Page 1
الفصل الأول
1
غادر الأستاذ رمزي الكهرمان منزله صباح الأحد متأخراً على غير عادته. ولعله لم يكن ليغادر قبل أن يسترضي درة، لولا أن عليه أن يقدم مرافعته في العاشرة والنصف.كان الرجل قد أزاح ستارة النافذة، وشرع يتمطى ويوحد الله، شأنه كل صباح، حين بادرته درة، وهي تتملّى شعثها في مرآة الخزانة:
- احسبْ حسابك يا رمزي. والله والله لن أقضي هذا الصيف في بعلبك حتى لو هبطت السماء على الأرض.
لملم رمزي نظراته عما تُظهِر النافذة من الأسطح والمآذن، واستدار لتمسح نظراته ظهر درة، وتمتم:
- يا فتاح يا عليم!
فهدرت درة ساخرة:
- قالْ صيّفي ببعلبك قالْ!
ولا بد أنها كررت معزوفتها الصباحية المسائية منذ أيام: بعلبك حبس. حضرته بيرميني بالحبس كل صيف حتى يخلو له الجو. حبيبي اتركني بالشام واسرحْ وامرحْ على كيفك. يا سيدي: وصيف شتا، الله يهنيك.
ولا بد أن دهشة رمزي مما تبدل من زوجته منذ الصيف الماضي، قد عاودته مضاعفة، شأنها منذ أيام، فألجمته مثلما أطلقت صراخه، أو مثلما جعلته ينهي حلاقته بجرح في نهاية السالف، وبآخر في وهدة الذقن، وكانت نديدا وابتهال قد أفاقتا هلعتين.
لكن ذلك ليس مهماً، وليس مؤكداً، على الرغم من أن الأستاذ رمزي هو من رواه لشقيقه الأكبر والوحيد: الدكتور عبد الواسع، شاكياً ونادماً على أنه خرج من البيت دون أن يسترضي درة، وهو مالم يفعله من قبل!
أما ما هو أهم وأكبر توكيداً، فليس غير حضور خطيب ـ ابن عم درة ـ في غياب زوجها: الأزعر يحضن ابنة عمه، يأمر أصابعه أن تتهجد كالعادة، ترتجف الأصابع النحيلة وهي تنسرب في فرجة القميص ثم تتوه فيما تتلمس: حبات العقد هذه أم وهدة النهدين؟ ثلاث حبات من الكهرب ـ هو يقول: كهرب، فتضحك وتقول: كهرمان ـ تتوسط الصدر الساطع، بينما شفتا خطيب تبسملان بحبات الكهرمان حبة حبة، قبل أن تنفلتا حيث يمكن لهما أن تبلغا من خدي درة ومن عنقها، وهي تتمنع عليه، كعهدها منذ رمته بجملتها الباترة:
- خلّصنا من الأفوكاتو.
ربما كانت الجملة قد أرعدت الشاب الذي بلغ العشرين للتو. لكن الجملة أيضاً هي ما جعلت شهوته سعاراً، ما دامت درة التي تكبره بعشر سنين فقط، تتمنع وتفح منذ أكثر من شهر:
- خلّصنا من الأفوكاتو.
- قولي: الله يرحمه.
صدح خطيب هذه المرة مبتسماً، وتشامخ وهو يشهر مسدساً في وجه درة التي شهقت واربدّت وخرست، قبل أن تبلع ريقها، وتلتفت عن المسدس إلى باب الغرفة الموصدة على نديدا وابتهال، ثم تهمس:
- الله لا يرحمه.
Page 2
2
غير أن الأستاذ رمزي الكهرمان قاد سيارته الستودبيكر ضحى الجمعة إلى مزرعة شقيقه عبد الواسع في عمق الغوطة الشرقية.كانت نديدا لابدة في المقعد الخلفي كمن يداري سوءاً. وكانت كف ابتهال تتهجى ملاسة جلد المقعد، بينما انزوت درة بجوار رمزي، تسترق نظرة خائفة منه، فنظرة مبهمة من صفوف الحور التي تطبق على الطريق الترابي الضيق. وبعدما حسبته درة دهراً، طارت نديدا إلى حضن الجدة، وطارت ابتهال إلى البركة التي يزركشها سرب البط والإوز. وجلجلت الجدة آمرة الخادمة السوداء زهور بالإسراع في تقديم الفطور.
بعد لقمتين وكأس الحليب نهض رمزي مستأذناً أمه وشقيقه:
- أمامي غداً اجتماع هام للجنة الدستور. عليّ أن أكمل كتابة المذكرة التي سيدور حولها الاجتماع. أخشى أن النهار كله لن يكفيني.
ونظر إلى درة كأنه يلومها على ما أخذ يتواتر من تأخره وارتباكه في عمله. ونظرت إليه كأنها تتوعده بعقاب شديد، ليس فقط جزاء على انسحابه، ولا جزاء على إصراره على سفرها مع الصغيرتين يوم الأحد إلى بعلبك، فلماذا إذن؟
استدار رمزي ليختصر الطريق إلى مكتب أخيه، بينما وقف عبد الواسع يسأل:
- ما موضوع المذكرة؟
قال رمزي وهو يلوح لابتهال ولسرب البط والإوز:
- الخصومة والجريمة. الخصومة السياسية والجريمة السياسية في القانون.
تساءل عبد الواسع ساخراً وهو يلحق بأخيه:
- القانون الفرنسي أم القانون السوري؟
قال رمزي ساخراً أيضاً:
- ستقرأ ما أكتب. أريد رأيك.
- الرأي رأيك ورأيها.
- من هي؟
- لجنة الدستور يا أبو الدستور.
التفت رمزي مبتسماً، وفجأة غيبه الباب يلاحقه دعاء أمه. وفجأة أيضاً سمع صوته يأمر الخادمة السوداء زهور بأن توافيه بكأس الشاي. لكنه ما كاد يغلق باب غرفة عبد الواسع - كبرى غرف البيت الريفي الكبير - حتى أخذت يداه ترتعشان. وما كادت جلسته تهدأ خلف طاولة عبد الواسع حتى بلغت الرعشة ساقيه.
فوق المجلة التي تتوسط الطاولة ثبت كفيه هنيهة قبل أن يدفعها يميناً، ثم يساراً وهو يحدق في الغلاف: المجلة الحقوقية. وتساءل وهو يفتحها عما يجعل أخاه يعود إلى هذا العدد القديم. وبعسر قرأ: حقوقية بوليسية انتقادية روائية فكاهية تبحث في علم الحقوق والشؤون العدلية والحوادث القضائية.
وبعسر استمهل الرعشة حتى قدمت الخادمة كأس الشاي وانصرفت. عندئذٍ تلفت يبحث عن الملفات. لكن الرعشة أرعدته إرعاداً، فانتظر حتى هدأت قبل أن يصب لعناته على النسيان والسيارة والملفات: أنت السبب يا درة، همهم، وحاول أن ينهض، ولم يصدق عجزه، فشبّ لاعناً درة، ولغا:
- ما بك يا رمزي؟
فإذا بالسؤال يقعده، واندفعت كفاه تعصران معدته عصراً، وفجأة صرخ:
- سكاكين ببطني يا درة.
وعندما لحق به أخوه، كان قد تهاوى على السجادة.
بعد دقائق، بعد ربع ساعة، وربما بعد نصف ساعة، أطبق عبد الواسع جفني رمزي مردداً الشهادة.
Page 3
3
لم يطلق خطيب حفظي إذن رصاصة واحدة، لأن درة رمت بجملتها الباترة، وهي تعقص شعرها العقصة التي تطير بلب خطيب:- صوت الرصاص فضاح يا ابن عمي.
عجز ابن العم عن أن يكتم حسرته على ما بذل من الجهد والمال كي يحصل على المسدس وعلى تسع طلقات، فرمته درة بنظرة باترة جعلته ينصرف مطأطئاً. وبعد يومين تسلل إلى بيت ابنة عمه التي لم يعرف من النساء سواها، وأشهر الخنجر ذا الحدين المدببين: لماذا؟
سألت درة وهي تخطف الخنجر وتقلبه على خديه اللامعين كعيني خطيب، فقال:
- الحد المدبب يا بنت عمي يجعل أذى الطعنة أكبر. هكذا يتهتك لحم الأستاذ رمزي و...
ولم يكمل خطيب، لأن درة ارتدت مجفلة، ولأن الخنجر سقط بين قدميها.
للمرة الأولى يطرق اسم الأستاذ رمزي سمعها منذ جهرت بالتخلص منه أمام مرآة الخزانة أو أمام خطيب: ما الفرق؟
كانت تقول: الأفوكاتو، فيقول خطيب، مثله مثل المرآة: الأفوكاتو، لكأن الثلاثة: هو، درة، والمرآة، يعنون شخصاً آخر. ولعل ذلك ما جعل درة تأمر خطيب أن يلتقط الخنجر. وبعد قليل أمرت أن يفكر في أداة أخرى. ولأن خطيب حرن، أو بهت، بلعت درة ريقها بعسر، ثم قالت وهي ترخي شعرها من عقصته:
- الطعنة فضاحة يا ابن عمي، وقد لا تكون قاتلة.
تحلّب ريق خطيب على شمّة من الشعر الأشقر الذي غطى كتفي درة. وأخذت أصابعه تتقلص لائبة على الكتفين الممتلئتين. وربما كانت شهوته ستتفاقم وتدفعه إلى أن يحمل درة من وسط الصالون إلى أقصى السرير النحاسي العريض المرصع في غرفة النوم، كما فعل في نهارات كثيرة، لولا أن درة سألت ببرود:
- كيف يمكن أن تتخلص منه دون أن تترك أي أثر؟
وحين همّ خطيب بالكلام، أردفت:
- يجب أن ينتهي بعيداً عنك، بمفرده، دون أن تراه.
ولأنها كانت تخاطب نفسها، وليس خطيباً، لبث هو واقفاً ومذهولاً. وأصغى لصوتها - مثلها - يأمره بأن يحضر من الصيدلية سماً يقتل الأفاعي التي تملأ مزرعة الدكتور عبد الواسع. عندئذٍ فتح خطيب فمه ببلهٍ أضحكها. وربما كانت تلك ضحكتها الأخيرة لعشرين سنة قادمة.
Page 4
4
بعد أقل من عشرين سنة بقليل، ضحكت ليلة القدر لدرة للمرة الثانية.قبل ذلك بخمس سنوات كانت الضحكة الأولى، وكان قد مضى على درة في السجن خمس عشرة سنة وتسعة عشر يوماً، أي إنها كانت قد بلغت الخامسة والأربعين.
كان كل من في السجن من قدامى السجينات والشرطة والضباط، قد ألفوا أن يروا السجينة الأقدم درة حفظي في أي مكان من السجن: صوتها لا يكاد يُسمع، خصلة شقراء واحدة ـ على الأقل ـ من شعرها تنفلت دوماً من تحت غطاء رأسها الأبيض الناصع، حاجباها رفيعان جداً، ويبدوان دوماً مرسومين بعناية، كأنْ لا عمل لدرة إلا أن تنتفهما، خطواتها قصيرة ومتزنة، وربما كان ذلك كله يضاعف غموض الغواية التي تشيعها درة أينما حلت.
وكانت درة تدرك ذلك، وتلجم تلذذها حين تلمح أثراً له في نظرة أو همسة من رجل، إلى أن التقطت في مكتب مدير السجن الكابتن مرقص العميا، ما سوف يتردد ملء السجن، عالياً فأعلى، عن سجين على بعد نَفَس، حيث يُحشر الرجال بعيداً جداً أو قريباً جداً من محشر النساء.
إنه المقدم حسني الزعيم الذي قد يقال له بعد ساعة: إفراج، وقد تغادر درة نفسها السجن قبله، على الرغم من أن عليها ألا تغادره إلا محمولة على آلة حدباء.
قيل: هذا هو من طُرِدَ من الجيش، وحُكِمَ عليه بالحبس إلى أمد غير معلوم، جزاءً على ما لهط مما ائتمنه عليه الفرنسيون، وربما لذنب أكبر.
وقيل: المقدم حسني نظيف اليد، وصعب المراس، وفي مثل عمر درة. مسرف في كرمه وفي شربه العرق كل ليلة، سواء في مكتب الكابتن مرقص العميا، أم في ركنه الفسيح النظيف في محشر الرجال.
كانت درة تتردد على مكتب مدير السجن بين يوم ويوم، تضع لمستها في تهوية أو كنْسٍ أو مسحٍ أو ترتيب، وتختفي. كانت تختار دوماً المصادفة الغامضة التي يخلو فيها المكتب من الزوار. وفي واحدة من المرات النادرة التي أخطأت فيها، شاهدت هذا الذي ستحفظ التماعة صلعته وذقنه، كما ستحفظ بدانته وفجور نظراته ووقع صوته المؤثر: المقدم حسني الزعيم.
في المصادفة الثانية التي لم تتأخر، اقترح الكابتن مرقص على درة أن تتولى غسل ثياب المقدم، فرحبت ابتسامتها وحركة يديها والنظرة التي رشقت المقدم بها. ولم يتأخر بعد ذلك تخفيض الحكم عليها من الإعدام المؤجل إلى السجن المؤبد.
في المصادفة الثالثة التي تأخرت كثيراً، أثنى المقدم حسني على صلابة هذه المرأة التي واجهت الحكم بالإعدام، والحكم بالسجن المؤبد. وأسعد درة أن الرجل لا يصدق أن هذه المرأة الحلوة اللطيفة الضعيفة، يمكن أن تكون قاتلة، ولمن؟ لزوجها المحامي الأستاذ رمزي الكهرمان، أبو الدستور، الشهيد: ردد المقدم حسني بجلال عندما التقى درة أول مرة.
صبيحة عيد الفطر رفضت درة ما مدّ به المقدم يده من أجر على غسل الثياب ومن عيدية، وخاطبه الكابتن مرقص:
- قلت لك لن تقبل. أنا أعرفها جيداً.
فخاطبها المقدم حسني بعزم وبمودة:
- اسمعي يا درة حفظي: عندما أحكم سورية، سأعفو عنك. أقسم بشرفي العسكري.
لم تنبس درة بحرف، بل بدت كمن تنتظر هذا الوعد طوال عمرها، وتصدقه. ولن ينسى المقدم حسني من بعد نظرة درة العميقة الشغوفة التي رآها تقرّب اليوم الذي سيحكم فيه سورية. وكما في المنام رآها تتضرج وتقطر شهوة، فخفق فؤاده خفقاً مروّعاً، والتهبت أنفاسه، فناشدتها نظراته أن تطير إلى حضنه، لكنها كانت تلتفت عنه وهي تأمر بالانتظار، ثم تختفي، ربما لغمضة عين، وربما لساعة بطولها. ولما عادت كان الكابتن مرقص قد غادر مكتبه، وكان المقدم حسني مسمراً كما تركته، سوى أن ظلال غيظ وَبَلَهٍ تحوم فوق وجهه، فابتسمت وكفها المضمومة تقترب من وجهه، ثم تنفتح، فتغشى عيناه بسواد مزرقّ أو بزرقة مسوّدة، بينما درة تهمس:
- احتفظْ بهذه الحبة يا سيدي. معها تبلغ مرادك بإذن الله. معها لن يكون للخوف طريق إلى قلبك.
Page 5
فأغمض عينيه مستسلماً لقشعريرة راحت تسري فيه، حتى إذا استولت عليه، باعد جفنيه، وتأمل الحبة التي لبدت في كفه، وراحت تتلون كما شاء لها الضوء الذي سطع فجأة.
- ما هذه يا درة؟
سأل بصوت ذاهل، فقالت:
- عمرك ما شفت الكهرمان يا سيدي؟
- تقصدين الكهرب؟
سأل متردداً، فخيل إليها أن صوت خطيب يترجع في فج عميق من روحها، ومن زمن سحيق، فحارت بين أن تبتسم وبين أو تزورّ، وأسرع صوتها:
- قل: الكهرمان. كله واحد.
وأسرعت أصابعها إلى ياقتها لتسحب بتؤدة خيطاً أسفر فجأة عن حبتين صفراوين، وقالت:
- الله سبحانه وتعالى هو الحامي، لكن حبة الكهرمان حمتني من يوم رموني في هذا الحبس.
وصمتتْ ريثما تأمّل الحبّة في كفه، وفرك عينيه، ثم تابعت:
- افركها وشمّ وصلّ على النبي.
وانتظرت حتى شمّ وتشمم وهللِّ وصلّى على النبي، ثم تابعت وهي تمسد حبتي عقدها:
- كانت الحبة التي معك تتوسط هاتين الحبتين من يوم تزوجت. هدية حماتي.
وأعادت الحبتين إلى وكرهما قبل أن تتابع:
- يوم ولدت بنتي الأولى أهدتها جدتها عقداً صغيراً من العقيق اليماني، الحبة منه بياضها مقطّع أحمر على أسود على أصفر، مشطّبة تشطيب يا سيدي سبحان الخالق. كانت حماتي تقول هذا هو الجزع، يجلب الرزق ويزين حامله بالتأني والوقار. ويوم ولدت بنتي الثانية أهدتها جدتها عقداً صغيراً من اللازورد الأزرق. تعرف ريش الحمامة الزرقاء حول رقبتها؟ أزرق على أحمر مما تراه أيضاً في ريش الطاووس يا سيدي. ولكن هذا كله يهون أمام مسبحة العجوز. من الكهرمان الأسود يا سيدي إلا الشاهدين: مرة تراهما بلا لون ومرة بلون السماء، وفي قلب كل شاهد ما تقول كأنه فراشة. كانت حماتي تقول الكهرمان يشفي من وجع الظهر والمفاصل والمعدة، ولم أصدقها حتى جربت. والله يا سيدي دواء لجسمك وروحك، وبكرة تقول: درة قالت.
عندما أهلّ عيد الأضحى انقلب مساؤه الأخير إلى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي ضحكت لدرة وحدها من بين الناس أجمعين. وقبل أن تتلاشى الضحكة كان المقدم حسني قد خرج من السجن، وأعيد إلى الجيش، ففغر ليل درة ونهارها كما فغرت روحها. ولما طال بها الفغر لبدت تنتظر ضحكة ليلة القدر للمرة الثانية. ولم يطل الانتظار: أقل من خمس سنوات، تناهى إلى درة أثناءها أن المقدم حسني رُفِّعَ إلى رتبة نائب الزعيم، ثم رُفِّع إلى رتبة الزعيم، وصار قائد الجيش الذي يفضل أن يُنادى بسيدي الجنرال. وحين بشّرها المقدم مرقص العميا - كانت رتبته ابنة يومها - أن سيدي الجنرال أطاح برئيس الجمهورية، وحلّ محله، لم تنبس درة بحرف، ولم يبد عليها أنها فوجئت. ومثل رفة الجفن أخذت الأيام تنطوي حتى بلغت درة الخمسين. عندئذٍ تصدعت أركان السجن بالنبأ العظيم.
- ما هذه يا درة؟
سأل بصوت ذاهل، فقالت:
- عمرك ما شفت الكهرمان يا سيدي؟
- تقصدين الكهرب؟
سأل متردداً، فخيل إليها أن صوت خطيب يترجع في فج عميق من روحها، ومن زمن سحيق، فحارت بين أن تبتسم وبين أو تزورّ، وأسرع صوتها:
- قل: الكهرمان. كله واحد.
وأسرعت أصابعها إلى ياقتها لتسحب بتؤدة خيطاً أسفر فجأة عن حبتين صفراوين، وقالت:
- الله سبحانه وتعالى هو الحامي، لكن حبة الكهرمان حمتني من يوم رموني في هذا الحبس.
وصمتتْ ريثما تأمّل الحبّة في كفه، وفرك عينيه، ثم تابعت:
- افركها وشمّ وصلّ على النبي.
وانتظرت حتى شمّ وتشمم وهللِّ وصلّى على النبي، ثم تابعت وهي تمسد حبتي عقدها:
- كانت الحبة التي معك تتوسط هاتين الحبتين من يوم تزوجت. هدية حماتي.
وأعادت الحبتين إلى وكرهما قبل أن تتابع:
- يوم ولدت بنتي الأولى أهدتها جدتها عقداً صغيراً من العقيق اليماني، الحبة منه بياضها مقطّع أحمر على أسود على أصفر، مشطّبة تشطيب يا سيدي سبحان الخالق. كانت حماتي تقول هذا هو الجزع، يجلب الرزق ويزين حامله بالتأني والوقار. ويوم ولدت بنتي الثانية أهدتها جدتها عقداً صغيراً من اللازورد الأزرق. تعرف ريش الحمامة الزرقاء حول رقبتها؟ أزرق على أحمر مما تراه أيضاً في ريش الطاووس يا سيدي. ولكن هذا كله يهون أمام مسبحة العجوز. من الكهرمان الأسود يا سيدي إلا الشاهدين: مرة تراهما بلا لون ومرة بلون السماء، وفي قلب كل شاهد ما تقول كأنه فراشة. كانت حماتي تقول الكهرمان يشفي من وجع الظهر والمفاصل والمعدة، ولم أصدقها حتى جربت. والله يا سيدي دواء لجسمك وروحك، وبكرة تقول: درة قالت.
عندما أهلّ عيد الأضحى انقلب مساؤه الأخير إلى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي ضحكت لدرة وحدها من بين الناس أجمعين. وقبل أن تتلاشى الضحكة كان المقدم حسني قد خرج من السجن، وأعيد إلى الجيش، ففغر ليل درة ونهارها كما فغرت روحها. ولما طال بها الفغر لبدت تنتظر ضحكة ليلة القدر للمرة الثانية. ولم يطل الانتظار: أقل من خمس سنوات، تناهى إلى درة أثناءها أن المقدم حسني رُفِّعَ إلى رتبة نائب الزعيم، ثم رُفِّع إلى رتبة الزعيم، وصار قائد الجيش الذي يفضل أن يُنادى بسيدي الجنرال. وحين بشّرها المقدم مرقص العميا - كانت رتبته ابنة يومها - أن سيدي الجنرال أطاح برئيس الجمهورية، وحلّ محله، لم تنبس درة بحرف، ولم يبد عليها أنها فوجئت. ومثل رفة الجفن أخذت الأيام تنطوي حتى بلغت درة الخمسين. عندئذٍ تصدعت أركان السجن بالنبأ العظيم.
Page 6
5
كان رباح أبو شلة هو أول من تلقف النبأ، مبرهناً مرة بعد مرة على أن له العلامة الفارقة والكبرى للصحفي، أي أن يكون الشمام الذي يحسده أبرع الكلاب، ما دام يلتقط الخبر قبل شيوعه، بل وقبل أن يصير خبراً!كان رباح قد أفاق متأخراً، كما تعوّد في الأسابيع الأخيرة، منذ صدر قرار سيدي الجنرال بإلغاء تراخيص الجرائد، ومنها الجريدة التي يعمل فيها رباح: ألف ياء.
لم تكن أمه في البيت، ولا ابنه، فاكتفى من الإفطار بأن أعدّ كأس الشاي، ونقر فتات الجبن الذي لابد أن يكون رمزي أبو شلّة ـ هكذا ينادي رباح ابنه أحياناً ـ قد زين به الطبق.
كان رباح قد تشمم ذلك القرار قبل إعلانه، فأسرع إلى سيده، أي إلى صاحب جريدة ألف ياء. لكنه بدأ يعدد الجرائد التي سوف يغلقها الجنرال غداً أو بعد غد: الفيحاء، المنار، النذير، الإنشاء، الرأي العام، سوريا الأرمنية، المرأة، اليقظة، وأخيراً: ألف ياء. لكأن رباح كان يؤجل نقمة سيده المنتظرة، أو يخفف منها. لكن النقمة جاءت مضاعفة، فأسرع رباح بتتمة الخبر: التعويض على صاحب الجريدة وصاحب المطبعة. ولأن رباح أنس من سيده رضى، تابع نقلَ نتف أخرى من الخبر، كمنع إعطاء التراخيص بجريدة لأحد في المستقبل، أو كتعيين أصحاب الصحف والمحررين كموظفين في مديرية المطبوعات. لكن سيده رماه بنظرة زاجرة، فخرس، وأطرق هنيهة قبل أن تنفجر به الصيحة:
- رحْ من وجهي يا غراب البين.
فامتلأ رباح رعباً مثلما يمتلئ الآن وهو يرى أمه تطبق باب الدار خلفها بعنف، وتتقدم شاحبة، أصابعها تعصر أصابع حفيدها رمزي أبو شلّة، وعيونهما تحدق في رباح كأنها تحذر من شر مستطير، أو تستنجد به من شر أعظم. ولم يطل انتظاره، إذ تمتمت أمه:
- أم نديدا خرجت من السجن.. درة..
ولأنها عجزت عن أن تكمل عبارتها، ابتسم كأنما يصفح عن زلّة، أو يلاقي مزحة. ولغا لسانه بالسؤال المكذب أو الساخر:
- درة حفظي خرجت من السجن؟
أومأت الأم مؤكدة، بينما اندفع رمزي نحو أبيه، كأنه يطلب الأمان من خطر وشيك ومحتوم. ومن جديد لغا لسان رباح بالسؤال المكذب أو الساخر:
- من أين جئت بالخبر يا أمي؟
قالت العجوز:
- خالتك رأتها البارحة عند السبيل وسلمت عليها.
- يجب أن أراها.
همهم رباح وأصابعه تمسح على خصلات رمزي المذهبة، بينما كان قلبه يرجف لذكرى خصلات نديدا المذهبة. وأسرع بالخروج بينما كانت أمه تسأل:
- من التي يجب أن تراها؟ خالتك أم حماتك؟
وما إن لفظه باب الدار حتى تضاعفت رجفة قلبه، إذ لوحت له خصلة مذهبة من شعر حماته، فتاه بين شقرة ابنه وشقرة نديدا وشقرة أمها. ولم يصحُ مما اعتراه إلا على باب بيت خالته التي بادرته بلا رحمة:
- درة حفظي خرجت من السجن بعفو خاص من الجنرال نفسه، وسألت عن بنتها وعنك، كأنها لا تعرف أنك طلقت نديدا، ولا تعرف أنها صارت جدة!
وهكذا، لم يبق على رباح إلا أن يبلع الحسرة على إغلاق جريدة ألف ياء. فلولا ذلك لجعلها تَفْجُرُ صباح الغد بالمانشيت الأحمر: الجنرال يعفو عن التي قتلت زوجها. لالا. هذا شخصي جداً. سيكون المانشيت: الجنرال يعفو عن التي قتلت (أبو الدستور). هذا خبر سياسي مئة بالمئة. بالأحرى: قنبلة سياسية، فالقراء سيتساءلون: من هو أبو الدستور هذا؟ أما رباح أبو شلة فسيتساءل عمن لا يزال يذكر حامل هذا اللقب: المرحوم - بل الشهيد - الأستاذ رمزي الكهرمان!؟
نديدا الكهرمان نفسها كانت قد نسيت لقب أبيها عندما تزوجت رباح. الدكتور عبد الواسع الكهرمان نفسه لم يذكر لقب شقيقه أمام رباح غير مرة أو مرتين. ورباح نفسه لم يكن أكبر وفاءً. ولكن ما النفع ما دامت جريدة ألف ياء مغلقة؟ بل ما النفع ما دام أحد لن يجرؤ على أن ينشر خبراً ملغوماً عن الجنرال كهذا الخبر؟
إلى من سيحمل رباح الخبر إذن؟
Page 7
6
فرّ رباح إلى المرج الأخضر من خالته، ومن السؤال، ومن أمه، ومن الحارة، كما لم يفعل منذ سنين. وعلى صفحة النهر أخذت عيناه ترسمان صورة فصورة لدرة حفظي، ولم تكن صورة لتكتمل. فرباح لم ير حماته سوى مرة واحدة قبيل زواجه من نديدا. أما الآن، فلن يكون بوسعه أن يراها، مهما يكن راغباً بذلك، ما دام قد طلّق نديدا. بالأحرى، ما دامت نديدا قد طلقته، كما يلذ له أن يعترف، ولكن فقط أمام نفسه، وفي خلوة مثل خلوته الآن على شفا النهر.عندما ابتلي رباح بعشق نديدا، لم يكن بحاجة إلى من يذكره بأمها القاتلة. ليس فقط لأنه الصحفي ذو العلامة الفارقة والكبرى - أي: الشمام - بل لأن الجامعة كانت تصخب بكل ما يتصل بالطالبة نديدا رمزي الكهرمان: حمرة خديها واكتناز ردفيها، الشقرة الفضاحة حتى في الحاجبين والأهداب، البياض اللاهب في ظاهر الكفين، أرشق من الغزال وأزهى من الطاووس، أحمر من الشفق وأبيض من اللبن، ومثل ذلك ما اشتهر من نقاء صوتها، ومن نصاعة لغتها العربية ولغتها الفرنسية. هكذا بات رباح أبو شلة يعرف الكثير عمن استهوته، قبل أن يصطنع الزيارة الأولى لمكتب عمها المحامي اللامع الدكتور عبد الواسع الكهرمان.
يومئذٍ، كان رباح قد ودّع سنوات التمرين، ابتداءً بملحق جريدة السياسة (مجلة السينما والراديو) فملحق مجلة الأحد (الإذاعة) ثم في جريدة الشعب، وفي جريدة الإنشاء، وكان قد بلغ التاسعة والعشرين، والتحق بجريدة ألف ياء، تسبقه سمعته كأفضل صحفي شاب وشمام. ولكي يضفي أهمية أكبر على زيارته للدكتور عبد الواسع، وعلى نفسه، ولكي تكون له زيارة فزيارة من بعد، ادعى أنه يعدّ العدة ليكتب سلسلة تحقيقات صحفية عن قادة الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، وسيبدأ بأصغرهم سناً: رمزي الكهرمان الذي لاقى وجه ربه قبل أن يكمل الحادية والثلاثين.
اتقدت الحمرة التي لازمت خدي الدكتور عبد الواسع منذ لازم النبيذ، وقاطع ما عداه من المشروبات الكحولية وغير الكحولية، الساخنة والباردة. وأصابت العدوى وجه رباح، فاحمّر خداه عندما عدد الدكتور عبد الواسع ما يذكر من كتابات الصحفي الشاب، ليس في جريدة ألف ياء وحدها، بل في جريدة الإنشاء قبلها، وفي جريدة الشعب، قبل قبلها. واتقدت حمرة خدي رباح عندما تمنى الدكتور عبد الواسع أن يكثر بين أقران هذا الصحفي النابه من لهم مثل روحه الوطنية. أما المفاجأة التي رجّت رباح رجّاً فكانت أن يحدد له مضيفه مكان اللقاء التالي في البيت!
7
هو ذا الآن ينأى عن المرج الأخضر ليقترب من البيت المتربع على واحد من عروش حي المهاجرين. ومن أمام البيت المسوّر بالياسمين الغض يلوّح رباح للنهر، ويتملى من فتنة الألوان ملء الشام، ثم يلملم رموشه ليفلشها بعد قليل، فتروح تتمسح بأجناب الصالون المدجج بخزائن الكتب المجلدة، وبالسجاد الذي غاصت فيه خطوات رباح كما سيغوص في الكنبة التي أشار إليها الدكتور عبد الواسع.قبل أن يتواءم رباح مع الألوان الثقيلة، والإضاءة الثقيلة، والأنفاس الثقيلة، كان الدكتور عبد الواسع قد شرع يتدفق بما لن تلحق به أصابع رباح، ولا أوراقه، ولا قلمه، ولا نظراته، ولا لهاثه، كي يشهد بأم عينه ذلك الضحى الذي جلّل فيه الموت: أمي وزوجتي افتخار وابنتي أخي ابتهال ونديدا والخادمة زهور ودرة نفسها: لا تنشر يا رباح كل ما تسمع. دعني أقرأ ما تكتب قبل النشر.
بهذا الأمر سيوقّع الدكتور عبد الواسع لما يتحدّث به في ستة لقاءات أنعم بها على رباح، خلال تسعة وعشرين يوماً. وكان رباح قد بات بعدها يُكبِر، كما لم يُكبِر أحداً من قبل، ذلك الشاب الوسيم الرقيق الذي ما إن تخرج من معهد الحقوق حتى تزوج من درة حفظي، وما إن تزوج حتى رأى نفسه سجيناً في قلعة أرواد مع من كانوا مثله شوكة في جنب الاستعمار: قال الدكتور عبد الواسع بجلال.
وبجلال أكبر تابع وعيناه تهوّمان فوق رأس رباح:
- من السجن أسرع أخي رمزي إلى باريس ليتابع الدراسة، وأنا على خطاه مشيت من معهد الحقوق أيضاً إلى باريس. خالفت أخي فقط في أني لم أقم بما يقودني إلى السجن، وكذلك في أني لم أصطحب العروس إلى باريس. غبت سبع سنين دفعة واحدة، بينما لم يكمل أخي سنته الثالثة، ولم يحصل على الدكتوراه التي حصلت عليها. انظر..
انقادت عينا رباح لسبابة الدكتور عبد الواسع وهي تشير إلى الشهادة المؤطرة بإطار بني عريض ومرصّع بكل ما يلمع. وبوغت رباح بالشهادة تتوسط صورة أكبر منها لشاب يبتسم، وأخرى أصغر لعجوز عابس يعتمر الطربوش. ولعل المباغتة كانت ستوقف رباح أمام الإطارات الثلاثة، لولا أن سبابة مضيفه أشارت إلى صورة الشاب فصورة العجوز، وتمتمت متأسية: هذا هو الشهيد رحمه الله، وهذا هو الوالد رحمه الله. وودّ رباح لو تفسح له السبابة المضيفة كي يتأمل ما بين نديدا وأبيها ـ رحمه الله ـ من شبه، لكن الدكتور عبد الواسع تابع بحماسة:
- فضّل أخي العودة من باريس بعدما أمرضه الحنين إلى زوجته. أنا أشهد، وكل من يعرفه يشهد، على أنه لم يقرب طوال حياته امرأة غير زوجته، لا في باريس ولا في غير باريس. لسوء الحظ يا رباح، لم تنقض ستة أشهر بعد عودته حتى رأى نفسه منفياً إلى الحسكة مع رفاقه الذين صبت فرنسا غضبها عليهم. ويوم عاد من المنفى رزقه الله بابتهال.
عندئذٍ أطلت نديدا وخلفها الخادمة التي يتقد سوادها كما يتقد بياض نديدا. وربما كان ذلك في اللقاء الثاني أو الثالث، لكن رباح سيعدّه اللقاء الأول، ما دامت نديدا قد أطلت، وحيّت، وصافحت، وجلست بجانب عمها الذي رقّ صوته، بينما راحت نظراته تهوّم فوق نديدا:
- كانت أمها تتمنى أن تلد صبياً ورمزي يتمنى أن تلد بنتاً. لكي يغيظها ويغيظنا كلنا كان يدعو: يا رب ارزقني ببنت حتى لو كانوا إيديها حواشيش وإجريها مناكيش. كنت أقول له: هذا دعاء الفلاح لا دعاء المحامي، فيضحك ويقول: كلنا بشر.
وعبثاً حاولت نظرات رباح فيما تبقى من ذلك اللقاء أن تتبين ما إن كان لنديدا ملمح ما لصبي، بينما كان الأستاذ رمزي الكهرمان قد صار يحاضر في معهد الحقوق، كما صار عضواً في لجنة صياغة الدستور. وسرعان ما أورثه عمله في اللجنة، ودفاعه المستميت عن الدستور، ذلك اللقب المنسيّ: أبو الدستور: مثله مثل مدحت باشا نفسه يا رباح: حمحم الدكتور عبد الواسع بلوعة، وكانت ذراعه تحتضن كتف نديدا، وقلب رباح يرفرف مثل جفنيه.
Page 8
8
من لقاء إلى لقاء سيتضاعف تأثر عبد الواسع كلما أمعن حديثه في مصرع شقيقه، أو فيما أعقب مصرع شقيقه. وكان كل ذلك يتشكل من جديد فيما يكتب رباح أثناء اللقاء، أو بين لقاء ولقاء. كما كان كل ذلك يتشكل ثالثة كلما خاب أو أفلح سعي رباح إلى مصادفة نديدا في الجامعة، بعدما يئس من تكرار حضورها إلى مجلسه مع عمها. حتى إذا أعلن اللقاء السادس أنه الأخير، بدا رباح ممروراً وملتاعاً. ولعله لذلك لجأ إلى أمه، فأحلها محله، وأحل نفسه محل الدكتور عبد الواسع، لتشتبك الذكريات والحكايات والأصوات، تماماً مثلما كان في جنازة الشهيد رمزي الكهرمان: كنت أنا وخالتك وأم رمزي والست افتخار ودرة نفسها وكثيرات كثيرات يا ابني. لم تعرف الشام قبل ذلك اليوم جنازة تخرج فيها النساء مثل الرجال. جنازة يا ابني بكى فيها الحجر والطير والشجر: قالت أم رباح، فعاجلها رباح كما عاجله الدكتور عبد الواسع في اللقاء الأخير:- كان النهار لاهباً، وقبل أن يبرده الغروب همس اثنان أو ثلاثة من أصدقاء رمزي منذ أيام الحبس في قلعة جزيرة أرواد: قد يكون في موت رمزي جريمة.
في المساء التالي كان الهمس قد بات صخباً في مجلس العزاء: الشهيد قضى اغتيالاً. وتضاعف بهوت الدكتور عبد الواسع وهو يوافق على ما اقترحه اثنان أو ثلاثة من أصدقاء رمزي ممن وطّد النفي إلى الحسكة عرى صداقته معهم.
في غفلة من الجمع كان قبرٌ قد نُبِِشَ، وجثة قد شُرِّحت، والشام قد اصطخبت بآثار تصلبٍ في شرايين قلب المرحوم. وبعد قليل كانت قد اقُتطعت قطعة من دماغ المرحوم، وقطعة من معدة المرحوم، وقطعة من رئة المرحوم، وأُرسلت القطع إلى التحليل في بيروت، لماذا؟ لأن مؤشرات التشنج والارتعاش سمّية.
كان عبد الواسع أول من روى أنه شاهد أطراف المرحوم وشفتيه ورموشه جميعاً ترتعش. ثم شاهدها جميعاً تتشنج. وكررت الرواية أمه أمام أصدقاء المرحوم أولاً، ثم أمام قاضي التحقيق، بعدما جاء الخبر اليقين من بيروت:
- كان يا روحي يرتعش ويتقيأ. طرت إلى الخزانة لأحضر سفوف الكهرمان. رجعت، كان همد يا روحي.
ومثل حماتها كررت الست افتخار الرواية، سوى أنها أضافت أن سفوف الكهرمان توقف القيء عادةً، لكن قيء المرحوم لم يتوقف، فأحضرت هي حكاكة الزمرد: ربع ملعقة صغيرة أو أقل ذوبتها في نصف كأس ماء أو أقل، وشربها المرحوم. لكن السم كان قد سرى يا حسرتي، والزمرد لا يخلصك من السم إذا ما سرى.
أما درة فكانت قد فقدت القدرة على النطق منذ أيام، مثلها مثل الطفلة نديدا. ولسبب ما، طلب عبد الواسع إعادة التحليل. وسرعان ما تكرر الخبر اليقين. ولسبب ما استعادت درة القدرة على النطق، مثلها مثل الطفلة نديدا، وأخذت الشام تصطخب بسمّ الستركنين الذي تناول المغدور منه ما يكفي لقتل عشرة!
هنا كانت أم رباح قد وقفت مذهولة: أذناها تكذبان وعيناها تصدقان، كأنها رباح نفسه مطأطئاً أمام الدكتور عبد الواسع الذي طاب له أن يتقلب في أثواب قاضي التحقيق، والنائب العام، والمحامي، والمتهم، ورئيس محكمة الجنايات، ليتبين أن المغدور المرحوم ـ من الألسن ما بات يكتفي بالقول: المغدور ـ كان يتناول قبل أيام من وفاته، أو قتله، أو اغتياله ـ كما باتت ألسن تردد ـ برشامات ضد الإسهال والمغص. والستركنين لا يمكن تناوله إلا كبرشامة، وهو كالنصر، لا يحتاج إلا إلى صبر ساعة أو أقل من ساعة، فمن هو القاتل؟
سأل المحققُ عبدُ الواسع الكهرمان المتهمَ رباح أبو شلة، فسأل المحققُ رباح أبو شلّة المتهمةَ أمه، فصدعهم السؤال جميعاً مرة بعد مرة: شقيق المغدور الوحيد المدعو عبد الواسع الكهرمان، وزوجته المدعوة افتخار الكهرمان، وزوجة المغدور درة حفظي وابن عمها المدعو خطيب حفظي، بل والخادمة التي لم يسمّها أحد.
قبل أن ينتهي التحقيق كان قد بات لكل من المذكورين والمذكورات ظله الظليل. ولأن لقاضي التحقيق من حاسة الشم ما ليس للصحفي الشمام رباح أبو شلة نفسه، فقد أثارت شكوكه زياراتُ خطيب لدرة في بيتها، منذ قرأ تقرير الظل رقم 1: اليوم الأحد الساعة العاشرة صباحاً دخل المشبوه إلى بيت المشبوهة، ولم يخرج حتى أذان العصر.
في اليوم التالي ـ الإثنين ـ رصد الظل نفسه أدهى مما رصد البارحة. فالمشبوه دخل بعد أذان الظهر، وعندما أذّن المؤذن لصلاة العشاء، لم يكن قد خرج بعد. وضاق قاضي التحقيق بالانتظار فصاح:
- كل هذا والمرأة في العدة!
أرعدت الضجة من يراقب بيت الشهيد المرحوم المغدور، ومن يراقب خطيب حفظي، وندم القاضي على ما ضيّع من الوقت والجهد فانتزع الأرملة من خلوتها بابن عمها، ورماها في دائرة العدلية، بينما رمى ابن عمها في نظارة المخفر.
Page 9
9
بدا رباح وهو يخلّف وراءه المرج والنهر، كمن ينفض عن قبعته وكفيه وكتفيه أثراً خفيفاً وطرياً لرذاذ من صور أو أفكار. وكانت نسائم العصاري الناعشة تُسلس له الطريق، وتقربه من مكتب الدكتور عبد الواسع: هذا وحده من عليك أن تنقل له خبر خروج درة ـ إياك أن تقولي حماتي ـ من السجن.على الرصيف المقابل للمكتب وقف يتأمل النوافذ العتيقة الوسخة المغلقة. وبيسر حددت عيناه ما يخصّ من النوافذ مكتب رمزي الكهرمان الذي ظل مغلقاً منذ مصرع صاحبه حتى افتتحته ابنته المحامية الأستاذة نديدا الكهرمان: ما من أحد يذكر أنها كانت زوجتك. حتى أنت ما عدت اقتربت من هنا، ولا من أية محكمة، ولا من حي المهاجرين كله، فهل كان كل ذلك إلا لكي لا تصادف تلك التي ستظل حسرتك الناشبة حتى تموت؟
على مهل أدار ظهراً وغذَّ خطاه إلى نهاية الرصيف. وعبْر تلك المسافة القصيرة كانت درة حفظي تتماثل له عوضاً ما عن كل ما ضيّع، أو - على الأقل - إشارة قوية إلى العوض المرتجى.
على درة حفظي أن تصل ما انقطع بين رباح ونديدا. وسواء أنجزت ذلك أم لا، عليها أن تصل بين رباح وبين الجنرال الذي سيصير رئيس الجمهورية عما قريب. ولخطا رباح إذن أن تنتشي بالحلم وهي تقصر وتتثنى أماماً أو يميناً أو يساراً، تتأمل دار الإذاعة، تلوم سائق سيارة الزبالة لأنه نسي غطاءها مفتوحاً، تقطع شارع مسلم البارودي، تحاذي النهر، تلوي قبل أن تبلغ مدرج الجامعة، تعبر ببنك سورية ولبنان، تتأمل شرطي المرور في منتصف الشارع، تتشهى أن يحل رباح محله فيعتمر الخوذة البيضاء، ويتمنطق بالحزام الأبيض، ويزنر بوطه بالكاتر الأبيض، ويداه تلاعبان السيارات بالدائرة الحمراء والدائرة البيضاء حتى مغيب الشمس. عندئذٍ ستنوب عنه الإشارات الكهربائية بينما تعجل خطى رباح نحو جسر فكتوريا. وقبل أن تبلغ الجسر عليها أن تتلفت باحثة عما يقلّها فوراً أو سريعاً إلى المهاجرين، فلا بد أن الدكتور عبد الواسع في بيته الآن، ينتظر على أحر من الجمر خبر خروج درة من السجن، تماماً مثلما بدا لرباح ذات لقاء ينتظر على أحر من الجمر خبر موت درة في السجن.
يومئذٍ، كان رباح قد صاهر بيت الكهرمان. وكان لا يزال يجدد الوعد بالكتابة عن الراحلين من قادة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، ابتداءً بأصغرهم: رمزي الكهرمان.
كان الوقت صيفاً. بالأحرى، في عز الصيف، وليس في أوله، مثله الآن. كان الوقت أيضاً بين العصر والمغرب، مثله الآن، سوى أن النسائم كانت مغبرة، وبلا طراوة. وخيّل لرباح أن الدكتور عبد الواسع قد ملأ الشرفة الفسيحة بمنصةٍ وقفصٍ وكراسٍ ودرك وصحافيين ومحامين وقاض ونائب عام ومتهمة ومتهم. وراح الدكتور عبد الواسع يخطب بما لم يفقه رباح منه حرفاً. واشتبكت خطابة الدكتور بهتافات تتلاطم من ساحة المرجة حتى رأس جبل قاسيون. أي إنها حفّت بدار القضاء، وشقّت عنان السماء كما شقت الحناجر. وما إن حكمت المحكمة حضورياً بالإعدام شنقاً على المجرمة درة حفظي، حتى انفجرت المحكمة بصيحة المتهم خطيب حفظي: درة بريئة يا سيدي، فلم يسمع أحد الحكم عليه بغرامة قدرها خمسماية وعشرون مجيدية، وبالسجن سنوات ضاع عددها.
لم يصدق أحد على الحكم بالإعدام، لذلك لم تمت درة في السجن، كما كان الدكتور عبد الواسع وأمه وزوجته يتمنون. وفي تلك الأمسية المغبرة الناشفة التي يضيق رباح بذكرها الآن، خاطبه الدكتور عبد الواسع بصوت ينضح مرارة:
- أصابع فرنسية هي التي بدلت الحكم على درة بالإعدام إلى السجن المؤبد. لماذا تظن أنهم فعلوا؟
تمتم رباح ببلاهة:
- لماذا يا دكتور؟
تريث عبد الواسع طويلاً قبل أن يندفع في خطبة جديدة، سوى أن صوته جاء أهدأ:
- خطيب حفظي أرسل رسالة إلى الرئيس الفرنسي. لا زلت أحتفظ بصورة لها ستراها فيما بعد. شريك المجرمة في جرمها كتب بخط يده: رمزي الكهرمان عدو فرنسا لذلك قتلته يا سيدي. هذا واجبي في خدمة فرنسا يا سيدي. جريدة النداء نشرت الرسالة.
تمتم رباح ببلاهة:
- لكن النداء تصدر في بيروت.
تجاهل عبد الواسع مقاطعة رباح وتابع بأناة:
- هنا في الشام، نشرت جريدة الشعب رسالة أخرى من خطيب حفظي. المجرم أنكر: لا علم لي برسالة إلى رئيس فرنسا ولا خبر! أما العجب يا رباح فكان فيما نشرت بعد ذلك مجلة الناقد: صورة عن رسالة المجرم إلى الرئيس الفرنسي. عندما ستقرأ الرسالة ستحكم أنها بيان سياسي وليست طلب استرحام. بل ستظن أن من كتبها محام ضليع، وليس مجرماً لم يدخل مدرسة!
تمتم رباح ببلاهة أكبر:
- يمكن أن يكون أحدهم قد كتب الرسالة، محام أو سياسي أو صحافي، والمجرم وقّع عليها.
فأسرع عبد الواسع كأنه خاف من مقاطعة أخرى:
- المجرم، قبل أن يسترحم، طالب بالعفو عمن في السجون، شرط قبولهم بالتجنيد لصالح فرنسا. المجرم طالب بتأسيس معاهد فرنسية بدلاً من المدارس السورية، وطالب بفرض التجنيد لقاء راتب. قلت لك الرسالة بيان سياسي. ألا يكفي هذا دليلاً على أن ما وقع لأخي لم يكن جريمة عادية، بل اغتيالاً سياسياً؟
لم يأبه عبد الواسع بجواب رباح. ورباح نفسه ما عاد يذكر بما أجاب. لكنه تنبه لأول مرة إلى أن عبد الواسع ندر أن وصف ما وقع لأخيه إلا بالاغتيال. ولما تمتم بذلك، وببلاهة أيضاً، أركز عبد الواسع نظراته في صورة أخيه، وردد بصوت يتخافت: اغتيال.
ولما تلاشى الصوت، انتفض صاحبه كما انتفض رباح الآن، كأنه يسمع جرس الترامواي لأول مرة، أو كأنه يرى بيت الدكتور عبد الواسع الكهرمان لأول مرة. أما المفاجأة الكبرى فكانت حين بادره الدكتور عبد الواسع، قبل أن يرد تحيته:
- درة حفظي خرجت من السجن!
Page 10
10
تبرزخت درة ذات ليلة، قبيل العفو عنها، فلا هي يقظى ولا هي غافية، وليست حية ولا ميتة. وظلت كذلك حتى هجم على الغرفة هاجم هائل الطول وهائل العرض. وظلت شلاء حتى عاد الهاجم إلى آدميته: خطيب؟صاحت هلعة، فمكذبة، فمشوقة، بينما كانت أنفاس خطيب قد أخذت تلفح وجهها. وزادها هياجاً أنها صغرت عشرين سنة، وربما أكثر، وأن خطيب لا يزال حيران بين أن يكون رجلاً وبين أن يكون فتى. ومثلما كانت أصابعه تفعل في ذلك الزمن المستحيل، راحت الآن تتهجد ثم تنسرب في فرجة القميص، ثم تتوه فيما تتلمس:
- لا زال العقد معك يا درة؟
سأل فغمغمت بما لم يتبين، فسأل:
- أين الحبة الثالثة؟
- تحمي رئيس الجمهورية يا حبيبي.
همست درة، فبهتتْ أصابع خطيب وارتدت، فعانقتها أصابع درة وعادت بها بأناة إلى وهدة الصدر. ولما سرى الأمان في جلد خطيب، دنت شفتاه تبسملان بحبتي الكهرمان، ثم تنفلتان لتبلغا حيث يمكن لهما أن تبلغا من خدي درة وعنقها، بينما أخذت غرفة السجينة تترامى وتتبرج حتى باتت أكبر وأشهى من غرفة النوم التي كان خطيب يحمل إليها ابنة عمه. ولما تباعد ذراعا درة نهض خطيب وسأل بجفاء:
- أين الكنز يا درة؟
فعاد السرير من عشرين سنة على الأقل، لينقلب فراشاً ضيقاً لا يفصله عن الأرض سوى قطعة من قماش الخيمة العسكرية.
وسألت درة وشهوتها تنسلّ منها:
- ما الذي ذكرك بالكنز يا حبيبي؟
كان قوام خطيب قد غلظ، وشعره قد شاب، لكأنه كبر عشرين سنة في لمح البصر، فأشفقت درة عليه. ولكي لا يعود كما دخل: هائل الطول وهائل العرض، مسدت بباطن قدمها على ساقه اليمنى، ثم على فخذه الأيسر، وابتسمت، ثم أشارت، فدنا، فدنت حتى تعانقا، وراح يصغر، ويصغر، ويصغر، حتى بات في الرابعة أو الخامسة، شعره أشقر وطويل ومجدول كأنه شعر بنت، بل كأنه شعر نديدا قبل عشرين سنة، عندما رأتها درة لآخر مرة.
هكذا بات على درة أن تحكي لخطيب حكاية، مثلما كانت تحكي لنديدا، فأخذت تلاعب جديلة الطفل، وسمّت باسم الله، وصلت على النبي المصطفى، وجاء صوتها ندياً:
- كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، كان فيه أسرة مستورة بلا اسم، وظلت على هذه الحال حتى أنعم الله على جد من أجدادها بحفنة كبيرة من الكهرمان، الحبة بقدر حبة اللوز. باع الجد من الحبات ما غسل فقره، ووزع الباقي على أبنائه الثلاثة وعلى بناته الثلاث، حسب شرع الله.
ولد واحد يا حبيبي يا خطيب من بين الأولاد والبنات لم يغترّ ولم يفجر. صان الكهرمان فصانه، وزاده الله سبحانه وتعالى من علمه، فهرس حبة الكهرمان حتى صارت مثل الدقيق. لحسة من هذا السفوف وبإذن الشافي المعافي كان المريض يبرأ من حرقة البول، وكانت الحصاة تتفتت وتخرج مع بولتك يا ماما. نثرة من هذا السفوف في سريرك يا ماما تبعد عنك أبو صفار. حتى لوجع القلب أودع الله سبحانه وتعالى الدواء في الكهرمان.
سنة بعد سنة ما عاد يُعرف الرجل إلا بالكهرمان. راح الكهرمان وجاء الكهرمان. وسنة بعد سنة صار عند هذا الكهرمان ضعف ما ورث من أبيه، بل قل صار عنده أضعاف ما كان عند أبيه. ومشى ابنه الوحيد من بعده على طريقه، فتكومت عنده العقود والسبحات والأقراط ومقابض الخناجر والمغازل، وكله من الكهرمان الذي ما بعده كهرمان.