مقدمة
في رواية (ألف وعام من الحنين) يلتحم الخيال بالواقع التحاماً قوياً إلى درجة أنك لا تستطيع الفصل بينهما، بل تظهر كل محاولة للفصل بينهما مجرد عبث سيؤدي إلى إفراغ الرواية من محتواها. في هذه الرواية، يتصارع الممكن والمستحيل على حد سواء. الواقع في الرواية خيال والخيال واقع.
إن بوجدرة يحلل التاريخ رابطاً الماضي بالحاضر من خلال ما جرى في التاريخ الإسلامي عبر (مملوكيته) وما يجري فيه حالياً غبر المملوكية (المتطورة في أشكال جديدة)، من هنا، كانت أهمية الرواية التنبئية الداعية إلى تأمل التاريخ، مرآة أية حضارة تطمح إلى تجديد مجدها.
جيلالي خلاص
(جريدة الشعب)
مقدمة بقلم الكاتب المسرحي الإسكتلندي دي؟يد غريغ
ترجمة: ديما أباظة
ما هي المدينة؟ مجموعة من الأبنية يتخللها عدد من الطرقات، رقعة بين نهرين، مكان تتوافر فيه المقومات الجغرافية الضرورية لضمان استقرار السكان. هي المكان الذي يهاجر الناس إليه مخلّفين وراءهم الريف سعياً وراء فرص لحياة أفضل. إنها مكان العبادة والعلم. إنها عالم تحرر من همجية الطبيعة لتستعبده همجية الطبيعة البشرية. المدينة مكان الجنس. إنها المكان الذي تطلق الرغبةُ فيه العِنان لنفسها لتتجول في الطرقات أثناء الليل. هي مكان الفن: في المدينة يستطيع الفقير أن يكسب عيشه مقابل قص الحكايات. في المدينة تستطيع امرأة ثرية أن تمرر قصائدها خفية إلى أصدقائها. إلا أن المسرح يعيش في المدينة، وهذا ما يميزه عن الفنون كافة.
عندما استقر البشر لأول مرة، قرب الأنهار في السهول الخصبة، انكبوا بداية على تحصين أنفسهم فأقاموا الأسوار وحفروا الخنادق، ثم انكبوا على عبادة آلهتهم فبنَوا المعابد وقدموا القرابين فيها، وأخيراً وجدوا مكاناً خالياً ومستوياً - ربما كان أرضاً مرت عليها الدرّاسة أو ساحة بين الأبنية - فنصبوا حوله أماكن للجلوس وأنشأوا لأنفسهم هناك مسرحاً: مكان يستطيعون فيه أن يقصّوا الحكايات بعضهم لبعض.
المدن تطالب بالحكايات. يُشحن كل يوم في المدينة بالكثير من التفاعلات البشرية المختلفة، ومن دون الحكايات، يصبح المرء عاجزاً عن فهم بيئته المتغيرة باستمرار. من دون الحكايات، يتوه المرء كما لو كان في الأدغال بلا خريطة. المدن تطالب بالحكايات والحكايات تتطلب مسرحاً، وفي المدن وحدها تتوافر العناصر الضرورية التي تسمح بإنشاء فضاء للدراما. في المدن هناك الملوك والبلاطات لتمويل العروض. في المدن يعيش أناس بإمكانهم أن يشكلوا جمهوراً، في المدن تنجذب الأرواح الشابة المضطربة التي تتوق لاحتراف التمثيل.
ليس الأمر من قبيل المصادفة أن الازدهار الكبير الذي شهدته الكتابة المسرحية في الغرب كان مرتبطاً بازدهار المدن. إن ما نسميه "المسرح الإغريقي" هو في الحقيقة تلك المسرحيات التي ظهرت في أثينا إبان فترة ازدهارها في القرن الرابع قبل الميلاد. كما شهدت لندن فترة انتعاش هامة في القرن السابع عشر فكانت موطناً لشكسبير ومارلو وميدلتون وكيد. أما في القرن العشرين، فقد كانت باريس وبرلين وموسكو ونيويورك من المدن الرئيسة الحاضنة للمسرح الغربي خلال حقبة أو أخرى من الزمن. من المثير للاهتمام أن نتساءل عن المدينة التي ستكون الموطن الجديد للمسرح في القرن الحادي والعشرين. أستكون ساو باولو؟ شينزن؟ أم القاهرة ربما؟
إذا كانت المدينة هي الموطن العادي للناس فهي أيضاً موطن كتّاب المسرح. إن المدينة تزوّد الكاتب المسرحي بالقصص والجمهور والممثلين، كما تضعه - وقد يكون هذا أكثر أهمية - قبالة غيره من الكتّاب المسرحيين. إن الازدهار العظيم للمسرح يحدث ليس عندما يعمل كاتب مسرحي بمفرده بل عندما يبرز عدد من الكتّاب المسرحيين في الفترة ذاتها. إنهم يتعلمون بعضهم من بعض. هم يتنافسون في ما بينهم ويدعمون بعضهم بعضاً عند قيامهم بإبداع عمل جديد في كل مرة. عندها سيكون النتاج ثقافة مسرحية أكثر متانة وتجريبية مما لو عمل فرد لوحده على كتابة نصوص للمسرح في عزلة صرفة. إن المدينة بالنسبة للكاتب المسرحي هي كمكب النفايات بالنسبة للجرذ: مكان كبير قذر تسوده الفوضى إلا أنه موطنه وهو ما يمده بالغذاء.
تعتبر دمشق أقدم مدينة مأهولة في العالم (هذا ما أخبرني به الدمشقيون، وإذا أخبرني أحد الدمشقيين شيئاً عن مدينته فإنني أميل إلى تصديقه). زرت دمشق لأول مرة عام 2004 إثر دعوة وجهتها إليَّ ليلى حوراني، مديرة المشاريع الفنية في المجلس الثقافي البريطاني، بهدف إقامة ورشة عمل حول الكتابة المسرحية مع مجموعة من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية. لم تكن لديّ أدنى فكرة أو توقُّع عن دمشق إلا بعض الكليشيهات الموجودة في الكتاب المقدس وعلى قناة CNN . وصلت ليلاً ولم أرَ شيئاً خلال الطريق من المطار سوى بحر من الأضواء الصفراء تتخللها نقاط خضراء تميز مآذن المساجد. كان الصمت يسود وصولي إلا أنه انقلب رأساً على عقب عند الفجر. أتذكر بوضوح أنني كنت مستلقياً في غرفتي في الفندق وقد جافاني النوم عندما سمعت فجأة النداء للصلاة يرتفع ويتردد صداه في كافة أنحاء المدينة. بدت النداءات (الأذان) متشابهة لكن كلاً منها كان مختلفاً في تفاصيله، سواء في الطبقة أو التوقيت، فكانت كما لو أن نغمات وتريات ديبوسي المتآلفة تعلو وتكتسح المدينة. نظرت من غرفتي التي تقع في الطابق 12 إلى الشمس وهي تشرق على جبل قاسيون والمنازل المتداعية على سفوحه.
نهضت وخرجت إلى الشارع. كان الوقت ما يزال مبكراً للغاية ولم تكن لدي أدنى فكرة عن وجهتي. تجولت في مركز المدينة ووجدت طريقي إلى المدينة القديمة. سرعان ما ضعت، لكنني لم أمانع أن أتوه. في الحقيقة، أردت ذلك. إن طريقتي المفضلة لاكتشاف أي مدينة هي أن أتوه فيها. تمشيت في الأزقة الضيقة والأسواق ومختلف الساحات مستمتعاً بالعمارة الأثرية. ما صدمني بقوة أكثر من أي شيء آخر وأنا أتجول هي الميزة الخاصة جداً للمدينة القديمة: إنها مكان كبير وصغير في الوقت ذاته.
المدينة القديمة كبيرة، فهي تمتد على مساحة كبيرة ويقطنها الكثير من السكان. لكنها صغيرة فقد بُنيت حسب ميزان البشر هناك. أزقتها ومداخلها ضيقة. أبنيتها تزداد تبعاً للحاجة، وليس تبعاً لخطة كبيرة يأمر بها أحد الملوك أو ينفذها أحد المعماريين. يبدو أنها نمت غالباً كما النباتات: نتاج طبيعي لا يتجزأ للبيئة البشرية. أكتب هذه المقدمة وأنا جالس في الطابق الرابع والأربعين لأحد أبنية مانهاتن. ترتفع من حولي الأبراج الضخمة لنيويورك. الأبراج هائلة لكن كلاً منها يتألف من مئات الشقق الصغيرة المكومة بعضها فوق بعض. بالنظر إلى هذا المنظر، أدرك العلاقة بين مانهاتن ودمشق القديمة، فهما تحتويان على الصنف ذاته من النباتات: مجنون وفوضوي من جهة لكنه منظم وعقلاني من جهة ثانية. يصبح الاتساع هنا نتيجة ترابط العديد من الخيارات الصغيرة ونموّها بعضها مع بعض.
هناك تشابه آخر بين مانهاتن ودمشق القديمة، وهو ميزة جميع المدن، الحقيقة، إنهما مدينتان تصلحان للمشي. لقد مشيت ومشيت حتى وصلت أخيراً إلى المسجد العظيم. لا أحب السفر وبحوزتي أي كتيّب سياحي لأن عينيّ ستنجران حتماً لرؤية ما تم إخباري عنه في ذاك الكتيّب. وهكذا كنت لا أعرف شيئاً عن هذا المسجد، كما كنت غير مستعد على الإطلاق وأنا أخلع حذائي وأعبر العتبة لأجد فضاء واسعاً ومفتوحاً يضم أناساً يتحادثون أو يجلسون أو "يتواجدون" وحسب. نظرت عالياً ورأيت مربعاً كبيراً فارغاً تظهر منه السماء الزرقاء: فراغ هائل يتخلله سرب من العصافير المتناثرة هنا وهناك. شعرت أن هناك شيئاً يغمرني في كل لحظة أمضيتها ناظراً إلى هذا المشهد. سيطر عليَّ فجأة فهم واضح للغاية لمعنى التفوق البشري. كان واضحاً بطريقة لم أشعر بها من قبل أبداً. لم يكن الأمر مجرد شعور. لم أستطع أبداً التقاط هذا الإحساس مرة أخرى ولا أن أجد نفسي قادراً على وصفه بشكل مرضٍ، باستثناء أن أقول إنني فهمت في تلك اللحظة العلاقة بين "الواحد" و"العديد".
خلال الأيام التالية في دمشق عملت مع عشرين طالباً تقريباً من المعهد المسرحي. كانوا جميعهم مهتمين بالفعل بمعرفة المدخل البريطاني للكتابة المسرحية. قمنا بتمارين الارتجال والكتابة التي تركز على الكتابة التي تنبع من العاطفة تحديداً. ركزتُ في هذه الورشة على القاعدة التي تصب في صلب الكتابة المسرحية المعاصرة البريطانية وهي: يجب أن تكون مادياً. بالطبع لا قواعد في الفن، لكن ما يثير الاستغراب حقاً هو أن الفنانين يحتاجون إلى القواعد، وكلما كانت أكثر صرامة كانت أفضل بالنسبة لهم. يرجع السبب إلى أن الكاتب عندما يدرك أنه مصون بهذه القواعد من حيث الشكل، فإنه يشعر أن خياله آمن كي يتحرك ويندفع ويستكشف. طلبت من المشاركين أن يركزوا على تقديم مشاهد تحدث في الوقت الحالي وفي المدينة الحالية. أردتهم أن يستكشفوا عواطفهم الخاصة وأن يكتبوا عن الآن في دمشق .
استجاب الكتّاب الشباب جميعهم بشغف وقدّموا مجموعة من المشاهد في نهاية اليوم الثاني. بدت هذه المشاهد - بالنسبة لي على الأقل - قادرة على تقديم صورة منعشة عن المدينة كما يراها شبابها. كنت مسحوراً بالعالم الذي فتحته هذه المسرحيات أمامي. ألهمتني حماسة المشاركين إلى درجة لا تصدَّق. في إسكُتلندا، أقيم باستمرار ورشات عمل حيث أجد المشاركين الشباب مكبلين بعدد الفرص المتاحة أمامهم مما يجعلهم غالباً يترددون في عرض أفكارهم الداخلية - في حال لم يبدوا لطيفين، كما أنهم غالباً ما يكتبون تبعاً للقوالب الهوليوودية الجاهزة. إلا أني في تلك القاعة الصغيرة وجدت نفسي مصدوماً بالأصالة الصرفة والطاقة العاطفية المنطلقة من مجموعة مشاهد قدَّمها كتّاب سوريون. كانت المشاهد عن الحب والغضب والعائلة والسياسة، لكنها تضمنت شيئاً آخر مختلفاً. كانت المشاهد قلقة ومشكِكة وتطرح أسئلة. كانت هذه المشاهد تضم شخصيات رفضت أن تقبل توصيف العالم كما لُقنته. كانت الشخصيات ترى أن هناك عالمين في دمشق: واقعي ووهمي. كان أهلهم وحكومتهم وحتى أصدقاؤهم يريدون منهم العيش في مدينة وهمية لكنهم وأينما نظروا يرون الواقع. صار الفارق هاجساً لدى هذه الشخصيات.
يرجع أحد أسباب فرحتي في العمل في دمشق إلى التعرف على اللغة العربية. اللغة العربية مليئة بالتلميحات الضمنية والتعقيدات المجازية التي كانت أحياناً تصدم أذني الغربية بالقوة العميقة ذاتها التي شعرت بها في المسجد. إنها لغة تبدو قادرة على فتح العديد من الاحتمالات. أحد الأمثلة المفضلة بالنسبة لي كان اكتشافي للثنائيات المتناقضة في اللغة العربية - تحديداً عندما يتعلق الأمر بوصف الله والخلق. وهناك مثال ظل هاجساً لدي هو الباطن والظاهر - الروحي/الخفي والمادي. إن الشيء المادي هو ذاك الذي يظهر، ذاك الذي يمكننا لمسه، أما الروحي فهو على النقيض تماماً، إنه ذاك الشيء الذي لا يمكن رؤيته. ويشكل كلا هذين المفهومين العالم بأسره. هما ضدان ومع ذلك لا يمكن لأحدهما أن يوجد دون الآخر.
صدمني هذا التضاد حيث إنه يقع في قلب تجربة الكتابة المسرحية. يكتب الكاتب لأن لديه شعوراً، سؤالاً، شيئاً عميقاً في الداخل يتوق للانطلاق: شيئاً باطنياً/ خفياً. ليبدأ بعدها البحث عن عناصر مادية عديدة لمعالجة هذا الشيء: الممثلون والتجهيزات. تصبح المسرحية شيئاً مادياً عندما تُمثل لكنها إذا نجحت فسيشعر الجمهور بالعاطفة، بالسؤال، بالقلق- سيخوضون تجربة الباطني. المسرح فن مادي بالدرجة الأولى. إنه وسيلة نستطيع استخدام المادي فيها للتعبير عن الخفي. ما أثار اهتمامي عند الكتّاب الشباب في دمشق كانت الطريقة التي حاولت المسرحيات من خلالها سبر هذا التناقض على نطاق أوسع. التقطت مسرحياتهم الفرق بين الحياة كما يرونها (المادي) والحياة كما ينبغي لها أن تكون (الخفي).
قلت للمجموعة بعد الورشة إنهم في حال كانوا مستعدين لتطوير المشاهد لتصبح مسرحيات مكتملة فإنني سأعود وأعمل معهم ثانية. لم أكن أتوقع أنهم سيأخذون عرضي على محمل الجد. في إسكُتلندا يعتبر هذا العرض مسألة ذوق لا أكثر. لقد شعرت بطاقة مختلفة معهم ومع ذلك صدمت عندما وصلني بعد بضعة أشهر قرابة العشرين نصاً مسرحياً كاملاً. عدت إلى دمشق بضع مرات خلال السنتين التاليتين للعمل مع الكتّاب المسرحيين حتى حصلنا أخيراً على تسعة نصوص مسرحية جاهزة قدمت مشاهد منها على شكل قراءات في المعهد العالي للفنون المسرحية. كان العرض مثيراً للجدل بالفعل. رأى بعض الحاضرين أن المسرحيات مادية للغاية وقاسية. غضب آخرون من التحديات التي ضمّنها الكتّاب في طرح بعض الأفكار الهامة الخفية كحب الوطن واحترام الأهل. لكن العديدين كانوا متأثرين- مثلي - بالطاقة الكامنة في هذه المسرحيات القلقة والمشككة. تمت ترجمة بعض هذه الأعمال إلى اللغة الإنكليزية لاحقاً لتُقدَّم على شكل قراءات في مسرح الرويال كورت في لندن. وقد كانت هذه المسرحيات نفساً من الهواء المنعش لجمهور اعتاد سماع الكليشيهات فقط عن العالم العربي.
إن هذه المسرحيات مثيرة لكنها دون أدنى شك رائعة. وهؤلاء هم كتّاب في بداية رحلتهم وما يزال أمامهم طريق طويل يعبرونه قبل أن يستطيعوا رؤية أعمالهم الخاصة تُقدَّم كاملة وبشكل احترافي على خشبات المسارح. قرر بعض هؤلاء الكتّاب الذين كانوا متورطين في هذه العملية الطويلة والخصبة، قرروا تأسيس تجمُّع يدعمون فيه أعمال بعضهم للبعض الآخر. وهم: شادن أسعد، عمر جباعي، مضر الحجي، سومر داغستاني، لمى عبد المجيد، وائل قدّور، عبدالله الكفري، أحمدية النعسان. أطلقوا على هذا التجمع اسم "ورشة الشارع". وتلقَّوا دعماً من المجلس الثقافي البريطاني لمساعدتهم على تنظيم عملهم، إلا أن دافع تشكيل هذا التجمع بالأساس يعود لهم. ومنذ ذاك الحين، يحث أفراد ورشة الشارع بعضهم بعضاً على الكتابة، وينظّمون قراءات مسرحية ويدعم كل واحد عمل الآخر. على خلاف المملكة المتحدة أو الولايات الأمريكية، لا يوجد في سورية بنية تحتية متطورة ومخصصة لدعم الكتابة الجديدة التي ينتجها الشباب. كان على ورشة الشارع أن تقاتل كثيراً لضمان استمرارها. عندما أقوم بزيارتهم الآن، أو عندما أقرأ مسرحياتهم، أشعر على الدوام بالطاقة النادرة التي يمتلكونها، والتي تشكّل دافعهم الخاص ليكتبوا بحثاً عن جواب المسألة التي بدأنا بها رحلتنا في تلك القاعة الضيقة - ألا وهي: حكايات دمشق - الآن.
وجدت في هذه المجموعة أن الكتّاب ما زالوا يصارعون لتقديم الواقع. نجد في مسرحية "برونز" لمضر الحجي سجّاناً وسجيناً في حلقة من عدم الثقة والخوف. السجين كاتب وسجانه يريده أن يكتب قصيدة لاجتذاب الفتاة التي يتوق إلى حبها. في هذه الأثناء، يصارع الكاتب، البعيد عن المثالية هو نفسه، رغباته الخاصة المحرّمة. إن برونز مسرحية قلقة بشكل عميق تتحدث عن قوة الكلمات: قوة الكلمات على الجذب والصد على حد سواء. إنها ساحرة بطريقتها في عرض كيف تستطيع الكلمات أن تحوِّل الأفكار إلى أفعال محسوسة - في ما لو كانت هذه الكلمات صادقة. إن برونز مسرحية رومانسية بحق، قصة حب لم تتوج امرأة بعينها بل كانت من نصيب الحقيقة.
ما يميز مسرحية وائل قدّور "خارج السيطرة" هي أنها تقتصد في استخدام الكلمات لصالح المدينة. تعنى المسرحية بامرأة تعيش في شقة في المدينة، وتتزوج رجلاً من دين مختلف ويهربان بعيداً اتقاءً من عقاب أخيها. لقد انتقلت للعيش في المدينة حيث تضمن أن تكون مغمورة وسط صفوف كتل الأبنية المتلاصقة. نجد هنا انقلاباً مثيراً للاهتمام. يتم غالباً توجيه الانتقادات إلى المدينة لأن الناس فيها لا يعرفون بعضهم بعضاً. لقد تشكل مفهوم المدينة على أنها مكان للوحدة. لكن المدينة هنا صارت مكاناً للأمان، وصارت كتلها المحتشدة غطاءً للبطلة، وكونها مغمورة هو ما أعطاها حريتها.
إن هذه مسألة هامة في المفاهيم السوسيولوجية. تنمو المدن باطراد حول العالم مما قدم دليلاً على أن النساء يبذلن الكثير من الطاقة القيادية في مدن الأكواخ النامية مثل ريو ومكسيكو سيتي وبومباي، الخ. في هذه الفضاءات الفوضوية والمغمورة، تصبح النساء أكثر تحرراً لكسب معيشتهن ولكي يصبحن مغمورات وليتحررن من السلطة الذكورية. قد تكون الحياة صعبة هناك لكنها أفضل بكثير من القواعد الخانقة للحياة الريفية. وبالطبع، لا تستطيع النساء النجاة للأبد في ظل سعي العالم البطريركي الحثيث إلى فرض سيطرته بقوة.
"سعاد تجدل ضفائرها" لسومر داغستاني تتناول التوتر بين الحياة التقليدية والقوانين القروية وبين فرص المدينة والحرية فيها. إنها سبر كئيب للغاية من خلال عرض جريمة شرف وعواقبها. ينتج هنا عن إنهاء حياة شخص - هي أم لشقيقين - زهق حياة شخص ثان ودمار نفسي شامل لثالث آخر. يكشف داغستاني هنا مجدداً الطريقة التي تؤثر فيها الأفكار الباطنية - كالشرف مثلاً - على حياتنا. يُجبر الابن على اقتراف جريمة بحق والدته لكي يدافع عن شرف العائلة. إنه يحتقر هذا الفعل ويرفضه لكن ليس إلى الدرجة الكافية. يبدأ العالم كما ينبغي له أن يكون بالهيمنة على العالم كما هو في النهاية، وهذا ما يدفع الشاب، العاجز عن العيش في هذه المتناقضات، إلى الانتحار.
تأخذ مسرحية "دمشق - حلب" لعبدالله الكفري عنوانها من مدينتين. إنها، ربما أكثر من غيرها، مسرحية تلخص جوهر المدينة. نرى أيمن، وهو عالم نفس ناجح في دمشق، يعجز عن تقبُّل مِثْليَّة ابنه. لو كان الأمر متعلقاً بواحد من مرضاه فلا بأس، لكن ابنه! هذا يثير العديد العديد من الأسئلة المستحيلة. يتم طرد ابنه من المنزل ليبدأ أيمن بعدها رحلة البحث عنه. تخترق المسرحية طريقها عبر الحيوات والعلاقات المتعايشة على خلفية مدينة حديثة للغاية وأثرية للغاية، معاصرة للغاية وتقليدية للغاية. الحكاية هنا هي رواية حزينة وسبر كئيب للدمار الذي يصيب العائلة عندما يعجز الأب عن التوفيق بين ما يعرفه وما يشعر به.
عند قراءتي لهذه المسرحيات، كنت متأثراً جداً بعزم كتّابها على مواجهة التناقضات والرياء المتخفي في المدينة بينما هم، وفي الوقت ذاته، مليئون بالأسئلة حول الأشخاص والأماكن المادية التي تشكل نسيج هذه المدينة. لقد اختاروا عنواناً للكتاب هو "حكايا الروح والإسمنت". ولا أستطيع تخيل تعريف أفضل منه للمدينة - مكان مؤلف من الروح والإسمنت.
عندما وقفت في المسجد العظيم صباح ذاك اليوم عام 2004 ونظرت إلى السماء الزرقاء، تملّكني إحساس عميق بالعلاقة بين الإسمنت والروح. في وسط فوضى الأشياء المادية، نجد سماء ونربح فضاءً. لو لم يكن هناك شيء مادّي لما توافر إطار يجذب أعيننا إلى السماء. ومن دون الجمال الأبدي للسماء، ما كنا لنستطيع أن نلاحظ الجمال المؤقت لأنفسنا المادية. الروح والإسمنت: كلاهما موجود في اللحظة ذاتها، كلاهما ضروري لتشكيل مدينة، كلاهما ضروري لتأليف مسرحية.
برونز
مضر رياض الحجي
إهداء
إلي أمي... وعصافيرها الخمسة
الشخصيات
- أدهم : الضابط
- هاني: الشاعر
- السجان
- زوجة هاني
- طبيب العيون
- فادي: ابن هاني
الفصل الأول
(خشبة شبه معتمة وخالية إلا من كرسي وحيد يجلس عليه هاني وهو رجل تبدو عليه ملامح الإنهاك، الكرسي يخرج منه شريط كهربائي يصل بدوره إلى مأخذ كهربائي، ثَمَّة رجل ضخم الجثة يقف بجانب المأخذ يبدأ المشهد مع صرخة ألم مدوية يطلقها هاني، يدخل أدهم، يرتدي بزة عسكرية تدل على رتبته العالية، يخرج الرجل).
أدهم: صرختك لم تتغير يبدو أنك لم تعتد بعد، أنا أستطيع أن أحدد الزمن الذي قضاه السجين عندنا من صرخته، إلا أنت تبدو صرختك وكأنك تخضع للتعذيب للمرة الأولى..
هاني: لا بد أنك تدرك إذاً أنني سجين مختلف.
أدهم: تعجبني فيك تلك الثقة.....بداية مشجعة لجلسة اليوم........ هات أسمعنا ما عندك..
هاني: لم أكتب شيئاً.
أدهم: بناءً عليه أعتقد أن اتفاقنا لم يعد سارياً طالما أنك أخللت أصلاً ببنود الاتفاق، قصيدة عن جّلنَّار مقابل الإفراج عنك...... أتعرف بتُّ أشك في قدراتك الشعرية رغم أني سمعت عنك الكثير... وعن شعرك.... ولكن... ما هذا الشاعر الذي يعجز عن كتابة قصيدة في وصف امرأة كجُلُّنار..... لا تقل إنك لا تعرفها لقد حدثتك عنها ما لا يقل عن ستين إلى سبعين ساعة....ومع هذا فأنا لست متأكداً أن القصيدة التي ستقدمها ستعطي جُلُّنار حقها وستضمن إطلاق سراحك....تبدو لي أحياناً وكأنك تضجر من الحديث عنها..
هاني: بالنسبة لي لن يكلفني الأمر شيئاً... يبقى الحديث عن جُلُّنار أهون ألف مرة من جلسات التعذيب..
أدهم (بهدوء): معك حق....لن يكلفك الأمر شيئاً..... أهون ألف مرة من جلسات التعذيب..... (يتابع حديثه متجهاً إلى المأخذ الكهربائي) ما الحديث عن جُلُّنار أمام جلسات التعذيب.... ثرثرة أنت تحتملها على الرغم من كونها مملة... ذكي (يصل التيار بشكل مفاجئ فيطلق هاني صرخة مدوية، أثناء حديثه يتابع وصل التيار بشكل متقطع بحيث يتخلل كلامه صرخات هاني) بإمكانك أن تسخر مني من حديثي، من السجن، من التعذيب من الحكومة، أما من جُلُّنار فلا (يطلق هاني صرخة) الحديث عن جُلُّنار مقدس والاستماع إليه صلاة عليك أن تسمع بخشوع (صرخة.... يجلس أدهم على الكرسي وقد بدا التعب واضحا عليه) اسمع، لقد طفح الكيل بعد أيام عيد ميلادها سأقدم لها القصيدة، إنها فرصتك الأخيرة....وإلا.
هاني: سأبقى هنا.
أدهم: ليس ذلك فحسب، في مكتبي تقرير من السفارة الأميركية، يقول بأنه لا وجود أساساً لصحيفة أمريكية تدعى (فري تايم) و لا وجود لصحفية تدعى (جيسي غارنر) لم يطلع أحد على التقرير سواي، ولن أخفي عليك أن رفع هذا التقرير، أمر في صالحي، حركة كهذه كفيلة أن تضع حداً لمحاولات اللواء عوني للضغط علي، بلغت فيه الوقاحة، أن يتهمني بالتستر على كثير من القضايا لأهداف شخصية، تخيل يطعنني في وطنيتي، تخيل مدى المجازفة في إطلاق سراحك.
هاني: من يصدق أنني ألقى كل هذا العذاب لأنني عرفت جيسي، لم أفعل شيئاً سوى أنني أحببتها.
(يعدل أدهم كرسيه بحيث يصبح بجانب هاني ويبدو أن الوجهين على القدر ذاته من المعاناة).
أدهم: وأنا هل استحق العذاب الذي تسببه لي جُلُّنار.... البارحة حاولت الاتصال بها.
هاني: لم تردّ.
أدهم: لم ترد.
هاني: لم حاولت الاتصال؟!
أدهم: كنت أريد أن أقول إنني تغيرت (هاني ينظر إلى أدهم بطريقة توحي بالدهشة من هذه الكلمة وهو الذي يعرف أن الضابط لم يتغير).... لم أتغير تماماً..... سأتغير.... اتصلت ثانية.
هاني: لم تردّ.
أدهم: لم تردّ.
هاني: ولا زلت تفكر أنك ستتغير!!
أدهم: والله سأتغير (يخرج هاتفه النقال ويعطيه لهاني) خذ تحدث معها أنت قل لها إني سأتغير، بل قل لها إني تغيرت...قل لها إني إنسان جيد..... لست جيداً تماماً لكنني أعبدها....قل لها إن وجهها لا يفارقني، صوتها، رائحتها، لون جسمها... البرونز... حدثها ماذا فعل بي البرونز.
هاني: سأعترف لك بشيء....لم يعلق بذهني من عشرات الساعات التي حدثتني فيها عن جُلُّنار سوى البرونز لون جسمها....ربما لأنه التفصيل الوحيد الأكثر صدقاً.
أدهم: أتتخيل أنه يمكنني أن أكذب في أمر يخصها؟!
هاني: لم أقصد أنك تكذب....لكنني أشعر أن ثَمَّة نقصاً في حديثك...لكي أكتب قصيدة عن جُلُّنار يجب أن أراها أن ألمسها أن أشمها.... في حين أنك ملأت رأسي بقصص أشبه ما تكون بالدراما التلفزيونية كذبت علي.... قالت إنها مع صديقتها في الحمراء... أخبرك صديقك أنه رآها في سيارة ليموزين، عايدة لا تملك ليموزين، سيارة عايدة.... بيجو..... قدت صاحب السيارة إلى الفرع.... وجعلت رجالك يضاجعونه.
أدهم: هذا جرى والله إسأل النقيب غسان إن أردت.
هاني: كنت ثملاً في الباك دورس عندما طلبت منها أن ترقص على الطاولة... وعندما رفضت وشتمتك، ضربتها أمام الجميع.
أدهم: المقدَّم فضل كان موجوداً إسأله إن أردت.
هاني: وحكاية عقد الألماس الذي بلغ ثمنه 10000 دولار والذي أهديته لها ورفضته لأن المناسبة كانت عيد الثورة
أدهم: كانت ستتسبب لي بالمشاكل فالكل يعرف حكاية العقد والمناسبة...تخيل لو أنهم عرفوا سبب رفضها للهدية.
هاني: ودكتور الجامعة الذي اعتقلته ليسهل عملية تخرجها...... وحفلة التخرج التي دعوت إليها كل المشاهير وغنت فيها إليسا.....
أدهم: وتامر حسني أيضاً....أتيت به من أجلها....أنا شخصياً لا أطيقه.
هاني: تلك هي أحاديثك....أكثر أحاديثك حرارة كان عن المرة التي مارستما الجنس فيها تسع ساعات بدون توقف.
أدهم (يطلق تنهيدة):. بلغت النشوة...خمس عشرة مرة...... حطمت رقم العقيد حمود.
هاني: أي قصيدة تلك التي سأكتبها بعد كل هذه الأحاديث....وحده حديثك عن لون جسمها.....عن البرونز... أتعرف يخطر لي أحياناً أن أحدثك أنا الآخر عن جيسي.
أدهم: آه أحدثك عن جُلُّنار لتكتب أنت قصيدة توصلني إلى قلبها، وتحدثني عن جيسي لأكتب أنا تقريراً يوصلك إلى المشنقة (يضحك أدهم ويبقى هاني صامتاً).
هاني: كلما كنت تذكر البرونز....كنت أذكر جيسي.... عرفتها في ليلة دمشقية باردة، شربنا معاً، خرجنا معاً كالأصدقاء القدامى، صارت تحدثني عن دمشق كما تراها هي، بدت لوهلة أنها تفهم دمشق أكثر مني، أوصلنا الحديث إلى منزلي.... كانت زوجتي في حمص.... لم تكن تعرف أنني متزوج... دخلت غرفتي، شعرت أنها جزء من الغرفة...لسبب ما أشعر أن لغرفتي لون البرونز.....ورائحة جيسي....الرطوبة أيضاً، كنت أشعر أن جيسي رطبة....تخيل...جيسي الرطبة البرونزية....دخلت غرفتي....تخيل (أدهم ينصت بكافة حواسه) لم ينقص المشهد إلا موسيقى أنور إبراهيم و زجاجة نبيذ..كم كنت حزيناً تلك الليلة.
أدهم: حزين!!!..؟
هاني: نعم حزين.....لم يستطع هذا الكم الهائل من الجمال أن يحررني من ذاكرتي، الغريب أن ذاكرتي في تلك الليلة كانت في أشرس حالاتها....انشطرت إلى شخصين شخص لممارسة الجنس مع جيسي وشخص لمصارعة الذاكرة.... بكاء زوجتي... غباء الأطفال.. أكياس الزبالة.. الازدحام.... مقاهي المثقفين.... الطعم السيئ لسيكارة الحمراء.... آلام المعدة التي لا تنتهي.... الأحاديث المكرورة عن حال البلد...... مؤخرات النساء..... نشرات الأخبار.... الأخبار العاجلة... نغمات الموبايل.... الوجه المقرف لرئيس التحرير.... محاولات أخي التي لا تنتهي للسيطرة على الميراث.... القصص التي يتداولها أهل القرية عن حياتي في العاصمة..... إحساسي الدائم والمتنامي بالذنب تجاه أمي..... ووووو.
أدهم: كفى أرجوك...و تقول إن أحاديثي عن جُلُّنار غير ملائمة للشعر....أحاديثك أنت يا سلام (يخرج أدهم من جيبه علبتي تبغ حمراء طويلة) تذكرت خذ أحضرت لك علبتين هذه المرة (يفتح هاني علبة ويخرج سيكارة ويشعلها) هات واحدة نسيت علبتي في المكتب (يأخذ أدهم سيكارة ويشعلها).
هاني: ربطت الأمر بالغرفة... استأجرت غرفة لأقابل جيسي فيها... شيئاً فشيئاً... صار هاجسي هو التحرر من ذاكرتي أقمت في الغرفة وصرت لا أخرج منها إلا برفقة جيسي لنذهب إلى أماكن منسية... بدت دمشق مدينة جديدة.... جميلة... غامضة.... ذكية.
أدهم: أرأيت هذا كله بفعل البرونز....
هاني: معك حق.....إنه البرونز.
أدهم: وزوجتك.
هاني: زوجتي........تخيل كم تحررت، وقتها حتى زوجتي لم أعد أكترث لأمرها...الغريب أنها هي الأخرى لم تكترث للأمر....بدت أسعد و أكثر شباباً كلما كان غيابي عنها يطول كانت تزداد جمالاً....الأولاد كذلك تحسنت أمورهم... فادي لم تكن علاماته في المدرسة تتجاوز الثلاثة من عشرة، ما إن غبت عن المنزل حتى صارت علاماته ثمانية فما فوق....(أدهم يضحك لهذه المفارقة)...
أدهم: لا أفهم كيف تحتمل طعمها (مشيراً إلى السيكارة).
هاني: سارت الأمور على مايرام....لا أحد يكترث لا بل والجميع يستحسن الأمر....
أدهم: في هذه الفترة أتاك الإلهام...صرت تكتب بغزارة أليس كذلك؟
هاني: كلمة غزارة لا تناسب ما كان يحدث.. قل.... قل.......... قل........ كنت «أشخّ» شعراً (ينفجران ضاحكين).
أدهم (ضاحكاً): أشخ شعراً...والله لك كل كلمة......قال أشخ شعراً.
هاني: يعني عندما أكتب أربع إلى خمس قصائد في اليوم...ألا أكون رجلاً «يشخّ» شعراً؟!
أدهم: هذا بالضبط ما أريده منك.
هاني: أن أشخ (يتعاظم الضحك).
أدهم: أقصد أن تشخ شعراً عن جُلُّنار.
هاني: والله أعد لي جيسي والغرفة ولا تأخذ مني إلا شعراً عن جُلُّنار (يضحكان.ثم يسود الصمت).
أدهم: ماذا تقصد....يعني لا قصيدة بلا جيسي.
هاني: بالطبع لا أقصد هذا...لو كان الأمر كذلك لكنت توقفت منذ زمن عن كتابة الشعر ثم لم أنت هكذا؟.... تأخذ من الحديث الجانب السلبي حاول أن تكون إيجابيأ يا أخي.
أدهم: هكذا كانت تقول لي جُلُّنار.
هاني: يا أخي (تبدر من الاثنين ضحكة خفيفة لتلطيف الجو الذي كاد أن يتعكر).
أدهم: لا.... كانت تقول إني آخذ من الحديث الجانب السلبي دائماً.
هاني: معها حق عندما قلت أعد لي جيسي والغرفة كنت أقصد الحالة...إنها حالة....الجو..التفاصيل.
أدهم: التفاصيل...نعم فهمت..فهمت...مالذي تقصده بالتفاصيل؟
هاني: تذكّر قصة ما من قصصك مع جُلُّنار وحاول أن تقرأ تفصيلاً يوازي البرونز.
أدهم: قصة....تفصيل؟ (ينهض أدهم عن كرسيه. ساهماً يحاول التذكر.ثم يلحق به هاني يقف خلفه).
هاني: تلك التفاصيل هي القصيدة، وإن عجزت عن تذكُّرها، أخشى أن أقول إن جُلُّنار لا تستحق القصيدة.
أدهم: لا تقل هذا.... سأتذكر... ساعدني.... كانت تأتي صباحاً إلى مزرعة يعفور، التي اشتريتها خصيصاً من أجل جُلُّنار ولا أحد يعلم بها وكنت أنام هناك في أيام العطلة، أستيقظ، نشرب القهوة، نسبح قليلاً نسترخي تحت أشعة الشمس، نمارس الجنس، نتناول الفطور، ثم.
هاني: توقف أعد سرد ما قلته، وتمعن قليلاً، دع قلبك يتذكر ما كان يحدث.
أدهم: كانت تأتي صباحاً إلى مزرعة يعفور، التي اشتريتها خصيصاً.
هاني: تجاوز تجاوز هذا لا يفيد في شيء.
أدهم: أستيقظ......
هاني: كيف كنت تستيقظ؟
أدهم: كما يستيقظ سائر الخلق.
هاني: قلت لك دع قلبك يتذكر.
أدهم: كنت أستيقظ........... بصعوبة.
هاني: جيد
أدهم: أطلب من الخادمة فنجان قهوة فتمتعض جُلُّنار وتصر أن تحضرها هي تذهب لتحضر القهوة، فأعود أنا لأغفو من جديد.
هاني: أكثر، تفاصيل أكثر.
أدهم: لا تصعبها علي، قال دع قلبك يتذكر، كيف لقلبي أن يتذكر....هه؟
هاني: كيف سأشرحها لك؟ يعني.....، حاول أن تمرر شريط الذاكرة ببطء وانتبه إلى التفاصيل. هل كانت هي التي توقظك؟ كيف كانت توقظك؟ تذكر وجهها عندما كنت تستيقظ ما الذي كنت تشعر به حينها.
أدهم: هي في الحقيقة لم تكن توقظني كانت تدخل الفيلّا بهدوء تأخذ حماماً وتنسلّ عارية في الفراش، دون أن تنشف جسمها.........و.
هاني: ممتاز..أكمل
أدهم: ينتابني ألم فظيع..
هاني: لقد وصلنا إذاً، ابحث عن أكثر الصور التي تعصر قلبك ألماً، تذكّر ما تفتقده، تذكّر ما يؤلمك أنه كان، وأنه الآن غائب.
أدهم: كانت تنسلّ عارية في الفراش دون أن تنشف جسمها، كنت أستيقظ على الرائحة، الرائحة التي تبشر بيوم جميل، رائحة الماء على جسم جُلُّنار، تشبه رائحة المطر في أرض عطشى، أفتح عيني لأراها تضحك، يا الله كم كانت تضحك، أتذكّر كم أنا متعب، وأن الراحة موجودة في ذاك المكان، في رائحة ذاك المكان، أقترب لأشم، رأسي بين نهديها، تصعقني قوتها عندما تأخذ رأسي بين ذراعيها، تدخلني إلى قلبها، بقوة، بقوة، أنا أسلّم رأسي، وأذهب في بحر من اللذة، وهي تدخلني إلى قلبها بقوة بقوة (يبدو أدهم وكأنه يغالب البكاء).
هاني: إهدأ..... (ينادي) يا حسين.
(يدخل السجان)
هاني: أحضر كأس ماء.
(يخرج السجان)
هاني: إياك أن تبكي.
أدهم: أريد أن أبكي.
هاني: إن بكيت ستنسى كل شيء، وستتأخر القصيدة.
أدهم: لكن......أنا.....لا أستطيع.....سأحاول.
(يدخل السجان، يقدم كأس الماء يعطيه لأدهم).
هاني: أقفل الباب وانصرف سنتأخر اليوم.
(يخرج السجان).
هاني: تابع.
أدهم: كنت أفتح عينيَّ، لأجد نفسي في بحر من البرونز.
الفصل الثاني.
(يقسم الفصل الثاني إلى فضاءين غير واضحي المعالم الفضاء الأول لهاني والفضاء الثاني لأدهم، الاثنان يتحدثان بالهاتف، ننتقل من فضاء لآخر من خلال الإعتام والإضاءة).
(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: لن أقول اسمه....لا تحاولي، لن تفعليها...... (يضحك) إنه شاعر مغمور اعتاد بيع قصائده، أنا مدين له بحياتي، لأنه أعادك إلي، كان بامكاني أن أدعي أنني كتبتها، لكنك ذكية، وستكتشفين فوراً......... أعرّفك عليه..... ربما لكن ليس الآن....... أعرف ما أهمية الأمر بالنسبة لك، ولذلك فقد اخترت أن تكون القصيدة هديتي في عيد ميلادك.
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: كتبت القصيدة، كنت أرغب في الخروج وأشعر أنك تستحقينها....... لا فرق كبير، الوقت يمر وكأنه مجبر على ذلك، مر شهر طويل، وكأنه سنة، فقدت عملي، ابني فادي يفقد البصر، زوجتي تكتفي بالصمت، لو كنت مكانها لقتلتني......... تضحكين، إني أعني ما أقول، عندما زرتني في البيت، لتتعرَّفي إليّ فاجأتني، لم أجد في عينيها أي شكل من أشكال الغيرة، أتعرفين ماذا وجدت؟..... دهشة.... نعم دهشة...... كيف لامرأة مثلك أن ترغب في التعرف إلى عاهة مثلي (صمت طويل) ما الذي دفعك للبحث عني.
(إعتام).(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: .... كنت أتألم في تلك الفترة..... لم أكن أفهم ما معنى العشق، كنت أعتقد أنه مجرد كذبة، أو لنقل حالة من الضعف تصيب الأشخاص الذين لا يملكون الإرادة، بكل الأحوال كنت أعتقد أنه فعل غبي....... الآن لا أجده إلا مرضاً لذيذاً.
(إعتام)(إضاءة فضاء هاني).
هاني: لم أعطه كل القصائد التي كتبتها، ثَمَّة ما أخفيته عنه، كتبت عنك الكثير بعدما خرجت من السجن، كنت أسكر وأكتب عن الفتاة البرونزية الرطبة التي ملأ ضحكها العالم، كنت أشرب و أشرب وأشرب إلى أن أصل إلى حالة أشبه ما تكون بالموت، يتغلغل الشلل في أوصالي وحده قلبي يشتعل بالخفقان، مرحباً بك في موعد زيارتك اليومية، آخر السكر، تخترقين رأسي، وتغسلينه بدوار لذيذ، كنت أشعر أنني أعرفك، وأنني أفهمك، وأنك الدوار اللذيذ الذي طالما بحثت عنه.
(إعتام)(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: بالطبع هناك فرق، بتُّ أعرف معنى وجودك في حياتي بت أعرف، أن كل شيء عادي جداً اليوم، سيغدو مؤلماً غداً، وسأعشقك أكثر، إنها التفاصيل، وما أدراك أنت بالتفاصيل......وسأندم لأني عرفتك، وسأندم لأني شعرت يوماً بعرق يديك، ولأني قمت بعضّك من أنفك، ولأني شربت معك البيرة، ولاني كنت وقتها أطعمك الجزر بيديّ، ولأني كنت أتعمد ترك إصبعي في فمك، ولأنني كنت أنتظر أن تقولي لي إنها مالحة.....
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: ولأنني كنت أضع أوراقي على بطنك وأكتب، ولأنني كنت أتركك حينها تضحكين، ولأنني كنت أجبرك على شرب العرق، وأستمتع بردة فعلك عندما لا تستسيغين طعمه، و تسهبين في الحديث عن رائحته الكريهة، وطعمه السيّئ......... لا.... أرجوك.. لا أفهم ما الذي يزعجك في هذه الغرفة....منذ أن استأجرتها وأنت تصرين على تغييرها..... هذه الغرفة بالذات........ لدي أسبابي.... هل قرأ لك القصيدة الأخيرة..... غريب قال لي إنه سيقرأها اليوم.
(إعتام).(إضاءة فضاء في منتصف الصالة).
(عيادة طبيب عيون، فادي أمام لوحة الاتجاهات، الطبيب يحدد الأشكال وفادي يحدد الاتجاهات، الأم تجلس خلف فادي مباشرة تطوق رأسه بذراعيها وتقرب وجهها من أذنيه).
فادي: يمين...... يسار...... يمين..... أعلى.... يسار..... أسفل..... أسفل..... أسفل..... يمين.
الطبيب: ممتاز (يفتح الطبيب لوحة أخرى وقد بدا الارتياح على وجهه من أجوبة فادي الصحيحة) هيا هذه.
فادي: أعلى.... أسفل.... أعلى.... أعلى.... يمين...... يسار..... يمين.
الطبيب: هذه!
فادي: أمي ارفعي صوتك (تبعد الأم رأسها فجأة عن فادي الذي يرتبك، الأم تطرق خجلاً).... هذه أليست....يمين
الطبيب: حسناً انتهى الفحص (يتجه إلى طاولته، يشعل سيكارة، يسود الصمت، الطبيب ساهماً) ابنك سليم مئة بالمئة، ولا داعي للقلق، بإمكانك أن تطمئني، وقولي لزوجك أن يطمئن أيضاً، بصر ابنكما ممتاز، ليس ذلك فحسب، بل يبدو لي أنه يتمتع بحدة في البصر، أقصد أنه يمتلك حاسة بصر فريدة في قوتها وحدتها، وهذه حالة نادرة حقاً، ما أريده منك، أن تحذري من الحسد، ضعي له خرزة زرقاء....حتى الدواء أوقفيه تماماً لا داعي له......بإمكانك الانصراف.
(تنهض الأم وقد اعترتها الدهشة، تمشي باتجاه الباب، تقف للحظات، تتابع المشي، وعند الباب يستوقفها صوت الدكتور)
الطبيب: إن لم تُجرَ العملية خلال ثلاثة أشهر فسيفقد البصر.
(إعتام).(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: لا أفهم ما يريده، لم أعد أقترب من مصالحه في الفترة الأخيرة........كيف للواء أن يغار من عميد، كان وجوده في سهرة البارحة مصدر توتر بالنسبة لي...... لولا وجودك معي لانصرفت فوراً لكنني لن أفوِّت نشوة وجودك بجانبي أمامهم جميعاً...... لم أقصد هذا....... افهميني.........(يصرخ) ليس هذا ما قلته......... قلت إنني لن أفوّت نشوة وجودك........ أنا قلت هذا؟
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: .....لا تتركيه...لن نستفيد شيئاً...ما إن تتركيه حتى يعيدني إلى السجن ولن يفرج عني إلا عندما أعيدك له بقصيدة من قصائدي..... وهكذا....... بالطبع لن أوافق..... مالذي يدفعك للثقة بهذا اللواء.... أعرف تماماً أنه بحاجة لأدنى دليل يدين به أدهم..... لكنها مغامرة...... ثم هل يمكننا اعتبار قصتي دليلاً لإدانة أدهم..... حتى لو كانت هناك أدلة أخرى...... ماذا تقصدين.... أيعقل أن تكون قصة التقرير الخاص بجيسي كاذبة.
(إعتام).(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: هذا كثير البارحة لم أرك واليوم لن أراك............ ما هذه المشاغل....لم يكن شيء يعطلك عني...... لا داعي للعمل..... ما ترغبين فيه تحصلين عليه قبل أن تطلبيه.....اشتقت إليك...... لنذهب إلى يعفور..... الآن...... لديك عمل..... لو كان العمل رجلاً لاعتقلته......
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: نهرب....أدهم لن يتركنا..... بالنسبة لي هذا ما أرغب فيه..... أن تكوني أنت عالمي........ لو استطعنا الهروب ستكون لنا الجنة... لكنها مستحيلة...... لن أفكر في شيء..... لن تطاردني أي ذكرى ما دمت معي..... سأنسى كل شيء.... سأتحرر من كل شيء... لن آبه لشيء...... لن أفكر في الشام، لن أفكر في زوجتي، لن أفكر في أولادي...... ما أطيب الهزيمة حين تكون بين أحضانك.
(إعتام).(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: أنا متعب..... ثمة أشياء غريبة تحدث..... أشعر بتحركات مريبة حولي....اتصالات..... اجتماعات أعلم بها صدفة، وكل الخيوط تؤدي إلى اللواء عوني......لا أدري.....لكنني أعرف أن هذه الحالة مرتبطة بأمر كبير جداً.... إجازة..... مستحيل في هذا الوقت بالذات يجب أن أكون حاضراً.... ما أرغب فيه حقاً أن تكوني قربي..... أنا بحاجة لأن تنظري إلي لأشعر أنك تثقين بقوتي...... أنا متعب.
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: ما الذي حدث..... جئت إلى الغرفة كنت متوقعاً أن أجدك بانتظاري...... من وقتها أحاول الاتصال بك..... ما الذي حدث..... ولكن لماذا..... من حقي أن أعرف السبب..... هكذا وبدون مقدمات....... لن أقبل......... رجاءً اشرحي................. على الأقل أريد أن أعرف ما الذي فعلته...... جل... جُلُّنار.
(إعتام).(إضاءة فضاء أدهم).
أدهم: رجاءً.... افهميني..... لا أفهم ما السبب.... أنا لم أقصر معك، ثم إنني توقفت تماماً عن الصراخ في وجهك، وابتعدت تماما عن كل ما يزعجك، هل أخطأت في شيء دون أن أدري،..... هكذا ببساطة........ جُلُّنار رجاءً..... جُلُّنار أنا الآن في أمس الحاجة إليك.......... لقد استدعيت للتحقيق..... إنها المرة الأولى التي يحدث معي أمر كهذا....جُلُّنار.
(إعتام).(إضاءة فضاء هاني).
هاني: لا تغلقي السماعة رجاءً اسمعيني، لم أكن أعلم أنها في الشام...... لا أدري..... هذا ما لم أخبرك به، لقد استأجرت هذه الغرفة من قبل وجيسي تعرفها، وعندما عادت توقعت أن تجدني فيها..... صدقيني لم أرها.....منذ ما يقارب الستة أشهر، بعد أن سافرت لم يحدث بيننا أي اتصال.... جُلُّنار صدقيني.... ولكن......... الغرفة، هذا صحيح أردت هذه الغرفة بالذات، إيجارها رخيص، وأنا أحبك.
(إعتام).(إضاءة الفضائين).
(هاني وأدهم كل منهما في فضائه الخاص يضع سماعة الهاتف على أذنه، والخيبة على وجهه نسمع صوت المجيب الآلي).
الصوت: الرقم المطلوب مغلق أو خارج نطاق التغطية.
(إعتام).
الفصل الثالث.
(في السجن هاني مستلق، يدخل أدهم ويبدو أنه في أسوأ حالاته، يخرج لفافة من علبة فاخرة، يدخنها ويتأمل هاني، هاني شارد الذهن، وقد علق عينيه على نقطة ثابتة).
هاني: ها قد عدنا.
أدهم: لست مشتاقاً.... أنت تعرف ما أريد.... بيدك الأمر لتكون هذه زيارتي الأخيرة.
هاني: داخل السجن.... أما في الخارج فانت لا تقطعني أبداً.
أدهم: إنها المرة الأولى التي أحتاج فيها أن أفهم شخصاً ما، وقد عجزت عن ذلك......... لا أستطيع أن أفهمك.
هاني: وجُلُّنار، ألم تحاول أن تفهمها؟
أدهم: لم أشعر بحاجة لذلك.....بل كنت أعتقد أنني أفهمها.
هاني: تعتقد....!
أدهم: أما أنت فقد رغبت في فهمك، ولم أفلح...... أحياناً أعجب بذكائك، وأحياناً أصدم لغبائك، لقد قدمت لك كل شيء، خسرت عملك، فقدمت لك فرصة عمل ذهبية، ابنك فقد البصر، عرضت عليك علاجه، بعت منزلك قدمت لك منزلاً، لكنك مازلت ترفض الكتابة....... ألا تفكر؟
هاني: وأنت ألا تشعر........ لن تعود.
أدهم: كيف عرفت.....؟
هاني: عرفت.
أدهم: ماذا تريد؟
هاني: سيكارة روزمان.
(يعطيه أدهم سيكارة ويشعل لنفسه واحدة)