في سوق المواشي
كانت سوقُ الْمواشي مُكْتظَّةً بالوافدين(1) إلَيْها: مِنْهُمْ مَنْ يَقُودُ ماشِيَةً، ومنهم منْ يَحملُ كَوْمةً من التبْنِ أو كيسًا من العلَف ومنهم مَنْ يَفْحَصُ شاةً أوْ يُساوِمُ بائِعًا.
وبيْن هَؤلاء سِمْسار نَشيط يَتَنقّلُ بيْن الباعة والزّبائن، يُوَفِّق بيْن هذا وذاك، ويَعْقدُ الصفَقات مُقابلَ أجْرٍ مَعْلوم.
بَيْنمَا كانَ هذا السّمسار مُنْهمكًا في عَمَله، إذا به يلْمحُ شَخْصًا لَفَتَ انْتباهَهُ، وأثار حَيْرَتهُ وفُضولَه ! لَمْ يكن هذا الشخصُ غريبًا في شكْلهِ أوْ في زيِّهِ؛ وإنّما الغَرابةُ في فَحصِهِ لِلكباش فكلُّ الزَّبائِنِ كانُوا يَجُسّون ظُهورها لِمَعْرفة ما تَكْتَنِزُهُ منْ شحْم ولحْم، ويَفْحَصون أسْنانها لمَعْرفة أعْمارِها، أمّا هُو فكان يَقيس طولَ آذانِها! يَتقدَّم نَحْو الكبش ، فَيُمْسك أذنَهُ ويَمُدُّها، ويَضَع عليْها ذراعَه مُقارِنًا بَيْنهُما في الطول، ثمَّ يَنْتقِلُ إلى كَبْش آخَرَ وقدْ بَدَتْ على وَجْهِه عَلاماتُ الخَيْبة والحيْرة...
لاحَظ السّمسار أ نّ الرّجلَ كان يُحاولُ -عنْدَ الْقياس- أنْ لا يُثيرَ انْتباه أحد، فَزادت حْيرتُه واشتدّ بهِ الفُضول، فَتَرك شغْلَهُ، وراحَ يَتبعُ الرّجل مِنْ مكان إلى مَكان، وأخيرًا قرَّرَ أنْ يَسْأَلَهُ لِيعرفَ ما يُريد.
تَقَدّم السّمسار من الرّجل، فَحَيّاه ثُمَّ قال لَه:
"أنا سمسار ولَقدْ رَأيتُك تَقيس آذانَ الْكباشِ بِذراعِكَ فَهَلاَّ أخْبرتني عَنْ بُغْيتك؛ لَعَلِّي أسَاعِدُك في الحُصولِ عليها."
فَرَدَّ عَليْه الرَّجل التَّحيَّة بأحْسن منْها، ثُمَّ اقْتَرب منْه وقال له هامِسًا: "أبْحَثُ عن كَبْشٍ أذُنُه أطْول من ذراعِي! !"
دُهش السّمسار، وظَنَّ الرّجُلَ معْتُوهًا، فَسَأله لِيخْتَبِره:
ولماذا تبحث عَن كبشٍ كَهَذا؟ فَأجَابه الرّجل: "لَقَدْ حُرِمْتُ من الخِلْفَةِ مُنْذُ زَواجي، ولِشدَّةِ رغْبتي في وَلَد، نَذَرْت(2) لله نَذْرًا وقُلتُ: لإِنْ رَزَقَني اللهُ بِمَوْلود - ذَكرًا أمْ أنثَى- لأُضَحِّيَنَّ بكبْش أذُنُه أطْولُ مِن ذِراع إنْسان. ولقد اسْتجابَ الله لرَغْبتي فَجِئْتُ إلى هَذه السّوق؛ أبحثُ عَن الأُضحيةِ الَّتي نَذَرْتُها."
لاحَظ السّمسار أنَّ الرَّجل كانَ يتكلَّمُ بعَفْوِيةٍ ورَزانة فَأَيْقَن أنَّهُ لَيْس مَعْتوهًا كَما توَهَّم، بَلْ ساذَجٌ بسيط زَلَّ لسانُهُ فَتَورَّط. لذَلك قرَّر أنْ ينْصَحَه ويُوجِّهه، فقال له: "لقَدْ نذرتَ بمُسْتحيلٍ يا رجل، ومع ذلك سَوْف أدُلُّك على عالِمٍ خبيرٍ في الأغنام، يعرِفُ كُلَّ أنْواعها وأصنافها. إنّه هُناك في طَرَف السُّوق فاذْهبْ إليْه، تَجِدْ عنْدهُ الْخبر اليَقين."
ذهب الرّجل إلى العالم، وأعادَ عليْه ما قالهُ للسِّمسار، فَما كادَ يُنهي كَلامهُ حتَّى قال لهُ العالم بِحِدَّة: "ما هذا الهُراءُ يا رجل؟ إنّ أطول أذنٍ في رأس كَبش لا تَتجاوز شبْرًا واحدًا، فَكَيْفَ تكونُ أطْوَلَ منْ ذراع إنْسان؟"
فوجِئَ الرّجل بلَهْجَةِ العالم، وبِجوابهِ القاطِع ولكنَّهُ لمْ يفْقِد الأمل، وقال له مُسْتَعطفًا:
"يا سيّدي الْعالم! إنَّ الدُّنيا مَليئَة بِعَجائب المَخْلوقات؛ لقدْ سَمعْتُ عنْ كلابٍ آذانُها أطْولُ منْ قوائِمها، أفَلا يوجد صنْفٌ من الضَّأْن يُشبِهُ هذه الكلاب؟"
ظَنَّ العالم أنَّ الرَّجُل يَشُكُّ في عِلْمه، فازدادَ صَوْتُهُ حِدَّة وهُو يقول له: "اسْمَع يا هَذا! لقد قرأتُ كُتب الأوَّلين والآخِرين، وطَفْتُ في أرْجاء المَعْمورَة(3) كُلِّها، فرأيْتُ كباشًا بَتْراء
وأخرى بأَلْيةٍ تزنُ أرْطالاً، ورأيت كباشًا رشيقَةً كَالْماعِز، وأخْرَى مُدَوَّرةً كَالبراميل، ووُجوهُها كَوُجوهِ الخنازير. ولكنّي ما رأيتُ كباشًا آذانُها أطْولُ من قوائِمها، وما عَلِمت بِوُجودِها."
نَكَّسَ الرّجلُ رَأْسَهُ، وقال بِانكِسار:
"مَعْذِرَةً يا سيّدي العالم، ما شَكَكْت في علْمك وما قصَدْت أنْ أغْضِبَك ولكنَّني في حَيْرةٍ منْ أمْري! فَلَقَدْ نذرْت، والنَّذرُ وعْدٌ لابدَّ من الوفاء بِه."
عنْدَها شَعرَ العالم بأنَّهُ قسا على الرّجُل، فقال له بلهْجةٍ هادئةٍ فيها مَزيجٌ من اللَّوْم والعطْف:
"لَقَدْ نَذَرتَ بمُسْتحيلٍ يا رجُل. وإِنّي أنْصَحُك أن تَسْتَفْتِي(4) إمامًا فقيهًا فَمَسْألتُك تَحتَاج إلى فَتْوَى لا إلى علْم."