eKtab
EN ع
حقوق الإنسان في الوطن العربي
Read free sample

حقوق الإنسان في الوطن العربي

by د. عدنان السيد حسين

Page 1

كلمة الناشر

لم تنتهك حقوق الإنسان يوماً. كما تنتهك الآن في مستهل الألفية الجديدة الثالثة، على الرغم من التقدم الكبير الذي حققته البشرية في تقنيات الاتصال والمعلومات.

ولم تضطرب القيم، وتختل الموازين، وتلتبس المفاهيم، كما يحدث الآن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الهرب البادرة، وتصدي الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم بالعصا وإملاء الرغبات على طريقة أباطرة التاريخ، زاعمة أن قيادتها هذه تشكل نهاية التاريخ.

ولكن لا أُتَّهم بالمغالاة والتشاؤم المفضي على اليأس، فإني أبادر إلى الإعلان عن ثقتي بالإنسان، وقدرته على تجاوز كل الصعاب التي تعترضه في طريق كفاحه للتخلص من لفساد وسفك الدماء، وإيماني الراسخ بأنه قد قطع أشواطاً مهمة على الدروب الموحشة الوعرة لحقوق الإنسان، وما يزال ماضياً يخب فيهاً مصمصاً على بلوغ غايته – كما وعد الله {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}[الانشقاق: 84/6].

فلقد شهد النصف الأخير من القرن العشرين الخروج بحقوق الإنسان من أطرها المحلية والقومية الضيقة إلى المستوى الدولي والعالمي على شكل إعلانان واتفاقيات إقليمية ودولية، ولم تعد جرائم الاعتداء على حقوق الإنسان وإشعال الحروب وإيقاد نيران الفتن والإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتطهير العرقي والتعذيب الجسدي والاضطهاد بسبب الرأي.. لم تعد هذه الجرائم متروكة لمحكمة التاريخ، بل أصبح لها محاكم دولية تتناول المجرمين خارج حدود دولهم ونفوذهم، تحاول أن تستدرجهم وتقودهم للمثول أمامها قبل أن يرحلوا إلى الدار الآخرة، فتمسك بهم محكمة التي لا تجابي.

لكن وطأة الانتهاكات الإسرائيلية لأبسط حقوق الإنسان في فلسطين، التي تبدو أثقل من أن تحتملها ثقتنا بالإنسان وكفاحه من أجل العدالة، خاصة حين تأتي مدعومة ومسوَّغة من أميركا، تطرح سؤالاً عريضاً: ما مستقبل حقوق الإنسان؟ وما جدوى الإعلانات والاتفاقات بشأنها؟!

وأقول في الجواب: إنها انتكاسة، وعَدْوٌ خارج المسار، وتحليق بمعزل عن السرب، ومن يدري عندما سيمثل شارون يوماً مجرمَ حرب أمام محكمة جنايات دولية، ربما سيطلب استدعاء بوش شاهداً أو شريكاً مخططاً وداعماً ومتستراً؟!.

لقد سقطت الإدارة الأمريكية في امتحان القيادة مرتين: مرة حين دعيت لسد فراغ الاتحاد السوفياتي - على الساحة الدولية- بعد انتهاء الحرب الباردة، ومرة حين دعيت وسيطاً دولياً راعياً للسلام في قضية الشرق الأوسط فنسيت كل مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وغلَّبت المصالح الآتية الانتخابية الشخصية على مصالح الشعب الأميركي فضلاً عن المصالح الإنسانية العامة لشعوب العالم.

ولن يغفر التاريخ للإدارة الأمريكية هذه السقطات وسيحاسبها عليها الحساب العسير، ثم يمضي في طريقه نحو الهدف الأسمى {َكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود11/102].

أما الحديث عن حقوق الإنسان في الوطن العربي والعالم فأتركه بين يدي خبيرين بارعين، قدما لنا أبحاثاً معمقة وهامة، نحن أحوج ما نكون إليها لاستئناف المسيرة على هدى وبصيرة.

Page 2


القسم الأول: المباحث
الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي
1- البحث الأول: حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية
الدكتور أحمد الرشيدي
2- البحث الثاني: الديمقراطية وحقوق الإنسان بين الشرائع والقوانين
الدكتور عدنان السيد حسين
البحث الأول : حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية
د. أحمد الرشيدي
أستاذ القانون الدولي العام
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعة القاهرة -مصر
تمهيد وتقسيم
غني عن البيان، أن اصطلاح (حقوق الإنسان والحريات الأساسية)، إنما يستخدم -بصفة عامة- للإشارة إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأفراد دون أي تمييز بينهم -في هذا الخصوص- سواء لاعتبارات الجنس، أو النوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر. وتوصف هذه الحقوق وتلك الحريات، وبهذا المعنى المشار إليه، بأنها وإن كانت ذات طابع وطني أو داخلي أساساً، إلا أنها أضحت منذ فترة ليست بالقصيرة ذات جانب دولي عالمي أيضاً. كما توصف حقوق الإنسان، كذلك، بأصالتها أو بعدم إمكان التنازل عنها، وإن جاز للسلطة في المجتمع وضع ضوابط تنظيمية لها.
وطبقاً للأدبيات المعاصرة، تتعدد مصادر حقوق الإنسان، حيث إن منها ما يعود إلى القيم الدينية، ومنها ما يعد نتاجاً لجهود بعض الفلاسفة والمفكرين، ومنها ما ينسب إلى إسهامات الثورات الكبرى كالثورة الفرنسية. كما تتنوع تصنيفات هذه الحقوق، ما بين حقوق توصف بأنها مدنية وسياسية، وأخرى توصف بأنها اقتصادية واجتماعية وثقافية، وطائفة ثالثة يطلق عليها حقوق جماعية.
وفي تقديرنا، إن الشريعة الإسلامية تأتي على رأس الشرائع السماوية التي عنيت بالإنسان، وأسبغت عليه كل صور الحماية باعتباره المخلوق الذي كرمه الله تعالى وفضله على سائر مخلوقاته. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا في هذا المقام -وكما سنرى- إن الإسلام في جوهره هو دين حقوق الإنسان، وإن النظم والتشريعات الوضعية اللاحقة ذات الصلة، لم تفعل سوى الكشف عما استقر -قبلاً- في التعاليم الإسلامية بشأن هذه الحقوق وما يتفرع عنها من حريات أساسية.
وانطلاقاً من هذا الاقتناع، فقد يكون من المفيد أن يعنى التحليل، من خلال هذا البحث، بإلقاء بعض الضوء حول ماهية (النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان)، وذلك من واقع ما ينطق به المصدران الرئيسيان للتشريع الإسلامي؛ أي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وتتحدد خطتنا في تناول هذا الموضوع بتقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول، وهو ذو طابع تمهيدي، حيث سنعرض من خلاله، وفي مبحثين، للتعريف بحقوق الإنسان ومصادرها عموماً.
وأما القسم الآخر، وهو الأساس بالنسبة إلى موضوعنا، فسنخصصه للبحث في ماهية النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان، وذلك من خلال أربعة مباحث، على النحو التالي:
المبحث الأول، ويتناول التحليل فيه التصور الإسلامي لحقوق الإنسان وحرياته بصفته فرداً.
ويعرض المبحث الثاني للرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان وحرياته من منظور علاقته بالدولة أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها.
ثم يعكف التحليل، في المبحث الثالث، لبعض صور الحماية الخاصة التي أقر بها التشريع الإسلامي لبعض الأفراد والجماعات استناداً إلى اعتبارات معينة.
وأخيراً، يأتي المبحث الرابع، ليعرض لبعض الاستنتاجات العامة بشأن ملامح النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان ومبادئها الحاكمة.
 

Page 3

القسم الأول :في التعريف بحقوق الإنسانومصــادرها مدخـــل عـــام
المبحث الأول: التعريف بحقوق الإنسان
لاشك في أن المدخل إلى التعريف بحقوق الإنسان عموماً، إنما يكمن -بداية- في بيان المقصود بالحق. لذلك، نبدأ بتعريف الحق، ثم نعقبه ببيان المقصود بحقوق الإنسان، ونختم بالإشارة إلى أبرز المبادئ الحاكمة لحقوق الإنسان عموماً.
أولاً- تعريف الحق
الحق، لغة، هو الشيء الثابت بلا شك، أو هو النصيب الواجب سواء للفرد أو للجماعة. كما يعرف الحق عند بعض اللغويين بأنه الملك والمال، أو الأمر الموجود الثابت[1]. وفي المعاجم القانونية المتخصصة، يعرف الحق، على وجه العموم، بأنه ما قام على العدالة أو الإنصاف وسائر أحكام القانون ومبادئ الأخلاق(2)[2]. وفي الشريعة الإسلامية، فإن لفظ الحق يشير في أحد معانيه إلى الله تعالى حيث إنه -أي الحق- اسم من أسمائه الحسنى جل شأنه. وجمع الحق حقوق وحقاق، وإن كانت الصيغة الأولى هي الأكثر استخداماً لشيوعها(3[3].
أما من الناحية الاصطلاحية، فقد درج الفقه القانوني الوضعي، الأوربي أساساً، على التمييز بين اتجاهات أو مذاهب ثلاثة، فيما يتعلق بتعريف الحق، وهي[4]:
1- الاتجاه الأول، أو ما يطلق عليه المذهب الشخصي، ويذهب أنصاره -الذين ينتمون إلى التيار الفردي أساساً- إلى تعريف الحق بأنه: ((قدرة أو سلطة إرادية يخولها القانون شخصاً معيناً، ويرسم حدودها)). وهذه الإرادة هي معيار وجود الحق وجوهره، حيث إن الحق، وفقاً لرأي أصحاب هذا الاتجاه، إنما هو صفة تلحق بالشخص، فيصبح بها قادراً على القيام بأعمال معينة تحقق له في الغالب مصلحة يريدها[5].
وقد أخذ بعض القانونيين على هذا التعريف الأول للحق تعارضه مع المنطق. فالمشاهد، أن القدرة أو الإرادة التي ينهض عليها التعريف المذكور لا تعدو في المقام الأخير إلا أن تكون نتيجة لوجود الحق والإقرار به وليست جوهره، هذا ناهيك عن حقيقة أن الواقع يعرف حالات تثبت فيها لبعض الأفراد حقوق معينة دون أن تكون لهم إرادة، ومن ذلك مثلاً: حالتا المجنون، والصغير غير المميز[6].
2- الاتجاه الثاني، أو ما يطلق عليه المذهب الموضوعي، والذي ينسب أساساً -في الفقه القانوني الأوربي- إلى الفقيه الألماني إهرنج، ويذهب أنصاره إلى تعريف الحق بأنه: ((مصلحة يحميها القانون)). وهذه المصلحة قد تكون مادية (كحق الملكية مثلاً)، وقد تكون معنوية (كالحقوق الشخصية، ومنها مثلاً: الحق في الحرية، والحق في سلامة البدن، والحق في المحافظة على شرف الإنسان واعتباره..). كما أن هذه المصلحة تتحقق بالنسبة إلى عموم الأفراد، حتى ولو انعدمت الإرادة أو تعطلت لدى البعض منهم[7].
ووفقاً للمعنى السابق، فإن الحق إنما يقوم على عنصرين رئيسيين: الأول، موضوعي أو جوهري، ويتمثل في المصلحة التي تتجسد في الفائدة أو الميزة أو المكسب الذي يحصل عليه صاحب الحق. أما العنصر الآخر، فهو شكلي، ويتمثل في الحماية القانونية التي تكفل -من خلال التشريعات التي تنظمها- إنجاز هذه المصلحة. وتعد هذه الحماية -في نظر أنصار الاتجاه المذكور- ضرورية، حيث إن تقرير المصلحة ليس كافياً بحد ذاته، وإنما يتعين وجود غطاء مناسب من الحماية يضمن تحققها. وتأخذ هذه الحماية -في التطبيق- صوراً عدة، أبرزها صورة الدعوى أو حق التقاضي.
ونلاحظ هنا، أن الانتقاد الأساسي الذي وجه إلى المذهب الموضوعي في تعريف الحق، قد انبنى على مقولة رئيسية مؤداها أن العنصرين اللذين يقوم عليهما هذا التعريف يتعذر النظر إليهما بوصفهما جوهر الحق وأساسه. وبيان ذلك، أن العنصر الأول من هذين العنصرين -وهو ما وصف بأنه العنصر الجوهري- ليس من جوهر الحق في شيء، وإنما هو الهدف منه، ومن ثم فهو أمر خارج عنه. وكذلك الحال بالنسبة إلى العنصر الآخر (الشكلي) المتمثل في الحماية القانونية. فهذه الحماية لا تصلح -هي أيضاً- لأن تكون جوهراً للحق، وإنما لا تعدو إلا أن تكون مجرد وسيلة يقررها القانون لحماية شيء موجود هو الحق. فكأن هذه الحماية موجودة، لأن الحق موجود أصلاً قبل كل ذلك[8] .
3- وأما الاتجاه الثالث، فقوامه ما أطلق عليه بعض القانونيين التعريفات المختلطة، حيث إنها -أي هذه التعريفات- تكاد تجمع بين التعريفين اللذين انتهى إليهما الاتجاهان الأولان سالفا الذكر[9].
ومن أبرز هذه التعريفات (المختلطة)، ما يلي:
التعريف الأول، الذي يرى أصحابه أن الحق هو سلطة للإرادة الإنسانية، معترف بها ومحمية من القانون، ومحلها مال أو مصلحة.
التعريف الثاني، ومضمونه أن الحق سلطة مقصود بها خدمة مصلحة ذات صفة اجتماعية.
وأما التعريف الثالث، فيرى أنصاره أن الحق هو المال أو المصلحة المحمية عن طريق الاعتراف بقدرة لإرادة صاحبها.
 

Page 4

والواقع، أن هذا التباين في الفقه القانوني الأوربي، فيما يتصل بتعريف الحق، قد انعكس أيضاً على موقف الفقه القانوني العربي. فهنا أيضاً، نجد أنفسنا أمام تعريفات عدة، أبرزها -على سبيل المثال- ما يلي:

أ- التعريف الأول، ومفاده أن الحق هو: ((الصلة التي تربط بين طرفين، وتقوم على مصلحة مشروعة)). وقد أخذ البعض على هذا التعريف قصوره المتمثل في عدم اشتماله على الحقوق كافة، حيث إنه ينطبق أساساً على طائفة الحقوق الشخصية التي يتصور فيها وجود علاقة بين شخصين تخول أحدهما سلطة مطالبة الآخر بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل[10].

ب- التعريف الثاني، وأساسه أن الحق هو: ((قدرة لشخص من الأشخاص، على أن يقوم بعمل معين، يمنحها القانون ويحميها تحقيقاً لمصلحة يقرها)). وواضح من هذا التعريف أنه تأثر كثيراً بما ذهب إليه أنصار المذهب الموضوعي سالف الذكر، وإن كان قد استبدل بعنصر المصلحة، ما سماه عنصر القدرة على التصرف بطريقة معينة .

جـ- التعريف الثالث، ومؤداه أن الحق هو: ((المركز القانوني الذي يتمتع صاحبه بميزة يستأثر بها، ويستطيع أن يفرض احترامها على الغير)). وقوام هذا التعريف -في رأي القائلين به- خمسة أمور. فهو:

أولاً، مركز، لأن صاحبه يكون في وضع محدد يختلف به عن الآخرين.

وهو ثانياً، قانوني، لأن القانون هو الذي يقرره وينظمه ويضفي عليه الجزاء الذي يضمن احترامه.

وهو ثالثاً، يعطي لصاحبه ميزة سواء أكانت مادية أم معنوية.

وهو رابعاً، يرتب ميزة لصاحب هذا المركز القانوني مقررة لمصلحته هو.

وخامساً وأخيراً، فإن صاحب المركز القانوني إنما يستأثر وحده بالميزة المشار إليها، ودون سائر الناس[11].

ثانياً- تعريف حقوق الإنسان

انتهينا فيما سبق، إلى تعريف الحق بوجه عام، لغة واصطلاحاً. أما عن حقوق الإنسان وما يتصل بها من حريات أساسية، فقد عرفها بعض الباحثين من أمثال الأستاذ رينيه كاسان -مثلاً- بأنها: ((فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، يختص بدراسة العلاقات بين الناس، استناداً إلى كرامة الإنسان، بتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار كل كائن إنساني))[12].

وذهب الأستاذ كارل فازاك إلى تعريف قريب، حيث عرفها بأنها: ((علم يتعلق بالشخص، ولاسيما الإنسان العامل، الذي يعيش في ظل دولة، ويجب أن يستفيد من حماية القانون عند اتهامه بجريمة، أو عندما يكون ضحية للانتهاك، عن طريق تدخل القاضي الوطني والمنظمات الدولية. كما ينبغي أن تكون حقوقه -أي الإنسان- ولاسيما الحق في المساواة، متناسقة مع مقتضيات النظام العام))[13].

أما نحن، فإننا نميل إلى التعامل مع اصطلاح ((حقوق الإنسان والحريات الأساسية)) بوصفه يشير، بصفة عامة، إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص، دون أي تمييز بينهم -في هذا الخصوص- سواء لاعتبارات الجنس، أو النوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر)).

ولا شك في أن حقوق الإنسان، بهذا المعنى سالف الذكر، إنما تمثل مساحة وسطاً أو موضوعاً مشتركاً بين أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية، وبخاصة العلوم القانونية والعلوم السياسية، ناهيك -بالطبع- عن طائفة العلوم التي اصطلح بعض الباحثين المسلمين على تسميتها بالعلوم الشرعية.

فقوانين العقوبات مثلاً -أو التشريعات الجنائية- تعنى بحقوق الإنسان من زوايا عدة تتمثل -بالأساس- في التوكيد على جملة من المبادئ الحاكمة ذات الصلة المباشرة بهذه الحقوق وما يرتبط بها أن ينبثق عنها من حريات؛ كمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومبدأ شخصية العقوبة، ومبدأ الحق في الدفاع الشرعي، ومبدأ القانون الأصلح للمتهم، والمبدأ القاضي بأن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي إعمالاً للقاعدة الأصولية الإسلامية التي تقرر ((أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر))، ومبدأ التفسير الضيق للنصوص الجنائية. كما عنيت القوانين الخاصة بالإجراءات الجنائية -على وجه الخصوص- بالتوكيد بدورها على ضرورة احترام حقوق الإنسان، من منطلق الاهتمام بتقرير العديد من الضمانات؛ كالحق في الدفاع، واعتبار أن الأصل في الإنسان هو البراءة، أما كل من القانون الدستوري وعلم السياسة بفروعه المختلفة، ومنها على وجه الخصوص فرع القانون الدولي أو قانون العلاقات الدولية، فقد جاءت عنايتهما بحقوق الإنسان متمثلة في وضع الإطار المرجعي لطائفة مهمة من هذه الحقوق، ونعني بها طائفة الحقوق السياسية، كالحق في الانتخاب، وفي الترشيح لشغل الوظائف العامة، والحق في المشاركة في الحياة السياسية عموماً..

وإضافةً إلى ما تقدم، تدخل حقوق الإنسان ضمن نطاق اهتمامات فروع أخرى لعلم القانون؛ كقانون العمل والتشريعات الاجتماعية التي تعنى بهذه الحقوق من جوانب عدة، كالتوكيد على الحق في العمل، والحق في الحصول على أجر متساوٍ، والحق في إنشاء تنظيمات نقابية..

ثالثاً- حقوق الإنسان: بعض المبادئ الحاكمة

لاشك في أن القراءة المتأنية للتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، إنما تكشف عن كون هذه الحقوق وتلك الحريات إنما تنظمها مجموعة من المبادئ الحاكمة، والتي يمكن إبراز أهمها، فيما يلي:

1- الأصل في حقوق الإنسان أنها مسألة وطنية داخلية

فعلى الرغم من تعدد مظاهر الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وخاصة منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى الرغم -كذلك- من التسليم بأهمية الجهود التي بذلت في إطار الهيئات والمنظمات الدولية، بهدف تعزيز هذه الحقوق وتلك الحريات، إلا أن ذلك كله لا يخلع عن حقوق الإنسان منشأها الوطني أو الداخلي.

وتقديرنا، أن هذا المبدأ إنما يجد سنده الذي يسوغه في الاعتبارات الآتية على وجه الخصوص.

فأولاً- أن القوانين والتشريعات الوطنية على اختلاف مستوياتها هي التي اضطلعت بالجهد الأكبر في مجال تقنين حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ووضع الضوابط القانونية التي تكفل تعزيزها وحمايتها. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا في هذا الخصوص -ودون مبالغة- إن جوهر القوانين والتشريعات الوطنية في الدول عموماً، إنما يكمن في حماية الحقوق والحريات المذكورة. ولنأخذ مثلاً، القانونين الدستوري والإداري اللذين يقوم موضوعهما -وفي جانب كبير منه- على تقرير حقوق الأفراد وحرياتهم، سواء في مواجهة السلطة العامة أو في مواجهة بعضهم البعض. وكذلك الحال أيضاً، بالنسبة إلى قوانين العقوبات التي تعنى أكثرية أحكامها بإسباغ حماية شاملة لحقوق الأفراد وحرياتهم، وعلى رأسها: الحق في الحياة، والحق في سلامة البدن، والحق في الشرف والاعتبار.

وثانياً، فإنه مما يؤكد -كذلك- على المنشأ الوطني أو الأصل الداخلي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حقيقة أن من بين المصادر الرئيسية التي يعول عليها في دراسة هذه الحقوق وتطورها، إضافة إلى المصادر الدينية السماوية ومبادئ العدالة، أو قواعد الأخلاق والقانون الطبيعي والاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة، ذلك المصدر المهم المتمثل في إسهامات الفلاسفة والمفكرين في الدول عموماً، كأفكار فلاسفة العقد الاجتماعي في أوربا مثلاً (هوبز، لوك، روسو)، أو كأفكار بعض المصلحين ودعاة التنوير في بلادنا العربية والإسلامية من أمثال: الإمام محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وسلامة موسى، ومحمد الغزالي، وعلي عبد الواحد وافي..، هذا ناهيك -بطبيعة الحال- عن الأفكار المهمة التي جاءت بها الثورات الوطنية الكبرى كالثورة الفرنسية[14].

ويترتب على اعتبار أن الأصل في حقوق الإنسان أنها مسألة وطنية داخلية نتائج عديدة مهمة، في رأينا:

أما أولى هذه النتائج، فمؤداها أنه مع تقديرنا لإسهامات الفكر السياسي الغربي في مجال حقوق الإنسان، إلا أن ذلك لا ينبغي -بحال- أن يقودنا إلى التسليم بالمقولة التي يتحمس لها البعض ومؤداها أن حقوق الإنسان هذه إنما هي من نتاج هذا الفكر وحده. ومرد ذلك -بحسب اقتناعنا- إلى حقيقة أن عناية الحضارة الغربية بحقوق الإنسان، إنما تعود إلى تاريخ قريب لا يكاد يتجاوز قرنين من الزمان. فمن المقطوع بصحته -بالنسبة إلى أي باحث منصف- أن اهتمام الغرب بهذه الحقوق لم يبدأ -أساساً- إلا في أوائل الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وتحديداً مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789م، التي وضعت وثيقة مهمة في هذا الشأن عرفت بوثيقة حقوق الإنسان، وذلك من دون التقليل من المؤثرات التي سبقت هذه الثورة ككتابات بعض الفلاسفة والمفكرين من أمثال المفكر الفرنسي جان جاك روسو، وكذلك إعلان الاستقلال الأميركي الصادر عام 1776م[15] .

أما النتيجة الثانية، فمؤداها، أن العمل من أجل تعزيز هذه الحقوق وحمايتها يتعين أن يكون منطلقه الأول هو المجتمع الوطني ذاته، وهو ما يعني -في عبارة أخرى- أن نشطاء حقوق الإنسان والمناضلين على دربها في كل موقع، لابد أن يعملوا من منطلق داخلي أصلاً وأساساً، وأن يحرصوا -من ثم- على أن تكون لهم جذور ضاربة بعمق في أرضية مجتمعاتهم الوطنية.

وترتيباً على ذلك، فإنه لا يوجد ثمة ما يسوغ -بحال- استعداء الآخر الأجنبي على العنصر الوطني، تحت أي مسوّغ كان، حتى ولو كان نتيجة لوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. فالحرص على سلامة الوطن وأمنه في مواجهة التدخلات الخارجية -بأشكالها المختلفة- يتعين أن تكون له الأولوية المطلقة، وفي جميع الأحوال.

وأما النتيجة الثالثة، فمؤداها أنه مع التسليم بحقيقة أن حقوق الإنسان قد أضحت الآن -بفضل التزايد المطرد في درجة الاهتمام الدولي بها- ذات طابع عالمي، إلا أن القبول بذلك -وبحسب المذهب الذي نراه- لا يعني بالضرورة نفي الخصوصيات الحضارية والثقافية لبعض الشعوب. وبعبارة أخرى، فإذا كان صحيحاً أن ثمة قاسماً مشتركاً على مستوى بعض المفاهيم، فيما بين النظم والثقافات القانونية والسياسية المختلفة، فيما يتصل بقضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، إلا أنه صحيح أيضاً -وبالقدر ذاته- أنه ثمة خصوصيات لا ينبغي -بل وليس من الضروري أو من المصلحة- إغفالها أو التغاضي عنها. وهذه الخصوصيات، قد يكون مصدرها القيم الدينية السائدة مثلاً: (القصاص، أو رفض فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية مثلاً)، أو النظام العام والآداب (الحرية الجنسية، أو حقوق الشواذ مثلاً)، أو حتى طبيعة المرحلة من التطور والنمو التي يمر بها المجتمع[16].

واتساقاً مع هذا الإدراك، فإنه يكون من صميم حقوق الإنسان وجوهرها، حق الأفراد المنتمين إلى جماعة معينة أو إلى شعب معين في أن يشعروا بتميزهم، في حدود معينة، عن غيرهم من الجماعات والشعوب الأخرى، ومن دون أن يعني ذلك سمواً لعنصر على حساب الآخر. وأي استنتاج آخر بخلاف ذلك، من شأنه أن يصطدم -في رأينا- وظروف الواقع ومقتضياته، ناهيك عن أنه قد يؤدي في نهاية الأمر إلى إتاحة الفرصة لهيمنة ثقافة أو منظومة قيم معينة على باقي الثقافات أو منظومات القيم الأخرى[17] .

غاية القول، إذن، أن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والحضارية، فيما يتصل بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لا ينبغي النظر إليه بأي حال من الأحوال باعتباره مناقضاً -من حيث الجوهر أو المضمون- لمبدأ العالمية الذي يجب أن ينصرف فحواه، في رأينا، إلى ذلك القدر المشترك المتمثل في وجود مصلحة إنسانية للجميع في الارتقاء بالحقوق والحريات العامة، وإنما يجب النظر إليه بوصفه يمثل إضافة مهمة في هذا الشأن. فالتوكيد على مثل هذه الخصوصيات وعدم استبعادها من شأنه –ولا شك- أن يفسح الطريق للوصول بحقوق الإنسان والحريات الأساسية -فكراً وممارسة- إلى درجة أبعد مما يمكن أن يتفق عليه أعضاء الجماعة الدولية عموماً. وحسبنا، في هذا الخصوص، وتوكيداً على هذا الاستنتاج، أن نشير إلى الموقف القوي الذي تبنته الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام 1950م، فيما يتعلق بتعزيز هذه الحقوق وحمايتها، مقارنة بالاتفاقيات والمواثيق الدولية الأخرى ذات الطابع العالمي[18] .

Page 5

ولا شك في أن ما تقدم إنما يصدق بدرجة أكبر بالنسبة إلى حالة الشريعة الإسلامية التي وضعت نظاماً متكاملاً لحماية حقوق الإنسان، لا يدانيه أي نظام قانوني وضعي مهما علا في إنسانيته، وذلك على نحو ما سنرى.

2- وهناك، كذلك، مبدأ حاكم آخر مهم، مؤداه أن الأصل أيضاً في حقوق الإنسان أنها عامة أو مطلقة، أي يتعين الاعتراف بها لكل إنسان على وجه الإطلاق وفي جميع الأحوال، وأن تقييدها -لذلك- لا يكون جائزاً إلا على سبيل الاستثناء الذي لا ينبغي التوسع فيه، وإنما يكون تقديره في إطار حالة الضرورة التي تسوغه، وبشرط ألا يؤدي -أي هذا الاستثناء- إلى إهدار طائفة بذاتها من الحقوق[19].

والثابت، أن فكرة التقييد الاستثنائي لبعض حقوق الإنسان والحريات الأساسية، تجد سنداً لها في عموم التشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة على حد سواء، وإن كانت تجد سندها الحقيقي أو الأصيل -قبل ذلك كله- في المبادئ القانونية العامة، التي تقضي بأن ثمة واجبات معينة تقع على كل فرد تجاه السلطة العامة في المجتمع الذي يعيش فيه، وتجاه غيره من الأفراد سواء بسواء. كما أن إيراد قيود معينة - استثناء- على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، قد يأتي انطلاقاً من حرص المشرع، الوطني أو الدولي، على إتاحة الفرصة أمام السلطة العامة في المجتمع للتصدي بفاعلية للظروف الطارئة التي قد تستجد، والتي تستلزم تدخلاً من نوع خاص. كذلك، فقد يكون التقييد لبعض الحقوق والحريات الأساسية راجعاً إلى الرغبة في تقويم سلوك الأفراد الذين قد تسول لهم أنفسهم الخروج على مقتضى القانون.

3- وأما المبدأ الحاكم الثالث، فيتمثل في حقيقة أن حقوق الإنسان تتكامل فيما بينها. فالأصل في هذه الحقوق هو ترابطها، وعدم قابليتها للانقسام أو التجزئة[20] . وترتيباً على ذلك، فإنه لا يوجد ثمة ما يسوغ -من حيث المبدأ- إعطاء أولوية خاصة لطائفة بعينها من هذه الحقوق، كالحق في الغذاء مثلاً أو الحق في العمل، على حساب طائفة أو طوائف أخرى منها، كالحقوق المدنية والسياسية مثلاً كالحق في حرية التعبير والاجتماع، أو الحق في المحاكمة العادلة مثلاً.

على أن القول بمبدأ تكامل حقوق الإنسان وترابطها وعدم قابليتها للانقسام أو التجزؤ، لا يعني -أحياناً- عدم إمكان الخروج على مقتضاه. فالأفراد ليسوا سواء دوماً من حيث الظروف الموضوعية التي يعيشونها، أو من حيث نوعية الاحتياجات الأساسية التي يتعين إشباعها. وبعبارة أخرى، فإنه مهما تحدثنا -مثلاً- عن وجوب إعمال مبدأ المساواة بين بني الإنسان أينما وجدوا، إلا أنه يبقى صحيحاً أيضاً -وبالقدر ذاته- أن احتياجات الحياة ومتطلباتها بالنسبة إلى شخص يعيش في مجتمع، كالمجتمع الفرنسي أو المجتمع الياباني مثلاً، والذي خطا كل منهما بخطوات بعيدة على مدارج التقدم المادي والديمقراطي، تختلف -كماً وكيفاً بلاشك- عن احتياجات الحياة ومتطلباتها بالنسبة إلى شخص آخر يعيش في مجتمع تقليدي، لا يزال يتحسس خطاه على طريق التنمية والتقدم، كالعديد من المجتمعات في دول الجنوب.

4- أن هناك من حقوق الإنسان والحريات الأساسية ما لا يجوز التنازل عنه البتة، وتحت أي ظرف كان[21]. وتوصف هذه الطائفة من الحقوق والحريات بأنها من قبيل الحقوق الملازمة للشخصية، بالنظر إلى أن محلها هو المقومات الأساسية -المادية والمعنوية- لذات الإنسان، والتي يستحيل وجوده بدونها[22] . ومن أمثلة الحقوق التي لا يجوز التصرف فيها، على أي نحو كان: الحق في الحياة، والحق في سلامة البدن. وعلى ذلك، فلا يجوز لأي فرد التنازل عن حقه في الحياة، سواء بإقدامه هو نفسه على الانتحار مثلاً، أو بالسماح لغيره - الطبيب مثلاً- بقتله تخليصاً له من الآلام التي يعانيها.

والقول بعدم جواز التصرف في طائفة بذاتها من حقوق الإنسان أو التنازل عنها، إنما يجد سنده في مصادر رئيسية ثلاثة على الأقل، وهي: المصادر الدينية السماوية ومثالها الشريعة الإسلامية، والتشريعات الوطنية، والاتفاقات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان عموماً.

ففيما يتعلق بالشريعة الإسلامية - وكما سنرى لاحقاً- يلاحظ أن النظرية السياسية الإسلامية في تناولها لمسألة حقوق الإنسان، قد انطلقت من مبدأ حاكم مفاده أن هذه الحقوق ليست مجرد حقوق تتيح لصاحبها مكنة الانتفاع أو التمتع بها وفقاً لأهوائه الشخصية أو لسلطته التقديرية فحسب، وإنما تتجاوز ذلك -في بعض الأحوال- إلى مرتبة الواجبات التي يتعين الالتزام بها والامتثال لمقتضياتها، حتى من جانب صاحب الحق نفسه. وترتيباً على ذلك، فقد نهى الفرد المسلم، مثلاً، عن التنازل -صراحة أو ضمناً- عن حقه في الحياة سواء بإقدامه هو على قتل نفسه (بالانتحار) أو بالسماح لغيره بقتله ولو تخليصاً له من آلامه المزمنة. وقد ورد هذا النهي في العديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، التي نذكر منها، قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 4/29]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار، والذي يقتحم (أي يرمي نفسه) يقتحم في النار))[23].

أما على مستوى التشريعات الوطنية، فيلاحظ أنها قد تضمنت، بدورها، العديد من الأحكام التي لا تجيز للفرد التنازل عن بعض حقوقه وحرياته الأساسية. ومن تطبيقات ذلك، مثلاً، ما نص عليه التشريع المدني المصري في المادتين 48 و49 منه، من أنه: ((ليس لأحد النزول عن أهليته، ولا التعديل في أحكامها))، و((ليس لأحد النزول عن حريته الشخصية)). ومن ذلك، أيضاً ما نصت عليه المادة الأولى من القانون رقم 73 لسنة 1956م بشأن تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، من أنه: ((على كل مصري وكل مصرية بلغ من العمر ثماني عشرة سنة ميلادية أن يباشر بنفسه الحقوق السياسية الآتية:

1- إبداء الرأي في كل استفتاء يجري طبقاً لأحكام الدستور.

2- إبداء الرأي في الاستفتاء الذي يجري لرياسة الجمهورية؛ انتخاب أعضاء مجلس الشعب..)). ومؤدى الأحكام السابقة، أنه لا يجوز للفرد التنازل عن حقه في أن يباشر بنفسه -ودون وكالة- حقوقه المدنية والسياسية المشار إليها.

5- عدم جواز الاحتجاج بقاعدة التقادم، فيما يتعلق بالجرائم التي تشكلها انتهاكات حقوق الإنسان.

جرى العمل من جانب التشريعات الوطنية والدولية على حد سواء، على استثناء الجرائم الناشئة عن الاعتداءات التي تستهدف حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من القاعدة العامة، التي تقضي بسقوط الحق في رفع الدعاوى بالتقادم. فعلى مستوى التشريعات الوطنية، هناك -مثلاً- ما تنص عليه المادة 57 من الدستور المصري الحالي الصادر عام 1971م من أن: ((كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم. وتكفل الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء)).

وأما على مستوى التشريعات الدولية، فهناك -على سبيل المثال- ما نصت عليه المادة 29 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي تم التوقيع عليه في روما في 17 تموز/ يوليو 1998م، من أن الجرائم التي تدخل في اختصاص هذه المحكمة لا تسقط بالتقادم. وكما هو معلوم، فإنه طبقاً لنص المادة 5/1 من نظامها الأساسي، تختص المحكمة المذكورة بنظر الجرائم الآتية التي تشكل في مجملها اعتداء صارخاً على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان.

Page 6

المبحث الثاني : مصادر حقوق الإنسان

من المسلم به، بصفة عامة، أن تطور الاهتمام الوطني والدولي بالفرد وحقوقه وحرياته الأساسية، والذي بلغ الآن درجة لم يعهدها من قبل، إنما يرتد من حيث الأصل إلى ثلاثة أنواع من المصادر، هي[24] : المصادر الدينية، والمصادر المتمثلة في نتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين وقيم الثورات الإنسانية الكبرى، ثم المصادر الاتفاقية وقوامها الاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية -العالمية والإقليمية- ذات الصلة بهذه الحقوق، والتي تشكل الآن -وفي مجملها- فرعين جديدين من فروع القانون الدولي العام، ونعني بهما: القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.

أولاً- التعاليم الدينية كمصدر لحقوق الإنسان

لاشك في أن المصادر النابعة من الأديان السماوية ينظر إليها -من جانب بعض الباحثين وبحق- بوصفها هي التي وضعت الأساس الفكري أو النظري لحقوق الإنسان. ولسنا هنا بحاجة إلى التوكيد على حقيقة أن من بين القيم العليا، أو المبادئ الحاكمة في الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، المبدأ القاضي بوجوب احترام حقوق الأفراد جميعاً، دون أي تفرقة بينهم، لأي اعتبار كان.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا، في هذا الخصوص، إن ما نص عليه -مثلاً- في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وفي العديد من الإعلانات والمواثيق التالية ذات الصلة بحقوق الإنسان، بشأن عدم جواز التمييز في المعاملة بين الأفراد لأسباب متعلقة بالجنس، أو الأصل الوطني، أو العرقي، أو الانتماء السياسي، ما هو إلا أمر كاشف عما نصت عليه - قبلاً- هذه الأديان السماوية[25] .

وإذا أخذنا وجهة نظر الإسلام أو موقفه، كمثال لموقف الأديان السماوية، فيما يتعلق بالتوكيد على وجوب احترام حقوق الإنسان وإقرار الضمانات اللازمة لكفالة التمتع بها، فإننا ننتهي إلى القول بأن هذا الموقف قد تحدد إجمالاً من خلال النظر إلى هذه الحقوق من جوانب رئيسية ثلاثة، هي:

الجانب الأول: وهو الذي يتعلق بالنظر إلى الإنسان بصفته فرداً، تعترف له الشريعة بمجموعة من الحقوق والحريات، التي لا غنى له عنها، والتي يتعين الإقرار له بها استناداً إلى هذه الصفة.

والجانب الثاني: ويتمثل في نظرة الشريعة إلى ما ينبغي أن يتمتع به الإنسان -من حيث علاقته بالدولة أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها- من حقوق وحريات.

وأما الجانب الثالث، فيتعلق بالحماية الخاصة التي كفلها الإسلام لبعض الأفراد والجماعات استناداً إلى بعض الاعتبارات الخاصة.

ثانياً- الفكر الفلسفي - السياسي وقيم الثورات الكبرى كمصدر لحقوق الإنسان

كما نوهنا سلفاً، فإن من بين المصادر المهمة ذات الصلة بتطور حقوق الإنسان والحريات الأساسية للأفراد، المصدر المتمثل في نتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين والثورات الإنسانية الكبرى، منذ نشأة المجتمعات السياسية المنظمة، وعلى مر العصور.

أما فيما يتعلق بنتاج الفكر الإنساني وإسهامات الفلاسفة والمفكرين السياسيين، فيمكن القول إن الأدبيات ذات الصلة قد صنفت إلى مدارس رئيسية ثلاث، هي[26]:

1- مدرسة القانون الطبيعي، التي انطلقت من فكرة أساسية مؤداها أن أي إنسان يعيش في جماعة منظمة، إنما يلزمه التمتع بمجموعة الحقوق التي يستحيل عليه الحياة بدونها. وتوصف هذه الحقوق بأنها حقوق مصدرها القانون الطبيعي، الذي ينظر إليه بوصفه المرجع الأعلى للحقوق والواجبات. ويعتبر فلاسفة نظرية العقد الاجتماعي -هوبز ولوك وروسو- من أبرز المفكرين الذين أسهموا في إثراء فكر هذه المدرسة كمصدر لحقوق الإنسان. وبحسب آراء هؤلاء المفكرين، تقوم فكرة (الحقوق الطبيعية) على ركائز أربع، هي:

أولاً- أن هذه الحقوق سابقة من حيث نشأتها على الوجود السياسي للجماعة (الدولة)، وهو ما يعني أن ثمة مسؤولية تترتب على هذه الجماعة (الدولة) تقضي بوجوب احترامها وعدم المساس بها.

وثانياً- أن أي تناقض يقوم بين سلطة الجماعة (الدولة) وبين حقوق الأفراد وحرياتهم، يتعين أن يتم حسمه لمصلحة هذه الأخيرة، باعتبار أن الغاية من وجود الجماعة السياسية (الدولة) إنما هي حماية هذه الحقوق وتلك الحريات.

وثالثاً- أن مبدأ الحرية يشكل قاعدة الوجود السياسي، وهو ما يعني أن سلطة الدولة مقيدة لمصلحة حقوق الأفراد وحرياتهم.

Page 7

والواقع، أنه مع تقديرنا لإسهامات مدرسة القانون الطبيعي في محاولة بناء نظرية حقوق الإنسان، إلا أنه يؤخذ على هذه المدرسة نظرتها الجامدة لحقوق الإنسان. فالثابت، أنه ليس هناك حقوق طبيعية أزلية منبتة الصلة تماماً بوجود الإنسان -ككيان اجتماعي- في إطار الجماعة السياسية التي ينتمي إليها، وما يحيط بها من متغيرات تختلف -بالتأكيد- من جماعة إلى أخرى[27].

2- مدرسة القانون الوضعي: والتي شدد أنصارها على حتمية وضع الحقوق الأساسية للإنسان في قوالب قانونية مناسبة ومقبولة. وفي إطار هذه المدرسة القانونية، ظهرت أفكار مهمة أثرت مفاهيم حقوق الإنسان في الفكر السياسي الأوربي. ومن هذه الأفكار -وعلى سبيل المثال- نظرية مونتسكيو عن ((الفصل بين السلطات))، والتي استهدفت -بالأساس- الحد من تركز السلطة في يد الحاكم. ومنها، أيضاً، النظرية الديمقراطية، التي جعلت الفرد محور اهتمامها الرئيسي، وركزت -من ثم- على حماية حقوقه الشخصية[28].

والثابت، أن هذه المدرسة -وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي وجهت إليها من جانب خصومها- قد أسهمت لاحقاً وبدرجة كبيرة في تشكيل الأساس الفكري الذي انبنت عليه عملية تقنين حقوق الإنسان على المستويين العالمي والإقليمي على حد سواء، وبالذات فيما يتعلق بتحديد مضمون هذه الحقوق ونطاق التمتع بها، أو من حيث تقرير الضمانات الكفيلة بحمايتها.

3- المدرسة النفعية: وينطلق أنصار هذه المدرسة من مقولة أساسية، مفادها أن الجماعة التي يعيش الفرد في كنفها، إنما هي أصل الحقوق التي يتمتع بها. واتساقاً مع ذلك، خلص هذا الفريق من الباحثين إلى القول بأنه يتعين على هذه الجماعة أن تحرص دوماً على تحقيق أكبر قدر من المنافع لأكبر عدد من الأفراد، حتى ولو استلزم ذلك -استثناء- التضحية بحقوق فرد معين أو أفراد معينين[29].

وأما فيما يتعلق بإسهامات الثورات الكبرى في مجال حقوق الإنسان، فحسبنا أن نشير هنا -كمثال- إلى حالة الثورة الفرنسية. ومما هو غني عن البيان، في هذا الخصوص، أن الاهتمام الغربي بحقوق الإنسان بدأ -أساساً- بالأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية عام 1789م، حيث ينسب إلى هذه الثورة أنها هي التي وضعت أول وثيقة مهمة عن حقوق الإنسان، أقرتها الجمعية التأسيسية -برلمان الثورة- وأصدرتها كوثيقة سياسية واجتماعية في 26 آب/أغسطس 1789م. ثم عمدت الثورة إلى تضمين الدستور الفرنسي الجديد الذي أصدرته مجمل الأفكار الواردة في الوثيقة المشار إليها، لتكتسب الحقوق والحريات صفة قانونية دستورية[30].

وقد اعتمدت الوثيقة، فيما تضمنته من أفكار، على مصدرين رئيسيين، هما: آراء المفكر الفرنسي جان جاك روسو؛ أحد أبرز مفكري نظرية العقد الاجتماعي، من جهة، وإعلان (حقوق الاستقلال الأميركي)، الصادر في تموز/يوليو 1776م، من جهة أخرى.

ومن المبادئ والحقوق التي تضمنتها وثيقة حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية، ما يلي على وجه الخصوص[31]: ((أن الناس يولدون ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق؛ وأن حقوق الإنسان الطبيعية الخالدة، هي: الحرية، والملكية، والأمن، ومقاومة الطغيان؛ وأن القانون لا يحظر إلا الأعمال الضارة بالمجتمع؛ وأن السيادة للشعب، وأن القانون تعبير عن إرادته، ولكل مواطن حق الإسهام في وضعه؛ وأن لجميع المواطنين حقوقاً متساوية في جميع المناصب والوظائف العامة وفقاً لكفاياتهم، ولا تمييز بينهم إلا بفضائلهم ومواهبهم؛ وأنه لا عقاب إلا على الأعمال التي يقرر العقاب عليها قانون سابق على تاريخ ارتكابها؛ وأن كل متهم مفروض أنه بريء حتى تثبت إدانته؛ وأن لكل فرد حرية الرأي والعقيدة، ما لم تخل ممارستها بالنظام العام، وأن لكل مواطن حق الكلام والكتابة، دون إسراف في استعماله)).

ومنذ ذلك الحين، أخذت هذه الأفكار الجديدة تنتشر في أوربا وعلى مستوى العالم حتى صار ينظر إليها -عموماً- على أنها مصدر مهم من مصادر حقوق الإنسان في النظم القانونية الوضعية.

ثالثاً- الاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية

المشاهد، أن هناك العديد من الاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية، التي أبرمت أو صدرت تباعاً، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى على أقل تقدير، وكان لها دور مهم في محاولة صياغة نظرية متكاملة لحقوق الإنسان.

ولعل من أهم هذه الاتفاقيات وتلك المواثيق والإعلانات، ما يلي على وجه الخصوص[32]:

1- الاتفاقات والمواثيق الدولية ذات الطابع العام، وتشمل ما يلي على وجه الخصوص: ميثاق الأمم المتحدة الذي تضمن أحكاماً مهمة خاصة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948م)؛ العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966م)؛ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966م).

2- الاتفاقات والمواثيق والإعلانات الدولية ذات الطابع الخاص أو المنظمة لموضوعات بذاتها. ومن هذه الاتفاقات والمواثيق والإعلانات، نشير إلى ما يلي:

أ- ما يتعلق بمكافحة التمييز العنصري، ومنها ما يلي على سبيل المثال[33]: إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1963م؛ الاتفاقية الدولية الصادرة 1965م بشأن إلغاء جميع أشكال التمييز العنصري والتعديلات التي أدخلت عليها عامي 1982، 1992م؛ الاتفاقية الدولية الخاصة بقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (1973م)؛ الاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري في الألعاب الرياضية لعام 1985م؛ الإعلان الدولي بشأن العنصر والتمييز العنصري لعام 1978م؛ اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 100 بشأن المساواة في الأجر بين الرجال والنساء (1951م)؛ اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) الصادرة عام 1960م بشأن منع التمييز في التعليم؛ اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 الصادرة عام 1958م بشأن منع التمييز في العمل والاستخدام؛ اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 156 والصادرة عام 1981م بشأن المساواة في الفرص وفي العمل من الرجال والنساء.

ب- الاتفاقات التي تتعلق بجرائم إبادة الجنس البشري، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ومنها على سبيل المثال: الاتفاقية الخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليها والصادرة عام 1948م؛ والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية أو غير الإنسانية أو الحاطة من كرامة الإنسان والصادرة عام 1984م؛ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر عام 1998م[34] .

جـ- الاتفاقات التي تتعلق بحماية الأجانب، واللاجئين، والأشخاص عديمي الجنسية، ومن أمثلتها: الاتفاقية الخاصة بالمركز القانوني للاجئين والصادرة عام 1951م؛ البروتوكول الصادر عام 1967م بشأن مركز اللاجئين؛ الاتفاقية الخاصة بمركز الأشخاص عديمي الجنسية والصادرة عام 1954م؛ الاتفاقية الخاصة بتخفيض حالات انعدام الجنسية والصادرة عام 1962م[35].

د- الاتفاقات التي تتعلق بحقوق العمال وحرياتهم، ونشير منها بالأساس إلى اتفاقيات العمل الدولية الآتية[36]: الاتفاقية رقم 11 الصادرة عام 1921م، والخاصة بالحق في الاجتماع وتكوين الاتحادات للعمال الزراعيين؛ الاتفاقية رقم 87 الصادرة عام 1948م، والخاصة بالحق في الاجتماع وحماية الحق في التنظيم؛ الاتفاقية رقم 98 الصادرة عام 1964م والمتعلقة بسياسات التشغيل والاستخدام؛ الاتفاقية رقم 135 الصادرة عام 1971م والمتعلقة بحماية ممثلي العمال؛ الاتفاقية رقم 141 الصادرة عام 1975م والخاصة بمنظمات العمال الريفيين؛ الاتفاقية رقم 151 الصادرة 1978م والمتعلقة بكفالة الحق في التنظيم وشروط العمل والاستخدام في القطاع العام؛ الاتفاقية الدولية بشأن حماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم الصادرة عام 1990م.

هـ- الاتفاقات التي تتعلق بحماية النساء والأطفال والأسرة، ومن تطبيقاتها نشير مثلاً إلى ما يلي[37] : الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة والصادرة عام 1952م؛ الاتفاقية الخاصة بجنسية المرأة المتزوجة والصادرة عام 1957م؛ الاتفاقية الخاصة بالموافقة على الزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل حالات الزواج والصادرة عام 1962م؛ الإعلان الخاص بالقضاء على التمييز ضد المرأة لعام 1967م؛ الإعلان بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة لعام 1974م؛ الاتفاقية الخاصة بإلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة والصادرة عام 1979م؛ إعلان حقوق الطفل عام 1959م؛ والإعلان المتعلق بالمبادئ الاجتماعية والقانونية المتصلة بحماية الأطفال ورعايتهم مع الاهتمام الخاص بالحماية والتبني على الصعيدين الوطني والدولي الصادر عام 1986م؛ الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل والصادرة عام 1989م.

و- الاتفاقات التي تتعلق بالمحاربين، والأسرى، والمدنيين، ومن أبرزها ما يلي[38]:

اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949م بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان؛ اتفاقية جنيف الثانية لعام 1949م بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى بالقوات المسلحة في البحار؛ اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م بشأن معاملة أسرى الحرب؛ اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب؛ البروتوكولان الإضافيان الملحقان باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م والمتعلقان بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية والصادران عام 1977م.

3- على المستوى الدولي الإقليمي

ونشير -على سبيل المثال- إلى الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات الآتية: الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والصادرة عام 1950م؛ الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1967م؛ إعلان الجزائر حول حقوق الشعوب عام 1976م؛ الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب عام 1981م؛ مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعوب في الوطن العربي لعام 1986م؛ إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام عام 1990م؛ الميثاق العربي لحقوق الإنسان والذي وافق عليه مجلس جامعة الدول العربية في عام 1994م[39].

Page 8


القسم الثاني :في النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان
سلفت الإشارة إلى أن المصادر النابعة من الأديان السماوية -وفي مقدمتها الدين الإسلامي- ينظر إليها من جانب بعض الباحثين باعتبارها هي التي تشكل الأساس الفكري لمنظومة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية على وجه العموم. فالقيم العليا التي جاءت بها هذه الأديان، هي التي بنيت عليها -لاحقاً- القوانين والتشريعات الوطنية والدولية في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان وحرياته.
والثابت، أن الوقوف على ماهية النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان ربما يمكن الوصول إليه، من خلال تركيز النظر على جوانب ثلاثة حظيت باهتمام الشريعة الغراء في هذا الشأن:
فأولاً، هناك الجانب المتعلق بطائفة الحقوق التي اعترفت بها الشريعة للإنسان باعتباره فرداً يلزم الاعتراف له بها.
وثانياً، هناك الجانب الذي يتعلق بطائفة الحقوق التي يتعين الإقرار بها للإنسان من منظور علاقته بالدولة أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها.
وثالثاً، وأخيراً، هناك الجانب المتعلق ببعض صور الحماية الخاصة التي أقرت بها الشريعة الإسلامية لبعض الأفراد والجماعات سواء استناداً إلى اعتبارات معينة، أو استجابة لظروف طارئة.
المبحث الأول: حقوق الإنسان وحرياته بصفته فرداً
لاشك في أن المدخل الصحيح للوقوف على كنه النظرية الإسلامية في ما يتعلق بحقوق الإنسان عموماً، أي بصفته فرداً، يحتاج إلى الاعتراف له على الأقل بحد أدنى من الحقوق والحريات الأساسية، إنما يتمثل في النظر إلى تمتع هذا الإنسان بمكانة خاصة يتقدم بها على الكثير من خلق الله تعالى. ومن هنا، فقد استحق الإنسان الفرد التكريم من الخالق جل وعلا. وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة مؤكدة على ذلك وبشكل قاطع: {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 17/70]، {لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 95/4].
ومن الحقوق الأساسية التي قررها الإسلام للإنسان، بصفته فرداً، نشير إلى ما يلي على وجه الخصوص:
 

Page 9

أولاً- الحق في الحياة

يستمد هذا الحق - في نظر الإسلام- أساسه ومصدره من حقيقة أن حياة الإنسان، إنما هي هبة من الخالق عز وجل، ولذلك فإن الاعتداء على هذا الحق يجب أن يواجه بعقوبة مشددة للغاية.

ومن مظاهر حماية الإسلام للحق في الحياة، تحريم القتل العمد للنفس، ودون تفرقة في ذلك بين الرجل والمرأة، أو بين المسلم وغير المسلم، أو بين العاقل والمجنون، أو بين الشريف والوضيع، أو بين العالم والجاهل. وقد ارتقى الإسلام بهذا الحق إلى الحد الذي اعتبر أن الاعتداء عليه يرقى إلى مرتبة الاعتداء على الناس كافة. ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك، قوله تعالى: {..مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلَى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعا} [المائدة: 5/32]، {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ} [الإسراء: 17/33]، {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 4/29]، {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} [الأنعام: 6/151]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها} [النساء: 4/93].

ويستدل على حماية الإسلام حق كل فرد في الحياة وفي صيانة نفسه، أنه روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح- قوله إنه: ((لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة))[40]. كما يستدل على ذلك أيضاً ما ورد في خطبة الوداع، حيث شدد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على حرمة النفس ونهى عن قتلها، بقوله عليه الصلاة والسلام: ((.. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وأنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم..))[41].

وترتيباً على ذلك -وامتثالاً لقوله تعالى: {وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 5/45]- يقتل الرجل في المرأة، والبالغ في الصبي، والعاقل في المجنون، والعالم في الجاهل، والشريف في الوضيع، والمسلم في الذمي. كما يقتل الجمع في الواحد إن ثبت تمالؤهم عليه. ويكون المبدأ الحاكم، هنا، هو النزول على مقتضى الآية الكريمة: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 35/18، والزمر: 39/7]. فالعقوبة شخصية، حيث لا مسوغ البتة لأن يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه. فالإسلام، إذن، يحترم الحياة الإنسانية على الإطلاق، وأنه قد شرع عقوبة القصاص حماية لهذه الحياة من القتل، دونما اعتبار لجنس القتيل أو سنه أو منزلته أو ديانته.

أما إذا كان إزهاق الروح الإنسانية على سبيل الخطأ، فقد أوجب الإسلام في شأنه الدية والكفارة على القتيل، وذلك امتثالاً لقوله عز وجل: {وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 4/92].

كذلك، فقد حرم الإسلام قتل الإنسان نفسه بنفسه. وقد ورد النهي عن قتل الإنسان نفسه، في آيات عدة، منها قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 4/29]. كما ورد النهي عن ذلك، أيضاً، في أحاديث نبوية شريفة، منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً))[42] .

ثانياً- حق الإنسان في حماية شرفه واعتباره، وفي حريته الشخصية، وفي حرمة حياته الخاصة عموماً

وقد كفل الإسلام هذا الحق للإنسان من خلال تقرير نظام رادع للعقوبات لكبح جماح كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه، على نحو ينال من شرفه أو اعتباره، كما في حالات الزنا، وهتك العرض، والقذف، ومن العقوبات التي قررها الإسلام في هذا الشأن: الرجم حتى الموت كما في حالة الاعتداء على شرف الإنسان بارتكاب جريمة الزنا من جانب شخص محصن (أي متزوج)، والجلد مئة جلدة في حالة إذا ما وقع الاعتداء بالزنا من جانب شخص غير محصن (أي غير متزوج)[43] . كذلك، فقد نهى الإسلام بشدة عن الأخلاق الذميمة التي تسيء إلى الإنسان وتنال من كرامته وسمعته؛ كالغيبة، والنميمة، والتجسس، والتنابذ بالألقاب[44].

أما عن الحق في الحرية الشخصية لكل إنسان كحق من حقوقه الأساسية، فحسبنا أن نشير -على سبيل المثال- إلى حرص الشريعة الإسلامية على تحرير الإنسان من قبضة غيره (تحرير الأرقاء).

فالثابت، أنه مع أن الرق -كنظام اجتماعي واقتصادي- قد عرفته ودافعت عنه نظم قانونية عديدة قبل ظهور الإسلام، بل وظل في بعضها، كما في أوربا، حتى نهاية القرن التاسع عشر، فقد جاءت الشريعة الإسلامية -على الرغم من ذلك- لتغلق منافذ هذا النظام ولتفتح أبواب العتق أمام الأشخاص كافة الذين ساقهم سوء حظهم أن يقعوا في قبضة غيرهم من الأشخاص بأي صورة من الصور[45] .

فالثابت، أن القرآن الكريم جاءت آياته خلواً من أي إشارة تبيح الرق، بل على العكس تضمنت هذه الآيات الكريمة العديد من الأحكام التي تدعو إلى عتق الأرقاء. والشيء ذاته نجده، كذلك، بالنسبة إلى السنة النبوية الشريفة، حيث ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أعتق كل من كان عنده من رقيق الجاهلية، وأعتق -كذلك- من أهدي إليه منهم[46].

والواقع، أنه إذا كان قد ثبت عن الخلفاء الراشدين أنهم استرقوا بعض الأسرى، إلا أن ذلك إنما جاء إعمالاً لمبدأ المعاملة بالمثل ليس إلا. فالصحيح –كما يستنتج بعض الباحثين- أن الخلفاء الراشدين لم يبيحوا الرق بجميع أشكاله، على نحو ما جرى عليه العمل في الشرائع السابقة، وإنما حصروه فقط في حالة الحرب المشروعة المعلنة من المسلمين ضد عدوهم الكافر، أما ماعدا ذلك من صور الرق فقد اعتبر -عندهم- مجرماً شرعاً[47].

وقد عالجت الشريعة النظام المذكور بأساليب شتى، منها مثلاً[48] :

1- التوكيد، بداية، على مبدأ المساواة بين بني البشر، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 4/1].

2- التوكيد على مبدأ الأخوة الإنسانية.

3- فتح أبواب الحرية أو العتق أمام الأرقاء، ومنها الكفارات، والتي نذكر منها:

أ) كفارة القتل الخطأ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 4/92].

ب) كفارة الظهار {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماسّا} [المجادلة: 58/3].

جـ) كفارة حنث اليمين {لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 5/89].

د) سهم الزكاة {إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 9/60].

هـ) فتح الباب أمام إمكانية أن يفتدي العبد أو المسترق نفسه مقابل مال يدفعه إلى من يملكه، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا} [النور: 24/33].

وإضافة إلى ما تقدم، فقد أوصى الإسلام أتباعه بحسن معاملة الأرقاء والإحسان إليهم، ذلك إلى أن يتيسر لهم سبيل العتق، ومن الشواهد الدالة على ذلك، نشير إلى ما يلي على وجه الخصوص[49].

أ- أن الله تعالى أوصى بالإحسان إلى الأرقاء، تماماً كما أوصى سبحانه بالوالدين وذوي القربى، وذلك بصريح النص القرآني: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتامَى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء: 4/36]. كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله للمسلمين: ((اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم))[50].

ب- نهت الشريعة أن ينادي أحد رقيقه بأسلوب ينطوي على احتقار أو إذلال. وآية ذلك، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي، وليقل فتاي وفتاتي، وغلامي))[51].

جـ- الأمر بأن يأكل الأرقاء مما يأكل سادتهم وأن يلبسوا مما يلبسون. فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التوكيد على هذا المعنى: ((خولكم، إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم))[52].

4- ويتصل بما تقدم، أيضاً، إقرار الشريعة بحق كل إنسان في حرمة مسكنه وحياته الخاصة، باعتبار أن ذلك من خصوصياته التي لا يجوز للغير -دون إذن منه- الاطلاع عليها.

وقد جاء النص بشأن الحق في حرمة المسكن صريحاً، في قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 24/27-28]. ومن ذلك، أيضاً، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ولو أن امرأً اطلع عليك، بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح)[53].

ثالثاً- الحق في الحرية الدينية

وتبدو أبرز مظاهر الحماية التي كفلها الإسلام لهذا الحق، في نواح عدة، منها ما يلي على وجه الخصوص: فمن ناحية، هناك المبدأ العام الحاكم الذي يقضي بعدم جواز إرغام أي إنسان على ترك دينه واعتناق الإسلام. فالقاعدة، أنه: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 2/256]، وأيضاً: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 10/99]. ومن ناحية ثانية، هناك -أيضاً- المبدأ الذي يشدد على وجوب التحلي بالحكمة والتزام الموضوعية عند دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} [النحل: 16/125]، {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 29/46].

Page 10

المبحث الثاني: حقوق الإنسان وحرياته من منظور علاقته بالجماعة السياسية

الملاحظ، هنا، أن الشريعة الإسلامية قد أسست علاقة الفرد بالدولة، أو الجماعة السياسية التي يعيش في كنفها على مبادئ حاكمة عدة، يأتي في مقدمتها: مبدأ الحرية، ومبدأ العدالة، ومبدأ التضامن. واستناداً إلى هذه المبادئ، تصير الجماعة الإسلامية مسؤولة بالتضامن عن كفالة مجمل الحقوق والحريات التي يلزم توافرها لأي فرد، لكي يمارس حياته في إطارها بشكل طبيعي.

والحقوق التي قررها الإسلام للإنسان، باعتباره فرداً يعيش في إطار جماعة منظمة عديدة، نذكر منها مثلاً:

أولاً- الحق في المساواة في القيمة الإنسانية العامة

والمبدأ هنا، هو أن الناس سواسية بحسب خلقهم الأول وعناصرهم الأولى، ولا مجال -من ثم- للمفاضلة بينهم إلا على أساس اعتبارات الكفاءة، وما يقدمه كل منهم من جهد مشروع منتج. فالنظرية الإسلامية في حقوق الإنسان تنهض على مبدأ حاكم مؤداه عدم التمييز بين حقوق الإنسان المسلم وحقوق الإنسان غير المسلم، وذلك كقاعدة عامة. وعلى ذلك، فلعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا -في هذا المقام- إن حقوق الإنسان في الإسلام، إنما هي ذات طابع عالمي، وهي بذلك تكون قد سبقت الأفكار التي بدأت تطرح مؤخراً عن عالمية هذه الحقوق.

وقد جاء التوكيد على الحق في المساواة في القيمة الإنسانية العامة في مواضع عدة من آيات الكتاب الكريم، منها قوله تعالى في سورة الحجرات: {يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 49/13].. ومن هذه الآيات الكريمة، أيضاً، قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} [المائدة: 5/8].

كما ورد التوكيد على الحق المذكور، أيضاً، في الحديث الجامع للرسول r في خطبة الوداع، ونصه: ((أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب. وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب))[54].

والواقع، أن المساواة في القيمة الإنسانية العامة بين الناس جميعاً، في نظر التشريع الإسلامي، تبدو جلية للغاية إذا ما قورنت بما كان عليه الحال –ولا يزال- في ظل الشرائع والنظم القانونية الوضعية، على امتداد الزمان. ولعل من الأمثلة ذات الدلالة، في هذا الشأن، الحالات الثلاث الآتية[55]:

فأولاً، هناك حالة الهند القديمة، التي كانت كتبها المقدسة تفاضل بين البرهميين -أتباع براهما- وبين غيرهم من الأفراد. أما البرهميون، فهم وحدهم الذين كان يحق لهم التمتع بالحقوق كافة. أما ما عداهم من المنبوذين، فليس لهم إلا أن يكونوا خدماً لغيرهم، حيث إنهم -أي المنبوذين- ((رجس ونجس، فلا يصح لمسهم ولا مؤاكلتهم، ولا مصاهرتهم، ولا الارتباط بهم بأية علاقة غير علاقة السيد بالمسود.

وثانياً، هناك حالة اليونان الأقدمين، الذين كانوا يعتقدون أنهم وحدهم شعب الله المختار، وبذلك فهم يسمون على غيرهم من الشعوب الأخرى الذين أطلقوا عليهم اسم البرابرة. وواجب اليونانيين أن يعملوا بمختلف الوسائل على أن يردوا هؤلاء البرابرة إلى المنزلة التي خلقوا لها وهي منزلة الرق، وأي حرب يشنها اليونانيون لهذا الغرض إنما هي حرب مشروعة.

وثالثاً، هناك حالة الرومان الذين كانت قوانينهم ونظمهم الاجتماعية تصنف سكان الإمبراطورية إلى مجموعتين من البشر لكل منها قانونها الخاص الذي يحكمها: الرومان من جهة، وما عداهم من الشعوب من جهة أخرى. وهذه الشعوب الأخرى -خلاف الرومان- فقد خلقت -بحسب القانون الروماني- من فصيلة إنسانية وضيعة، وأنها خلقت ليكون أفرادها رقيقاً للرومان.

ثانياً- الحق في حرية الرأي والتعبير

يحتل هذا الحق مكانة مهمة في التشريع الإسلامي، حيث شدد الإسلام على وجوب أن يكون الإنسان حراً في إبداء رأيه في التعبير عن موقفه، إزاء كل ما يتصل بشؤون مجتمعه، وإزاء كل ما هو حق وعدل. بل الأكثر من ذلك -وكما سنرى لاحقاً- فإن مباشرة الحق في حرية الرأي والتعبير تتجاوز النطاق الضيق لمفهوم الحق، الذي يشير إلى كونه مكنة أو سلطة لصاحبه له أن يباشره وله أن يتنازل عنه، ليرقى إلى مرتبة الواجب الذي يلزم الوفاء به حتى لا يكون ثمة مجال للتأثيم أو المؤاخذة[56].

وإذا عدنا إلى المصدرين الرئيسيين للشريعة الإسلامية (أي القرآن الكريم والسنة المطهرة) فإننا نجد إشارات صريحة بشأن التوكيد على لزومية الحق المذكور لكل إنسان. ومن ذلك، مثلاً، قوله تعالى في الحث على إبداء الرأي والوقوف بشجاعة إلى جانب الحق والعدل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} [آل عمران: 3/104]. أما عن الأحاديث النبوية الشريفة التي شددت على وجوب إبداء الرأي بشجاعة ودون خوف، متى كان ثمة مقتض لذلك، فهي عديدة، نذكر منها قوله r: ((أفضل الجهاد، كلمة حق عند سلطان جائر))[57] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[58]. ويتصل بذلك أيضاً، ما أخبر عنه r من أن: ((الساكت عن الحق شيطان أخرس))[59]. كما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه كان يحث الناس على المجاهرة بالرأي، قائلاً: ((لا يكن أحدكم إمعة: يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجنبوا إساءتهم))[60]. وتوكيداً على هذه المعاني ذاتها روي عنه r -أيضاً- أنه قال: ((كلا، والله لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطراً، ولتقصرُنَّه على الحق قصراً، أو ليضربَنَّ الله قلوب بعضكم على بعض))[61].

على أن الحث على ضرورة مباشرة الحقوق عموماً مرهون بقدرتها على الاضطلاع بوظيفتها الاجتماعية. وتأسيساً على ذلك، كان حرياً بكل فرد أن يحرص على إبداء رأيه متحلياً بأدب الحوار وبالاحترام الواجب لمن يخاطبهم. لا يسوغ للفرد -بأي حال من الأحوال- أن يسعى من خلال مباشرته لحقه في حرية الرأي والتعبير إلى تجاوز منظومة القيم المجتمعية السائدة أو الاستخفاف بها.

ثالثاً- حق الملكية

نظرت الشريعة الإسلامية إلى حق الملكية بوصفه إحدى القيم العليا التي ينبني عليها التنظيم الإسلامي للمجتمع. وترتيباً على ذلك، اعترف الإسلام بحق كل فرد في التمتع بثمار عمله وجهده، فلكل مجتهد جزاء اجتهاده. وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رغب في العمل الذي من شأنه أن يعف الإنسان عن المساءلة، بقوله: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده))[62]. كما تضمنت الشريعة أحكاماً صريحة تحمي هذا الحق وتجرم الاعتداء عليه، سواء بالسرقة، أو النهب، أو الاختلاس، أو المصادرة بغير مقتض وبدون تعويض مناسب وعادل، وقد جاء النص على حماية الحق في الملكية صريحاً في أكثر من موضع في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كما في قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ} [النساء: 4/29].. كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: ((من أخذ مال أخيه بيمينه، أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة))، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال r: ((وإن كان عوداً من أراك))[63].

لكن الإسلام أجاز مع ذلك إيراد بعض القيود على حق الملكية، سواء تحقيقاً لمصالح عامة أو للحيلولة دون الإضرار بالغير. وبعبارة أخرى، فالثابت أنه مع أن الشريعة الإسلامية قد كفلت لصاحب الحق التصرف في ملكيته بالطريقة التي يراها دونما إضرار بالآخرين، إلا أنها -وكما سنرى لاحقاً- أقرت مبدأ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، معتبرة أن الحق في الملكية ذو وظيفة اجتماعية بالأساس، ومن ثم فلا يجوز حبسه في أيدي فئة قليلة من الناس[64].

رابعاً- الحق في الضمان الاجتماعي

أقرت الشريعة الإسلامية الحق في الضمان الاجتماعي بوصفه واحداً من حقوق الإنسان الأساسية، تحريراً له من عبودية الحاجة، واستئصالاً للبؤس والفقر بين الناس. ويأتي هذا الاعتراف من جانب الشريعة بالحق في الضمان الاجتماعي، في حين أن الشرائع الوضعية لم تعرفه إلا حديثاً، نتيجة لصراعات ومشكلات اجتماعية نجمت عن تطورات الثورة الصناعية في أوربا، والتي انتقلت منها بعد ذلك إلى العديد من مناطق العالم[65].

ويشير اصطلاح الضمان الاجتماعي -بحسب النظرية الإسلامية- إلى التزام الدولة تجاه مواطنيها، بتقديم العون والمساعدة لهم في بعض الحالات كالمرض أو العجز أو الشيخوخة، دون أن يكون لهم مورد رزق يضمن لهم حد الكفاية. فالدولة أو الجماعة، في النظرية الإسلامية، ملتزمة شرعاً بضمان (حد الكفاية) لكل فرد من أفرادها -بصرف النظر عن دينه أو أصله الوطني- يعجز عن إشباع احتياجاته الأساسية بنفسه، لسبب خارج عن إرادته[66].

ويستدل على ثبوت الحق في الضمان الاجتماعي كحق من حقوق الإنسان -في النظرية الإسلامية- بما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من آيات وأحاديث[67]. فمن الآيات القرآنية الكريمة التي أشارت إلى الحق المذكور، قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 107/1-3]؛ وقوله جل شأنه في آية أخرى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتامَى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاة} [البقرة: 2/177]. أما عن الأحاديث النبوية الشريفة، فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جواره وهو يعلم))[68] ؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة، حملوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم))[69].

والواقع، أن الإسلام -فيما يستنتج د. الفنجري وبحق- لم يكتف بمجرد النص على الحق في الضمان الاجتماعي، وإنما عمل على ترجمة ذلك -عملاً- من خلال تشريع نظام خاص بهذا الشأن، ونعني به نظام الزكاة التي هي -في جوهرها- مؤسسة للضمان الاجتماعي[70] . فمن المقطوع بصحته أن إحدى الوظائف الرئيسية لمؤسسة الزكاة، في النظرية الإسلامية، إنما تتمثل في ضمان مستوى معيشي لائق لكل أفراد المجتمع.