Page 1
الرقيب الوفي وجدته الفاتنة
شهرزاد مكنستها جميلة وأطباقها جميلة والوسادة التي تنام عليها جميلة·· ومن المرجح أنها ولدت عندما كانت البيضة تباع بفلسين، والطرق تضاء بالفوانيس، والماء يكتسب البرودة من تخزينه بالسراحيات والمشربيات والجوالق الفخارية·· المهم أنها جاءت إلى الدنيا بعد أن بلغت بريطانيا، أكبر امبراطورية في التاريخ، أوج عظمتها عام 1920 فشملت مساحتها ما يقرب ربع مساحة اليابسة في العالم· حينئذٍ أسس الإنكليز مشروع الكهرباء لإنارة الطُّرق الرَّئيسة بعد دخولهم بغداد في الحادي عشر من آذار عام 1917، ثم أناروا بعد ذلك الطُّرق الفرعية حتى وصلت الكهرباء إلى بيت النبي إبراهيم القريب من زقورة أور، المدينة التي اخترع فيها السومريون الكتابة والمكيال وأقدم آلة موسيقية في التاريخ وهي القيثارة المطعمة بالذهب····
هناك ولدت شهرزاد الى الجنوب من بغداد والشمال من البصرة، في المنطقة التي دارت فيها معركة ذي قار الشهيرة بين الفرس والعرب قبل قرون عديدة، ثم سميت فيما بعد بالناصرية نسبة الى أمير عربي، عندما أسسها الوالي العثماني مدحت باشا عام 1869، وخطط شوارعها المستقيمة مهندس بلجيكي على هيئة سبعة شوارع متعامدة على بعضها البعض بشكل مستقيم رائع يشبه رقعة الشطرنج· كان يحيط بها سور على هيئة نصف دائرة وترُها نهر الفرات، ولكن ذلك السور هُدم في نهايات العشرينيات من القرن الماضي، بعد اتساع المدينة وبلوغ تعدادها نصف مليون نسمة تزايد فيما بعد إلى مليونين إلا ربعاً وفق البطاقة التموينية التي توصلت إليها الحكومة أيام حصار التسعينيات الذي اختفتت فيه الخردة من الجزادين والطائرات من السماء···· الطريق الإسفلتي الوحيد المعبد بالقار في ذي قار كان يسمى بالمكيّر، ولأنه يؤدي الى زقورة أور بعد مروره بمحطة القطار في الناصرية، فقد ظن الناس أن المكير ومحطة القطار شيء واحد·· مما جعل الشاعر زامل سعيد فتاح يخلد تلك المحطة في قصيدة تقول: مشيت وياه للمكير أودْعنّه، مشيت وكل كُتُر مني إنهدم بالحسرة والونة، لحنها كمال السيد على مقام الرست وغناها المطرب ياس خضر عندما دخل التلفزيون الملون إلى العراق، فوضعوا خلفه درزن باينباغات ملونة تتدلى من سقف الإستوديو كما الرماح·
ولد أبوها ناظر تلك المحطة قرب مزارع الرز العنبر في ناحية الشامية التابعة للواء الديوانية ثم تزوج في شطرة الناصرية من فتاة تدعى شمسة مولودة في محلة البغادّة بسوق الشيوخ الذي أسماه السومريون (سوك مارو) أي سوق الحكيم· يقول رواة المدينة إن سوق الشيوخ نشأت على مرتفع واسع من الأرض أو تل أسود كبير يقع على واحدة من اليشن السومرية القديمة حيث وجد فيه بعض الباعة من أبناء الأرياف القريبة خيرَ ساحة لمبادلة البضائع المختلفة· هناك ولدت شهرزاد ابنة شمسة ابنة محمود الذي استشهد في ثورة العشرين بعد أيام من ولادة شمسة لبكرها شهرزاد······ وفي الوقت الذي كان فيها جدها المهوال محمود يثور ويهزج ضد الانكليز الطوب أحسن لو مكواري، أُعجبت شمسة، التي رأت مصباحاً كهربائياً لأول مرة في حياتها، بمخترعات المحتلين الإنكليز الجديدة، وأرادت أن تسمي مولودتها الجديدة مصباحاً، لولا تدخل زوجها صبيح الذي غير اسمها إلى غزال بعد سماعه قصيدة يا غزال الكرخ لمحمد سعيد الحبوبي· وبقي اسمها في سجلات الأحوال المدنية غزالاً وكذلك في سجلات المدارس والمحاكم الشخصية، لكنه تحول في البيت إلى شهرزاد تيمناً باسم جدتها الأولى شهرزاد، أول امرأة تتذوق البيرة في العراق بناءً على نصيحة الحلاق عاصي الذي طببها من الاعتلال الكلوي المزمن·
وهي صغيرة تأخرت في النطق فزوّرتها أمُّها شمسة ضريحَ السيد أحمد الرفاعي والسيد خضير وباقي سادة أرض ذي قار، فانحلّت عقدة لسانها، وتحولت بقدرة قادر من خرساء إلى لبلبان·· وعندما تعلمت المشي سارت أولى خطواتها بين تلال أم العقارب وممرات زقورة أور وآثار أريدو ولكش، ثم سبحت وهي في سن الثالثة في مياه هور الحمَّار·· أتقنتْ الكتابة والقراءة عند الملا لبيبة قرب مقام المنصور، هذا المكان الذي قال أبوها صبيح إن الإمام علي عليه السلام مر به مع جيشه عند ذهابه إلى البصرة قبل معركة الجمل الشهيرة·· هناك قرب المدخل الغربي للناصرية وعند مقام المنصور الذي تحيط به مقبرة قديمة يدفن فيها الأطفال، نهضت أسطورة شهرزاد التي أظهرت براعة غير مسبوقة في الحفظ، فسميت بنابغة الناصرية، وأصبحت فرجة دائمة لضيوف أمها وأبيها بعد أن حفظت جزء (عمّ) في ساعات معدودة، والنتيجة أن أباها قرر أن يسجلها في مدرسةٍ في عَكْد النصارى ببغداد عندما نُقل إلى هناك ناظراً للمحطة العالمية في الصالحية وكان قبل ذلك سائقاً لقطار الخط النازل من غربي بغداد إلى البصرة عبر الناصرية·· أبوها صبيح هو أقدم سائق للقطار في المحطة وكان معلّماً لسائق القطار الشهير الذي عبر الجسر الحديدي عند افتتاحه عام 1945، بعد أن تراجع السائق الهندي عن ذلك رهبةً من وجود الملك في القطار· هذا السائق الشهير هو المرحوم عبد عباس المفرجي، الذي عرف فيما بعد بسائق قطار الموت، وهو الذي أنقذ 520 سجيناً سياسياً، وُضعوا جميعاً في عربات الحمولة من موت محقق دون أن يدري·· كانت السلطات قد طلبت منه في الرابع من تموز عام 1963، بأن يسير بشكل بطيء بإولئك السجناء، لكي يقضوا حتفهم في الطريق بين بغداد ونقرة السلمان، بعد أن أَغلقت عليهم جميع المنافذ التي يمكن أن يتسرب منها الهواء إليهم· ولكن سائق قطار الموت حينما علم بأن قطاره ينقل مئات الوطنيين العراقيين، عرف مقصد الذين طلبوا منه أن يبطئ في سيره، وتحركت عنده مشاعر الوطنية، وبدأ يسير بأقصى سرعة ممكنة، حتى أوصلهم الى محطة قطار السماوة، ثم فتح الأبواب أمامهم ليتنفسوا الهواء الطلق، وتنكتب لهم حياة جديدة· كان ذلك السائق صديق أبيها صبيح وتلميذه، وشاءت العناية الإلهية أن تختاره السماء لإنقاذ ابنها معيط من الموت المحقق، في ذلك القطار الذي لا تذكره شهرزاد إلا وتذكر معه ذلك الحدث البطولي···
Page 2
سكن أهلها في عكد النصارى قريباً من محل جواد الساعاتي، أول مسلم امتهن بيع الساعات في شارع الرشيد بداية الأربعينيات، وكان محله قريباً من المكان الذي حاول صدام حسين فيه اغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959، تبعه ابنه ناجي جواد في افتتاح محل للساعات في ساحة حافظ القاضي عام 1948، ومنه اشترى قارئ المقام ممتاز ساعة أولما محترمة وضعها في معصمه يوم زفافه إلى شهرزاد···· الضاحية التي انتقل لها أهلها، بعد عكد النصارى، لم تكن تحمل اسماً من الأسماء، ثم أصبحت تعرف بقناة الجيش بعد أن افتُتحت في عهد ابن الصويرة عبد الكريم قاسم بداية الستينيات وسميت بهذا الاسم كونَها شُقّت من سرية الهندسة الأولى في فوج موسى الكاظم، وذلك لدرء الفيضان عن نهر دجلة من خلال تمرير مياهه الفائضة جنوباً لتصب في نهر ديالى عند منطقة الرستمية· أصبحت شهرزاد في المدرسة مشهورة بابنة ناظر المحطة والوحيدة التي ركبت القطار عندما انتقلوا من الناصرية الى بغداد فأجلسها أبوها قربه في مقطورة القيادة·
صار من المكروه في عُرْف أبيها صبيح أن لا يرث أبناؤه مهنته ولا يظهروا اهتماماً بها كما هو معتاد في أخلاق هذه المهنة، عدا شهرزاد التي أرادت أن تتعلم مهنة الرجال، فكانت تتوسل أباها أن يأخذها معه في جولاته التفقدية بين محطات بيجي وبغداد والبصرة·· وقادت وهي في العاشرة من العمر مسافة عشرة كيلومترات من الطريق بين جلولاء وشهربان···· كانت الأصغر بين أبنائه الذكور الذين لم يفلحوا في المدرسة الغربية برصافة بغداد، بينما أظهرت هي نبوغها المتوقع، وتفوقت في القراءة والحساب والتاريخ، لكن بسبب قامتها المديدة، نفتها المعلمة إلى مؤخرة الصف لتجمع هناك بين الشطارة والوكاحة ومضغ العلكة أثناء الدرس·· وبسبب طولها المفرط أطلقت عليها البنات لقب الطنطل ثم المغزل دادة ثم لقباً ثالثاً هو القرعاء بعد أن امتلأ رأسها بالقمل فراحت أمها تطحن الحبة السوداء جيداً وتعجنها في خل التمر ثم تدهن بها رأسها بعد حلقه نمرة صفر· كانت شهرزاد تبرطم شفتيها، عند تعريضه لأشعة الشمس، وتضرب عن الكلام حتى يغسلوا لها رأسها من دواء القمل بعد مرور خمس ساعات عليه· شعرها عاد لينمو من جديد وينسدل على كتفها كالشلال، فكانت أمها تلمه لها بذيل حصان من الخلف وتبرم ناصيته على شكل لوامس أغصان العنب من الأمام· جمال شعرها أصبح لعنة عليها فلم تكمل الدكتوراه في أي علم من العلوم، وأظهرت فتنة مبكرة وقواماً خلاباً كعود السيسبان، فخطبها ممتاز وهي في الإعدادية وتزوجت منه وهي في السادسة عشرة وبات بيتهما في قناة الجيش محطة للقطار شبيها بالمحطة العالمية في العلاوي·· يبيت فيه أهلها القادمون من الشطرة والجبايش وسوق الشيوخ وقلعة سكر، وأهل زوجها القادمون من القلعة والقورية وجمجمال·· كانوا يجلبون لها الرز العنبر من الشامية، ولقم القاضي من كركوك، والرمان من شهربان··
وفي شهربان ولدت أولى بناتها نهاوند عندما كانت ترافق ممتاز إلى هناك ليغني في حفلات مقهى حسن كركوكلي المجاور لمقهى حسن سفر حيث كان (القصّخون) يسرد قصص المياسة والمقداد، وعنتر وعبلة، وأبي زيد الهلالي، ومن بعده كان المرحوم عكار، وهو والد المطرب المعروف جبار عكار، يأتي إلى شهربان ويقرأ الشعر بمصاحبة الربابة في المقاهي· بعد ابنتها البكر نهاوند خلفت نصف درزن بنات هن حجاز وميان وصبا وصباح وبلقيس وعالية التي ولدت بداية الخمسينيات بعد وفاة الملكة عالية·· ثم رزقت نهاية المطاف بثلاثة أولاد ذكور·· وشهدت حرباً عالمية ثانية وستة انقلابات وثلاثة حروب طاحنة، ورأت كل وسخ الدنيا من الروبية القادمة من الهند إلى العانة التي هتف لها العراقيون في الستينيات عاش الزعيم الذي زيد العانة فلس، ومن العانة إلى ورقة المئة ديناراً التي مسح بها زوجها ممتاز أنفه أيام الحصار ثم نفاها إلى سلة الزبالة وهو يقول إن هذه الورقة أصبحت أرخص من ورق الكلينكس وهي التي كانت تكفي لشراء بيت في الثلاثينيات··· عاصرت زلزالاً وفيضاناً وجلوساً ملكياً في الخمسينيات، وأدركت هروب الكركدن من حديقة الزوراء نهاية السبعينيات وليلة نجمة أم ذويل نهاية الثمانينيات وعصر سامكو الزعفراني في التسعينيات·· تجولت مع زوجها قارئ المقام في كل محافظات العراق وعاشت في بحبوحة لأنه فاز بعدة جوائز في الموسيقى الشرقية قبل أن ينتهي بستجياً في مقاهي عزاوي والعبخانة وفضوة عرب·· كان يقرأ المقام مع مطرب المقام والمربعات قاسم الجنابي بعد مباريات المحيبس الرمضانية بين محلات الكفاح والفضل وأبو سيفين وباب الشيخ وغيرها·· ويفتخر بأنه غنى واقفاً وهو في العشرينيات من العمر مقام اللامي أمام محمد عبد الوهاب الذي زار العراق في الثلاثينيات، فأفاد منه عبدالوهاب في تلحين (أغنية يللي زرعتوا البرتقال يلة اجمعوه)·
يقول ممتاز إن السيد درويش فعل مثل ذلك أيضاً مع أغنيتين شهيرتين هما زوروني بالسنة مرة وطلعت يا محلى نورها شمس الشموسة اقتبسهما من الملا عثمان الموصلي··· كما شرح لأولاده وأحفاده أنه يوجد في الموسيقى الغربية مقامان فقط وهما سلم ميجر المقابل لمقام العجم، وسلم ماينر المقابل لمقام النهاوند· وبنفس الطريقة يجري في الموسيقى الشرقية عزف هذين المقامين أو النغمين في مواقع مختلفة من السلم الموسيقي، ولكن الشرقيين فرّعوا هذين المقامين بأشكال مختلفة، فجعلوا أي تغيير في ترتيب الأبعاد السبعة من السلم أو أي تغيير في كيفية إنهاء المقام، مقاماً منفصلاً·· وهكذا نشأت مقامات عديدة تختلف عن بعضها البعض مثل الحجاز والنهاوند والنوى والحجاز كار والحجاز كار كرد واللامي وغيرها·
شرح ممتاز لهم أيضا مشكلة الربع تون في الموسيقى العربية وقال لهم إن المسافة بين نغمة الدو ونغمة الرِى مثلاً تعتبر تون، ونصف المسافة تعتبر نصف تون·· وهذا ما يتعامل به الغربيون مع موسيقاهم·· أما نحن الشرقيين فأضفنا الربع تون·· وهو ربع المسافة بين النغمة والتى تليها·· وهذا نابع من زيادة إحاسيسنا وعواطفنا الجياشة·· عكس الغربيين الذين يتعاملون بالمسطرة والخطوط الحادة مع التون وهو النغمة الكاملة· وقد خلق هذا الربع تون امكانية وجود عدد كبير آخر من المقامات التي لا تستخدمها الموسيقى الغربية، فنشأت مقامات الرست والبيات والصَّبا و السيگاه والمخالف والبستة نگار وغيرها، مما جعل المقامات تسجل رقماً يزيد على التسعين مقاما· ولكن ما هو المقام العراقي؟- سألت شهرزاد اللبلبان زوجها ممتاز - في يوم قائظ من أيام آب اللهّاب- وما اختلافه عن باقي المقامات؟
Page 3
قال لها: المقام يعني السُّلَّم أو النغم· أما المقامات العراقية فهي مجموعة نتاجات غنائية معينة مؤلفة مسبّقاً بالضبط والتمام، وحين يقرأ قارئ المقام مقام الرست فإنه يعيد غناء هذا المقام المعين بالضبط كما أخذه عن أسلافه من قراء المقام العراقي· ولذلك مثلاً حين يذكر مقام البهرزاوي حتى لدى قراء المقام أنفسهم يُذكر كما غنته صديقة الملاية كأحسن مثل لقراءته· وبطبيعة الحال يكون في تركيب كل مقام عراقي أحد المقامات كالرست والبيات والصبا والسيگاه والمخالف والحجاز والنهاوند، نظراً إلى أنه لا يمكن أن تكون هناك موسيقى بدون أن يكون لها مقام أو نغم خاص بها· ولكنّ بناء المقام العراقي لا يقتصر على هذا فقط، بل إن لتركيب المقام العراقي قواعد أساسية تختلف في تركيبها عن سائر المؤلفات الغنائية حتى في الموسيقى العراقية نفسها· وعلى الملحن الذي يضع مقاماً جديداً أن يلتزم بهذه القواعد وإلا فلن يعتبر نتاجه مقاماً عراقياً· فهناك مقامات تغنى بالقصيدة وهناك مقامات تغنى بالموال العراقي أو الزهيري·· فإذا غنى واضع المقام مقامه بالقصيدة فعلى كل قارئ أن يغني ذلك المقام بالقصيدة من بعده وإذا غنى واضع المقام مقامه بالزهيري فعلى كل قارئ مقام ان يغني ذلك المقام بالزهيري من بعده·· وضرب لها مثلاً بما حدث للقبانچي حين كان في برلين سنة 1929، لتسجيل بعض المقامات العراقية، فوصله نبأ غير صحيح بوفاة والده· ولكي يعبر عن مشاعر الحزن لدى تلقّي هذا الخبر وضع مقاماً من نغم اللامي أسماه مقام لامي، وخلافاً لكافة المقامات المعروفة غنى القبانچي هذا المقام مع أبوذية· فقد وجد في (الأبوذية) أفضل تعبير عن حالته النفسية تلك اللحظة·· وهكذا أصبح كل من يغني ذلك المقام يغني بعده (يلي نسيتونا يمتى تذكرونا)·
كان ممتاز يحصل على قران واحد كأجر يومي عن حفلاته الغنائية، يتقاضاه عن تعلولة من تعلولات المقهى التي كان أشهر روادها رضا الشاطئ ورشيد القندرجي وفخري الزبيدي ويعزف فيها الجالغي البغدادي الذي حرّمه العثمانيون على المسلمين أيام حكمهم للعراق، فكان يعزف فيه ذلك الزمان عازفون من اليهود فقط من أمثال يوسف بتو وصالح شميل ويهودا شماس· ولكن الوضع تغير فيما بعد وأصبح المسلمون، من أمثال شعوبي إبراهيم والحاج هاشم رجب، يعزفون أيضاً فيه· وفي ليالي رمضان كان يُؤتى بمطربي المربعات علي الدبو وعدنان الشيخلي وفاضل رشيد، لإحياء الحفلات بعد لعبة المحيبس· ذلك القران كان يعادل عشرين فلساً في زمان الفلسان الذي كان فيه الدينار المكون من ألف فلس يكفي معيشة شهر كامل، وكان نوط المئة دينار المكون من مئة ألف فلس، يكفي لشراء منزل·· هذ القران المكون من عشرين فلساً هو نفسه أجر أخيه المسّاح أنور، والذي عمل في بناء الجسر الحديدي في المسيب عام 1937م، فخلده قُرّاء المقام ببستة شهيرة تقول: حيّك بابة حيّك·· ألف رحمة على بيّك·· هذوله العذبوني·· هذوله المرمروني·· وعلى جسر المسيب سيبوني·
لا يزال ممتاز يحتفظ بحبزبوز وقرندل والزمان وصحف قديمة أخرى كـصوت الفلاح والتآخي التي نشرت له بحوثه الموسيقية عن الحافظ عثمان الموصلي والملا ماشاء الله المندلاوي والقارئ رحمة الله شلتاغ الكركوكلي سيد المقام العراقي ومبتكر مقام التفليس، وهو من مقام السيكا المنسوب إلى تبليسي عاصمة جورجيا، وقد جلبه أحد المشاركين في الحرب العالمية الأولى مع الجيش العثماني في القوقاز· كما قام بنقل العديد من المقامات من كركوك إلى بغداد، كمقام القوريات ومقام الموجيلا الذي ابتكره قارىء المقام موجي الكركوكلي والذي سمي بمقام المدمي في بغداد·
ما ضجرت شهرزاد قط من حكايات زوجها ممتاز المخملية، ولم تجدها تتعارض مع ملايين المرات التي كوت فيها الملابس وشلّعت فيها أقراص الخبز أو غسلت الشراشف المليئة بروائح التأوه والتمني···· وذلك كله لم يكن يتعارض أيضاً مع آلاف الحكم تنطق بها والتي لم يسمعها حفيدها عبد الحليم من امرأة قط··· كانت تقول لا تكرهوا من هو أفضل منكم، بل تعلموا منه شيئاً واحداً فقط فتصبحوا أفضل منه··· كل شخص تغارون منه تعلموا منه شيئاً واحداً فقط فتصبحوا أفضل منه·· وهذا ما وجدها تتعلمه من كل امراة تعاشرها أو تراها أو تسمع عنها أو تغار منها·· فتعلمت حبها للحُلي والزينة من شبعاد، الملكة السومرية المنحدرة من نهاية العصر السومري الحديث في أور، والتي خطفت الزهرات الثلاث البديعة فوق رأسها، نظر شهرزاد عندما رأتها في المتحف····· وقرب نينوى، التي زارتها في أعياد الربيع، رأت تخطيط أميرة الحضر محفوراً على جدار المعبد الثالث، ففتتنت بوجهها المعبر وجسمها الممتلئ وملابسها المليئة بالكسرات والطيات ووشاحها المنسدل على كتفها وظهرها حسب تقاليد الحضر، أما عندما مرت بخرائب قصر شيرين في خانقين الواقعة على الحدود العراقية الإيرانية، فقد أُعجبت بقوة المرأة الميسانية شيرين، إمبراطورة ساسان وزوجة خسرو الثالث التي جعلت زوجها كسرى يخضع لإرادتها ويسكن في المدائن على ضفاف دجلة لتكون قريبة من أهلها العراقيين·· ومن فدعة شبيهة الخنساء استوحت البطولة عندما كانت ترافق عشائر الخزاعل في قتالها مع عشائر المنتفك وزبيد·· لم تكن سوى ابنة صريفة في أرياف الرميثة ترعى الجاموس وتصنع اللبن والقيمر، ولكن مقتل أخيها حسين فجر شاعريتها فلبست الأسود ما تبقى من حياتها وقالت أجمل المراثي، كما واظبت على حضور مجالس امبراطورة النواح أم علي، وتعلمت منها قول الملاحم في عاشوراء ورفع حرارة الموقف وسط النساء النائحات وبين مساعداتها الندابات القوّالات، حيث تمتزج أحياناً طقوس الموت بطقوس الفرح، فتدور صينية القاسم بالحناء والشموع والآس على النساء وتطلب العذروات المراد من يوم القاسم، ثم ينتهي فاصل الفرح بإطفاء الشموع وسكب الدموع تمهيداً لطقس العرس الدامي وموعد القاسم ابن الحسن مع الموت·· كان قد عقد قرانه على ابنة عمه سكينة ابنة الحسين تنفيذاً لوصية أبيه الحسن، ولكن الدخول لم يكن على فراش العرس بل على تراب الموت والدم·· فأصبحت عروس القاسم هي المراد المرتجى بين العذروات الراغبات بالزواج·
Page 4
في الطرف الآخر من تلك الجلسات الريزخونية المليئة بالمراثي والدموع الغزيرة، كانت التركمانية باجي كُلبهار خاتون من التون كوبري في كركوك هي راعية الأمل والفرح وعاشقة الكحل والسبداج، وهي التي رقصت في زفة شهرزاد عروس ابنها ممتاز، يتقدمها راقص هزلي مغطى بالقطن المصبوغ، وهازجون في دبكة هالاي يحيطون بهودج العروس لحين وصولها إلى ممتاز، العريس الذي كان ينتظر عروسه على سطح البيت لكي ينثر عليها النقود والحلوى بيمينه المزدانة بساعة أولما فاخرة الثمن اشتراها من محل ناجي جواد الساعاتي· صدَقَ من قال حتى مكدّي كركوك علّيقته من القطيفة· فقد ظلت باجي كلبهار تصبغ شعرها وعينيها باللون الأسود وترتدي فساتين الكيمونة، حتى بعد أن أصبحت طاعنة في السن ينادونها أحفادها بالنانا··
بعد خطبة شهرزاد إلى ممتاز أخذوها إلى الساحة الكبيرة الواسعة التي تقابل جامع مرجان، وفيها يتجمع الباعة ليبيعوا لليهود، العائدين إلى بيوتهم مساء، كل ما يخطر على البال·· وفي تلك الساحة رأت أول مكينة سيفون وجنجر وصودا، كما تذوقت النامليت الذي كان يباع جاهزاً بالقناني المغلقة بالكرات الزجاجية· ومن نهاية هذه الساحة يبدأ شارع البنك بخان مرجان على جهة اليمين وخان علي صائب الخضيري على جهة اليسار ثم تليهما دربونة (النملة) التي تتصل بشارع المستنصر الذي يسمّيه العامة بشارع النهر· هناك رأت ملابس العرائس ودشاديش النوم الشفافة للمرة الأولى·· سوق العرائس ذاك كان يسمى قديماً بخان الشابندر وكان يضم أكثر من سبعين معرضاً للصاغة أكثرهم من الصابئة المندائيين واليهود العراقيين قبل هجرتهم و تسفيرهم من العراق بعد النكبة·
حين توقفت مع ممتاز وأمه كلبهار خاتون لشراء كردان الذهب من الصائغ خضوري تناهت إلى أنفها رائحة بخار قادمة من نهاية الدربونة، وهناك شاهدت محلاً لكيّ الملابس بالبخار للمرة الأولى في حياتها· كان ممتاز الفنطازي القادم من كركوك أكثر انفتاحاً من أهلها القادمين من الشطرة، فكان يرتدي قاطاً وباينباغاً وقميصاً أبيض اللون كواه عند مكوى الأرمني (توماس ميمريان) بروبية واحدة، وهو المكوى الذي أعجبت شهرزاد برائحته ونظافته التي لم تر لها مثيلاً من قبل، كما لم تر مثيلاً أيضاً لأناقة متجر خضوري الذي لم يغادر العراق عند تهجير اليهود، فظلت تتردد عليه لشراء الذهب حتى أواخر الأربعينيات·· أيامها كان الوضع في بغداد متوتراً، وقد انفجرت قنبلة صغيرة في ركن اليهود الذي كانوا يجلسون فيه بمقهى الشط الواقع نهاية شارع النهر، فقال ممتاز إن ذلك إنما هو لدفع اليهود إلى الهجرة إلى إسرائيل·
في ذلك المقهى كان يغني ممتاز مع فرقة الجالغي البغدادي التي يشكل اليهود أغلب عازفيها، وليلاً عندما يضاء مقهى الشط باللوكسات المستوردة من ألمانيا، يلتقي هناك وجوه بغداد المعروفة آنذاك أمثال قاسم باشا وحسن باشا وعبد القادر باشا الخضيري، الذي كانت ترسو مراكبه أمام المقهى، والشاعرين الرصافي والزهاوي في بعض الأوقات· بعد ذلك الحادث غادر خضوري فباع متجره للذهب وسافر إلى إسرائيل ولم يعد، ولكن قلب شهرزاد تعلق بسوق شارع النهر المائج بالبشر وظلت تتردد عليه بشكل أسبوعي·· كان السوق ملاصقاً لأقدم سوق للكتب منذ أيام العباسيين، وهو سوق السراي الذي يغص بالمطابع والمكتبات·· وفي أيام رمضان كانت شهرزاد تصل إلى هناك من منطقة المصبغة المجاورة لسوق الخفافين لتجد مقهى الشط ذا الطابقين، والمُزيّن بالزخارف البغدادية الجميلة، مفتوحاً خلافاً لباقي المقاهي· هناك كان زوجها ممتاز يغني في المقهى التحتاني، يرافقه قارئ المقام اليهودي يوسف حورش ونخبة من الموسيقيين كصالح الكويتي ويوسف بتو وعزوري وجميعهم من اليهود الذين غادروا بعد حادثة القنبلة وإعلان الأحكام العرفية ببغداد· كان الجمهور يقبل على سماع قراء المقام أحمد زيدان ورشيد القندرجي الذي عندما كان يغني في الرصافة يُسمع صوته في الضفة الأخرى من نهر دجلة المحتشد بقوارب الصيادين والقفف والمهيلات والأكلاك وهي تنقل الخضراوات والفواكه من ضفة الرصافة الى ضفة الكرخ· أما المقهى الفوقاني الذي كان يشهد حفلات التياترو الراقصة مرتين يومياً فتحيي حفلاته أشهر راقصات ومغنيات ذاك الزمان أمثال طيرة وسلطانة يوسف وصديقة الملاية·
لا تزال شهرزاد تكشف لأحفادها روعة تلك الرحلة التي اكتشفت فيها جمال بغداد يوم شرائها لنيشان زواجها، فرأت لأول مرة في حياتها المكوى والجامخانة والمكتبة وسمعت بالسيفون والسينما والبندق والفستق والدوندرمة· سار ممتاز، الفنطازي الهابط إليها من الجبال والخاطف قلبها وقلوب أهلها منذ النظرة الاولى، بالركب حتى نهاية شارع النهر، حيث البناية الضخمة لشركة لنج للنقل النهري، ثم خرجوا إلى شارع الرشيد من ركن أنيق قال لهم ممتاز إنه مكنزي، المكتبة الإنكليزية المشهورة في بغداد، وتقدموا تلقاء محل الخياط البيروتي الشهير علي رضا الذي خاط له بدلة العرس، وبعده سنترال سينما التي جرت فيها حفلة المصارعة المشهورة بين الهير كريمر الألماني والمصارع العراقي الحجي عباس الديك، ثم مروا بالمباني التي اشتملت على المصورين والخياطين والصرافين ومسارح اليهود وملاهي الآرتيستات والكاولية ودكاكين الأرمن الذين يبيعون البسطرمة والكيك واللبن الرائب والدوندرمة والمكسرات·· واستنتجت، بعد تلك الزيارة الأولى لشارع الرشيد، أن عالم الجمال والمأكولات اللذيذة في بغداد كان يصنعه اليهود والصابئة والمسيحيون والأرمن· أما عالم الفنون والجنون فأنشأت له شركة بيضافون محلاً في خان دله ببغداد لإنتاج الإسطوانات التي تدور حول نفسها كالمراوح وتنطق بأصوات جميع مطربات ومطربي بغداد المشهورين كمحمد القبانجي وسليمة باشا مراد ونرجس وزكية جورج ومنيرة الهوزوز وزهور حسين وصديقة الملاية وحضيري أبو عزيز وغيرهم، ثم سجلت بيضافون أيضاً قوانات لمطربين من البصرة والناصرية والموصل ومنهم زوجها ممتاز صدوقي قارئ المقام الكركوكلي مما دعاه إلى شراء فونغراف أسود اللون بخمسين روبية صار عجبةً لأهل البيت· ولشهر زاد التي استمعت من خلاله فيما بعد إلى أغنيات رضا علي وفراقيات عباس جميل على نغم الجورجينا·
لا تزال شهرزاد تذكر لأحفادها روعة تلك الرحلة التي راحت تكررها بعد ذلك كل أسبوع مستقلّةً باصها رقم (4) من ساحة الميدان إلى ساحة النصر، سابحة في نهار شارع الرشيد الجميل من الشورجة إلى مطعمي الإخلاص وتاجران، ومن كعك السيد وكاهي الحيدري إلى مكتبة مكنزي وأورزدي باك، ومن مطحنة قهوة آرتين ومقهى البرازيلية إلى محلات الباسطرمة الأرمنية وشربت الحجي زبالة، ومن مقهى المربعة وصالون حكمت الحلي إلى سينما الوطني وروكسي وساحة حافظ القاضي·
Page 5
شهرزاد التي رأت
من صابون الهندية إلى صابون اللوكس الذي تستعمله تسعٌ من كل عشرٍ من نجوم السينما عاشت شهرزاد عصور الصوابين كلها·· وارتدت فساتين الكريب ستان وملحقاتها من الصاية والكيش والعباءة والملوي والاسكاربيني المشترى من باتا·· وتزوج أولادها وبناتها وغادروا إلى بيوتهم في الكرادة والكرنتينة وحي الإسكان، ما عدا المنغولي جرار الخيط الذي بلغ منه العمر خمسين عاماً فلم يمرض ولم يمت·· بقي معها في ضربة بوش الأولى والثانية، وصب لها الماء الشحيح عندما كانت تسقي النباتات بالإستكان وتأكل مع بلابلها من ملعقة واحدة·· وأزجى وقت الحرب بصبغ جميع المناضد والكراسي المشخّطة بالبوية البيضاء·
جاء لها البستاني عاتي الهدهد ببضعة بلابل من بساتين الفحامة القريبة من حي أور برصافة بغداد، فكانت سلوتها في الحرب التي توقفت فيها المراوح عن الدوران مما جعل بلابلها تنجو من الموت بريش المراوح أو بجرائم أحفادها البشعة مع القطط والكلاب والبلابل· لم يكن لديهم مولّد كهرباء، فكان جرار الخيط يدفع ريشات المروحة بعصا الممسحة لتحريكها وتضحك شهرزاد من أعماله الطفولية مع مروحة القادسية التي اكتسبت اسمها من الحرب وقيل إنها إذا ما دارت فلن تتوقف عن الدوران·
وقبل يومين من اليوم الذي أعلنه بوش موعداً أخيراً لضرب العراق، وبدلاً من ركوب الباص رقم (4) المتوجه إلى ساحة النصر، قررت شهرزاد أن تركب الباص رقم (84) المنطلق من قناة الجيش إلى باب المعظم، ثم الباص رقم (5) المنطلق من باب المعظم إلى سبع أبكار·· أرادت أن تتجول في طريق غير الطريق الذي اعتادت عليه كل أسبوع·· وكان طريقاً جميلاً يحاذي نهر دجلة وتحيط به الشواطئ والمشاتل وتملؤه البساتين· تذكرت ليالي الصيف القمرية عندما كان زوجها ممتاز يغني المقام على ظهر زورق من الزوارق التي تنطلق عادة من الكريعات حتى جسر الصرافية ومعها يردد شباب الجراديغ المنتشرة على ضفاف دجلة ما يحفظونه من بستات يستلمونها من قراء تلك المقامات ويرددونها مهللين·· دشداشة صبغ النيل كومي بطركها·· هلو·· والكذلة ست طيات ماندل فركها·· هلو·
تستطيع شهرزاد استرجاع لحظات السعادة التي شعرتْ بها يومئذ عندما توقفت لشراء بعض الشتلات والسنادين وشربتْ قدحاً من مزاج الزنجبيل، وكأن الحرب بعيدة جداً، بل لا يمكن لها أن تقع أبداً· لكن الناس الذي اعتادوا التهيّؤ للحروب كانوا يحفرون الآبار في حدائقهم ويشترون كل ما تقع عليه أياديهم من مواد غذائية استعداداً للحرب القادمة· شعرت شهرزاد بالخطأ الفادح فجأة لأنها لم تحفر بئراً في حديقتها، وبأنها ستموت عطشاً مع ابنها جرار الخيط إذا حدثت الحرب·· خرجتْ من البيت عدة مرات لشراء قناني الماء وأوصت شكرية وفتحية ونورية بشراء أوعية إضافية لحفظ المياه وأكياساً كبيرة من النايلون السميك، ملأتها بالماء وكومتها تحت الدرج· وعندما وصل أفراد عائلتها إلى بيوت أجدادهم في كركوك وذي قار، سار ذلك اليوم، وكان التاسع عشر من آذار من عام 2003، بشكل طبيعي، وكانت الأحاديث تدور بين الناس وفي البي بي سي حول الموعد الأخير الذي أعطاه بوش للحرب في خطابه·
استهلكت تلك الليلة خمسين إستكاناً من الشاي واليانسون وورد لسان الثور وثلاث علب من التتن الملفوف وخمسين محطة إذاعية دون أن تستسيقظ فجراً على أصوات الانفجارات وهي تتعالى من مناطق مختلفة، وكيف تستيقظ وهي لم تنم أصلاً؟·· ولن تنام الليالي التي بعدها أيضاً· وأخذت بين ساعة وأخرى تصعد على سطح البيت المغطى بالهباء الأسود، فترى الأفق وهو يشتعل بالحمم التي تقذفها الطائرات والصواريخ على بغداد فيصير منظرها المشتعل وكأنه الجحيم·· أخذوا المال والذهب في هربهم من الحرب وتركوا الورد والزرع في الحديقة لكي يجف ويموت·· فلازمت شهرزاد حديقتها كحدوة حصان وحصّنتها بسور سليمان، وصعدت الغيرة في رأسها وقررت أن تحمل المسحاة وتفلح في الأرض بينما ابنها المنغولي جرار الخيط يغني، أثناء صباغته الكراسي القديمة بلون أبيض، عونك ياتاع إي والله ذولة احنة ثباع إي والله·
كان الوقت ربيعاً، فارتفع نقيق الضفادع في السواقي، وجاء السنونو مع الطيور المهاجرة ليعشش قريباً من زاوية مطبخها، وهناك علّم ابنه الطيران بين العش وسعفة البرحية بينما الأرض تثور وتهتز من وقع القنابل والصواريخ، والفضاء يسود ويتصخم من دخان الإطارات المشتعلة· طلبت من البستاني عاتي الهدهد أن يصوغ لها الياس على شكل صاروخ معد للانطلاق، ولكن عاتي الهدهد، الذي صب مهجته في نحت الياس، لم يخرج إلا بمجسم محرج الشكل ضحك له كل من رآه، فطلبت شهرزاد قطعه من الأعلى، مما جعل شكشوكة تقول لنبيهة وهي تؤشر أسفل بطنها ها أنت قد رأيته أخيراً قبل وبعد الختان·
Page 6
من منصبها الرفيع ذاك ازدرت أم البيت هروب أولادها الجماعي، وقالت لهم تروحون فدوة للطير المهاجر الذي يزورها مرة بالسنة ويأتي من بلاد السند والهند إلى نفس الزاغور من حديقتها، بينما هربتم أنتم هلعاً كالدعيدع من مكان إلى آخر·· وساوت بينهم وبين مجسمها المسخ الشبيه بالأحليل الذي لم يعد عاتي لتشذيبه قط بعد أن سقطت قذيفة هاون على بيته في الفحامة وقطعت له أصابع يده·· نصبته شهرزاد بطلاً مع سائق الحافلة الذي منع النهيبية من سرقة أموال الدولة وجاء بها أمام بيته لحراستها من اللصوص·· شارعها امتلأت بيوته بالقوارب الشراعية وحاويات الوقود النووي وحنفيات الذهب وعربات المرسيدس والنمور البنجالية·· ورفعت العقارب ذيولها بشموخ فوق الشبابيك المهشمة والمتروسة بالتراب· أخبرت شهرزاد أولادها، عندما عادوا من كركوك والناصرية بعد انتهاء الحرب، بأن الزجاج الذي تكسر قد حملته إلى خارج البيت في كيس أسود، وفي اللحظة نفسها مرت دبابة أمريكية قطعت لها أسلاك الهاتف ونزل منها المارينز ثم انبطحوا على الارض كالكلاب المحترة وقال لها المترجم ماذا تفعلين؟ قالت له أنظّف البيت من شظايا الزجاج فصاح بها هيا ادخلي إلى البيت، فرمت الكيس عليهم وجرحت اثنين منهم·· هجم الجنود عليها وصاحوا إرهابية، ولكنها ضحكت منهم بفمها الخالي من جسور الأسنان، وقالت للمترجم: اسكت أحسن لك·· إرهابي ما يعيّب على إرهابي؟···
تلك قصة افتخرت بها شهرزاد عدة أشهر، وروتها حتى لكناس الشوارع إلى أن فاض الكيل بنورية الدنغوزة فخرجت عن صمتها وقالت إنها جاءت لكم بقميص كذب وإن تلك الرواية، التي تناقلتها الألسن هي من تخاريف شهرزاد التي أضاعت بابوج فمها وأصبحت تحضر أرواح الموتى وتبول على نفسها في الفراش، فكيف تقوى على جرح جندي أمريكي؟ أجابتها شهرزاد وهل هززت كاروكك يا مهمودة الشيب؟ يا من تروحين فدوة للعقارب والحيايا·· يا من تستحين من عصافير النبقة·· أكُلُّ من يتزوج أمك تسميه عمك؟ يا من دعوت طاقم الدبابة على السمك المسكوف والطرشي المجلوب من حنانش·· فتناولت الغداء مع رئيس بعيون زرق وثلاثة مجندين سُود الوجوه سوّد الله وجهك·· لا حظتْ برجيلها ولا أخذت سيد علي··
هكذا تحدثت شهرزاد الذيقارية وقالت لنورية البابلية: ها؟ لا تزِمّ ولا تشكر إلا بعد سنة وستة أشهر·· أسمعت؟ إلا بعد سنة وستة أشهر؟ وأنت شكرت بعد شهر واحد فقط· فسخرت منها نورية وقالت: غالي والطلب رخيص···· وردحت الاثنتان بما تعرفانه من أمثال بغدادية، فاختلط الأمر على السامعين وتداخلت أصواتهما بين عذر أقبح من ذنب، وإجت تكحلها عمتها، وإذا صاحبك حلو لا تاكله كله، وعصفور كفل زرزور واثنينهم طيارة، والقرد بعين أمه غزال، وتدهدر الجدر ولقى قبغة، ومد رجلك على قد لحافك، واقعد أعوج واحكي عدل، وهم موت وهم خراب ديار، ومن بره هله هله ومن جوة يعلم الله، ونامي نامت عليك طابوقة، ووقعت الفاس بالراس، وبس إلماله أول ماله تالي، ويموت الزمار وإيده تلعب، وإنت طول عمرك دنغوزة، وذاب الثلج وبان المرج، ويا مغرّب خرّب، ويا رايح كثّر من الفضايح، ولا تقول سمسم حتى تلهم، ولا يفل الحديد إلا الحديد، ومن هالمال حمل جمال، وإن إلك حاجة عند الكلب قوله حجي كليب وردناه عون طلع فرعون، والباب إللي يجي منه ريح سدّه واستريح، والجار قبل الدار، والحلو حلو لو لسّه صاحى من النوم والوحش وحش لو استحم كل يوم، والصاحب اللي ما ينفعني في حياتي ما ينفعني بعد مماتي··
وانفرط عقد صداقة نورية وشهرزاد أو كاد لولا تدخل شكشوكة التي هزت كتفيها هزتين وضحكت قائلة: الصلح بعد العداوة أطيب من الحلاوة·
كانت شهرزاد تسمى في طفولتها بالعاصفة، وعندما كبرت تحولت الى زوبعة إذا مرت تركت خلفها الكثير من الدوامات التي تمشي في أثرها وتلاحقها على هيئة ثلاثة أجيال من النساء: جيل بعمرها وجيل أصغر منها وجيل أصغر منها بكثير··· تبرر شهرزاد تلك الاستراتيجية المعلنة بالقول إنها إذا انكتب لها طول العمر وماتت رفيقاتها من الحرس القديم بعد عمر طويل، سيبقى هناك حولها جيل موجود آخر مؤلف من الحرس الجديد المستعد للعب والضحك وسماع الحكايات··· خواصها من الجيل الجديد هن معلمات المدرسة القريبة من بيتها في حي أور وصديقات تأميم حفيدتها التي خلفها معيط في ستوكهولم من امرأة سويدية تزوجها ثم طلقها فتركت له البنت ليربيها··· جيلها من الحرس القديم كان مكوناً من الحيزبون نورية عاشقة الصمت والشاي واليانسون، والدردبيس فتحية عاشقة بذور البطيخ والشمام، والعطلبيس شكشوكة (شكرية سابقا) التي يصلح شعرها الغائم لالتقاط قمر عربسات ونايل سات والأروربي أيضاً·· كانت ترقص أحياناً وتهزه في الهواء عندما تغني البنات من الحرس الجديد: أمك على البير أمي على البير وتكولها ما يصير انطيني تفسير··
شهرزاد··· مرتفعة جدا عن الارض··· بيتها أشبه بمحطة قطار·· روحها أطول من روح بزون وحركتها أبطأ من سلحفاة ولكن مكرها أدهى من واوي عتيق···· لديها ضمير نقي وحلم يتكرر لا أحد استطاع تفسيره من السامعين وهو أنها ترى نفسها تحمل نفسها بنفسها على نفسها ولا تصل إلى أي مكان·· ولكنها لا ترسو على بر واحد وتتنقل بين الفرح والحزن كما تتقلب في فراشها أثناء النوم·· بيضاء عسلية العينين تزدري أزواج بناتها السبع ولا تعترف بعمرها الحقيقي مدّعية أنها ولدت في نفس العام الذي ولدت فيه اليزابث الثانية ملكة بريطانيا العظمى ودول الكومنولث وهي الملكة الأخرى التي أعجبت بها جداً، ولكنها أحبتها أكثر من كل ملكات الأرض كعالية الهاشمية وآسيا الفرعونية ونرجس النصرانية وبلقيس السبئية وزبيدة زوجة هارون الرشيد، ولربما بسبب هذا الشبه في التولد، ولأنها لا تزعل أبداً كما تقول شهرزاد، فإنها بدلاً من أن تتعلم منها شيئاً واحداً كما كانت تفعل مع من تغار منهن من النساء، راحت تقلدها في كل شيء، فتبدأ برنامجها الصباحي، كما يبدأ برنامج الملكة، في السابعة والنصف صباحاً، بتناول فنجان من الشاي وكوب من الحليب الطازج من الأبقار التي ترعى في وندسور، ثم تستمع بعد ذلك الى برنامج سياسي صباحي على البي· بي· سي·، وأخيراً تطلّع على بريدها الخاص· كانت شهرزاد تقلدها في ذلك كله إلا قضية البريد الصباحي الخاص وحليبها القادم من جاموسة وكعة ذات الأنف المقروط·· كما أنها لم ترفع المملحة من ميز الطعام فور أن علمت أن الملكة قد رفعتها من المائدة الملكية، لأنه لم تكن هناك مملحة بالأساس·
Page 7
تروي شهرزاد لصويحباتها، بطريقة كما لو كانت تدلي بتصريحٍ مهمٍ، أنه كثيراً ما تضطر الملكة للجلوس أمام أحد الرسامين لأجل رسم لوحة زيتية جديدة لها، لذلك لا يندهش أحد في القصر عند رؤيتها في الصباح مرتدية التاج أو ممسكة بالصولجان متجهة الى قاعة الرسم· ولكن الملكة ايضاً تجد وقتًا لمشاهدة التلفزيون أثناء تناولها للعشاء، وقد تجلس لحل الكلمات المتقاطعة بعد ذلك· كان قلب شهرزاد يهوى من السعادة وهي تتخيل اليزابث الثانية تتجول في قصرها حاملة الصولجان للجلوس أمام أحد الرسامين في يوم عيد ميلادها· تسمي شهرزاد ذلك البرنامج بالبلانجو وفقاً لمعلومات عسكرية استقتها من صهرها مفتن الذي تاه في معارك الشمال·
وفي قلعة وندسور يزور السواح المهووسون ببريطانيا العظمى معرضاً لصور الملكة التي تعتبر أكثر شخصية ملكية يتم رسمها وتصويرها، بينما في المعرض الملكي الملحق بقصر باكنجهام يمكنهم رؤية ما ترتديه من الإكسسوارات مع أزيائها كالقبعات والأحذية فضلاً عن المجوهرات· سمحت الملكة أيضاً بعرض مجموعة من الأزياء التي ارتدتها على مدى الـستين عاما الماضية للجماهير في معرض خاص· فتخبر شهرزاد صويحباتها بأن تلك الفساتين المعروضة في القاعة الملكية تُبيّن أن الملكة، كانت تتمتع في العشرين من عمرها بقوام متناسق وخصر نحيف كخصر النحلة·
الدنيا حظوظ·· كانت تقول شهرزاد لشكشوكة بعد رواية تلك الأخبار·· فلا أحد يعترض على كل هذا العدد من الإكسسوارات واللوحات الزيتية الفاخرة، ولكن لو شاءت الأقدار أن يرسم الرسامون صورة واحدة لها، لوضعوا اسمها على اللائحة السوداء واستدعى الأمر خروجاً على القانون الدولي وعقوبات جديدة من مجلس الأمن؟
لولا أنها تنحدر من أسرة جنوبية محافظة، لشك حفيدها عبد الحليم في أنها قد عملت راقصة باليه في شبابها أو فنانة استعراضية في ملهى لميعة توفيق أو مسرح جعفر لقلق زادة حيث كان جده يقرأ فيه المقام وغير ذلك···· جوقة من المتناقضات وموسوعة في الفن والفنانين أين منها دائرة المعارف البريطانية؟، وأريحية مع الأمور الخاصة إلى حد مزعج تُرجع فيه كل شيء إلى أصله الليلي معتقدة أن الحياة باكملها هي (شغل ليل) وضاربة المثل حول ذلك بأن شهر كانون الأول هو الأكثر زحمة بالمواليد الذين بُذرت بذورهم في فصل الربيع حيث تشتعل نيران الحب في القلوب وتتحول الصحارى إلى حقول وجنان فيزداد شغل الليل·· أحياناً تضحك بفمها الملآن بجسور الأسنان وتقول إن الرجال والحمام والخيول والنمور والثعالب جميعاً يسيرون هكذا (وتضع يديها على كتفها كما يفعل الحمال) يحملونه على أكتافهم أينما يذهبون، لأنه قصير القامة كما تعلمون·· تضحك شهرزاد وهي تومئ بيديها إلى أكثر من شبر للتأكيد على أنه قصير القامة· فتؤكد ذلك فتحية التي تمتلك دكاناً لتأجير المجلات القديمة، بناء على معلومات موثقة من صفحة أسئلة القراء في مجلة طبيبك الخاص، وتضع الحاجة نبيهة، التي لم تتزوج قط، فوطتها على فمها وتمتنع عن التعقيب على شيء لم تره في حياتها·
لا أحد يعلم من أية حاوية أوساخ كانت تأتي بنكاتها الخارجة عن الأدب؟ ولا كيف تستطيع حفظها؟، لكن هذه العجوز السومرية يزداد مزاجها خطورة كلما ازدادت تجاعيد وجهها، أو ازداد لسانها طولاً مع تقدمها السن حتى أصبح أطول من لسان الزرافة···· كانت تمتلك القدرة الرهيبة على نحت أسطورتها الأبدية من تحويل تلك النفايات إلى دروس وحكايات مسلية يصفق لها جميع الطلاب· اقترحت على(تأميم)، وهي ابنة معيط التي شحنها إليها من السويد لتربيها في بيت العائلة، تزويجها من ابن عمها عبد الحليم شعيط قبل أن يفوتها القطار، قائلة لها إنها قد ثقبت لها أذنيها وهي طفلة صغيرة وإن على حفيدها عبد الحليم شعيط أن يتولى الباقي·· الباقي هذا كان مثار ضحكات رقصت على وقعها شكشوكة وخجلت لها البنت المسكينة، فنهرتها شهرزاد وقالت: اللي تستحي من ابن عمها ما تجيب ولد؟
هز عبد الحليم رأسه أسفاً على جنون جدته شهرزاد التي أصبحت في شيخوختها لا تقوى على حمل ورقة دفتر واحدة بيدها، ولكن لسانها كان يقوى على حمل جامخانة كاملة من دفاتر الكلام البذيء وتحويل لحية القاضي إلى مكناسة·· لو أنه كان قد صدق نظريتها عن أطباء الأسنان لما كان حدث له ما حدث·· لو أنه تزوج من فتاته التي أحبها ولاحقها قبل سنوات وما تأخر في الزواج، لكان المدير في غرفته الآن معززا مكرما ولا يحتاج الى الخروج من باب المدرسة أو الجلوس على الاكتاف·
Page 8
فحل التوت
بومة·· كيف ضيعت تلك الفرصة من يدك قبل سنوات؟
في ذلك اليوم الأغبر الذي تحركت فيه الحافلة قبل أن يصلها، كادت روحه أن تطلع فوق الدكة الحجرية المخصصة للانتظار·· جلس عليها ثم وقف وهو يتأفف، ثم لاذ بساعته اليدوية يعبث بها ليخفف بذلك بعضاً من التوتر الذي ألمّ به، وفي تلك اللحظات العصبية سمع عبدالحليم سؤالاً انطلق بصوت نسائي ناعم يأتي من مكان قريب··
- كم الساعة، من فضلك؟
ارتبك بشدة لهول هذا السؤال غير المتوقّع، وارتفع قلبه ثم هوى وكأن أحداً ما قد أخبره فجأة بأنه جالس قرب مادة (T.N.T) شديدة الانفجار· أجاب:
- السادسة إلاّ ربعاً·
خرج صوت متحشرجاً دون أن يجد الوقت الكافي لتنقيحه بعد طول الصمت·· ثم بدأ يفكّر بغرابة ما يشعر به من اضطراب لدى سماعه صوتاً ناعماً بدلاً من الاحتفاء بالفرصة التي يجب اقتناصها ودونما أي احتراس، فهل يقرر في ثانية واحدة أن يُقْدِم على التحدث مع تلك الفتاة؟ وكيف يفعل ذلك وقد مرّ وقت طويل على آخر لحظة يعدها من أجرأ اللحظات في حياته، عندما أعطى رقم هاتفه لبنت أُعجب بها أيام الجامعة، فاتصلت به فعلاً في المساء وكتب رقمها باسم مستعار هو البنفسج، وأصبح لا يستطيع أن يمنع وجهه من التحول إلى اللون البنفسجي كلما ذكر الطلاب اسم تلك البنت أمامه· ولكنها ليست زميلة دراسة أو عمل ليحدثها عن محاضرة من المحاضرات، أو عن ملف من الملفات أو ملزمة من الملازم·· إنها غريبة عنه تماماً وليس بينه وبينها سوى سؤال عابر عن الوقت فبماذا يتحجج؟·· وكيف يفتتح معها أول الكلام بدون خطة محبوكة ومضمونة النتائج؟·· ومن أين تأتي تلك الخطة، ولقد مر زمن طويل على أيام الخطط الصبيانية التي كان نادراً ما يصيبها النجاح؟·· وهل هناك أمامه وقت للتفكير بذلك كله في موقف باص قد يغادره أو تغادره هي بعد لحظات؟· نظر إلى يديها وهو يحس حماسته لتلك المغامرة تتصاعد كالحمى· رأى خاتماً من الفضة يعلوه لون شذري يلمع في إصبعها، ولا يدري بعدها كيف بدأ السؤال في ذهنه أو كيف تخلّى عن خجله وأقدم على السؤال:
- آنسة·· أتسمحين لي بسؤال؟
أجابته دونما حرج:
- تفضل··
- من أين ابتعت هذا الخاتم؟
- لماذا؟
- لأني أبحث عن واحد يشبهه تماماً·· أعني أن لون خرزته الزرقاء هي ما أبحث عنه·
Page 9
وبشكل أثار دهشته مضت تلك الفتاة الجميلة في إرشاده إلى مكان المحل بشكل طبيعي دونما تحفّظ، بينما راح هو يراقب وجهها مستفيداً من فرصة التفاتها إليه كلّياً للتفرس في ملامحها التي بدت له بلا أخطاء، مع ابتسامة مواربة كأنما تفضحه في نواياه، وأنف جميل كأنه نُحت بمهارة فائقة· قدّر أنها لمّا تبلغ العشرين من العمر بعدُ، وأنها لا تزال طالبة جامعية، وأنها تبدو لطيفة ومؤدبة ورقيقة· وتمنى أن لا تتوقف عن الكلام الذي لم ينتبه إليه على الإطلاق، ثم فز من ذلك الحلم القصير مع مجيء الحافلة، والتفت إلى يمينه ليتأكد من وجود تلك الفتاة التي سألته عن الوقت، فرآها تقترب من الحافلة التي توقفت· قال لنفسه إذن هي حقيقة وليست حلماً؟· هرع خلفها وصعد إلى الحافلة واستقر في المقعد الذي يخالفها وهو يردد مع نفسه (السادسة إلاّ ربعاً)، وعندما تركت الحافلة، هبط خلفها· وبعد قليل رآها تدخل إلى منزل تبدو عليه الفخامة·· اقترب من المنزل، بعد أن توارت هي عن الأنظار، وقرأ الاسم المكتوب على اللوحة المثبّتة قرب الجدار، فحفظه وقرر البحث عنه في دليل الهاتف·
ظل رقم هاتفها محفوظاً في جيبه أياماً وشهوراً، وكان يلاحقها من بعيد وينوي مكالمتها أحياناً و لكنه في كل مرة كان يقترب فيها من الهاتف، يحس ضربات قلبه تشتد وأنفاسه تتصاعد وأصابعه ترتجف، فيحجم عن المحاولة، وقد يتجرأ فيكمل ضرب الأرقام، ولكن ما أن ترن نغمة الجرس حتى يضع السماعة في مكانها فوراً· مرة واحدة من المرات انتظر حتى رُفعت السماعة من الطرف الآخر فجاءه صوت رجالي جعله لا يعرف كيف يطبق سماعة الهاتف بسرعة ويعيدها إلى مكانها بأي طريقة·
كلما يتذكرها ورقم الهاتف الذي يتمزق في جيبه يحس الألم يعتصر قلبه·· فلا يدري أحبٌّ لها هو أم سخط على نفسه؟· ولكن القدر لعب لعبته من جديد في حكايته مع تلك الفتاة عندما وضعتها الصدفة مرة أخرى في طريقه، ولم يصدق عينيه وهو يراها فجأة أمامه في عيادة طبيب أسنان· كانت جالسة وحدها بوجهها الجميل الخالي من الأخطاء، تقلّب مجلة أزياء نسائية قديمة· هو الذي كان ينتظرها في محطة الباص كل يوم ولا تأتي·· ويتصل بها بالهاتف ولا يتكلم·· يراها هكذا·· وأين؟ في عيادة طبيب الأسنان· وفي الساعة السادسة إلاّ ربعاً·· صحيح أنّ العالم صغير· ومليء بالمصادفات· سحب مجلة وراح يقلّبها وهو ينظر من زاوية عينه اليسرى إلى يديها وصفحة وجهها· كان الخاتم نفسه الذي رآه أول مرة لا يزال في إصبعها·· يعلوه الحجر الشذري الجميل فراح يحدث نفسه قائلا هذه المرة سأسألها عن الخاتم صدقاً وليس في الحلم··لن أدع الفرصة تضيع مني·· لا، لن أدعها تضيع·· هذه المرة سأحدثها فعلاً· يا تُرى لو علمتْ بأن رقم هاتفها موجود الآن في جيب بنطلوني، ماذا ستقول؟·· هل أخرجه لها الآن وأضعه أمام عينيها لأذهلها بالمفاجأة؟ لا·· لا·· لأتروَّ قليلاً·· لأبدأ خطوة فخطوة·· سأسألها عن الوقت·· لا بد أنها تتذكرني·· بالتأكيد هي تتذكرني· لأنتظر، فلربما تبادر هي بالسؤال عن الوقت مرة أخرى·· أنتظر؟·· هل أضيّع الفرصة مرة أخرى؟·· لا·· لا، سأسألها أنا عن الخاتم تنحنح بسعلة خفيفة وتململ في مكانه·· لكنها نهضت فجأة قبل أن يفتح فمه ليبادر بالكلام·· نهضتْ فور انفتاح الباب، ثم توجهت نحو غرفة الطبيب ودخلت ثم خرجتْ، وهو يقول لنفسه: لا بد أنها لم تنتبه لوجودي· لو كانت رأتني لتذكرتني بالتأكيد· سأحاول أن أعرف من السكرتيرة موعدها القادم·· لا بد أن أراها ثانيةً·· ولا بد أن لديها موعداً لمراجعة أخرى
خرج من العيادة مرتاحاً سعيداً برغم الألم الذي سببه له الطبيب، فقد رأى اسمها مثبّتاً في جدول المواعيد، وهذه المرة تأكد من أن الاسم الذي بحث عنه في دليل الهاتف هو اسم والدها فعلاً، ولكنه عندما اختلس نظرة إلى الكارت الخاص بمعلوماتها وجد الرقم مختلفاً عن ذلك الذي وجده في دليل الهاتف فتساءل مع نفسه: لماذا الرقم مختلف؟ ثم انزعج وتحمس وقال: هذه المرة يجب أن لا أُضيّع الوقت·· يجب أن أكلّمها بالتلفون على الرقم الجديد· هذا المكان لا يصلح·· سأكلمها على رقم التلفون الجديد ثم عاد إلى البيت، وفي رأسه قرار أكيد اتخذه وقرار آخر بأن لا يرجع عن القرار الأكيد الذي اتخذه·
أدار قرص الهاتف، فجاءه بعد قليل صوت رجالي خشن جداً، جعله لا يعرف كيف يعيد سماعة الهاتف إلى مكانها· جلس على القنفة ثم وقف وهو لا يصدق أو لا يريد أن يصدق أن ذلك الصوت الذي سمعه هو نفسه صوت طبيب الأسنان الذي كان في عيادته قبل قليل· معها كل الحق إذن جدته شهرزاد أن تقول إن أطباء الأسنان قليلو الأدب·
Page 10
عذراء بعد الزواج
كان حفيدها عبد الحليم شعيط واحداً من أولئك الأحفاد الذين عاشوا فوق سطح الأرض في المكان الذي تحولت فيه الطحالب والبزاقات إلى ذهب أسود بفعل النشاط الرياضي العظيم لأبطال البكتريا في التصارع ورفع الأثقال وكمال الأجسام·· عبد الحليم شعيط فتح عينيه على شعلة النفط الأزلية في بابا كركر، والتي عجزت الأمطار والثلوج طوال آلاف السنين عن إطفائها، كما ووهبت سكان العراق القدماء سيول النفط والقطران الخام لتبليط بعض الطرق وإكساء السقوف· وعندما كان عبد الحليم يقف على ربوة بعيدة لينظر إلى تلك الشعلة المتراقصة في صهد الشمس، فإنه لا يستغرب أزلية تلك النار التي تتصاعد على شكل لهيب متقطع يبدو وكأنه يتصاعد من فم تنين خرافي، فقد رآها منذ زمن بعيد يبدو وكأنه آلاف السنين·· عندما كان طفلاً يرسل بصره مندهشاً إلى الشعلة الملتهبة منذ فجر التاريخ عابقة بغاز كبريتيد الهيدروجين الذي طالما استسلمت له الريح وحملته إلى مسافات بعيدة···· ثمة جداول صغيرة من الزيت الحار تتدفق من الحقل النفطي توصف للتداوي من الأمراض الجلدية وقد تطببت بها جدته شهرزاد ذات يوم من حكة التايد المزمنة، بعكس الغاز الذي يجب تلافيه تماما ًعند زيارة باباكركر، واتخاذ الحذر، وفقاً لنصيحة أبيه، بمراعاة طريقة الوقوف مع اتجاه (الريح السائدة) وليس (عكسها)، تجنبا لاستنشاق الغاز السام····
عبد الحليم هذا استعار من زميله في رقابة الدوريات الأجنبية مجلة أمريكية اسمها (تايم)، قرأ فيها أن الرجل يفكر بالجنس كل 52 ثانية، وهذا الرقم وإن بدا له قياسياً بامتياز، إلا أن عبد الحليم رجح، بعد إجراء التجارب على نفسه وعلى مدير المدرسة، أن الرقم وارد بشكل معكوس، مما جعله يتساءل عن ضرورة الإعلان، في نفس المجلة، عن دواء منشّط للطاقة الجنسية رسم على علبته برج إيفل المنتصب وكتب تحته (ليلة الأضواء الحمراء)· قلب تلك الصفحة إلى صفحة أخرى فقرأ أن سرعة الضوء هي النهاية المطلقة لكل السرعات وهي التي تنتقل الأشعة بها وتنتقل المعلومات أيضاً· وهي سرعة كبيرة جداً بدليل أن الاشعة الكهرومغناطيسية تستطيع أن تلف محيط الكرة الارضية سبع مرات بمجرد أن تنتهي من نطق كلمة (وان)·
لملم عبد الحليم شفتيه ورفع حاجبيه إلى أعلى عند هذا الخبر السعيد وقال بإعجاب مرة أخرى: هكذا إذن·· حتى سرعة الضوء تقاس بكلمة (واحد)؟··· وهذا إذن هو حال البشرية في سكرتها بالواحد منذ الأزل·· تكون للكبير طاقة كبيرة على الجذب، فيدور الصغير حول الكبير كما تدور الصخور في أفلاك الكواكب والنجوم لكي لا تسقط أو تتفتت·· فمن يكره كلمة (واحد)؟··الشعب ينام على صدر هذا الواحد، ومن رأسه تخرج شهادات ميلادهم وتخرُّجهم وبطاقاتهم التموينية، وهو الذي يفتي ويقرر ويعيش نيابة عنهم··· ولكنه ليس كحامي الهدف ياشين الذي إذا عاد الى بيته ولبس البجاما سيكف عن حماية الهدف، لأنه ليس ثمة مباراة كرة قدم تقام في غرفة المعيشة، وليس كمايكل جاكسون الذي إذا عاد الى بيته ودخل الحمام سيكف عن تطريب الجمهور، لأنه ليس ثمة حفلة تقام في الحمام···· هو السيد الرئيس الذي إذا دخل الى قصره المستورد رخامه من إيطاليا وبلوره من بلاد الجيك، فلن يكف عن كونه رئيساً مسؤولاً عن الجميع·
تحفة معمارية فريدة من نوعها تشغل مع الحديقة الواسعة مساحة اثني عشر ألفا وخمسمئة متر لا تغيب عنها الشمس طوال النهار، فقد تم تشييد قاعدتها الخرسانية على عجلات تدور بحيث يلف القصر بمن فيه (كل ساعة) ليرى السيد الرئيس من النوافذ والشرفات كل ما يدور حول قصره ويتبع الشمس في دورانها على مدار ساعات النهار كما تفعل زهرة عباد الشمس·
إذن إذا لبس مثل هذا الرئيس البجامة والنعلين فلن يكف عن كونه رئيس الشعب الذي يحيط بقصره قبل العصر وبعد العصر، كما لا يمكن أن يكف عن التفكير بهذا الشعب لحظة واحدة حتى وإن دخل الحمام أو فتح رجليه وتربع من أجل التغوط···· ولكن ماذا لو سحب سيفون الحمام فطغى ضجيجها العالي فوق أفكاره المخصصة للشعب؟ ماذا لو تعتعه السكر أو قرصته بعوضة مناوئة ظلت تلاحقه من مكان لآخر عدة دقائق دون القضاء عليها·· هنا سيحدث نسيان للشعب، وقد يكون الأمر شبيهاً بأب ينسى طفله في الزحام فيتوه عنه إلى الأبد·· هنا قد تحدث الكارثة الأكيدة ويموت الطفل المسكين أو يخطفه المجرمون أو يباع إلى عصابات الدعارة····· إذن من واجب الرقباء الأوفياء الأمناء أن يهبّوا لإجراء اللازم لتدارك أمر هذا السهو أو النسيان إذا ما وقع به الرئيس وإلى مطاردة البعوض حتى قبل أن يتجرا بالاقتراب منه· يفعلون ذلك من أجل أن لا تغرق السفينة في لجة البحر المتلاطم، وهل يمكن للسفينة أو الطائرة أو العربانة إلا أن يقودها شخص واحد؟
العربانة التي يعيش فيها الرقيب الوفي عبد الحليم شعيط ممتاز، لها كراج كبير محاط بسور ضخم وعال يتجاوزه كل يوم ليأخذ الباص الذي يقله الى غرفته الحقيرة في فندق (صح النوم) قرب ساحة الوطن الأكبر·· وكان يستغرب دردمة الناس كل يوم من إنشاء هذا السور الجميل الذي يحمي الكراج من المتطفلين قائلاً لنفسه وهو يسمع اعتراضاتهم التي لا تنتهي: هؤلاء هم الدهماء·· هؤلاء هم الغنم الذين لا يفهمون شيئا غير الفقفقة والثرثرة الفارغة، تارة من السور العالي وأخرى من حزام الأمان أو من منع التجول يوماً واحداً لا غير··· وباقي الإجراءات التي تتخذها الحكومة الحكيمة لحمايتهم وتأمين سعادتهم·· حقا إنهم رعاع، وإذا لم يجدوا أحداً يتعاركون معه تعاركوا مع أنفسهم·· إنهم يجدون سعادتهم في التذمر وانتشاءهم بالأخبار الحزينة المزعجة··· فلان مات وفلان اعتقل وفلان سرق وفلان حبس··· ولو أن القائد نفسه مات (لاسمح الله) لكان هذا أكثر أخبارهم سعادة وربما داخوا بهذا الخبر المثير الى حد الثمالة لو كان الأمر بيده لأدخل قلمه الأحمر إلى رؤوسهم وحذف كل هذه الخزعبلات من رؤوسهم النتنة التي تعفنت وأسِنت من أكل الفول والفلافل وباقي أنواع الفطريات السامة، وأنه ليستطيع رؤية الأفكار تتكون فوق رؤوسهم وقراءتها على شكل فقاعات تشبه تلك التي يرسمها رسامو الكاريكتير عندما يريدون التعبير عن أفكار الشخصيات التي يرسمونها·