسمح بتوضيح التفاصيل كلها، فطائرتي ستقلع بعد قليل.
- ومن قال لك إنك ستسافر؟
- ماذا تعني؟.
- أعني أنك مضطر للبقاء لكي نحقق معك.
- أرجوك يا سيدي أريد أن أعود إلى وطني... أريد أن أعود إليه فحسب.
Page 2
- لكن القانون يجب أن يأخذ مجراه، أم أنك ترى عكس ذلك؟.. ثم هل جمعت ثروة طائلة لكي تعود بمثل هذه السرعة إلى بلدك ؟
- لا... لم أجمع شيئاً، صدقني.
- غريب أمرك، لم أعرف عربياً واحداً يفعل فعلتك..تكبدت خطر الرحلة من كوراساو إلى هنا، وبعد أقل من سنة سترجع!!! انتظر ولا تتحرك من مكانك، أردف الرجل بلهجة آمرة ومضى.
شعر أيوب أنه تحول إلى ورقة صفراء تطير في الهواء في يوم خريفي بارد، وأن قدميه لا تقودانه إلى الطائرة بل إلى السجن، فأسند كتفه إلى حائط خلفه خشية أن يقع على الأرض.
رجع الرجل ذو اللباس المدني بعد وقت قصير وطلب منه أن يوقّع على بعض الأوراق، فبدأت يد أيوب ترتجف وشحب وجهه وأخذ الخوف يقطع أوصاله بمنشار كهربائي، وحين انتهى من التوقيع وضع الموظف الأوراق تحت إبطه وسأله:
- لا شك أنك تعرف مشكلة زوجتي، أليس كذلك؟
- ماذا...؟؟؟ تمتم أيوب مستغرباً وهو يفكر: يا إلهي! أية مصيبة أخرى وقعت على رأسي!.
- ألا تعرف مشكلتها؟
- الحقيقة يا سيدي أنني لا أعرف؟... وأقسم لك بأني لا أعرف زوجتك أصلاً.. صدقني.
- أنا سأقول لك، زوجتي سمينة جداً والأنكى من ذلك أنها تحب الأنواع الفاخرة من الشوكولا، فما الحل برأيك؟
- الحل...؟ تردد أيوب لوهلة، لكنه تشجع وسأل:
- - هل تسمح لي بشراء علبة شوكولا لزوجتك كهدية؟
- وماذا تنتظر!...
لم يصدق أيوب ما سمعه، فطار فرحاً نحو أقرب متجر في المطار لبيع الحلويات وعاد راكضاً.
أخذ الرجل ذو اللباس المدني منه علبة الشوكولا وأعاد له جواز السفر قائلاً:
- إلحق بطائرتك أيها «التوركو»، رحلة سعيدة.
- لا... لم أجمع شيئاً، صدقني.
- غريب أمرك، لم أعرف عربياً واحداً يفعل فعلتك..تكبدت خطر الرحلة من كوراساو إلى هنا، وبعد أقل من سنة سترجع!!! انتظر ولا تتحرك من مكانك، أردف الرجل بلهجة آمرة ومضى.
شعر أيوب أنه تحول إلى ورقة صفراء تطير في الهواء في يوم خريفي بارد، وأن قدميه لا تقودانه إلى الطائرة بل إلى السجن، فأسند كتفه إلى حائط خلفه خشية أن يقع على الأرض.
رجع الرجل ذو اللباس المدني بعد وقت قصير وطلب منه أن يوقّع على بعض الأوراق، فبدأت يد أيوب ترتجف وشحب وجهه وأخذ الخوف يقطع أوصاله بمنشار كهربائي، وحين انتهى من التوقيع وضع الموظف الأوراق تحت إبطه وسأله:
- لا شك أنك تعرف مشكلة زوجتي، أليس كذلك؟
- ماذا...؟؟؟ تمتم أيوب مستغرباً وهو يفكر: يا إلهي! أية مصيبة أخرى وقعت على رأسي!.
- ألا تعرف مشكلتها؟
- الحقيقة يا سيدي أنني لا أعرف؟... وأقسم لك بأني لا أعرف زوجتك أصلاً.. صدقني.
- أنا سأقول لك، زوجتي سمينة جداً والأنكى من ذلك أنها تحب الأنواع الفاخرة من الشوكولا، فما الحل برأيك؟
- الحل...؟ تردد أيوب لوهلة، لكنه تشجع وسأل:
- - هل تسمح لي بشراء علبة شوكولا لزوجتك كهدية؟
- وماذا تنتظر!...
لم يصدق أيوب ما سمعه، فطار فرحاً نحو أقرب متجر في المطار لبيع الحلويات وعاد راكضاً.
أخذ الرجل ذو اللباس المدني منه علبة الشوكولا وأعاد له جواز السفر قائلاً:
- إلحق بطائرتك أيها «التوركو»، رحلة سعيدة.
Page 3
-2-
لقد أيقن أخيراً رغم المحاولات العديدة بأنهم لا يفهمون لغته فأخذ يرسم بيديه طريقاً ليعبروه فعبروا مطار كوراساو، ورسم بيديه شقة سكنية فنزلوا فيها، كانت في الطابق الخامس مؤلفة من غرفتين وصالة وشرفة تطل على البحر لكن كل شيء فيها كان قديماً ووسخاً ومهملاً. استقبلهم صاحبها العربي الذي تلوح على وجهه سمات الشك وعدم الثقة بالآخرين بابتسامة فضحت لون أسنانه الصفراء، وقبل أن يرد على سلامهم سأل عن النقود، فأعطاه كل واحد منهم، وكانوا ثلاثة، ألف دولار، حينذ قال:
- أشكر الله على وصولكم بالسلامة. ستنامون اليوم عندي وغداً سيرافقكم خوسيه إلى الميناء لتبحروا معه إلى فنزويلا. ولم يكد العربي ينهي حديثه بعد حتى سارع خوسيه يرسم بيديه غرفته وسريره وكلمات عرفوا أنها تقول: غداً يوم جديد.
لم يستطع أيوب أن ينام تلك الليلة، فقد تزاحمت في رأسه أسئلة شتى تفتش عن أجوبة لها. اتجه نحو الشرفة، فوجد العربي واقفاً يتأمل الأضواء التي امتدت حوله بلا حدود، وينصت للصوت الرتيب الذي يصدره البحر.
وقف إلى جانبه دون أن ينبس ببنت شفة، أخرج العربي من جيب قميصه علبة سجائر وعرض عليه واحدة.
- كوراساو لا تنام.
- لاحظت ذلك.
- إنها لا تشبه مدننا، قال العربي وهو يشعل سيجارته.
- صحيح.
- هل أنت جائع؟
- لا أدري؟!
وصلا إلى مطعم صغير، استقبلهما نادل ورافقهما إلى طاولة بكرسيين، ثم تولى إحضار ما طلب منه ابن البلد بلغة لم يعرف أيوب منها سوى كلمة نعم.
أخذت عيناه تجولان في المكان فوقعتا على فتاة جالسة إلى طاولة قبالته تغطي قطعتا قماش فقط صدرها ووركها، فجأة قفز من داخله ذلك الرجل الشرقي الذي حمله معه طوال عشرين عاماً وقال له:
- هيا انهض وتعرف إليها بأي طريقة كانت، لا تدعْ هذه الفرصة تفوتك.
لقد أيقن أخيراً رغم المحاولات العديدة بأنهم لا يفهمون لغته فأخذ يرسم بيديه طريقاً ليعبروه فعبروا مطار كوراساو، ورسم بيديه شقة سكنية فنزلوا فيها، كانت في الطابق الخامس مؤلفة من غرفتين وصالة وشرفة تطل على البحر لكن كل شيء فيها كان قديماً ووسخاً ومهملاً. استقبلهم صاحبها العربي الذي تلوح على وجهه سمات الشك وعدم الثقة بالآخرين بابتسامة فضحت لون أسنانه الصفراء، وقبل أن يرد على سلامهم سأل عن النقود، فأعطاه كل واحد منهم، وكانوا ثلاثة، ألف دولار، حينذ قال:
- أشكر الله على وصولكم بالسلامة. ستنامون اليوم عندي وغداً سيرافقكم خوسيه إلى الميناء لتبحروا معه إلى فنزويلا. ولم يكد العربي ينهي حديثه بعد حتى سارع خوسيه يرسم بيديه غرفته وسريره وكلمات عرفوا أنها تقول: غداً يوم جديد.
لم يستطع أيوب أن ينام تلك الليلة، فقد تزاحمت في رأسه أسئلة شتى تفتش عن أجوبة لها. اتجه نحو الشرفة، فوجد العربي واقفاً يتأمل الأضواء التي امتدت حوله بلا حدود، وينصت للصوت الرتيب الذي يصدره البحر.
وقف إلى جانبه دون أن ينبس ببنت شفة، أخرج العربي من جيب قميصه علبة سجائر وعرض عليه واحدة.
- كوراساو لا تنام.
- لاحظت ذلك.
- إنها لا تشبه مدننا، قال العربي وهو يشعل سيجارته.
- صحيح.
- هل أنت جائع؟
- لا أدري؟!
وصلا إلى مطعم صغير، استقبلهما نادل ورافقهما إلى طاولة بكرسيين، ثم تولى إحضار ما طلب منه ابن البلد بلغة لم يعرف أيوب منها سوى كلمة نعم.
أخذت عيناه تجولان في المكان فوقعتا على فتاة جالسة إلى طاولة قبالته تغطي قطعتا قماش فقط صدرها ووركها، فجأة قفز من داخله ذلك الرجل الشرقي الذي حمله معه طوال عشرين عاماً وقال له:
- هيا انهض وتعرف إليها بأي طريقة كانت، لا تدعْ هذه الفرصة تفوتك.
Page 4
لاحظت الفتاة نظرات أيوب الجلفة تتزحلق على جسدها، خمنت أنها تحمل معها غبار القوافل وشموساً حارة وسيرة حياة بدوي قد مل حمارته فرمت له قبلة وغادرت... ربما أشفقت عليه أو ربما أغراها حرمانه.
فأردف الرجل الشرقي من جديد:
- والآن ؟!!!! لاتقل لي إنك ستظل جالساً هكذا كالأبله.
فجأة صار أيوب يسمع أصواتاً تأتي من بعيد، وتقترب شيئاً فشيئاً فصادر آخر كلماتها:
- ....... سترى كثيرات مثلها!! أكمل عشاءك الآن، فغداً سيكون يومك صعباً.
كانت الشمس تُشد مرغمة بحبال خلف البحر لتعطي الليل حقه في لف ثوبه الأسود على الجزيرة، وكان ميناء كوراساو يشبه معرضاً تتنافس فيه القوارب على اختلاف أشكالها لنيل جائزة أجمل وأفضل قارب، لكن كان نصيب المهاجرين الثلاثة أن يبحروا على متن أسوئها.
صافح ابن البلد أيوب وقال له:
- لعنة الإنسان في هجرته... لكن هذا قرارك... وهذه غربتك قد بدأت فابحر لمواجهتها.
أجل أبحر أيوب ورفاقه، وكان الليل قد أرخى ثوبه كاملاً ونثر في السماء نجوماً كأنها اللؤلؤ. كان ضرباً من السحر يلف رحلتهم، لكنه انقطع حين أصبح خوسيه يرسم بيديه طريقاً بحرياً معتماً وشاطئاً مقفراً قد يصلوا إليه ويمكن العكس، ورسم أيضاً دوريات خفر السواحل ورصاصاً منهمراً وموتاً مجانياً ولا ضمان لشيء سوى كل لحظة يعيشونها لذاتها في عرض ذلك البحر الليلكي. حينئذ، شعر أيوب بزحمة خيول في رأسه وقرع طبول غجرية، وأصبح كالذي ينظر ولا يرى، ومن غير أن ينتبه وقع في شرك ذكريات عاهد نفسه مرةً أن ينساها.
فأردف الرجل الشرقي من جديد:
- والآن ؟!!!! لاتقل لي إنك ستظل جالساً هكذا كالأبله.
فجأة صار أيوب يسمع أصواتاً تأتي من بعيد، وتقترب شيئاً فشيئاً فصادر آخر كلماتها:
- ....... سترى كثيرات مثلها!! أكمل عشاءك الآن، فغداً سيكون يومك صعباً.
كانت الشمس تُشد مرغمة بحبال خلف البحر لتعطي الليل حقه في لف ثوبه الأسود على الجزيرة، وكان ميناء كوراساو يشبه معرضاً تتنافس فيه القوارب على اختلاف أشكالها لنيل جائزة أجمل وأفضل قارب، لكن كان نصيب المهاجرين الثلاثة أن يبحروا على متن أسوئها.
صافح ابن البلد أيوب وقال له:
- لعنة الإنسان في هجرته... لكن هذا قرارك... وهذه غربتك قد بدأت فابحر لمواجهتها.
أجل أبحر أيوب ورفاقه، وكان الليل قد أرخى ثوبه كاملاً ونثر في السماء نجوماً كأنها اللؤلؤ. كان ضرباً من السحر يلف رحلتهم، لكنه انقطع حين أصبح خوسيه يرسم بيديه طريقاً بحرياً معتماً وشاطئاً مقفراً قد يصلوا إليه ويمكن العكس، ورسم أيضاً دوريات خفر السواحل ورصاصاً منهمراً وموتاً مجانياً ولا ضمان لشيء سوى كل لحظة يعيشونها لذاتها في عرض ذلك البحر الليلكي. حينئذ، شعر أيوب بزحمة خيول في رأسه وقرع طبول غجرية، وأصبح كالذي ينظر ولا يرى، ومن غير أن ينتبه وقع في شرك ذكريات عاهد نفسه مرةً أن ينساها.
Page 5
-3-
عانت فاطمة، القابلة القانونية الوحيدة في قريته، من نضوب العاطفة تجاه الأطفال واعتبرتهم أبالسة يدبون على الأرض، خصوصاً بعد أن طلقها زوجها بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، فأخذ ذلك التناقض المتأجج فيها باستمرار، والذي كان يضرب في قلبها من غير قرار يلون حياتها بألوان باهتة يوماً بعد يوم، ولكن على الرغم من كل ذلك، كان أيوب بالنسبة إليها طفلاً من نوع آخر، فحين تراه تجلده بقبلاتها وتقص عليه الحكاية ذاتها التي حفظها كل أهل مدينته وحفظها هو عن ظهر قلب:«كان العرق يتصبب من وجه أمك كشلال ماء، وكانت تقول لي والقلق يلف عينيها:
- أسرعي يا فاطمة... ساعديني سألد المقدوني.
فقلت في نفسي: والله إن هذه المرأة بدأت تهذي قبل الأوان، وبينما كنت أحضر الماء الساخن نامت أمك، خلت أنها سوف تموت ووقفت ذاهلة لا أعرف ماذا أفعل، أمسكت رأسها وحركته بقوة، أردت أن أتحدى الزمن وأسرق منه لحظة واحدة لأردها لها...وفجأة أفاقت وهي تصرخ:
- اسحبي النبي أيوب يا فاطمة.... إنني ألده.
أجل... لقد سحبتك بيدي هاتين يا نبينا، يا حبيبنا، يا بركتنا.»
قال والده:
- كل واحدة منهما مجنونة على طريقتها، إن ثقافة أمك العشوائية جعلتها أسيرة أوهام داكنة، لقد كانت بعد أن تنتهي من قراءة كتاب ما تعتقد أنها سوف تلد بطله أو بطلته، وكان خيالها يستحضر حمورابي وأنديرا غاندي والاسكندر المقدوني وانتهى بأن أنجبتك، أما فاطمة فكان من مصلحتها التأكيد على ما وقع، ولِمَ لا، فقد اعتبرته شهادة خبرة منحت لها وبركة من الله حصلت بها بعد صبر وشقاء...لا تصدق يا بني جنونهما وأوهامهما فأنت طفل عادي مثل كل الأطفال ولست نبياً.
أجل.... لقد أسقط والده وأهل قريته النبوءة عنه وأبقوا على اسمه فقط، لكنه لم يدر لماذا احتواه صبر أيوب وأقام بينه وبين جلده شريكاً أصيلاً.
كان أيوب في العاشرة من عمره عندما توفيت فاطمة فبكاها أهل قريته، وبعد أربع سنوات توفيت أمه فبكاها أهل مدينته أيضاً، وصام والده عن الطعام ثلاثة أيام كاملة. حينئذ شعر أيوب أن العيش المتوازن بالنسبة إليه في هذه الحياة قد يبدو مستحيلاً فصار يخترع التعايش.
Page 6
-4-
حين وصلوا إلى شاطئ صحراوي أشار خوسيه بيده أن يلتزموا الصمت والحذر وأن يظلوا يسيرون وراءه حتى إشعار آخر؛ كان الخوف يجلدهم بهراوات من حديد ويسرق منهم ما تبقى في رؤوسهم من رواسب للمنطق والإدراك والواقعية... لقد صاروا يرون البحر كأنه عفريت أزرق اللون يحاول أن يقض مضجعهم في كل فرصة تسنح له، وأشجار جوز الهند المسافرة إلى السماء والمتشابكة بعضها ببعض على طول الشاطئ كأنها خيوط لعنكبوت يتأهب لاصطيادهم. فجأة تراءت لهم من البعيد سيارة مركونة ومهملة، اعتقدوا أنها سيارة بوليس وأن فنانهم خوسيه الذي يسيرون وراءه مثل دجاج مسالم تحول إلى حفار قبور يدفعهم نحو حتفهم ليتقاضى أجره، وعندما اقتربوا أكثر، رأوا باب السيارة الجانبي ينفتح، وسمعوا خوسيه يصرخ بهم آمراً بأن يقفزوا في الحال إلى داخلها.لم يعرفوا ما الذي حدث وكيف أقلعت السيارة بشكل جنوني، لكنهم نسوا تعبهم وخوفهم، وسرعان ما أخذوا يحسون بالاطمئنان عندما أخذت سرعة السيارة تتباطأ، وبدأ خوسيه يرسم لهم كلمات تهنئهم بالسلامة ويرسم البيوت التي سوف يقصدها كل واحد منهم.
حين رأى أيوب لأول مرة ابن عم والده- السيد وجيه- الذي كان ينتظره عند البوابة الخارجية لبيته، أحس بأن دماً جديداً يتدفق في عروقه بسرعة فائقة وكأن عالماً آخر قد بدأ يتشكل توّاً.
كان بيته مؤلفاً من طبقتين، يتوسط حديقة واسعة ومفروشة بعشب يشبه سجادة خضراء؛ سألته زوجة عمه عن أخبار قريتهم فحكى أيوب لها، فقالت:
- يبدو أنها لم تتغير عما عهدتها في السابق.
وسأله عمه عن أحوال والده فحكى له، فردّ قائلاً:
- وهو أيضاً لم يتغير عما عهدته في السابق.
أما أيوب فسأل من دوافع الفضول عن سعر المنزل لأنه في الحقيقة لم يرَ منزلاً يشبهه إلا في مسلسل «فالكون كريست».
طلب السيد وجيه من أيوب أن يتبعه، فصعد خلفه إلى الطبقة الثانية حاملاً حقيبة سفره.
قال السيد وجيه:
- هذه غرفتك يا أيوب، أرجو أن تعتبر نفسك في بيتك، ثم وضع في يده رزمة نقود وأردف:
- لا تخجل يا بني من أن تطلب مني أي شيء تحتاجه... والآن أعتذر منك لأن لدي عملاً يجب أن أنجزه.
رمى أيوب نفسه على كنبة بجانب باب يفضي إلى شرفة صغيرة تطل على حديقة المنزل، مرَّت عدة دقائق قبل أن يفتح عينيه، تحسس النقود التي بين يديه ووضعها في درج الخزانة ثم فتح حقيبته وأخذ يرتب أغراضه، بعد ذلك حمل علبتي عطر قد اشتراهما لعمه وزوجته ونزل إلى الأسفل مخاطباً زوجة عمّه بالقول:
- أرجو أن تقبلي هديتي المتواضعة.
- بكل سرور، شكراً لك يا بني.
- وهذه لعمي.. كان على عجلة من أمره ولم أستطع..
- لا تقلق.. قاطعته وهي تأخذ منه علبة العطر الأخرى... سأعطيها له حين يعود. صمتت قليلاً ثم سألته كأنها تذكرت شيئاً هاماً:
- هل أنت جائع؟.
- لا.. ولكنني أشعر بالنعاس قليلاً.
- حسناً، إصعد إلى غرفتك وحاول أن تنام.
Page 7
-5-
عندما استيقظ أيوب لم يعرف أين هو فقد ظل رأسه يدور كمطحنة قمح عتيقة، ولوهلة نسي أنه جاء إلى هذه البلاد البعيدة. نظر في الساعة ولم يصدق أنه نام يوماً كاملاً، نزل وهو يفرك عينيه كطفل بائس مغلوب على أمره فوجد زوجة عمه جالسة لوحدها تشاهد التلفاز في صالة الاستقبال.- صباح الخير.
- صباح الخير. تفضل اجلس.
- أول مرة يحدث معي أن أنام كل هذا الوقت.
- من حق جسدك أن يرتاح. سأعد لك الفطور.
وجلسا إلى طاولة الطعام وراحت السيدة عائدة تتحدث بلا انقطاع. لم ير أيوب من قبل امرأة تملك شهية على الكلام مثل شهيتها، فكل حدث يحمل عندها حكاية طويلة، وكل فكرة تجر من ورائها أفكاراً وأفكاراً، كأنها في محادثتها معه تتمرن على الكلام وترفض أن توقف تمرينها المحبب هذا على عجلة، وقد حدث كل ذلك بسبب غلطة اقترفها أيوب حين قال في معرض حديثه:
- كانت رحلة جنونية لن أكررها طوال حياتي، إن عبورنا للبحر لم يكن سهلاً.
- البحر؟ وماذا تعرفون أنتم عن البحر!!!! أنا بقيت شهرين على متن الباخرة حتى وصلت... آه يا بني، لقد جعلتني أعود بالذاكرة إلى أكثر من ثلاثين عاماً.
- ........
عدلت من جلستها واستطردت قائلة:
- لم أتعرف في رحلتي تلك على غير البحر، بقيت شهرين أتحدث معه وهو يسمعني دون أن يضيق بي، حكيت له عن كل تفاصيل حياتي، عن فقرنا وعن حرماننا وعن طفلة لم تعرف يوماً دمية لتلعب معها، حكيت له عن مدينتي وعن أمي وعن..... تنهدت ثم أخذت نفساً عميقاً وتابعت.. وعن والدي.... رحمة الله عليه.
لقد جئت عروساً في مقتبل العمر، ولا أخفيك سراً أنني لم أر عمك من قبل، تعرفت عليه هنا، فقد درجت العادة في السابق أن يطلب والد العريس لابنه المسافر يد الفتاة من أبيها بعد أن يكون قد جمع معلومات كاملة عنها وعن أسرتها، فذات يوم بينما كنت أساعد أمي في أعمال البيت جاء والدي وقال:
- جهزي نفسك للسفر يا عائدة.
- سألت أمي: إلى أين؟
- أجاب: إلى فنزويلا.
نظرت أمي نحوي بقلق وقد أخذت الدموع تنهمر من عينيها كزخات مطر، أحاطتني بيديها كمن يمسك بشيء ثمين ويخاف أن يفلت منه، ثم سألت بغصة وكأن أكواماً من خشب تكدست داخل رئتيها:
- يا إلهي! كيف سأعيش من دون ابنتي؟ كيف سترحل عني إلى تلك البلاد ؟
- هذا نصيبها... أم أنك لا تؤمنين بالقضاء والقدر يا امرأة؟!!!!!
- أؤمن بالطبع... وأؤمن أن لا حول ولا قوة إلا بالله.
Page 8
ربما حلم والدي بأن يوفر لي حياة جيدة لم يستطع هو بنفسه أن يوفرها لي، أو ربما فكر بأن أساعده في أن يتخلص في يوم ما من الفقر الذي كنا نعيشه، أو ربما كان النصيب... أجل النصيب... من يدري؟
- .......
لاحظت السيدة عائدة أن أيوب قد شبع فأخذت تعد القهوة من غير أن تسأله، واستمرت في حديثها:
- بصراحة يا بني لم يتغير عليّ شيء.
- .......
- جئت من بيت فقير إلى بيت فقير آخر، كان وضع عمك يرثى له، أجل يرثى له، لا تستغرب؛ فوضعت أحلام العروس جانباً وصرت أصنع الخبز العربي والجبن واللبن وأعمل على بيعها في السوق، مرت علينا سنين يتعذر عليّ وصفها، ويكفي أن أقول لك إن التفكير في المستقبل كان مؤجلاً دائماً، كنا نعيش كل يوم بيومه، لكن حين ولدت ناديا أخذ المستقبل يلوح أمامنا من البعيد ويدعونا للحاق به، وبين شدة الحياة وبراءة ناديا كان يجب علينا أن نتحدى أكثر وأن نحب الحياة أكثر.
- وأين هي الآن؟
- تدرس طب الأسنان في إسبانيا، بقي عليها سنة، وتنهي اختصاصها.
- متزوجة؟
- لا، ليست متزوجة.
- ولماذا اختارت الدراسة في إسبانيا؟
- أنا يا بني لا أفهم كثيراً بهذه الأمور، سوف تعود بعد بضعة أشهر لتمضي بيننا عطلة نهاية العام الدراسي ، عندها تستطيع أن تسألها بنفسك.
هكذا كان أيوب يمضي أوقاته.. يستمع إلى أحاديث السيدة عائدة ويشاهد التلفاز. في البداية لم يلاحظ غياب عمه المتواصل، لكن بعد شهر تقريباً تحول رأسه إلى كرة تتجاذبها أفكار شتى.
سأل نفسه مرة : هل يريد عمي أن يقول لي بطريقة غير مباشرة إنه لا يريد مساعدتي؟ لماذا لا يحاورني مثل زوجته؟ لماذا يقدم لي النقود ولا يفتش لي عن عمل؟ إذا بقيت على هذا الموال سأخسر حياتي، فأنا لست أكثر من سجين في هذا القصر..إلى أين أذهب؟... إلى من ألتجىء كي أحصل على عمل ما؟
وذات يوم قرر أيوب أن يعود أدراجه، وينهي رحلته التي تشبه السفر في نفق مظلم، لكن الدفء الاستثنائي الذي كانت تقدمه له السيدة عائدة غدا كنور أبيض يشع في نهاية ذلك النفق.
- .......
لاحظت السيدة عائدة أن أيوب قد شبع فأخذت تعد القهوة من غير أن تسأله، واستمرت في حديثها:
- بصراحة يا بني لم يتغير عليّ شيء.
- .......
- جئت من بيت فقير إلى بيت فقير آخر، كان وضع عمك يرثى له، أجل يرثى له، لا تستغرب؛ فوضعت أحلام العروس جانباً وصرت أصنع الخبز العربي والجبن واللبن وأعمل على بيعها في السوق، مرت علينا سنين يتعذر عليّ وصفها، ويكفي أن أقول لك إن التفكير في المستقبل كان مؤجلاً دائماً، كنا نعيش كل يوم بيومه، لكن حين ولدت ناديا أخذ المستقبل يلوح أمامنا من البعيد ويدعونا للحاق به، وبين شدة الحياة وبراءة ناديا كان يجب علينا أن نتحدى أكثر وأن نحب الحياة أكثر.
- وأين هي الآن؟
- تدرس طب الأسنان في إسبانيا، بقي عليها سنة، وتنهي اختصاصها.
- متزوجة؟
- لا، ليست متزوجة.
- ولماذا اختارت الدراسة في إسبانيا؟
- أنا يا بني لا أفهم كثيراً بهذه الأمور، سوف تعود بعد بضعة أشهر لتمضي بيننا عطلة نهاية العام الدراسي ، عندها تستطيع أن تسألها بنفسك.
هكذا كان أيوب يمضي أوقاته.. يستمع إلى أحاديث السيدة عائدة ويشاهد التلفاز. في البداية لم يلاحظ غياب عمه المتواصل، لكن بعد شهر تقريباً تحول رأسه إلى كرة تتجاذبها أفكار شتى.
سأل نفسه مرة : هل يريد عمي أن يقول لي بطريقة غير مباشرة إنه لا يريد مساعدتي؟ لماذا لا يحاورني مثل زوجته؟ لماذا يقدم لي النقود ولا يفتش لي عن عمل؟ إذا بقيت على هذا الموال سأخسر حياتي، فأنا لست أكثر من سجين في هذا القصر..إلى أين أذهب؟... إلى من ألتجىء كي أحصل على عمل ما؟
وذات يوم قرر أيوب أن يعود أدراجه، وينهي رحلته التي تشبه السفر في نفق مظلم، لكن الدفء الاستثنائي الذي كانت تقدمه له السيدة عائدة غدا كنور أبيض يشع في نهاية ذلك النفق.
Page 9
-6-
كانت الأيام تجري مراكمة وراءها الشهور والسنين، وكان أيوب يتحمل تبعاتها وتحولاتها بصبر، وكل ضربة كان يتلقاها لم تكن لتميته بل كانت لتقويه، فأخذ رأسه يتطاول كدالية عنب نحو مفاهيم جديدة عن الحياة التي يعيشها.حدث مرة أن زار الأستاذ سهيل بيت أيوب، فاستقبله والده بكل ترحاب:
- كيف خطرنا على بالك؟
- الحقيقة يا أستاذ يوسف، منذ وقت طويل وأنا أفكر بزيارتك، لكن كما تعرف فإن الظروف تقف أحياناً حواجز أمام الرغبات.
- البيت بيتك. أهلاً وسهلاً بك في أي وقت تشاء.
دار نقاشهما بحكم مهنتهما كأستاذين حول قضايا التعليم وحول المناهج التي لابد أن تتغير وتتطور، وتحدثا أيضاً عن ارتفاع الأسعار وعن هموم الشباب.
شرب الأستاذ سهيل قهوته وطلب من الأستاذ يوسف أن يتكلم مع أيوب على انفراد.
- تريد أن تتحدث مع أيوب؟ هل فعل شيئاً سيئاً معاذ الله؟
- لا على العكس تماماً يا أستاذ يوسف ابنك من خيرة الشباب، إلا أنه يوجد موضوع خاص أريد أن أبحثه معه على انفراد بعد إذنك.
نادى السيد يوسف على ابنه ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
قال الأستاذ سهيل:
- أصبحت يا أيوب في عمر يسمح لك بأن تفتش عن هدف في حياتك، إن انتماء الإنسان لفكر معين يعطيه هوية. ثم فتح حقيبته وقدم له مجموعة من الكتب وأضاف:
- أنتظرك الخميس مساءً في بيتي، ستتعرف على رفاق من عمرك.
وبعد أن غادر الأستاذ سهيل عاد أيوب إلى غرفته وبدأ يقرض الكتب كفأرٍ جائع.
كان الأستاذ سهيل خطيباً من الدرجة الأولى يحَضر كلماته كما يحَضر الساحر عمله، وكان أيوب في سنواته الأولى في الحزب يحاول تقليده فصار يمشي مثله ويدخن مثله ويستخدم كلمات لا يعرف معناها، ربما لكي يعرض ثقافته أمام رفاقه أو لكي يختبئ وراءها من أجل أن لا يفضح جهله.
لقد قاد الرفيق سهيل أيوب ورفاقه إلى عالم جديد لا يرون فيه صورتهم إلا من خلال التزامهم، كان عليهم أن يكونوا شباناً مثاليين فنسوا كل ما يمكن تسميته بالابتذال، حتى إنهم نسوا الغزل ونسوا العشق وتحولت المرأة بالنسبة إليهم إلى موضوع لورشة عمل بدلاً من أن تكون نشيد حب أو قطرة ندى تتأرجح على زهرة أقحوان، وبدأ الخوف من الخطأ يفزعهم ويحوم فوق رؤوسهم كطائر متوحش يترقب فرصته للانقضاض في أية لحظة، وبدأ الشعور بالمسؤولية يدفعهم إلى حالة من القلق الدائم والعمل الدائم أيضاً حتى إذا تأخر هطل المطر في الشتاء كانوا يشعرون أنه جزء من مسؤوليتهم.
وتلون التزام أيوب في البداية بألوان الطيف، لكنه شيئاً فشيئاً أصبح يميل إلى السواد حين أيقن أن الأستاذ سهيل والمسؤولين في الحزب لم ينبسوا ببنت شفة وصموا آذانهم عندما اعتقلت السلطة رفيقهم جهاد.
تحدثت القرية عن أن جهاد كتب على جذوع الأشجار: أطلقوا سراح التفكير. وتحدثت الطيور أنه سقطت من عينه دمعة فامتلأت الحقول سنابل. وتحدث الناس أنه ذات يوم أخذه البوليس وكانت أمه تبكي وتصرخ: إلى أين تأخذونه؟... ماذا ستفعلون به يا كلاب؟... أعيدوا لي ابني.
Page 10
وبعد سنة تقريباً ظهر جهاد فجأة كما اختفى فجأة آنذاك.
حين زاره أيوب لأول مرة بعد خروجه من السجن لاحظ أن ملامح وجهه تغيرت وأن عينيه فقدتا لمعانهما، حتى أن صوته أصبح يشبه صوت رجل محطم خسر كل ما يملك من قوة.
- لا أدري ماذا أفعل يا أيوب ؟! أشعر بأنني مهمل ومخذول ووحيد.
- هون عليك يا أخي لست أول شخص يعتقل.
- لا يهمني الاعتقال.... القضية أكبر من ذلك.
- لم أفهم؟ ماذا تقصد؟
- لقد قدمت استقالتي من الحزب.
- هل جننت! إذا أخطأ بعض الرفاق بحقك نتيجة خوف أو نتيجة اعتبارات ما خاصة بهم فالمبدأ ليس على خطأ.
- هذا هو بيت القصيد، عن أي مبدأ تتكلم! لقد جاؤوا البارحة من جديد و لن تصدقني إذا أخبرتك عن السبب.
- طبعاً أصدقك، قل لي ماذا حدث؟
أشعل جهاد سيجارة وأخذت عيناه تجولان في الغرفة كأنه يراها للمرة الأولى، ثم قال بنبرة يائسة:
_ قبل يومين سمعت أمي تشتم وتصرخ عند باب البيت... خرجت كالمجنون فوجدت رجلين من البوليس واقفين عند البوابة، أشرت إلى أمي أن تدخل ثم سألتهما:
- والآن ما المطلوب؟
- لا تخف.. إجراءات روتينية...إذا سمحت تفضل معنا.
بدلت ثيابي وصعدت معهما إلى السيارة التي كانت تنتظرني في الخارج، وعندما وصلنا قاداني إلى مكتب رئيسهما الذي استقبلني كمن يستقبل صديقاً حميماً لم يره منذ سنوات وقال:
- أهلاً وسهلاً بالأخ جهاد!
- ........
- لن أضيع وقتك فقد علمت أن أمك قلقة عليك.
- ........
- أرجو أن تخبرني بصراحة لماذا قدمت استقالتك من حزبك؟!
- ماذا؟
- أريد أن أعرف لماذا قدمت استقالتك من حزبك؟
فجأة لم أعد أقوى على التفكير.. فطلبت كأس ماء لأشربه.
- عليك أن ترجع غداً إلى صفوف رفاقك، واعلم أن ما أقوله لك ليس اقتراحاً يا أخ جهاد بل أمراً.
تحدثت القرية عن أن جهاد سافر إلى بلد عربي ليعمل هناك. وتحدثت الطيور أنه تحول إلى ضوء صغير في سماء سوداء فأصبحت النجوم تسافر إليه. وتحدث الناس عن أنه هجر بيته وترك أمه الأرملة تواجه الحياة وحيدة وحزينة وصامتة.
حين زاره أيوب لأول مرة بعد خروجه من السجن لاحظ أن ملامح وجهه تغيرت وأن عينيه فقدتا لمعانهما، حتى أن صوته أصبح يشبه صوت رجل محطم خسر كل ما يملك من قوة.
- لا أدري ماذا أفعل يا أيوب ؟! أشعر بأنني مهمل ومخذول ووحيد.
- هون عليك يا أخي لست أول شخص يعتقل.
- لا يهمني الاعتقال.... القضية أكبر من ذلك.
- لم أفهم؟ ماذا تقصد؟
- لقد قدمت استقالتي من الحزب.
- هل جننت! إذا أخطأ بعض الرفاق بحقك نتيجة خوف أو نتيجة اعتبارات ما خاصة بهم فالمبدأ ليس على خطأ.
- هذا هو بيت القصيد، عن أي مبدأ تتكلم! لقد جاؤوا البارحة من جديد و لن تصدقني إذا أخبرتك عن السبب.
- طبعاً أصدقك، قل لي ماذا حدث؟
أشعل جهاد سيجارة وأخذت عيناه تجولان في الغرفة كأنه يراها للمرة الأولى، ثم قال بنبرة يائسة:
_ قبل يومين سمعت أمي تشتم وتصرخ عند باب البيت... خرجت كالمجنون فوجدت رجلين من البوليس واقفين عند البوابة، أشرت إلى أمي أن تدخل ثم سألتهما:
- والآن ما المطلوب؟
- لا تخف.. إجراءات روتينية...إذا سمحت تفضل معنا.
بدلت ثيابي وصعدت معهما إلى السيارة التي كانت تنتظرني في الخارج، وعندما وصلنا قاداني إلى مكتب رئيسهما الذي استقبلني كمن يستقبل صديقاً حميماً لم يره منذ سنوات وقال:
- أهلاً وسهلاً بالأخ جهاد!
- ........
- لن أضيع وقتك فقد علمت أن أمك قلقة عليك.
- ........
- أرجو أن تخبرني بصراحة لماذا قدمت استقالتك من حزبك؟!
- ماذا؟
- أريد أن أعرف لماذا قدمت استقالتك من حزبك؟
فجأة لم أعد أقوى على التفكير.. فطلبت كأس ماء لأشربه.
- عليك أن ترجع غداً إلى صفوف رفاقك، واعلم أن ما أقوله لك ليس اقتراحاً يا أخ جهاد بل أمراً.
تحدثت القرية عن أن جهاد سافر إلى بلد عربي ليعمل هناك. وتحدثت الطيور أنه تحول إلى ضوء صغير في سماء سوداء فأصبحت النجوم تسافر إليه. وتحدث الناس عن أنه هجر بيته وترك أمه الأرملة تواجه الحياة وحيدة وحزينة وصامتة.