eKtab
EN ع
حكايتي مع رأس مقطوع
Read free sample

حكايتي مع رأس مقطوع

by تحسين كرمياني

Page 1
حكايتي مع رأس مقطوع
 
بعد حصولنا على مركبة خصوصية، وضعنا أنا وزوجتي برنامجاً ترفيهياً كي ندفن ضيم سنوات الجوع، قررنا في نهاية كل شهر بعدما تمتلئ جيوبنا بالمعاش، أن نستمتع بسفرة سياحية قصيرة، كي نكنس أوضار الواقع المتراكم فينا، ومن جهة أخرى نستكمل نواقص بيتنا من حاجيات رديئة تهبط إلى أسواقنا، معظمها كماليات، وغالباً ما كانت زوجتي تملأ حوض المركبة الخلفية بالألعاب ودمى الأطفال والمنمنمات النازفة للنقود، فهي تمتلك ولعاً قديماً بتبديل أماكن الموجودات والديكورات كل أسبوع، مما يسهل عملية تدميرها مبكراً وتوفير فرصة حاسمة لمزاجها المتذبذب بتبديل الأثاث·
 
فهي كلما تسمع هبوط أشياء جديدة إلى الأسواق عبر ألسنة زميلاتها، دم جسدها ينتفض، يضيق أفق فكرها، تفقد تركيزها، تتحرق شوقاً لمجيء نهاية الشهر كي تستلم راتبها وتهرع لشراء تلك الأشياء الجديدة، كي تبز زميلاتها في العمل من جهة، ومن جهة أخرى تخمد نيران فضولها·
 
زوجتي لها طبيعة إلقاء الأشياء القديمة إلى القمامة، مهما كانت درجة فائدتها، كثيرة هي الموجودات التي رمتها، كانت سليمة، بإمكانها أن تصمد لسنوات أخر أمام زحف الموضات المتلاحقة·
 
تلك الطبيعة لفتت انتباه صبيان الزقاق، راحوا يقفون لها بالمرصاد، وتوصلوا إلى نتيجة محسومة، ضبطوا ميقات تطعيمها (قمامة الزقاق) بأشياء منزلية ثمينة، يحملونها ليبيعوها في سوق (السبت)·
 
يترقبونها نهاية كل شهر، وكلما كانت تسحل كيساً مملوءً بأشياء نافعة، تحدث مشاحنات وعراك بينهم، قبل أن تتدخل هي وتجد لهم الحل المرضي أمام حشد من أهل الزقاق، تفتح الكيس وتوزع ما فيه عليهم وفق مزاجها، وتعود بوجه ضاحك ممتلئة حبوراً كأنها عاشت ليلة زفافها·
Page 2
لم تنفع جهودي الحثيثة لتغيير استراتيجية عقلها، الأمر الذي دفعني أن أحل حبل غاربها على هوى مزاجها، متوقعاً أن بصيص أمل ضعيف سيلوح في لوح المستقبل القريب، كي أتحرر من كابوس مرضها، لكن أيامنا سريعة تمضي، وأزمنتنا تتشابك، ومرضها بات مزمناً·
 
ذات ظهيرة عادت من مدرستها، كنت في أرجوحة المنزل أقرأ في كتاب (ما بعد الحياة) لـ( كولن ولسون)، وقفت أمامي تلهث فرحاً·· قالت:
 
- استلمت الراتب·
 
- حسناً·
 
- غداً لدي (أوف) نذهب إلى (السليمانية)·
 
- لكنها بعيدة، سترهقنا الرحلة·
 
- زميلاتي قلن إنّ هناك أشياء جديدة وردت إلى الأسواق·
 
- لا مانع لدي ما دمت تسكنين مهجتي·
 
- أفضل الذهاب اليوم عصراً·
 
- كما تأمرين·
 
بعد الغداء توجهنا إلى مدينة (السليمانية)، كانت المصادفة أن فندق (أوسكار) في شارع (سالم) الذي سكناه، بجواره سوق كبير للدمى وألعاب الأطفال، بعد العشاء دخلنا إليه، امتعضت كثيراً لحظة وجدت زوجتي تصر على شراء دمية غريبة، تحتشد أمامها مجموعة نساء وأطفال تغمرهم لهفة عارمة·
 
قال عنها شاب يقف وراء طاولة الحساب:
 
 تتكلم كلما يمر من أمامها شخص·· !!
Page 3
قالت امرأة:
 
 تفيد الأغنياء، كي تحرس أملاكهم من اللصوص·
 
كلامها أصبح رأس مال لزوجتي وأطفالي، دفعت الحساب وحملتها إلى المركبة·
 
في الليل قلت لها:
 
 بدأت أشعر بالغيرة·
 
- من الدمية·
 
- أليست تتحدث·· ؟؟
 
- بضع جمل لطيفة تم حشرها في قرص مضغوط يعمل بالبطارية·
 
- لكنها دمية تشبه رجلاً كبيراً·
 
- آه·· منك يا (سالم)، إنها دمية وهل يعقل أنها تنافسك علي·
 
- عيناها مخيفتان·
 
- عيناك أجمل يا (سالم)·
 
- لا أدري بدأت أشعر بشيء يعصر قلبي·
 
- لا تفكر في الموضوع دعنا نستمتع بسفرتنا·
 
بعد يومين عدنا، كانت الدمية جالسة مع الأطفال، كانوا فرحين وهم يداعبونها، وكانت تطلق جملاً مريبة، كنت أختلس النظر إليها، وجدتها ترمقني بنظرات منتصر في معركة عنيفة، كدت أن أفقد تركيزي في القيـادة لولا تدخلي السريع:
 
- أرموها إلى الحوض الخلفي قبل أن أعمل حادثاً·
Page 4
ألقوها بشيء من التردد، وحين عدنا·· قلت:
 
- لا تضعوها أمامي·
 
قالت زوجتي:
 
- سأضعها في صالة الضيوف كي ترحب بهم·
 
لم أحر جواباً، متوقعاً أنها لن تعيش طويلاً معنا، لا بد أن الأطفال في انتظارها قرب القمامة في القريب العاجل، سترميها كما رمت عشرات الدمى والألعاب السليمة·
 
تبدل مزاجي، بدأت أشعر بضيق في تنفسي، كأن كابوساً جثم على صدري، حاولت أن أشغل نفسي بالكتابة، أن أقرأ أشياء تحررني من مضاعفات الهم الموجودة في البيت، كنت كلما أهبط من غرفتي وأمر من أمام باب الصالة، أسمع صوت الدمية:
 
 هلووووووو·· !!
 
وأحياناً تطلق جملة نابية:
 
- (قبلنييييي أرجووووووك·· !!)
 
وجدت حياتي بدأت تسلك مسلك الغيرة، فكرت أن أجد لنفسي حلاً يريحني، كي أتحرر من الكابوس الضاغط، وأنشغل بأمور الكتابة·
 
لا أعرف بالضبط لم خرجت في تلك اللحظة، كان الفجر يتقدم حثيثاً لكنس بقايا الليل، وكان الأرق قد لازمني منذ يومين، مذ دخلت الدمية معنا ضيفة ثقيلة بالنسبة لي، كون زوجتي وأطفالي اندمجوا معها في لهو عقيم، أسمع قهقهاتهم، لا أمتلك وسيلة تكفل انتزاع نفسي من الفوضى الحاصلة، كنت ممتلئاً بالرغبات، لكن دخول الدمية العجيبة على حد زعم زوجتي، أماتت في رغبات كثيرة كنت أمارسها بشكل متواصل·
Page 5
رغبة التجوال بمركبتي مساء لتعبئة ذاكرتي بمواقف حيوية تحصل على أرض الواقع، بوادر مواضيع أقتنصها لتكملة مشاريعي الروائية المعطلة، تفاصيل دقيقة تحدث، رؤيتها تنشط خيالي وتزيدني عزيمة للكتابة·
 
رغبة القراءة المتواصلة، فكلما أنتهي من كتاب ملهم، أتمعن طويلاً في الرفوف المرصوصة أمامي في مكتبتي، كتب كثيرة لم أقرأها لأسباب قد تكون معظمها واهية، أقنعها إيجاد أوقات أكثر هدوءاً وصفاء للذهن من أجل استيعاب المضمون بشكل سليم·
 
رغبة تكملة إحدى رواياتي المنتظرة داخل ذاكرة (اللابتوب)، روايات تتلبس خيالي بحرارة غير معهودة، أبدأ بكتابتها بحماسة، قبل أن تشرق مواضيع أخرى من محراب خيالي، تقاطعني منتصف الكتابة أو في ثلثها الأخير، عندها أجد خيالي يتوقف عن التجوال ويخضع للفكرة الجديدة الضاغطة·
 
رغبة تلبية دعوة تلفزيون (جلبلاء) لإجراء حوار مطول معي بمناسبة صدور تسعة كتب دفعة واحدة لي في (عمّان ودمشق ومصر)، فكرة لحوحة تم طرحها علي مرات من قبل أحد الزملاء الفنانين، لكنني كنت أرجىء اللقاء لسبب أنا أجهله، ربما الوضع المتردي للأمن في بلدتي (جلبلاء) يلجم رغبتي بسلاسل الكسل·
 
رغبة التحضير لندوة أدبية موسعة في كلية الآداب في مدينة (خانقين) لمجابهة طلاب وطالبات الكلية، وإلقاء محاضرة عن تجربتي القصصية والروائية، مع قراءة نماذج قصصية حديثة الكتابة، وجدتها فرصة مثالية أن أكون مع الجمهور وجهاً لوجه، تفاعلت الرغبة وألهمتني بشحنة أدبية دفعتني إلى كتابة سيرة قلمية موجزة عن مسيرتي الطويلة في دنيا الأدب· فترت عندي رغبة أخيرة عندما كنت أمارسها بين الحين والحين، كلما أبغي استعادة نشاطي المعهود في الكتابة، كنت أنهمك بإعادة قراءة نصوصي القديمة، قصص وروايات ومسرحيات مخزونة في ذاكرة (اللابتوب)، كتب أخرى مكتوبة باليد تعود لزمان الفقر، أيام كنّا نقرأ ونكتب بحرارة غير طبيعية تحت ضوء الفوانيس والشموع، وكلما أروم تنضيدها أجد الرغبة فاترة  لا تصالحني، ومزاجي غير مؤهل لاستدراج حرارة لحظة كتابتها، ودائماً أجد نفسي فاقداً تلك الحماسة العمياء التي كانت أخت الجوع فيما مضى، لا سبيل أجد سوى أرجاء الرغبة لفرصة مناسبة ربما لن تمتثل مطلقاً·
Page 6
كنت كلما أمسك كتاباً أجدني أتنافر معه من السطور الأولى، على عكس أيامنا المنصرمة، حيث كنت أمسك الكتاب لست ساعات من غير توقف، وكانت ذاكرتي تلتهم الكلمات كنار تأكل الهشيم، وتنشد مع المواقف المثيرة التي ما زالت تتلبسني بحرارة لا توفرها كتب اليوم·
 
حاولت أن أتصالح مع موهبتي، قررت الجلوس إلى (الكومبيوتر) في انتظار الغيمة الذهنية للكلمات، تمر الدقائق والساعات قبل أن تنفر الكلمات من رأسي، تتناهبني موجات متواصلة من النعاس، تدحرجني إلى فراشي لأواجه صمت الغرفة وعتمتها، تأخذني الصفنات العميقة وتسرقني الساعات العقيمة، ويداهمني الفجر، من خلال أصوات المساجد وهي تعلن انبلاج الفجر عبر التسبيح ورفع مراسيم الآذان·
 
فكرت أن أمشي خارج المنزل، زرت أماكن طفولتي، عبر كل الأزقة التي تبدلت، حيث البيوت تجاوزت حدود الأخلاق واستحقاقات المواطنة، وانقضّت ـ بلا رحمة أو التفكير بالمستقبل الغامض لمن يتجاوز على حرمة القانون ـ على بقايا الممرات المضغوطة التي كنا نتخذها مساحات فرح أيام شبوبنا، عندما كانت المراهقة وقودنا الدافع نحو تكحيل خيالاتنا بوجوه الفتيات الواقفات أمام أبواب المنازل، أو الواقفات على سطوح البيوت الطينية، يلقين إلى دنيا (جلبلاء) نبضات قلوبهن العاطفية، غاسلات وجه النهار من الكسل المستتب، ببسمات ثغور تحاول صناعة الحب لكل شاب وسيم يمر، يمسكن كتبهن المنهجية، ضاغطات بلذة على نهودهن لإخماد وخزات النمو المتواصل في صدورهن·
 
جربت السير بمحاذاة الوادي الكبير للبلدة، على الرصيف الترابي للشارع الرئيس المتآكل، في الجانب الأيسر للوادي تحديداً، ذلك الرصيف قيل إن مقاولاً (لطش) الفلوس المخصصة لتعميره، سرق الفلوس نهاراً، وغادر من غير وجود عيون قانونية ساهرة تلاحقه لتعاقبه، مرور المركبات والسابلة والغبار المتصاعد، كلها صارت كوابيس متضاعفة راحت تزيد من ضراوة الاختناق، الذي بدأ يضغط على صدري، لم أشعر بشيء يدل على وجود وعكة صحية، كل شيء في جسدي سليم، لهفة البحث عن الطرائد الأدبية متواصلة ومتفاعلة في مخيالي، أنظر بعيون مسرورة، شهيقي لا يعتوره ضيق رغم نتانة الهواء ومغبوريته (هواء ممزوج بالغبار)، لكن الضيق الكامن في صدري، أعرفه، سبق أن مررت به، 
Page 7
أدمنته، ضيق يوحي لي أنني مقبل على عمل أدبي صادم، ربما رواية أو مسرحية، وغالباً ما أهيئ المستلزمات الخادمة والضرورية لتكملة المشوار الأدبي من غير توقف، أهيء نفسي ذهنياً وبدنياً واضعاً في البال ساعات الكتابة، رغم تواجد مفاجآت تعكر مزاجي وتميت حرارة الكتابة في نقطة ما، تحديداً عندما ينقطع التيار الكهربائي، وتكون المولدة الكهربائية عاطلة عن ضخ التيار البديل إلى ظلام المنازل، جراء تحايل صاحبها متذرعاً بارتفاع سعر الكازولين·
 
كان الوقت صباحاً قبل طلوع قرص الشمس من وراء التلال الشرقية للبلدة، عدت من المسجد، وجدت نفسي في ضيق تام، بعدما عكر مزاجي صوت الدمية:
 
- لا تمر من غير تقبيلي يا سيد·· !!
 
خرجت كي أكنس فوضى السهر وترسبات الأرق المستفحل من جسدي، فكرة عابرة قادت مركبة جسدي للمرور من زقاق لم أمر به سابقاً، رغم وجوده على مقربة من بيتي، كان حديث العهد ولد بعملية قيصرية، وبعد عراك لساني دون أن يتطور إلى اشتباك يدوي بين الجيران، تدخل رجل صاحب حظوة وكلام مسموع، وأنهى العراك الدائر بين النسوة عبر كل ساعات النهار تقريباً، بسبب تجاوز كل بيت لمسافة غير معقولة، فتلاطمت الحيطان الخلفية للبيوت، حيطان متفاوتة في الارتفاع ومتعرجة، تدخل بعض الشبّان وحدث تلاسن حاد مشحون بالشتائم والوعيد، قبل أن تشتعل المعركة لتعم معظم البيوت المتراصة على هيئة نسق متعرج في خطين طويلين·
 
فاعل الخير جاء في الوقت المناسب، تجمعت الحشود من حوله·· قال:
 
- كلكم متجاوزون، بالله عليكم كيف تنظفون مياه مجاريكم لو تلاصقت جدران منازلكم·· !!
 
فاعل الخير أجبر كل بيت أن يتراجع نصف متر من الجانبين، فعلوا ذلك وتراخت فيهم حماسة الغضب وحب العراك الفارغ، الذي شاع بين أهالي البلدة بعد زوال السلطة ودخول القوات متعددة الجنسيات لإشاعة فوضوية العيش وحياة بلا قانون·
Page 8
لقد كان مجرى ماء المجاري للبيوت يمر بين صفي المنازل، ولولا ذلك الرجل لسدروا في غيهم وتركوا مياه مجاريهم تتحرر في الأزقة، من غير شعور بالمسؤولية، ومن غير وجود رحمة بالآخرين·
 
سلكت الممر، رغم رائحة المجرى ووجود أكياس أزبال مقذوفة من وراء الجدران، في منتصف الممر سمعت صوتاً غريباً، توقفت، كانت هناك جراء خائفة، لم يكن الصوت الغريب صادراً من تلك الجراء، صوت كائن خائف ومخنوق، مشيت بعدما خلت أن مصدر الصوت لم يكن سوى أنين هارب من أغواري، عبرت الممر وعند نهايته توقفت أستطلع، وجدت الجراء في حالة فوضى، عاينت الجدران، لم أجد رأساً بشرياً أو نافذة يتخذها صبي لإقلاق تلك الجراء الحائرة، وجدت فرصة مثالية للتخلص من كابوسي، عدت ووقفت عند جراء هلوعة راحت تلوذ بي، تلتف حولي وتحك نفسها بقدمي، في تلك اللحظة وجدت كيساً من بين الأكياس المرمية يتحرك، أو خلته تحرك، شيء من هذا القبيل تخاطر إلى ذهني، توقعت أن فأراً ما وربما جرذاً لقوة الحركة تسلل إليه، لكن ظني خاب فجأة·· لحظة صدر صوت مخنوق:
 
- سالم·· أنقذني·· !!
 
صوت بشري صادر من مكان غير متوقع، أغمضت عيني وسحبت شهيقاً، وزفرت حرائق أغواري دفعة واحدة، كان الضجيج المتواصل في رأسي جراء سهري لليلتين متتاليتين مهيمناً على صفاء ذهني، خلت جسدي المرهق ما زال يصدر أوامره، لكن الصوت واصل نداءه:
 
- لا تقف حائراً·· دع إنسانيتك تتغلب على مشاعرك، الأديب في يومنا هذا وحده صاحب الضمير الحي المتبقي داخل الشعوب المقهورة·
 
ولد في رعب مفاجئ، بعدما قر يقيني أن الذي يحصل لم يكن مزحة مزاجية، أو مفاجأة من مفاجآت أحلام اليقظة، فالذي يستصرخني بشري في ضيق، النداء واضح الجرس، والصوت يرجع لإنسان ما يسكن قلب محنة ما، والجراء تبدو مرعوبة من هول ما يحدث، برعشة جسد تقدمت من أكوام الأكياس المتراكمة، رغبت في استعادة توازني وتحرير جسدي من الرجفة المباغتة، بمقدمة حذائي بدأت أركل الأكياس، كيساً تلو كيس، ركلت خمسة أكياس محشورة بمهملات وبقايا أطعمة، قبل أن يصطدم حذائي بكيس ثقيل، ندت منه صرخة:
 
: آآآآآآآآآخ·· !!
Page 9
تراجعت خطوتين، وصوت بكاء خافت بدأ يتحشرج، أبعدت من ذهني فكرة طارئة، أن امرأة ما جاءت ليلاً وألقت في هذا الدهليز الخانق ثمرة خطيئة نمت في أحشائها، تجنباً للفضيحة أو النحر، كما يحصل بين فترة وأخرى، خف صوت البكاء، سمعت صوتاً واضحاً:
 
- يا بشر·· أما تخاف الله، الميت له حرمة، أرجوك أخرجني من هذا الكفن·· !!
 
يد خفية دفعتني، رفعت الكيس وفتحته، وجدت رأساً بشرياً جميلاً، مفتوح العينين، صاح بوجهي:
 
- لا تعلن هذا الموقف جهراً، خذني سراً لأكون نديمك حتى موعد أجلي·· !!
 
- ولكن أنت مجرد رأس، يجب دفنك·· !!
 
- كلا·· كلا·· أرجوك أنا رأس حي، لم أمت بعد·· !!
 
- كيف·· ربما بعد دقائق أو بعد ساعة ستهمد وتتعفن··!!
 
- هذا ليس صحيحاً أنا أعرف نفسي كما تعرف أنت نفسك·· !!
 
- يجب أن أخبر الشرطة عن وجودك، كي يقوموا بالإجراءات اللازمة حسب القانون·· !!
 
- إيّاك أن تفعل هذا، أنا حي، خذني معك، أنت تعيش حالة غيبوبة، أنت تحتاجني كي تسترد صفاء روحك القلقة··!!
 
- أين آخذك، هل تريد أن تروع زوجتي وأطفالي·· !!
 
- خذني سراً، أعاهدك أن أكون رهن طلباتك، حين تحتاجني سأبادلك كلاماً مفيداً·
 
- أي كلام تبادلني، أنت مقبل على الهمود، ستتعفن وتندلق رائحتك البغيضة، هناك حيوانات تنحر تبقى أرواحها عالقة بأجسادها لدقائق أو لساعات قبل أن تستسلم ليد مصيرها·
 
- أنا أختلف يا (سالم)·· !!
Page 10
- سالم·· هل تعرفني·
 
- أعرفك منذ فترة طويلة·
 
- لكنني لم أرك من قبل، وجهك غريب·
 
- كنت أقرأ ما تكتب على صفحات الجرائد وأتابعك على مواقع الانترنت·
 
- أحقاً كنت من قرائي·
 
- كنت أتابع كل صغيرة وكبيرة عنك·
 
- حسناً من أنت كي أوصلك لذويك·
 
- أرجوك لا تفكر بكل ما يطرأ بذهنك، خذني معك، تلك هي رغبتي·
 
- لكن أخذك يخالف الشرع والقانون ومركزي الاجتماعي·
 
- أنا لم أمت بعد كي تخالف الأعراف·
 
- أنت رأس فقط·
 
- رأس حي ما دمت أمتلك حرية الكلام·
 
- ماذا لو لم أمر من هنا، كنت حتماً ستهمد·
 
- ستمر·· شئت أم أبيت، ستمر، كنت أبتهل كي أكحل عيني بك، وتحققت أمنيتي الأخيرة·
 
- أجبني، بدأت الشمس تطرد الناس من منازلها، قبل أن أجد نفسي في محنة سياسية بسببك·
 
- لا توجد أية محنة، لساني سيذود عنك·
 
- ما العمل إذاً·· ؟؟