Page 1
المقدمة
رغبتي الشديدة في عمل الخير
اسمي شيري أريسون. كانت في قلبي دومًا رغبة شديدة في إعطاء إلهام لعمل الأعمال الخيريّة. كيف وصلت إلى هذا الإدراك؟ عندما أفكر في ذلك، فقد كانت هذه في الحقيقة طريقًا طويلة وصعبة.
لقد ولدت في أمريكا من أب إسرائيلي وأمّ رومانية. وكانت أمّي تردّد دومًا بأنّها تكره الولايات المتحدة، ولذلك فقد وجدت صعوبة في الشعور بأنّها تحبني نظرًا لأنّني كنت أمريكيّة.
كانت طفولتي في نيويورك تبدو كمشهد من فيلم «المساعدة»، الذي يتناول حياة المساعدات الافرو أمريكيّات في جنوب الولايات المتحدة في بداية ستينيات القرن العشرين. على الرغم من أن والديّ تعاملا مع مديرة التدبير المنزليّ لدينا، ميري، بحبّ واحترام، وكانا يتواجدان طوال ساعات اليوم خارج البيت، في العمل، وهكذا فقد كانت ميري، بالتالي، هي التي ربتني.
عندما بلغتُ التاسعة انتقلنا للإقامة في ولاية ميامي بدون أن نصطحب ميري معنا، فكانت هذه صدمة حادّة بالنسبة لي. وتعرّضت عندها لصدمة أخرى لا يتصوّرها العقل: فقد أعلن والداي عن طلاقهما، وقرّرت أمّي الانتقال إلى إسرائيل، غير أنّ أبي بقي في الولايات المتحدة ليحاول تحقيق الحلم الأمريكيّ – المال والنّجاح. بينما شعرت أنا منذ سنّ مبكرة بأنّ هناك شيئًا يتعدّى الواقع الراهن، بأنّ هناك رابطًا عميقًا مع أمر أكثر جوهريّة وسموًّا، وسألت نفسي ما هو هذا الأمر؟
لقد تغيّرت حياتي في هذه الفترة رأسًا على عقب، حيث وجدت نفسي في دوامة من رحلات متكرّرة ذهابًا وإيابًا من أمريكا إلى إسرائيل وبالعكس إذ كنت أطير وحدي وأقطع مسافات هائلة في رحلات جويّة طويلة، وحتى كنت أبدّل طائرات في الطريق حين كانت حاجة للقيام بذلك. حاوِلوا أنتم أن تتصوروا ما هي المشاعر التي تحس بها طفلة صغيرة تقطع هذه المسافات الطويلة لوحدها. وأذكر أنني في إحدى المرات ضعت في مطار امستردام، وكانت هذه تجربة مرعبة بالنسبة لي.
اشكر الرب على أن ميري كانت تلتقي بي في مطار نيويورك، ففي كلّ مرّة كنت أحضر فيها كانت تأتي لاستقبالي، وتهتم بأن لا أضيع في نقاط العبور وفي متاهات التفتيش الأمني في طريقي بين الرحلات الجوية المختلفة، وهكذا فقد بقيت ميري حتّى يوم وفاتها صديقة حميمة لي ولأولادي، وسوف أحفظ هذه العلاقة في قلبي إلى الأبد.
لقد عشت ممزقة بين عالمين –إسرائيل وأمريكا – وجعلني هذا الواقع أواجه تحدّيات هائلة. تعلمت في مدارس كثيرة وكنت مضطرة في كلّ مرّة لإنشاء صداقات جديدة. في أمريكا ضايقوني لأنّني كنت إسرائيلية أكثر من اللازم، وفي إسرائيل ضايقوني لأنّني كنت أمريكيّة للغاية، مع العلم أنّ إسرائيل وأمريكا كانتا عالمين مختلفين في تلك الفترة.
في كلّ بيت في الولايات المتحدة كان هناك هاتف وتلفزيون، لكن الناس في إسرائيل كانوا ينتظرون طوال سبع سنوات للحصول على خط هاتف، وكان التلفزيون تجديدًا كبيرًا أصلا. في كلّ حيّ كان في حينه جهاز تلفزيون أسود وأبيض واحد وأقصى حدّ كان هناك جهازان. وكان الجميع يتجمعون حولهما لمشاهدة البث. وكانت المعايير الاجتماعيّة في حينه مختلفة تمامًا. لذا شعرت أحيانًا بأنّني منقطعة، غير منتمية. شعرت بأن العالم صعب وبارد، وبأنني وصلت إلى الكوكب غير الصحيح بلا شكّ.
عندما كبرت تواصلت رحلتي مع النجاحات والإخفاقات التي تميّز حياة غالبيّة الناس. يظنّ كثيرون اليوم أنّني نشأت في بيئة من كماليّات وغنى، لكن الواقع كان مغايرًا تمامًا، فقد أعلن والدي إفلاسه عدّة مرات ولم يتمكن من عمل ثروته إلا بعد سنوات من شظف العيش. بما أنّه كان رجلا صاحب حلم ليحققه ولم يستسلم، فقد قرع النجاح بابه عندما أقام شركة الإبحار «كرنيفال كروز» (Carnival Cruise Lines). صحيح أنّ السفن كانت جزءًا من حياتي منذ انتقلنا للإقامة في ولاية ميامي، لكن عندما حققت الشركة نجاحًا باهرًا وتحوّلت إلى شركة عامّة كنتُ قد بلغت سنوات العشرين من عمري.
بعد سنوات طويلة من السفر ذهابًا وإيابًا، بما في ذلك الخدمة في جيش الدفاع، سكنْتُ في ميامي طوال 16 عامًا، ارتبطت خلالها بزوجي الأوّل وأنجبْتُ في الولايات المتحدة ثلاثة من أطفالي الأربعة. بعد سنوات طويلة من ممارسة الأمومة بوظيفة كاملة أقمْتُ صندوقنا العائليّ – «صندوق أريسون» – وتمّ اختياري لأشغل عضويّة مجلس الإدارة في شركة «كرنيفال». غير أنّ الطلاق الذي ترك لدي مشاعر الحزن بالإضافة إلى قلق لا يتوقف شعرت به خلال حرب الخليج تجاه أعزائي في إسرائيل – أمي، خالاتي، أخوالي وأولادهم وأصدقائي كان يعني بشكل قاطع أنّ المكان الذي أريد أن أكون فيه، المكان الذي أريد أن أكون متواصلة معه أكثر من أيّ شيء آخر هو إسرائيل.
Page 2
التقيت في هذه الفترة بزوجي الثاني وارتبطت به، وانتقلنا في صيف 1991 مع أولادي الثلاثة إلى إسرائيل حيث وُلِدَ ابني الرابع. استغرق التكيف مع العقلية الجديدة هذه المرّة أيضًا وقتا طويلا، وفهمت أن هناك فارقًا كبيرًا بين طفولتي في بلاد أجنبية ومحاولاتي للتكيّف كامرأة وأمّ مع نهج حياة وأنماط تفكير مختلفة للغاية. رغم الصعوبات التي كنت أواجهها أقمت صندوقا خيريّا ومن ثمّ مصلحة تجاريّة جديدة أيضًا، كما جدّدت العلاقة مع أبناء عائلتي وأصدقائي القدامى، وتعرفت على أصدقاء جدد... وكنت سعيدة وواصلت حياتي.
لكن، كنت ما زلت مضطرة لمواجهة صدمة ثقافية هائلة، فحتى الأمور اليوميّة التي تبدو لنا شأنًا كبيرًا – الاتصال بين الأفراد وطريقة إدارة المفاوضات، الأداء الاقتصاديّ والثقافيّ – كانت مغايرة تمامًا عن الحياة في ميامي، ناهيك عن التمييز ضدّي كامرأة وهو تمييز عانيت منه طوال سنوات عندما حاولت تحقيق النجاح في بيئة يهيمن عليها الرجال.
واجهت خلال السنوات القادمة طلاقًا آخر، زواجًا إضافيًّا وطلاقًا ثالثًا وفي المقابل وبدون توقف، حاولت أن أفهم نفسي وحياتي. تعمّقت بطرق كثيرة، شاركت في حلقات ودروس كثيرة وتعلمت نظريات روحية وطرقا كثيرة وقرأت مختلف أنواع كتب «العصر الجديد». تعلمت ونَمَوْتُ، تعلمت ونَمَوْتُ...
كان هناك درس ساطع كالشمس: حياتنا جميعًا زاخرة باختبارات وتحدّيات. والسؤال هو كيف نواجهُها وماذا نستخلص منها؟
في أي حال من الأحوال، شعرت دومًا بأنّني أتعلم دروس الحياة بأقسى الطرق وبمعاناة عاطفيّة شديدة، حتّى قبل عدّة سنوات، حيث فهمت ما يجري على حين غرّة، وكأنّ مصباحًا اشتعل فجأة ونثر نورًا كبيرًا، إذ بات كلّ شيء بالنسبة لي واضحًا. أريد أن أعمل الخير، أريد التفكير بطريقة إيجابيّة وأن أحسّ بشعور طيب.
استنتجت ذلك عندما كنت مريضة ومنهكة بدنيًّا، شعوريًّا وروحيًّا بسبب حياة مليئة بالصراعات. فقد كنت مضطرة دومًا لخوض صراعات لتحقيق ما أردت، سواء كان ذلك للحصول على اهتمام والدي في طفولتي، أو في تحقيق أحلامي وغاياتي الكثيرة – مثل إقامة مستشفى من الطراز الأوّل في تل ابيب. لقد بذلت جهودا كبيرة من أجل تحقيق حلمي بأن أمكـّن الناس من الحصول على ظروف ومعاملة أفضل.
لقد كافحت من أجل تأسيس جمعيّة United Way الإسرائيلية، التي ساهمت في خلق ثقافة العطاء، والتي ما زالت مزدهرة في هذه الأيام. في كلٍّ من مصالحي التجاريّة ومنظماتي الخيريّة ناضلت لتحقيق أحلامي التي تتمثل بأفكار كالحريّة الاقتصاديّة في مصرفي، ناضلت لتطبيق أساليب بناء مستديمة في شركتي الخاصّة بالبنى التحتيّة والعقارات، كما أقمت شركة مياه من منطلق حلم الوفرة الذي لم يفهمه أحد في البداية.
وكان لا بدّ النضال بنفس الطريقة عندما رغبت في تأسيس منظمات مثل جمعيّة «جوهر الحياة»، التي تعتمد على الإيمان بأنّه لا يمكن تحقيق السلام العالميّ إلا إذا حققنا السلام الداخليّ - كلّ إنسان مع نفسه ومحيطه.
كان الحلم تلو الحلم منوطًا بعمليّة تجنيد أشخاص مناسبين لتكوين طواقم تزرع القيم وتحدّد أهدافًا سبقت عصرها، مع الإشارة إلى أنّه تجرى اليوم في ثلاث جامعات أبحاث وبرامج تعليمية مشابهة لنموذجي، لغرض إقامة مصالح تجاريّة على أسس قيميّة.
وكانت جميع هذه الأمور مبعثا للاكتفاء على المستويين الشخصيّ والمهنيّ، وكان من المفروض أن أكون في حالة من النشوة. لكنّني شعرت، قبل عدّة سنوات، بأنّني أكاد أنهار على كافّة المستويات – بدنيًّا، عاطفيّا وروحانيّا، وأنّني أضرب رأسي بالحائط منذ سنوات ليفهمني الآخرون، فتمكّنت من إزاحة بعض الجدران من مكانها وتحطيم بعض أسقف الزجاج، غير أنّني بدأت أشعر بأنّني مرهقة، منهكة ومريضة.
فهمت، حين أُوقِدَ الضوء، بأنّه لا داعي لأقنع أحدًا وخاصّة الذين يختارون عدم الرؤية أو الذين يرفضون التغيير لأي سبب من الأسباب. إذا كنت أبغي تحويل العالم إلى مكان أفضل نعيش فيه، فيتوجّب فعل ذلك بتعزيز الخير الكامن داخلي والموجود من حولي، سويًّا مع أشخاص يشاركونني هذا الحلم.
لقد تنهّدت الصعداء عندما أدركت أنني استطيع التوقّف عن خوض الصراعات! وصرت اليوم منهمكة في عمل الخير وفي التعاون مع أشخاص يتطلعون إلى تحقيق غاية الحصول على عالم أفضل. هل تريدون عالمًا أفضل؟
إنّني أرى عالمًا أفضل في حلمي، أرى عالمًا وادعًا وسعيدًا. لست ساذجة أو عمياء. لقد انجرحت، واجهت اختبارات وتحدّيات ورغم ذلك فإنّني أومن بأنّ حال الأمور يمكن أن تكون مغايرة.
لقد تعلمت من تجارب الماضي وما زلت أتعلّم كلّ يوم. لكنّني أومن اليوم بأنّنا نستطيع تعلّم هذه الدروس في الحياة بدون معاناة. أومن أنّنا نستطيع خلق البيئة الصحيّة والإيجابيّة التي نتطلّع إليها من أجل أنفسنا، من أجل أولادنا ومن أجل الكرة الأرضيّة.
إنني أحاول تجسيد هذا الحلم في كلّ أمر أقوم به، بشكل شخصيّ وفي مجموعتي التجاريّة والخيريّة. لقد ربطت بين حلمي ورغبتي الشديدة وإيماني بقوّة عمل الخير، وبادرت في البلاد عام 2007 إلى تنظيم «يوم الأعمال الخيريّة» الذي بدأ بفكرة بسيطة: يقوم كلّ إنسان، خلال يوم ما، بعمل خيريّ من أجل إنسان آخر أو من أجل العالم. وكنّا قد بدأنا ببضعة آلاف الأشخاص، من بينهم أفراد أسرتي وعمّالي، وبدأ النشاط يتّسع سنويًّا إلى أن أصبح عابرًا للحدود وتحوّل إلى يوم دوليّ لعمل الخير.
أسافر سنويًّا في «يوم الأعمال الخيريّة» من مكان إلى آخر للقيام بعملي الخيريّ، وما أجمل مشاهدة الأعمال الخيريّة – أعمال شخصيّة وجماعيّة على حدّ سواء – وهي تتعاظم وتكثر، ففي كلّ مرّة أنفعل إلى حدّ كبير ويمتلئ قلبي بالخير الذي تراه عيناي. وأسأل نفسي: ألن يكون رائعًا أن تكون كلّ الأيام كهذا اليوم؟ ذلك ممكن. أومن أنّه ممكن فعلا.
لكلّ واحد منّا دوره في تحقيق الحلم. هذا هو السبب الذي يجعلنا في مجموعة أريسون نواصل توسيع جهودنا سنويًّا لخلق وعي لدى مزيد من الأشخاص حيال قوّة عمل الخير. نريد أن نشجع كلّ رجل، امرأة وطفل على التعبير عن الخير الكامن فيهم ليس فقط في هذا اليوم الخاص، وإنّما في كلّ يوم... في كلّ لحظة من حياتهم.
هذا الكتاب هو طريقي لشرح كيفيّة عمل الخير، كيف يمكنكم فعل هذا من أجل أنفسكم وممارسة الخير الكامن فيكم. يتوجّب عليكم، في البداية، أن تحبّوا أنفسكم وتحترموها، وعندها سوف تعمل هذه الطاقة الإيجابيّة حلقات تصل إلى كلّ العالم، وتغيّر كلّ ما تصادفه في طريقها.
Page 3
نداء للجميع لعمل الخير
تخيّلوا ما هو الشعور الذي سيراودكم لو استيقظتم ذات صباح وفي قلبكم تدركون - وهو إدراك كان كامنًا لديكم دائمًا وأبدًا - بأنّ تغييرًا كبيرًا سوف يحصل؟ بأنّ هذا التغيير حيويّ ومرغوب ولا بدّ منه... وأخيرًا سوف يبدأ في التغلغل للوصول إلى كلّ أنحاء العالم؟
لقد تطلّعت دومًا إلى هذا التغيير. جميعنا مرتبطون به، كلّ إنسان في العالم. مستقبلنا المشترك هو شأن كلّ واحد منا. علينا أن نختار، أن نتحمل على الفور مسؤوليّة الطريق الذي نسلكه تجاه أنفسنا والآخرين، وأن نفهم تمامًا مدى تأثير اختياراتنا على محيطنا، على الكرة الأرضيّة وعلى البشريّة جمعاء.
كنت أتساءل طوال حياتي: «ما هو دوري؟» حاولت العثور على إجابات، عبر التأمّل الداخليّ وبواسطة أشخاص آخرين. بما أنّ كلا منّا يتحمل مسؤوليّة شخصيّة، سألت نفسي أوّلا، «ماذا يمكنني أن أعطي العالم بواسطة مهاراتي وتجاربي الحياتيّة الخاصّة وبواسطة النماذج المتاحة لي؟»
بدأت العمل في ولاية ميامي عندما كنت فتاة، وانضممت في بداية العشرينات من حياتي إلى مصلحة عائلتي حين بدأت تحقق نجاحًا باهرًا. وفي انتقال سريع إلى يومنا هذا – فنحن نقيم في البلاد، وها هو ابني الأصغر على وشك إنهاء الثانويّة، والمكتب الرئيسيّ الذي يدير شؤوني التجاريّة والخيريّة في أنحاء العالم يعمل من هنا. لقد شعرت (وما زلت أشعر) بأنّ هذا التغيير لن يسري عليّ إلا إذا بدأت من نفسي ومن ثمّ جميع دوائر حياتي، وذلك لأنّ العمليّة متواصلة.
عرفت بأنّني أستطيع جني الفائدة ليس فقط من مهاراتي وإنّما من خبرتي في الحياة أيضًا. كما أشرت، فقد شهدت حياتي نجاحات وإخفاقات من شتى الأنواع غير أنّها لم تحطمني. وقد تحدّثت بتوسّع عن مواجهتي لهذه التحدّيات الحياتيّة في كتابي الأوّل، «ولادة، حين تلتقي الروح والمادّة «، وعليه، فلا داعي لمواصلة الشرح في هذا السياق. لكن، عندما أتذكّر كلّ ما مرّ عليّ في حياتي، أشعر بأنّ الله وهبني كلّ ما لديّ، كلّ الأمور التي واجهتها - في السرّاء والضرّاء على حدّ سواء – لأنها هي التي جعلتني مَن أنا اليوم. أنا مصرّة أكثر من أيّ وقت مضى على أخذ مسؤوليّة شخصيّة للنهوض بعالمنا. عندما طلبوا مني تأليف كتاب آخر، لبّيت النداء وقرّرت أن يتناول كتابي قوّة عمل الخير. عرفت أنّني سأتحدّث عن تجاربي لتشجيع عمل الأعمال الخيريّة، سواء كفرد أو في إطار شركاتي وجمعيّاتي. فأنا أريد أن أعطي إلهامًا للآخرين لأنّني أعلم بأنّ كلّ إنسان قادر على إحداث تغيير هائل.
إنّني أتوق إلى تحقيق هذا الحلم البسيط والكوني، فقد استيقظت فجأة قبل عدّة سنوات وكانت لديّ فكرة لعمل الخير أضاءت النور في الظلام. تلخّص هذه العبارة جزءًا كبيرًا ممّا كان دومًا عبارة عن إيماني الداخليّ العميق، وحين بدأت أتحدّث مع المحيطين بي حول هذه الفكرة انتقلت اللهفة إليهم، فأدركت عندها أنّني أمام مشروع كبير.
يعتمد هذا الحلم على الإيمان بأنّنا إذا عملنا الخير، وإذا فكّرنا بصورة حسنة، واخترنا أن نستخدم كلمات، مشاعر وفعاليات إيجابيّة في حياتنا اليوميّة بصورة واعية فيستطيع كلّ منّا تعزيز الخير في عالمنا. أومن بأنّ الوقت حان لتحقيق هذا الحلم بالنسبة لنا جميعًا، في كافّة أنحاء العالم.
Page 4
عمل الخير هو عمل مصالح تجاريّة جيّدة
لقد عملت على خلق تغيير في داخلي، في محيطي، وفي المصالح التجاريّة والجمعيّات الخيريّة التابعة لمجموعة أريسون دائمًا وأبدًا، حتّى قبل أن يصبح حلم عمل الخير واضحًا تمامًا، فقد أدير صندوق أريسون منذ تأسيسه بمهنيّة على غرار باقي وحداتنا التجاريّة. نحن نصغي لاحتياجات كافّة الشرائح السكانيّة في البلاد، ونعي جيّدًا بأنّ أنشطتنا لا تقتصر على تقديم أموال لجمعيّات تحتاج ذلك، وإنّما تشمل خلق استثمارات اجتماعيّة مهمّة لمستقبلنا المشترك.
هيئاتنا التجاريّة والخيريّة تعنى منذ سنوات بتحقيق مبادرات تعتمد على حلم طويل الأمد وتذويت القيم. أستطيع القول اليوم إنّنا نثبت بأنّ عمل الخير هو عمل مصالح تجاريّة جيّدة. هذه طريقة جديدة تمامًا للعمل التجاريّ وقد بدأت شركات كثيرة تعيها.
لكنّ الموضوع الرئيسيّ لكتاب «التفكير الإيجابيّ، التحدّث الإيجابيّ، وعمل الخير» ليس الشركات والمنظمات، بل وُلِدَ الكتاب من قناعتي بأنّ كلّ هذا الخير يبدأ لدى كلّ منا. هذه رحلتي وأعرض عليكم الانضمام إليّ – هذا تحدّ شخصيّ يعتمد على فرضيّة أساسيّة في منتهى البساطة: كلّ ما عليكم فعله هو التفكير الإيجابيّ، التحدّث الإيجابيّ وعمل الخير. هذا هو الهدف الرئيسيّ الذي يقف أمام ناظريّ، فقد وهبني الله في مجموعة أريسون المنتشرة في أنحاء العالم عمّالا كثيرين مستعدين للانضمام إليّ ولمساعدتي في تغيير المفاهيم، لنثبت للعالم أنّه يمكن عمل ذلك.
لا شكّ في أنّكم لن تكونوا وحيدين في هذه الرحلة! فقد أنشأنا في مجموعة أريسون قوّة عمل عالميّة شاملة يبلغ عدد أفرادها أكثر من 24 ألف عامل ينشطون في إطار حلم عمل الخير. وعلاوة على ذلك، فبفضل جهودنا المشتركة في «يوم الأعمال الخيريّة» الذي أقيم في عام 2012، انخرط أكثر من ربع مليون شخص في إسرائيل بالإضافة إلى آلاف الأشخاص في العالم «من أجل تجسيد الخير» الكامن فيهم - عبر القيام بعمل خيريّ.
هل التفكير الإيجابيّ، التحدّث الإيجابيّ وعمل الخير بسيط لهذا الحدّ حقًّا؟ فعلا، نعم ولا. إذا كانت المهمّة سهلة لهذا الحدّ فلماذا نتبادل القتال؟ لماذا نتعرض لمعاناة كبيرة؟ لماذا ما زال هناك عدد كبير من أشخاص شرسين وأفظاظ؟ لماذا قطع طريقكم أحدُهُم صباح اليوم بالسيارة؟
أعتقد أنّ هناك طريقتين ممكنتين فيما يتعلق بالاختيار، بحيث تقودنا الأولى إلى نزاعات أخرى وتساهم الثانية في تعزيز الرأفة والسلام. يمكننا، في الحالة الأولى، ملاحظة ازدياد النزاعات، ممّا يؤدّي إلى وقوع أزمات اقتصاديّة أصعب، جوع وحروب لا تنتهي، تفشي البطالة، ازدياد الاحتباس الحراريّ الكونيّ... والقائمة طويلة.
إلى جانب ذلك، فحين أنظر حولي أجد الحبّ والرأفة، إذ إنّ هناك أشخاصًا أكثر يمارسون العطاء ويبادرون إلى التعاون ليكون العالم مكانًا أفضل نعيش فيه. أرى أعدادًا كبيرة من أشخاص يهمّهم أمر أصدقائهم من البشر، الحيوانات والبيئة. أومن بأنّ السلبيّة بدأت تنهكنا، ونبحث بوعي عن طرق كفيلة بعمل تغيير إيجابيّ.
Page 5
قوة عمل الخير
الحبّ قائم وموجود، ومثله الرأفة أيضًا. تخيّلوا كيف ستكون الأوضاع إذا تبادل الجميع التعاون! إذا تذكّر كلّ إنسان التفكير الإيجابيّ، التحدّث الإيجابيّ وعمل الخير بوعي - فأومن أنّنا نستطيع تغيير أنفسنا، وبواسطة هذه العمليّة يمكننا تغيير العالم برمّته معًا.
صحيح أنّ هذا الكتاب يتناول عمل الخير – ويبدو الأمر في منتهى البساطة والوضوح. لكن، هل تعرفون كيف تقدّمون العطاء من مكان إيجابيّ حقًّا وكيف تتلقّون بقلب منفتح؟ هل أنتم جيّدون أوّلا في التعامل مع أنفسكم؟ هذه المرحلة الأولى، وطوال سنوات صارعتها كثيرًا.
تتبلور وجهة نظرنا حيال الخير والشرّ وقواعد الحياة وأصولها عادة في طفولتنا وفي مرحلة المراهقة. وفي حالتي فقد بدأ ذلك في نيويورك وتواصل في ميامي وإسرائيل. نحن عائلة يهوديّة، غير أنّنا عشنا بنمط علمانيّ. ورغم ذلك، منذ سنّ مبكّرة أحسست بقوة كبيرة بيهوديّتي وشعرت بصلة عميقة مع إسرائيل.
يقول لي الناس إنّني اليوم متديّنة أكثر من «المتديّنين»، لكنّني أفضّل أن أعرّف نفسي بأنّني إنسانة روحانيّة. أنا كيان روحي - مثلنا جميعًا - في رحلة التعرّف على رغبتي الشديدة وطريقي الحقيقيّة. أحاول أن أعيش حياتي بصورة مليئة وأصيلة، ماديًّا وروحيًّا. تنتابني رغبة هائلة في تقديم المساعدة لعموم البشر، وطريقتي هي أن أثير لدى الأشخاص وحيًا للتغيير وعمل الخير.
هذه هي اللحظة المواتية لتبديل أنماط سلوكيّة بشريّة واجتماعيّة قديمة كانت تعتمد إلى حدّ كبير على النقص، الطمع والخوف. حسب اقتراحي، فنحن نستطيع معًا – من خلال عمل الخير – تبديل معتقدات لا تعود علينا بالفائدة وما أطلبه هو أن يتواصل كلّ إنسان في العالم مع هذا الحلم ويساهم في تحقيقه. ولكي يحدث هذا – فإنّنا بحاجة إلى نسبة كبيرة من أشخاص يستجيبون للتحدّي وينضمّون إلينا.
إنّ عمل الخير هو أمر رائع، فلا يهمّ أين تسكنون، أين تتعلّمون وبماذا تعملون لتعتاشوا؛ ولا يهمّ ما سنّكم وما مجموعتكم الثقافيّة. يستطيع كلّ إنسان أن يقوم بأمور استثنائية حين يستخدم قوّة عمل الخير – في البداية من أجل نفسه، وفي وقت لاحق حين يتيح للخير أن يخلق حلقات فيبلغ العالم.
أرى كيف يصبو أشخاص كثيرون في العالم لعمل التغيير خلال السنوات الأخيرة، ويبدأون في البحث عن معنى وعمق أكبر في حياتهم. وهذا ما حدث لي أيضًا. عدد كبير من رجال ونساء ألتقي بهم خلال يومي، أدباء أطالع كتبهم، قادة أقدّرهم - من كافّة أنحاء العالم - يبدو أنّهم جميعًا موجودون في هذه المرحلة من التغيير ويبدأون في نفض أنماط بالية عنهم ويتحرّرون من القديم عبر الانتقال إلى الجديد.
البحث عن الأصالة
لكي نستطيع عمل تغيير كبير على أرض الواقع، هناك ضرورة لتواجد أعداد كبيرة تحرّكها طاقة خير ورغبة طيّبة أصيلة. فقط عندما تكون هناك أعداد كبيرة ممّن يفكّرون بإيجابيّة ويتحدّثون بإيجابيّة ويعملون الخير يمكننا إحداث تغيير جوهريّ ومتواصل في أحوال البشريّة.
أرى سير الأمور على النحو التالي: عندما يكتشف المزيد من الأشخاص جوهرهم الداخليّ الأصيل ويعبّرون عنها سوف نخلق واقعًا جديدًا يؤكّد على قيم جديدة من وحدة، حب، صداقة ورأفة. نحن نطوّر، أوّلا، قدرة على القبول الكونيّ، أي، قدرة على تقبّل أنفسنا وتقبّل الآخرين رغم الفروق بيننا.
يستطيع كلّ منّا استخدام كفاءاته المميزة لعمل التغيير والتأثير في مجاله، وبما أنّني سيّدة أعمال ولديّ بوصلة أخلاقيّة قويّة فإنّ الكثير من نشاطاتي تتمحور في مصالح تجاريّة وأعمال خيريّة، لكنّني بنفس المقدار تمامًا أتطلع من صميم روحي إلى عمل الخير في حياتي الخاصّة وفي علاقاتي اليوميّة. لا تتمّ كافّة الأمور بصورة مثاليّة لأنّ لا أحد فينا مثاليّ، لكنّني أبذل جهودي يوميًّا.
لقد أدركنا في مجموعة أريسون أنّه بواسطة قيادة تجاريّة تتحلّى بالإصغاء والمراعاة فإنّنا نخلق عالمًا أفضل وذلك لأنّ المبادرات التجاريّة والخيريّة (بعكس الدول) هي مبادرات عابرة للحدود وقد تمنحنا تأثيرًا عالميًّا.
رغم كوني روحانيّة للغاية، إلا أنّني عمليّة بنفس المقدار تمامًا. وكما أشرت فإنّ مجموعة أريسون تضمّ جمعيّات خيريّة وتجاريّة. لدينا مصالح تجاريّة عامّة وخاصّة، في المجالات المالية، العقارات، البنى التحتيّة، الملح، المياه والطاقة. إنّنا ننظر في مجال المصالح التجاريّة، أوّلا، إلى الجانب الاقتصاديّ لكلّ أمر نقوم به. لكن، عندما ندرس مجمل جوانب كلّ صفقة، فإنّنا نفهم أحيانًا بأنّه قد تترتّب عليها نتائج سلبيّة بالنسبة لبني البشر أو الكرة الأرضيّة، وفي هذه الحالات فإنّنا ندع الصفقة لأنّنا لن نجني أرباحًا منها على المدى البعيد.
لا يمكن أن يكون المال بحدّ ذاته القوّة المحرّكة الوحيدة - وهذا ما نراه اليوم بصورة واضحة. من جهة أخرى، عندما نختار مبادرات ومشاريع تصون العالم فإنّنا نحمي وجودنا البدنيّ والتجاريّ على حدّ سواء. عندما يكون العالم هو الرابح والمستفيد فإنّنا نجني فائدة أيضًا. لا شكّ في أنّ عمل الخير هو فعلا عمل مصالح تجاريّة جيّدة.
ليس من السهل العيش بصورة أصيلة وتعلّم الأخذ والعطاء باتزان. يحدث أحيانًا أن تتشوّش أعمال خيريّة وأن لا تتحقق نوايا طيّبة. ليست الطريق سهلة وميسّرة دومًا، لكنّني أومن أنّ عمل الخير فيه قوّة ليس فقط لعمل التغيير في حياتنا ولإثرائنا كثيرًا وإنّما أيضًا في إحداث حلقات يمكن أن يشعر بها الناس في العالم. ستؤثر أعمالنا الخيريّة الشخصيّة والمشتركة من أجل أنفسنا والآخرين في النهاية على كلّ جوانب حياتنا، وعلى الكرة الأرضيّة، وعلى البشريّة جمعاء.
أعي بأنّ هذا تحدّ كبير للغاية. لذا، هيّا نبدأ في عمل الخير من أجل أهمّ إنسان في العالم: من أجل أنفسنا!
Page 6
اعملوا الخير من أجل أنفسكم
عندما يشرح مضيفو الرحلات الجويّة تعليمات الطوارئ فإنّهم يطلبون من الأهالي أن يضعوا قناع الأكسجين لأنفسهم قبل أولادهم أو أيّ إنسان محتاج آخر. في البداية، بدا ذلك غير منطقي، لأنّ ردّ الفعل الطبيعيّ لجميع الأهالي هو أن يقدّموا مساعدة فوريّة لأولادهم. لكن، إذا لم تهتمّوا بأنفسكم أولا، فلن تستطيعوا الاهتمام بأيّ شخص آخر. يجب أن تساعدوا أنفسكم أوّلا، وإلا فلن تستطيعوا أن تفيدوا أيّ شخص آخر.
ربّما يبدو الأمر بسيطًا، لكن ليس بسيطًا بالمرّة أن تكونوا جيّدين تجاه أنفسكم يوميًّا، أن تتعاملوا مع أنفسكم بحبّ ورأفة دائمًا. هناك أسباب كثيرة تجعل أشخاصًا لا يحبّون أنفسهم ويواصلون إعطاء أفضليّة لاحتياجات الآخرين أو رغباتهم، حتّى إلى درجة الإضرار بصحّتهم ورفاهيّتهم.
من المحتمل أن تكونوا أنتم أيضًا «أرواحًا طيّبة». ربّما أنتم أيضًا، ككثيرين، علّمكم أهاليكم بأنّ عليكم أن تعطوا دومًا للآخرين قبل أن تعطوا أنفسكم وأنّ العطاء لأنفسكم هو أنانيّة. هناك ديانات كثيرة تتحدّث عن تقديم الخدمة للغير والعطاء للمحتاجين. لكنّني أومن بأنّكم إذا لم تهتمّوا بأنفسكم أوّلا فلن يبقى لديكم ما تقدّمون للآخرين!
عمل الخير من أجل أنفسكم يبدأ بحبّكم لها، ومعنى ذلك أن تتقبّلوا أنفسكم وتحبّوها في كلّ لحظة. لكي تفعلوا ذلك، يتوجّب عليكم بداية أن تعرفوا أنفسكم جيّدًا. ربّما تقولون لأنفسكم: «إنّني أعرف نفسي!» لكن، هل هذا صحيح؟ هل تعرفون ما تريدون حقًّا؟ هل تعرفون ما يمنحكم شعورًا طيّبًا؟ هل تعرفون كيف تصغون لأنفسكم، لأجسامكم ولأرواحكم؟ هل تتعاملون مع أجسادكم كمعبد مقدّس؟ هل تزوّدونها بالغذاء الذي تستحقّه وتعطونها قسطًا كافيًا من الراحة؟ هل تعيشون في سعادة، عافية وطمأنينة حقًّا؟
هناك قلائل قد توصّلوا إلى توازن مطلق، حيث إنّ حياتنا زاخرة بأحداث ومحفّزات. علينا جميعًا أن نتعاطى طوال الوقت مع تحدّيات تواجهنا، لكن هل نعالج حياتنا اليوميّة بصورة إيجابيّة وصحيّة؟ يبذل كثيرون منّا جهودًا جمّة، ولا يرتاحون إلا قليلا، ولا نمارس الرياضة بصورة كافية، ونبالغ في الشراء ونجلس ساعات طويلة قبالة الحاسوب. وهناك من يسرفون إلى درجة حادّة فيبالغون في التدخين، الشراب والطعام، وهناك من يتعاطى المخدّرات حتى. كلّ عمل نبالغ فيه يضعضع توازننا ويحول دون تحقيقنا للرضا والسعادة.
مثل أشخاص كثيرين، واجهت صعوبة في المحافظة على وزني خلال فترات مختلفة من حياتي – أسرفت في الطعام، لم أمارس الرياضة بشكل كافٍ وكان صعبًا أن أعيد نفسي إلى سابق عهدها. لذا فإنني أعرف أنّه ليس من السهل التغلّب على هذه الأمور وإيجاد التوازن، لكن ذلك ممكن.
لا أحد يريد أن يعاني من سمنة زائدة، العمل أكثر من اللازم أو الإدمان على المخدرات. لا أحد يريد أن يكون تعيسًا أو متوترًا. إن هذه الأمور مؤشرات لأمر أعمق يحدث في صميمنا. لقد وضعنا نحن البشر على أنفسنا طبقات كثيرة من حزن، مخاوف، مشاعر إحباط وغضب، لكنّنا نجد تحت كلّ هذه الطبقات جوهرنا الأصيل، الإنسان الذي يستحقّ الحبّ والتقبّل. جوهرنا أشبه بلؤلؤة غير أنّ طبقات الغبار والطاقة السلبيّة تخفي جوهرنا الحقيقيّ.
Page 7
تطوير وعي ذاتيّ بواسطة التأمّل الداخليّ
هناك طرق كثيرة تحدثت عنها بإسهاب في كتابي الأوّل لنفض طبقات الطاقة السلبيّة. هناك الكثير من كتب المساعدة الذاتية وكتب «العصر الجديد» التي تفصّل طرقا مختلفة ممكنة. وأدركت بأنّ أفضل مكان نبدأ منه هو التأمّل الداخليّ. فهذا يفي بالغرض. ليست هذه الطريقة سريعة أو سهلة، غير أنّها ناجعة. عندما تعرفون كيف ترون وتحبّون أنفسكم على حقيقتها تمامًا، عندما تتواصلون مع ما تريدون حقًّا، يصبح عمل الخير من أجل أنفسكم طبيعة ثانية.
الخطوة الأولى هي الوعي الذاتيّ، لذا كونوا صريحين وصادقين مع أنفسكم قدر الإمكان. لا تحكموا على أنفسكم ولا تؤنّبوها – ولا تؤنّبوا أيّ إنسان آخر– بسبب نواقصكم أو بسبب حالات خلل وجدتموها بأنفسكم. بدون أعذار. ومن ثمّ اسألوا أنفسكم، «بماذا أشعر الآن؟». دعوا مشاعركم تطفو على السطح وعبّروا عنها بإيجابيّة. عندما تتحرّرون منها يمكنكم فحص الأمور التي تريدونها في حياتكم حقًّا بصورة أعمق.
أعرف جيّدًا مدى صعوبة تنفيذ ذلك. كنت أقول مرارًا، «غدًا سوف أبدأ الريجيم»، ولم يحدث ذلك. وكنت اسمع أصدقائي يقولون مرارًا: «سأتوقف عن التدخين، «لكنهم لم ينجحوا. ولا بأس في ذلك. وقد واصلوا في نفض الطبقات التي تمنعكم من اختيار الأمور الإيجابيّة. واصلوا التركيز على ما تبغون، ووجّهوا نداء طاهرًا من أعماق قلوبكم إلى شيء أسمى منكم. هذا هو الله بالنسبة لي، وقد تكون تلك قوّة عليا، أو الكون بالنسبة لشخص آخر. قرّروا ما يناسبكم. لكن تذكّروا أنْ تطلبوا شيئًا جيّدًا.
إليكم بعض الأمثلة من طرق التأمّل الداخليّ. هناك طريقة الجلوس بصمت والتركيز على التنفّس وتهدئة الدماغ وترك المشاعر تتصاعد في جسدكم. واصلوا أخذ النفس العميق، ركّزوا في كلّ نفس، واسألوا أنفسكم، «بماذا أحسّ؟» يجب أن تكونوا مدركين لمشاعركم، أن تعيشوها، ومن ثمّ حرّروها بالبكاء، الصراخ، أو حتّى بكتابة مفكّرة. استعملوا أيّ طريقة تناسبكم. الأهم هو أن تعترفوا بمشاعركم وتحرّروها، أن تنفضوا طبقات الطاقة السلبيّة المتراكمة لديكم. لكن تذكّروا، فإنّ هذه العمليّة هي لكم أنتم فقط، لأنفسكم. لا تفرّغوا هذه المشاعر على شخص آخر.
هناك إمكانيّة أخرى للتأمل الداخليّ وهي أن تتأمّلوا أنفسكم بالمرآة. تأمّلوا عيونكم بعمق. ماذا تقول لكم؟ هل هي حزينة؟ إذا لاحظتم فيها الحزن فاختاروا السعادة بوعي. ربّما يكون هذا غريبًا بالنسبة لكم في البداية، لكن واصلوا ذلك. ركّزوا، خذوا نفسًا عميقًا، حدّقوا داخل عيونكم، وأصغوا للرسالة الكامنة في أرواحكم. تحلّوا بالتروّي، فبعد تدريبات قليلة ستتوصّلون لنتائج.
حسب تجربتي، عندما تحبّون أنفسكم حقًّا وتقبلون أنفسكم بصورة كاملة، ستبدأون في اتخاذ قرارات أفضل. ضعوا حدودًا صحّيّة لحماية أنفسكم من السلبيّة حولكم، ستبدأون في الإحساس برأفة أكبر تجاه الغير، وسيتوسّع حبّكم كالموج إلى كلّ العالم بطرق مدهشة.
نفض الطاقة التي لم تعودوا بحاجة لها، طبقة تلو أخرى، هو أشبه بتنظيف طبقات من قاذورات تغطّي لؤلؤتكم الداخليّة التي تمكّن ماهيّتكم الحقيقيّة من البزوغ. لن تستطيعوا الاكتفاء بتنظيفها مرّة واحدة ولا بدّ من إجراء حملة تنظيف عدّة مرّات، لأنّ الطبقات التي تعيقكم تراكمت، على الأرجح، خلال سنوات طويلة. من المحتمل أن تندفع إلى السطح طبقات جديدة حين تعتقدون بأنّكم انتهيتم من العمليّة. هذا ما حدث لي أنا شخصيًّا، ويمكنني أن أتقبل الآن الحقيقة التي ترى بأن التأمّل الداخليّ وتنظيف الطاقة تحوّلا إلى جزء لا يتجزّأ من نمط حياتي.
من المحتمل أن تكتشفوا خلال عمليّة التأمّل الداخليّ أمورًا لا تعجبكم في أنفسكم – لكن، لا تحاربوها، لأنّكم من خلال ذلك ستتسبّبون في الاعتراض، إذ تؤدي القوّة إلى مزيد من القوّة. لذا، تقبّلوا كلّ الأمور التي تظهر فجأة، سواء نالت إعجابكم أم لا. فلن تتمكّنوا من تحريرها إلا عندما تتقبّلونها.
Page 8
افحصوا ما يناسبكم
إذا شعرتم بأنّ هذه الطرق صعبة عليكم، يمكنكم الاستعانة بطرق أخرى لاكتشاف ذاتكم الحقيقيّة. لا تخشَوْا طلب المساعدة. لقد درست طرقًا كثيرة طوال سنوات خلال رحلتي للتحرّر من طبقات طاقة تراكمت في جسمي وروحي. ليس من باب الدلال أو الأنانيّة أن تخصّصوا وقتًا لتطوّركم الشخصيّ. بل على العكس – إذا أردتم أن تقوموا بأعمال خيريّة من أجل أشخاص آخرين، فعليكم الاهتمام بأنفسكم.
عندما تطبّقون هذه الطرق وتصبحون أكثر وعيًا تجاه أنفسكم – يمكنكم تفريغ أمور لم تعودوا بحاجة لها بعد الآن. مثلا، إذا كنتم تتشبّثون بغضب، فسيتحوّل هذا الغضب إلى طاقة تختزنونها في داخلكم ومحيطكم. يعتقد غالبيّة الأشخاص أنّ إحساسًا ما هو جزء من جوهرهم، لكنّني أومن أنّ الأمور ليست كذلك. فالغضب أو أي إحساس آخر هو عبارة عن طاقة. مثلا، نحن نعرف أنّنا لا نريد أن نشعر بالغضب، لكن، يصعب أن نفرّق بين الغضب وجوهرنا أحيانًا.
لكن عمليّة التنظيف والكشف الذاتيّ تؤدي إلى وعي ذاتيّ، وحين تكونون أكثر وعيًا لأنفسكم فستلاحظون بأنّكم لم تعودوا بحاجة للغضب أو لآلام الماضي. لستم بحاجة للأبعاد الذاتيّة الخاصّة بكم والتي عرّضتكم لصعوبات، فهي لا تخدم الخير ولا تعرّفكم. لبُّكم، خلاصتكم، هما حبّ طاهر. وهذه هي الحال لدينا جميعًا. عندما تحرّرون كلّ الطبقات الموجعة والمشاعر المؤلمة، ستكتشفون بأنّكم قادرون على اختيار الخير.
وبصورة عمليّة، عندما تظهر أفكار سلبيّة– انتبهوا لوجودها، لكن ركّزوا على أمر صحّيّ تتطلّعون إليه. مثلا، ربّما تشعرون بالغضب على أنفسكم لسهركم حتّى ساعة متأخرة في الليلة الماضية واستيقظتم منهكين تمامًا. بدلا من أن تشعروا بغضب على أنفسكم، درّبوا أفكاركم على التعاطي بمحبّة. فكّروا: «أريد أن أخلق لنفسي يومًا أفضل».
لا تغضبوا على أنفسكم إذا اكتشفتم بأنّ أفكاركم سلبيّة طوال الوقت، بل ركّزوا على التفكير الإيجابيّ، فهذا أشبه بتدريب للياقة البدنيّة، عندما تبدأون برنامجًا جديدًا للياقة البدنيّة، حيث بالكاد تنجحون في التنفّس في المرات الأولى وكلّ تدريب جديد ينهككم. لكن، عندما تثابرون على التدريب فسيصبح الأمر أسهل خلال مدّة قصيرة. وبنفس المقدار ستُضطرون لبذل جهود للتركيز بصورة منهجيّة على أفكار إيجابيّة، لكن كلّما تدربتم أكثر فسيكون القيام بذلك أكثر سهولة وطبيعيّة.
بالإضافة إلى ذلك، انتبهوا للعبارات التي تصدر عنكم. هل يترك لديكم ما تقولونه شعورًا جيّدًا أو سيّئًا؟ ابذلوا جهودكم للتكلم بمحبة ووعي. فهذا أيضًا سيصبح أكثر سهولة كلّما تدرّبتم.
عليكم التفكير الإيجابيّ والتحدّث بإيجابيّة– لكن أيضًا العمل. عندما تتخلّصون من طبقات تعيقكم فسيتحسن شعوركم، وبصورة طبيعيّة ستبدأون في التفكير بأمور إيجابيّة يمكنكم القيام بها – أمور تفيد أجسامكم وأدمغتكم. حان الوقت للقيام بشيء ما!
Page 9
اعملوا من أجل أنفسكم
انتبهوا لما يسعدكم، لما يشحنكم بالطاقة، لما يجعلكم تنفعلون. عندما تعرفون – ابدأوا في القيام بما يحقق لكم الازدهار. من المحتمل أن تحبّوا الكتابة، أن تمارسوا الفنّ، أو ربّما الطهي. لكنكم منهمكون أيضًا بالتزامات روتينية، ولذا فإنكم تفكّرون: «ليس لديّ وقت لهذه الأمور».
من المهمّ أن تتفرغوا للأمور التي تحبّونها. من المحبّذ أن ترقصوا، أن تضحكوا، أن تزاولوا الإبداع – لأنّ فعاليات من هذا القبيل تشحذ الروح وتساعدكم على تحقيق الطمأنينة. أركضوا في كلّ صباح للتمتّع، وشاهدوا فيلمًا مضحكًا برفقة صديق أو صديقة، واعتنوا بالحديقة وتابعوا كيفيّة نمو الأشتال، وداعبوا الكلب في كلّ صباح عندما تستيقظون... كلّ عمل فعلي ذي معنى إيجابيّ، سيحسّن شعوركم ويملأكم بالنور.
بالنسبة لي أنا شخصيّا، بدأت أنتبه مع مرور السنوات بأنّني خالية من الطاقة في كلّ مرّة أشارك فيها بفعاليات لا أجد متعة في ممارستها أو عندما أتواجد مع أشخاص معينين. كلّ ما في الأمر أنني لم أشعر بإيجابيّة، وكان هذا منهكا. عندما أصبحت أكثر وعيا، أكثر تواصلا مع كنهي الذاتي، لاحظت ما هي الأمور التي تحسّن معنويّاتي وما الذي يستنزفني. اليوم أختار التواجد في أماكن أشعر فيها بالمتعة ومع أشخاص أشعر بوقت ممتع برفقتهم.
بالإضافة إلى ذلك، فقد اخترت استغلال أوقات الفراغ لممارسة الأمور التي أتمتع بها بوعي: الذهاب إلى شاطئ البحر، مشاهدة فيلم، مطالعة كتاب، ممارسة التأمّل الفكري أو التعبير عن روحي الإبداعيّة بالنحت أو الرسم أو الرقص. عندما تمارسون أمورًا تنهض بروحكم، فستكون لديكم طاقة إيجابيّة أكبر لكلّ جوانب حياتكم.
مكّنني التأمّل الداخليّ من أن أفهم بأنّني ممّن يحتاجون وقتا لأنفسهم ليشحنوها من جديد. أستمع للموسيقى، أو أخرج للمشي، أو أجلس بهدوء وأتمتع بأن أكون مع نفسي. في اللحظة التي بدأت أضيف فيها هذه الخانات الوادعة من الزمن إلى روتيني اليوميّ بوعي فقد حدث لدي تغيير هائل. ما زال برنامجي اليوميّ مليئا، لكن توجد لديّ طاقة أكبر لكلّ ما يجب أن أفعله، نظرًا لأنّني أكرّس وقتا للتأمل الداخليّ وأهتم بأن أشحن نفسي من جديد.
من المهمّ جدًّا أن تعرفوا أنفسكم وما يمنحكم شعورا جيدا. ليس صعبًا أن تضيفوا أمورا بسيطة إلى جدولكم اليوميّ. تذكّروا بأنّكم عندما تفكّرون بإيجابيّة، تتكلمون بإيجابيّة وتعملون الخير، فإنّكم تخوضون تغييرا داخليا. وعندما تقومون بذلك فإنّكم تغيرون العالم. خطوتنا المشتركة التالية هي تطبيق هذه المبادئ في الخارج وإتاحة المجال للخير لإنشاء حلقات والوصول إلى أكثر الأشخاص المقرّبين منكم، الأشخاص الموجودين في دائرتكم الأولى.
Page 10
اعملوا الخير من أجل أكثر المقربين منكم
سواء كنّا نعي ذلك أم لا، فإنّ طاقتنا تنشئ حلقات متتابعة كما يفعل إلقاء حجر في الماء. لدينا جميعًا ارتجاج يتفاعل في داخلنا ويخرج إلى العالم. الدائرة الأولى الموجودة خارج أنفسنا والتي نحسّ فيها بالحلقات هي أفراد عائلتنا. فبوسع الخير أن يترك الطمأنينة والحبور في نفوس الأشخاص الأقرب من قلوبنا – طاقته تعدي. لكن، هذه هي حال الحلقات الناجمة عن طاقة سلبيّة. إذا اخترنا أن نحضر معنا طاقة سيئة إلى البيت– فستصيب عدواها جميع المتواجدين في البيت بسرعة.
تخيلوا المشهد التالي: يعود إنسان إلى البيت من العمل غاضبا بسبب ما حدث معه خلال النهار. فيضرب باب السيارة بقوة ويفتح باب البيت بعنف ويمر بسرعة من أمام زوجته ولا يسلم عليها. أمّا هي فكانت تنتظر أن يعود، لكنها الآن تشعر بقلق وخوف، حيث تتساءل: هل فُصِلَ من عمله؟ ربّما غضب عليها لسبب ما؟ إنها تجلس قرب الطاولة وهي حزينة وخائفة. يمكن أن يحدث هذا المشهد في كلّ بيت. لا شكّ بأنّكم تعرفون مثل هذا المشهد.
لكن انتظروا – هيّا نحاول العودة إلى بداية المشهد ونحاول أن نسترجع وقائع شريط الأحداث من جديد. هذه المرّة، يعود نفس الإنسان من العمل إلى البيت غاضبًا بسبب أمر ما حصل معه خلال النهار. فيخرج من السيارة ويضرب الباب ويتقدّم بسرعة هائلة صوب باب البيت، لكنّه يتمالك أعصابه قبل فتح الباب ويفهم بأنّ غضبه على وشك الانفجار وأن هذا الغضب سيرافقه إلى البيت، فيتوقف ويحاول تهدئة أعصابه بوعي، ويأخذ أنفاسا عميقة ويلفظ هواء إلى الخارج – يحرر الغضب مع كلّ نفس. يعرف أن غضبه غير متعلق بعائلته، وعدا ذلك فهو متواجد في البيت الآن.
النفس العميق يهدئ أعصابه، فيستطيع الدخول إلى البيت بهدوء، يخلع معطفه، يطرح السلام على زوجته مبتسما، يقترب منها ويعانقها، فتبادله هي الابتسام وتطلعه على شيء مضحك شاهدته في الإنترنت للتوّ بحاسوبها المتنقل فيضحكان معًا. هذه طريقة أفضل بكثير لبدء مسائهما المشترك.
هذا سيناريو مختلف تمامًا! لقد كان التغيير هائلا تمامًا عندما فهم الرجل بأنّه غاضب، وكان بحاجة لدقيقة واحدة فقط ليهدّئ نفسه. لم يكن ذلك مرهونا إلا ببعض الأنفاس العميقة، لكنّه اختار التفكير الإيجابيّ. وعندها تكلم بإيجابيّة وسلّم على زوجته، ثمّ قام بعمل جيد، عانق زوجته واستمع إليها عندما حدثته عن يومها.
على الأرجح أنه كان مهموما لكنّه لم يسمح للطاقة السلبيّة بدخول بيته والتأثير على أحبّائه. وقد تحسّن إحساسُهُ لأنه كان بمقدوره أن يتمتّع مع عائلته، وأن يتناول معهم وجبة عشاء وأن يشعر بطمأنينة بدون التسبّب بمشهد غير لطيف. هذه قوّة عمل الخير، وهذا المثال يجسّد بصورة رائعة سهولة تنفيذ ذلك.
وربّما كان بوسع الرجل والمرأة لاحقًا، التحدّث بتريث عن اليوم الذي مرّ عليهما، وكان يمكنه عندها أن يخبرها ما أغاظه، لكنهما في هذه المرحلة سيكونان أكثر هدوءًا ويمكنهما معالجة الأمر أفضل. في غالبيّة الحالات، بعد أن تهدأ أعصابنا، يمكننا حتّى أن نرى الأحداث المقلقة للغاية بصورة تختلف.