eKtab
EN ع
حكمة الكذب
Read free sample

حكمة الكذب

by نزار خليلي

Page 1
مقدمة
 
مقدمة بقلم غورام تشيكوفاني
 
أقوال أفعال وأفعال
 
وأفعال في صيغة أقوال
 
صولخان سابا أوربيلياني
 
كانت حياة صولخان سابا أوربيلياني (1658 ــ 1725) المُلقّب بأبي جورجيا مُقسّمةٌ بين الأدب والسياسة والدين. وقد تصدّر المرتبة الأولى في تاريخ البلاد الروحي والاجتماعي، وتعرّف على تباين الروابط ودسائس البلاط وأسرار السياسة، والرياء وانحطاط الإنسان ومرارة النفاق والحصاد والزرع على ضوء الحق والوجدان. وبحث عن نظم وطنه والسبل المؤدية إلى إيجاد دولة جورجية موحدة مُستقلة. ولقد تجمعت كل هذه الأمور لتكون له الشغل الشاغل والخيط الذي يربطه بالوجود. إنه سليل أسرة نبيلة تحتل مركزاً مُحترماً في جورجيا الوسطى تُعرف باسم أوربيلياني أو أوربيلاشفيلي، وقد خرج منها أدباء وكتّاب وضبّاط زينوا اسم أسرتي باراتاشفيلي وأوربيلياني. كان جدّ الكاتب، كابلان أوربيلاشفيلي يشغل منصباً هاماً في بلاط الملك رستم. وتزوج الملك فاختانك الذي خلف رستم على العرش بابنة كابلان، عمة صولخان. ورزقا بثلاثة صبيان هم جورج وآرتشيل وليون، وتسلّم الأخير العرش باسم فاختانك السادس، فكان يستهل رسائله إلى صولخان بابن خالي العزيز، ويستهل صولخان رسائله إلى فاختانك بعبارة ابن عمتي العزيز.
 
كان أبو صولخان الذي يُدعى فاختانك أيضاً، يعمل كرئيس للديوان ومشرف أعلى على بلاط الملك، وكان يُعرف بلقب أوربيلي الأكبر. إلى جانب لقب قاضي جورجيا ولقب: شقيق أُم ملِكَي كارتلي وكاخيتي.
 
تزوج فاختانك أوربيلياني بابنة حاكم آراكفي حفيدة النبيل العظيم نوغزار، وأنجب منها اثني عشر ولداً، والبكر هو صولخان الذي ولد في 24 تشرين الأول 1658 في قرية تاندزيا في جورجيا الوسطى عند منتصف ليل يوم الأحد.
 
من إخوته، أصبح ديميتري أوربيلياني ونيكولوز تبيليلي شاعرين بينما صار زال ــ روسيمي كاتباً.
 
كان على صولخان أوربيلياني أن ينال برعاية ابني عمته الملك جورج الحادي عشر الذي كان راعياً للعلماء، والملك آرتشيل وكان شاعراً، ثقافةً تليق بالوسط الذي قدّر له أن ينمو فيه. لكن المعلومات القليلة عن هذه التفاصيل لم تأتنا إلاّ من كتاباته الذاتية التي وصف فيها حياته. لقد انغمس صولخان أوربيلياني منذ صغره في حياة البلاط بما يتخللها من أحداث مختلفة ومن وقائع ذلك العصر.
 
في النصف الثاني من القرن السابع عشر والربع الأول من القرن الثامن عشر كانت جورجيا مُقسّمة بين مملكتي كارتلي وكاخيتي في نظام حكم متباين واتجاهين متناقضين، إلى جانب المنافع الإقطاعية التي أعطت فرصة لإيران في محاولة للتدخل تحت شعار المقولة القديمة "فرّق تسد،".
 
حيال هذه الأحداث رأى صولخان أنّ الواجب يُحتّم عليه أن يسعى إلى تشكيل قوة مركزية قادرة من الإقطاعيين، أملاً في توحيد المناطق الجورجية وتوفير قوتها لمواجهة أعدائها. لكنه قبل أن يبلغ غايته عيّن في البلاط مُستشاراً لملك المستقبل فاختانك السادس، فقبل المهمة وأخلص للملك فيها طول حياته، وأصبح السيد المُطاع في القصر، ووجد في هذه الوظيفة مجالاً لمتابعة تنفيذ فكرة الإصلاح الوحدوية التي بدأها، آملاً في إنشاء مملكة متطورة قوية وراح يُعالج الأمور الصغيرة منها والكبير من هذه الزاوية.
Page 2
لكن الملك فاختانك السادس نُفي إلى كيرمان عام 1713 لأنه رفض أمر شاه إيران القاضي بأن يعتنق الجورجيّون الدين الإسلامي. فكلّف فاختانك السادس صولخان بمهمة سريّة حملها الأخير على الفور وغادر جورجيا بصحبة المُبشر الفرنسي جان ريشار سرّاً إلى فرنسا عن طريق القسطنطينية، ليقدم رسالة من الملك فاختانك إلى لويس الرابع عشر تتعلّق بمستقبل جورجيا.
 
كان صولخان قد تزوج بدريجان باكرادوني وماتت في العام 1683 وهو في الخامسة والعشرين من العمر. فتزوج للمرة الثانية بتامار ابنة الأتابك (خالي باشا) ولكنها ماتت هي الأخرى في العام 1712. وكان في 18 آذار 1698 ـ وفي حياة زوجته الثانية ـ قد دخل الدير راهباً وهو يقترب من الأربعين من العمر، والتحق بدير جان بابتيست في صحراء دافيد غاريجي في المنطقة الشرقية من جورجيا، واتخذ لنفسه اسم (سابا).
 
يقع هذا الدير قريباً من إقطاعيات الداغستان، لذلك كان يتعرض باستمرار لغارات مسلحة من أتباع الإقطاعيين الداغستان، هذا إضافةً إلى قسوة العيش هناك، فالطبيعة قاسية جداً، حارّة صيفاً وباردة شتاءً، إلى جانب الأفاعي الكثيرة التي تُهدد الناس على الدوام. حتّى ظنّ أنه لن يعيش طويلاً في المنطقة لذلك راح يُراسل أصحابه ويؤكد لهم وجوده على قيد الحياة يوماً بعد يوم، فيقول لهم ها أنذا على قيد الحياة بعد مرور يوم، ثم بدأ يقول: ها قد مضى أسبوع ثم شهر ثم سنة ولم يأته الموت من تلك الظروف القاسية بل بدأ يُهدده من داخله. إذ انتابته الأمراض في الكبد والدماغ والشرايين، فيكتب قائلاً إنّ ملاك الموت يحوم حولي، وإنّ ثيابي التي اشتريتها ستصبح هباء.
 
وها هو المسيح الذي افتداك بموته واشتراك يُريد أن يهبك إلى الحياة الأبدية. أمّا الثياب التي اشتريتها فلقد دفعت قيمتها لقاء روحك التي اشتراها منك المسيح.
 
في الخامسة والخمسين من العمر توجّه صولخان سابا أوربيلياني في مسوح راهب كاثوليكي من أتباع بابتيست إلى الغرب هادفاً إلى حمل ملك فرنسا وبابا روما كليمان الحادي عشر على الاهتمام بقضايا جورجيا، فيطلب من الأول دفع مبلغ /300000 / قطعة ذهبية إلى الشاه لتحرير فاختانك، وليطلب من الثاني بعثات تبشيرية جديدة إلى جورجيا، بغية نشر المذهب الكاثوليكي فيها وليعمل في الوقت نفسه إلى شدّ اهتمام فرنسا مع الشرق. وعُقِدَتْ اتفاقيات مبدئية حول هذا الموضوع وحول إقامة جبهة تواجه الضغط الإسلامي، وتتألف من دول أوروبية مختلفة.
 
اهتم لويس الرابع عشر في فرساي بالسفير الجورجي سابا الذي قال:
 
أيّها الملك العظيم أنت قادر على تقديم المساعدة لحماية دين المسيح حتّى في الأصقاع البعيدة كبلادنا.
 
وما كادت تتم المجاملات الدبلوماسية بعد شفاء الملك لويس الرابع عشر من مرض ألمَّ به بسبب الشيخوخة حتّى قال وهو يُقارب السبعين:
 
ــ ليس سهلاً على المرء أن يتخطّى الستين.
 
فردَّ عليه سابا:
 
ــ مولاي، لقد وصلت جلالتكم إلى هذه السن بنعمة كبيرة يحسده عليها الكثير.
 
وانتشرت الكلمة في ردهات قصر فرساي.
Page 3
ولم يكن البابا أقل حرارة في استقبال ابنة سابا، وقطعت له وعود في فرساي وفي روما.
 
لكن رسالة سابا لم تتوصل إلى نتيجة. إذ ما كاد يصل إلى القسطنطنية في طريق عودته حتى علم بموت لويس الرابع عشر، وباللامُبالاة التي نظر إليها خلفه الملك الجديد إلى مطالب الوفد الجورجي، لأنّ لفرنسا مصالحها الأكثر أهمية مع إيران. وحسب عادة الغرب أُهِملَ الطلب الجورجي، كذلك فعل البابا الزعيم الروحي الغربي، وعاد إلى بلاده ليجد النقمة عليه تعمّ البلاد. وطلبت إليه هيئة الطائفة الأرثوذكسية إعلان إدانة جماهيرية للبابا، لكنّه رفض، وأيَّدَ الملك فاختانك السادس رفضه. وكان قد عاد من إيران واستمرّ في الحكم حتى عام 1719. وكان الإفراج عنه قد تم بإشارة غير مُنتظرة من بطرس الأكبر. واختار فاختانك بعد ذلك أن يعيش لاجئاً في روسيا. وسافر بصحبة عدد كبير من أتباعه، صولخان سابا بينهم. وفي الطريق إلى موسكو مرض صولخان سابا ومات في قصر آرتشيل في فسفياتسكوى، القرية التي أقطعها بطرس لفاختانك. ووجد سابا في ذلك القصر عناية خاصة من الملكة داريجان قبل موته.
 
على الرغم من حياته المُضطربة كانت أعمال صولخان سابا أوربيلياني الأدبية والعلمية من الكثرة بحيث امتلأت بها مكتبات الدولة.
 
من أهم آثاره التي اشتهر بها القاموس الجورجي الجامع الذي رتبه مُتتبعاً أصول الكلمات، وهو العمل الذي كلفّه به الملك جورج السادس ولم يبخل عليه في شيء في سبيل إنجاحه، والذي كتب له عندما استلم مخطوطه: "... لقد باركتُ عملك كثيراً ومازلت أُباركه وأُقدِّره، لأنّ ما أنجزته يجعلني أعتزّ به، لكنني لم أتمكن من فك بعض الكلمات، ولكم أود أن تُعيد نسخه بخط واضح يتيح لي قراءته بسهولة."
 
كان صولخان سابا في السابعة والعشرين من العمر عندما أنجز تأليف الجزء الأول من القاموس الذي استغرق تأليفه ثلاثين سنة. يشرح لنا المؤلف في مقدمته كيف توصّل إلى تأليف هذا القاموس الجامع الثمين فيقول: "لقد حاولت شرح الكلمات مُدققاً معانيها في اللغات اللاتينية واليونانية والإيطالية والأرمنية والروسية والعربية، وكنت أضطرُّ أحياناً إلى إهمال البحث نظراً لأنني لا أعرف غير اللغة الجورجية، وكنت أصوغ الكلمات حسبما كانوا يشرحونها لي ويفسرونها، ولم أتمكن في البداية من العثور على قواميس لاتينية أو يونانية وإلاّ لكنت أتيت بالأفضل."
 
هذا قول منه يدلّ على تواضع كبير، إذا علمنا بأنّ صولخان سابا أوربيلياني كان يُجيد اليونانية والأرمنية والفارسية، وهي اللغة التي كانت في حينه رمزاً للطبقة الراقية.
 
أمّا أعماله الدينية فكثيرة. ولقد خصص لها يوحنا لولاشفيلي كامل الجزء الثالث من دراساته التي نشرها عام 1963 تحت عنوان (أصول وقواعد المسيحية) أو (الباب إلى الجنة). وقد كتب أعماله الدينية شعراً في دير دافيد بابتيست، ولم يرقْ هذا الشعر للمحدثين لأنه يتسم بطابع شعراء القرون الوسطى التي يمكن أن تقارن بأشعار الشاعر الفرنسي بوسسويي في تجديده وجرأته.
 
استعان أوربيلياني بالمعلومات التي علمها خلال سفراته السياسية في تأليف كتاب رحلة إلى فرنسا تعرّض فيها لشؤون الأدب والفن والثقافة من كل نواحيها. ثمّ وضع كتاب رحلة إلى أوروبا تبدأ من جنيف في طريق العودة. لكن لم يُقدَّر لهذين الكتابين أن يكتملا.
 
وبناءً على طلب فاختانك السادس راجع صولخان سابا ونقّحَ ترجمة الكتاب الفارسي كليلة ودمنة، وترجم الأشعار التي تتخللها نظماً، وبرز بها كشاعر متميّز يملك لأول مرّة زمام الوزن والقافية.
 
لكن كتاب (حكمة الكذب) الذي بين أيدينا يتوّج أعماله المنثورة ويضعه فوق قمة الأدب الجورجي.
 
إن طرائف هذا الكتاب تشير إلى مأساة القديسة شوشانيك وآكوب شوتافيلي. ويستدل من عنوانه أنه مُقتبس من الكتاب الهندي (حكمة بالافار) المعروف في الغرب باسم (بارلام وجوزيفات) وكنّا نود أن نربط العنوان بالتراث الجورجي فلم نفلح.
Page 4
مقدمة المترجم
 
هذا الكتاب، (حكمة الكذب) الذي نقدم ترجمته للقارئ العربي هو واحد من سلسلة الأعمال الأدبية النثرية والشعرية التي بدأ برعايتها فقيد الأدب الجورجي المرحوم ليوان صاغارادزة، السوري، جورجي الأصل الذي رعى ترجمة وإصدار رأس السلسلة (ملحمة الفارس في إهاب النمر) لشوتا روستافيلي، ثم تابع ورعى ثلاثة كتب أُخرى، بحيث بلغ عدد الأعمال الأدبية التي نُشرت لكبار الأدباء الجورجيين أربعة كتب في عهده، فلمّا اختاره الله إلى جانبه في السماء عمد ابنه نيكولوز ليوان صاغارادزة إلى متابعة سيرة أبيه، فرعى كتاباً خامساً للشاعر آكاكي تسيريتيلي. فصارت هذه الأعمال نواة لتشكيل جمعية للصداقة العربية الجورجية في تفليس، والتي سعى إلى تشكيلها المحرّك الأول لدوران هذه السلسلة الباحث العلمي الجورجي الدكتور غورام تشيكوفاني الذي عمل داخل جورجيا وخارجها على تشجيع إخراج السلسلة، وقدّم لبعضها، وساهم في ترجمة بعضها الآخر ومازال، وهو الدؤوب الذي لا يكلّ، يوالي مساعيه لتعميق الروابط الأدبية والثقافية بين الشعبين العربي والجورجي.
 
إن موقع (حكمة الكذب) هو السابع ضمن هذه السلسلة والتي جاءت بالتسلسل كما يلي:
 
الفارس في إهاب النمر شوتا روستافيلي
 
قدر جورجيا نيكولوز باراتاشفيلي
 
الناسك إليا جافجافادزة
 
خمس قصص قصيرة عدد من الكتّاب الجورجيين
Page 5
المؤدب آكاكي تسيريتيلي
 
لاشاريلا غريغول آباشيدزة
 
حكمة الكذب صولخان سابا أوربيلياني
 
مختارات من الشعر الجورجي عدد من الشعراء من عصور مختلفة
 
لقد نُقلت هذه الأعمال إلى اللغة العربية من الترجمات الفرنسية أو الإنكليزية أو من الجورجية مُباشرةً، ولا شك في أنّ أية ترجمة عن ترجمة قد تذهب برونق الأصل وجماله، ومع ذلك توخينا الدقّة قدر المُستطاع في نقل الفكرة بأمانة وإخلاص، وآمل أن أكون قد وفقت في ما أفعل. وإذ تكلمت بلهجة الجمع قبل قليل فذلك لأنني أعني أُسرة الإصدار التي تتألف من المترجم والمُدقق والناشر.
 
أُقدّم الشكر الجزيل إلى أُسرة صاغارادزة على رعايتها المُستمرّة، وإلى غورام تشيكوفاني عماد الأسرة التنظيمية لجمعية الصداقة العربية الجورجية، وإلى اتحاد الكتّاب الجورجيين ممثلاً بجمعية الترجمة الجورجية في تفليس، وإلى كل من ساهم في دعم هذه الحركة الثقافية.
 
نزار خليلي
Page 6
حكمة الكذب
 
كان في قديم الزمان ملك فاقت أعماله الخيّرة خيال البشر، إذ نبض قلبه الكبير بالعطف والحب، وتكرّم على الناس من نعم الله الكثيرة التي أغدقها عليه. وبنفحةٍ من ريح خوف الله انقشعت عن نفسه القسوة والغلظة. وسال كرمه ندى أكثر عطاء من سحابة سخية ومن مطر مدرار. وكان مهيباً تقشعرّ لمهابته الأبدان وتملأ الناظر إليه خوفاً ورعباً. أمّا حديثه العذب فيشدُّ إليه القلوب شدّاً كما يشدّ ثدي الأم طفلها الرضيع.
 
كان اسم هذا الملك الكبير المُهيب فينيز، له وزير بلغ برجاحة عقله السماء، وقاس بذكائه الأرض بالطول وبالعرض، وسبر بعلمه أعماق البحار، وحسب عن ظهر قلب حركات الرياح والنجوم، تهفو إلى الاستماع إلى كلامه كل المخلوقات من البشر والحيوان، واسمه ستراك. يُحبّه الملك حُبّاً جمّاً. ولم يكن يوجد ما يُنغّص على الملك عيشه إلاّ حرمانه من الخلف.
 
في أحد الأيام فتح الملك أبواب خزائنه ووزّع أمواله عن آخرها على المُحتاجين مُتمنياً عليهم أن يدعوا له الله كي يرزقه بولد. كذلك كان عند الملك عبد خصي عاقل مُتعلّم لكنّه عصبي سريع الغضب، مُخلص لمليكه إلى أقصى الحدود، ويُدعى روكا. فلمّا رأى الأموال تُنفق بتبذير وإسراف كبيرين قال:
 
ــ لا يوجد ملك في الدنيا يُبذّر أمواله بهذا الشكل.
 
فردَّ عليه الوزير ستراك بالحكاية التالية:
 
ملك خراسان
 
كان في خراسان ملك عظيم طيب القلب حكيم، مُحسن، كريم، في أحد الأيام فتح ثلاثاً من خزائنه، وأوعز إلى أتباعه بأن يوزّعوا ما فيها من مال على الناس كباراً وصغاراً÷، نبلاء وعامة، خلال اثنتي عشرة ساعة فقط، فأخذ الجميع منها ولم يتوصلوا إلى إفراغها كلّها.
 
وفي اليوم نفسه أولم الملك وليمة عامرة، وسأل وزراءه عمّا إذا كانوا يعرفون أو سمعوا بملك أكثر منه ثراءً وكرماً. فأقسم ستة من الوزراء أنهم لا يستطيعون أن يجدوا ملكاً يتمتع بمثل هذه الصفات. فضحك الوزير الأصغر سناً فيهم. وسأله الملك:
 
ــ لماذا تضحك؟
 
فطلب الوزير الأمان، وأعطاه الملك الأمان. وبعدما اطمأن الوزير على سلامته قال:
 
ــ يوجد ــ أطال الله عمر الملك ــ يهودي في بلاد الصين يُدعى ملخوص، يقوم على إدارة أعماله رجل نبيل، لا يوجد في الدنيا مَنْ هو أنبل أو أكرم منه.
 
غضب الملك. لكنّه تذكّر بأنّه أعطى الأمان، ولا يجوز له أن ينكث بوعده، فأمر بسجن الوزير الشاب. ثمّ تنكّر في ثياب مسافر وتزيا بزي درويش، وانطلق وحده لرؤية هذا الرجل. ولمّا وصل إلى البلد الذي يعيش فيه، سأل وعلم أنّ من عادة هذا الرجل أن يستضيف كلّ غريب يُصادفه، في بيته، فيُحمّمه ويخلع عليه اللباس والحلل، ثمّ يتركه ليرتاح من عناء السفر، وبعد ذلك يودعه مُحمّلاً بالهدايا.
Page 7
في هذا اليوم كان النبيل يتنزه في ضاحية المدينة، ولاقى الملك مُتنكراً في زي مُتسوّل. فدعاه إلى قصره واستقبله استقبالاً رائعاً حسب عادته. وبعدما حممه وألبسه الثياب الفخمة لاحظ أنّه أمام رجل مُحترم مهيب طاهر النعمة. فسأله من أين هو قادم؟ ومَنْ هو؟ ولمّا علم بأنّه يُخاطب ملكاً، خرَّ على الأرض ساجداً وحمد الله أن أتاح له شرف استقباله. وخصص لضيف الشرف قصراً منيفاً لا مثيل له حتّى في مملكة الملك نفسه، وراح يعتذر له لأنّه لم يعرفه من الوهلة الأولى.
 
كان القصر فخماً مفروشاً بالسجاجيد والستائر الفخمة من البروكار. وفي القصر أولم النبيل وليمة رائعة على شرف الملك. فقُدِّمَتْ المآكل والمشارب في أواني ذهبية وفضية مُرصّعة بالأحجار الكريمة، وقد قُدِّمَتْ كُلّها بعد الوليمة هدية للضيف الكريم. وعاش الملك تسعة أيام في هذا القصر مُنعماً مُكرماً، تُبدّل فيه الآنية والأغطية كلّ يوم وتُقدّم هدية للملك. في اليوم التاسع اُستُقبِلَ في جناح بجمال لا يوصف، سجاجيده وأوانيه وستائره ذات جمال نادر مُرصّعة كلّها بالأحجار الكريمة، ورأى من الأحجار الكريمة ما شُكِّلَ على أشكال أشجار وأزهار بألوان واحدة مُتميزة. أُهديَتْ له كلّها، كما أُهديَتْ له ثلاث جاريات مُغنيات ما رأت العين مثلهنّ سحراً وجمالاً، وما سمعت الأذن صوتاً مثل صوتهن رخامةً وعذوبةً وسحراً، استأذن الملك بالسفر، ولم يحمل معه من كل الهدايا غير كوب من الماس وحفنة من العقيق وزهرة من الحجر الثمين، واحتفظ بالجاريات المُغنيات وشكر المُضيف بقوله:
 
ــ قدّرني الله على ردِّ كرمك بمثله.
 
وسافر ووصل إلى بلده. وأفرج عن الوزير السجين واعتذر له لتسرعه في الحكم، وكرّمه وأجلسه إلى جانبه، وأقام الأفراح.
 
أمّا اليهودي سيد ذلك الرجل النبيل فكان ساحراً. عرف كل شيء عن أمر الملك وغضب على عامله لأنّه لم يُخبره، وقرَّرَ الانتقام منه بقتله، وتجريده من كلِّ أمواله، وسلّمه إلى اثنين من الجلادين لتنفيذ أمره. فاقتاده الجلادان إلى مكان بعيد، ولكن قبل أن يُنفذا الأمر استعطفهم النبيل أن يبقوا على حياته لقاء حجر كريم كان قد أخفاه في كم قميصه للطوارئ. فقال الجلادان:
 
ــ سيدنا ــ وأنت تعرف ــ مُنجّم ساحر، سوف يراك لو بقيت على وجه الأرض وسيقتلنا بدلاً منك، لذا فاسمع إلى ما سنفعله بك. نضعك في تابوت وننزلك إلى قبر مع الموتى ونتركك لقدرك.
 
وهكذا فعلا. وعندما سأل اليهودي نجومه لم يجد للرجل أثراً على وجه الأرض واعتبره مقتولاً. في هذه الأثناء داهم لصوصٌ المقبرة بحثاً عن الثروة، وفتحوا تابوت الرجل النبيل فوجدوه مُعدماً وهو حي، لذا تركوه وشأنه. وساح الرجل في بلاد عديدة ووصل بحكم القدر إلى بلد ذلك الملك الذي استضافه، إلى خراسان. في ذلك الوقت كان الملك يُحيي احتفالاً، وجواريه يُغنين له. وبالمُصادفة خرجت إحداهنّ إلى الشرفة ورأت الرجل وهو يمرُّ من تحتها، وعرفَتْ فيه سيدها الأسبق، فأجهشت بالبكاء وأسقطت قيثارتها. فلمّا سألوها عن السبب، وصفَتْ لهم ما رأت. وأمر الملك بالبحث عن الغريب حتّى وجدوه وجاؤوا به إلى القصر، وحمّموه وألبسوه حلّة قشيبة وتركوه ليستريح. وبعد أسبوع ركب الملك مع جنده وذهب إلى اليهودي وقتله ووهب ممتلكاته إلى الرجل النبيل، وهكذا ردّ له كرمه.
 
ــ لقد حكيت لك هذه الحكاية لأقول لك، إنّ المال لا يُعطى إلاّ لمن هو بحاجة إليه، ولا يضيع الإحسان عند الله، وأستغرب يا روكا موقفك من هذا الأمر.
 
توالت الأيام، ومرّ بعض الوقت، وأنعم الله على الملك بولد كسف من حسنه نور الشمس، وبهت ضوء القمر، وخطت أجنحة السنونو قوسين فوق عيني الطفل الجميل. وأحاطَتْ أسنة الفحم ببحيرةِ عينيهِ، وتفتح الورد والزنبق على وجنتيه، وسُمي جومبر.
Page 8
عندما كبُرَ قليلاً أخرجه الملك من مهده وقدّمه للوزير ستراك وأتباعه، وحمله الوزير بين ذراعيه وباركه بقوله:
 
ــ مولاي، أمدّك الله بالعمر الطويل والسعادة وبارك ابنك ببركته الخالدة. ومنحه عناد حمار ووفاء كلب وقوة نملة.
 
ما كاد الخصي روكا يسمع هذا الكلام حتّى هاج وقال للوزير:
 
ــ لماذا أهنت ابن الملك؟ على الوزير أن يكون حكيماً حاذقاً مُحنكاً، وعلى رجل البلاط أن يتحلّى بخمس خصال:
 
أولاً ــ حلو الكلام.
 
ثانياً ــ فن تهدئة النفوس.
 
ثالثاً ــ أن لا يتفوه بكلامٍ يسوء إلى الغير.
 
رابعاً ــ أن ينطق بكلّ كلمة في حينها.
 
خامساً ــ أن يروق حديثه لكلِّ الناس.
 
فنظر إليه ستراك وقال:
 
ــ كل ما ذكرته صحيح، لكن عندما يُخصون رجلاً، يتشبّه بطبيعة النساء. ويتميَّز ذلك بضمور الشوارب واللحى، ثلاث خصال يجب أن توجد في الخصي:
 
أولاً ــ خنوع العبد.
 
ثانياً ــ السيطرة على لسانِهِ الخبيث.
 
ثالثاً ــ المحافظة على سرِّ سيده.
 
ومع ذلك فأنا لم أُسئ إلى ابن الملك. ولسوف تعلم ذلك فوراً إذا كانت تلك رغبتك.
 
اجعل حماراً يمرّ بمستنقع ضحل يغوصُ فيه. ثمّ جفِّفْ الطريق. وحاول أن تجعله يمرُّ بالطريق نفسها، فإذا نجحت فهو إذن أحمق.
 
خُذْ كلب فقير، هزيل ضعيف، إلى رجل غني ليُطعمه ويشبعه. فإذا تخلّى الكلب عن معلمه الأول مع هزاله ليتبع الغني لشبعه، فهو إذن خائن غدّار.
Page 9
جوّع نملة مدة اثني عشر يوماً تحت كوب من الزجاج. ثمّ اتركها تخرج، فإذا لم تتمكن من حمل أربعة أضعاف وزنها فهي إذن ضعيفة، وأكون أنا مُخطئاً، وإلاّ، فعلامَ تلومني؟
 
والحقيقة هي ما قال، فالحمار والكلب والنملة تتصرّف تماماً كما ذُكر. وأثلجت أقوال الوزير ومستقبل الطفل صدر الملك وسرَّتْهُ.
 
في إحدى الليالي رأى الملك في منامه شاباً جميلاً مورّد الخدين ممشوق القد، شبيهاً بالأسد بشجاعته وعنفوانه. يُحيط بوجهه زغب ناعم يُجمِّلُهُ. وقال للملك:
 
ـ كتَبَ الله العمر الطويل لولدك، فإن لم تتركه لرعايتي، ستندم، ولن تجد مؤدباً له غيري. مَنْ يبحث عنّي يجدني. وإن لم تفعل ما أقوله لك فستندم كثيراً.
 
وأضاف بعدما وضع صورته في حُجرْ الملك:
 
ــ ابحَثْ عنّي، أنصحك.
 
وغاب. واستيقظ الملك، ووجد الصورة بين يديه، لكنّه لم يجد أحداً بالقرب منه. فلمّا لم يجد الشاب حزن كما لو أنه فقد ابنه، واكتأب، فدخل عليه الوزير ووجده مُمدداً في سريره حزيناً فقال:
 
ــ مولاي منذ أن نِلْتُ شرف العيش في ظل عظمتك لم أرك أبداً حزيناً في مثل هذا الحزن. أبعد الله عنك الأمراض.
 
أجاب الملك:
 
ـ أنا لست مريضاً. لقد رأيت حُلُماً، وهذا ما يُقلقني.
 
وقبل أن يسأله الوزير عن حُلمه روى له الحكاية التالية:
Page 10
حلمُ الفقير
 
كان رجل فقير حرمه الله من كلّ شيء. وكان يحلم بأن يمتلك ستين نعجة ليبيعها. وخُيّل له بأنّ رجلاً دفع له خمس ليرات ثمناً للرأس الواحد من الغنم. لكن صاحب الغنم طلب عشراً. وفي حمأة المُساومة استيقظ الرجل الفقير وصُدِم بالحقيقة. فأغمض عينيه من جديد ومدَّ يده للمشتري قائلاً:
 
ــ خُذْها بليرتين للرأس الواحد.
 
لكن مَنْ ذا الذي سيُعطيه المال؟ وأين سيجد المموّل؟ إنّه الأمر نفسه من كلّ الوجوه يا مولاي، فلماذا تُسلّم نفسك إلى الخواطر السيئة.
 
قال الملك:
 
ــ حلمي يختلف عن غيره.
 
وروى له الحلم بكامله وقدّم له الصورة. وتعجّب الوزير من جمال الوجه الغريب وقال:
 
ــ حتّى لو لم يأت هذا الرجل من تلقاء نفسه، يجب البحث عنه، على الرغم من أننا لا نعرف بلده أو اسمه. فكيف نجده؟ لا يمكن الإمساك بالهواء باليد، لكنّ الكسول وحده لا يسعى وراء واجبه، ولكلّ امرئ قدر مكتوب عند الله.
 
وقصّ الوزير الحكاية التالية: