تمهيد
وافقت كلية الحقوق ( المندمج مع كلية القانون حاليا) في جامعة صلاح الدين على تكليفي بالتأليف ٍفي مادة حقوق الإنسان بعد أن ادخل تدريس هذه المادة ضمن مناهج كليتنا للمرحلة الثالثة وأود أن أبين بان الاهتمام بحقوق الإنسان اتسع نطاقه في الوقت الحاضر وحظي باهتمام المشرعين في اغلب دول العالم في وقتنا الحاضر بل أن اتفاقيات ومعاهدات دولية كثيرة أبرمت ومجموع من بيانات أعلنت لغرض حماية حقوق الإنسان أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعلنة في 10/12/1948 والذي يمثل المثل الأعلى المشترك التي يؤيدها جميع الشعوب والأمم في العالم. وهو موضوع من أهم المواضيع ذات الأولوية على المستوى الوطني والعالمي، حيث عقدت بخصوصه عشرات المؤتمرات وشغل أذهان رجال الفكر والقانون والسياسة.
ونظرا لأهميته أصبح اليوم من المقررات الدراسية في جامعات كثيرة وبالأخص في كليات القانون والعلوم السياسية.
وأخيرا الحمد لله أن ميلي الفرصة للقيام بهذا العمل وأدعو الله يصبحانه وتعالى بأن يجعل جهدي المتواضع في ذلك خالصا لوجهه الكريم وان يمنحني الإخلاص والصدق فيما اكتب واعمل، هذا وبالله التوفيق.
المؤلف
1- مقدمة
رغم انتشار مصطلح الحق في الحياة اليومية والعملية ورغم أهميته وأصالته في الشرائع المختلفة هناك من الفلاسفة وفقهاء القانون من ينكره وينادي بالتخلي عن استعماله.
فقد تعرضت فكرة الحق لهجوم شديد من جانبهم وفي مقدمتهم أوجست كونت والذي يقول: (إن الجماعة يجب أن تأخذ مكانها فوق كل شيء، وان أعضاء الجماعة لما بينهم من ترابط وتضامن، لا يجوز لهم أن يضعوا أنفسهم فوقها…. فلا توجد حقوق، بل وظائف اجتماعية ثم لا مزيد على ذلك)، وكذلك الفقيه الفرنسي ليون دكي Leon Dugout. والفقيه النمساوي هانز كلسن Hans Kelsen وأنصار المذهب الاشتراكي.
حيث أن الفقيه ليون دكي يقول بهذا الخصوص: (الحق الطبيعي واللصيق بالفرد لا يمكن التسليم به لآن الإنسان المنفرد لا يمكن أن يكون له حق).
وتقوم نظرية كلسن على استعباد كل ما يرتبط بالاعتبارات السياسية والعقائدية والاجتماعية والخلقية والفلسفية من نطاق دراسة وتحليل الظواهر القانونية. ونقطة البدء عند كلسن هي أن القاعدة القانونية لا تتمثل إلا في القانون الوضعي وأن كل قاعدة تستمد قانونيتها من القاعدة التي تعلو عليها وهكذا. وهذا القانون الوضعي ينشىء التزامات ولا ينشىء حقوقا.
وعلى ذلك فإن كلسن ينكر فكرة وجود الحق، فالحق لديه لا يختلف عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي. فكل قاعدة تقرر التزاما معينا ولكنها لا تقرر حقا فرديا وتلتقي نظرية كلسن مع نظرية دكي في سلب لفظ الحق جوهره لا نهما تنفيان وجود الحق.
أما المذهب الاشتراكي، لا يعني بالإنسان كفرد في ذاته منعزل ومستقل عن غيره من الإفراد ولكنه يعني به ككائن اجتماعي مرتبط بغيره ومتضامن معهم في تحقيق مصلحة الجماعة التي ينتمي أليها ويضع مصلحة الجماعة في المقدمة كما ينكر وجود حقوق طبيعية للفرد سابقة على وجود المجتمع.
بعدما عرضنا أراء بعض الفقهاء من أنصار الناكرين لفكرة وجود الحق واتجاه الفكر الاشتراكي حول هذا الموضوع، نقوم الآن بعرض أفكار المؤيدين لفكرة الحق حيث يمثلون أغلبية الفقهاء والفلاسفة الذين تطرقوا لنظرية الحق وهم أنصار المذهب الفردي.
النزعة الفردية نزعة عريقة في وجودها أمن بها الرومان وبعض من سبقهم في المجتمع القديم، وقد ظهرت هذه النزعة الفردية نتيجة لطغيان الحكام والسلطة المطلقة للطبقة الحاكمة وكرد فعل لها، وتهدف تحرير الفرد من هذا الظلم وحماية حقوقهم وكفالة تمتعهم بها، انتعشت فكرة الحقوق الطبيعية للإنسان في الفكر الفلسفي في القرنين السابع عشر والثامن عشر وبلغت ذروتها أبان الثورة الفرنسية ووضعت الفلسفة الفردية موضع التطبيق مستندة إلى نظرية القانون الطبيعي، وهي النظرية التي تنادي بوجود مثل عليا لا تتغير من حيث جوهرها بتغير الزمان والمكان رغم تغير مضمونها بمرور الزمان بفعل العوامل المختلفة.
حيث انطبعت هذه الفكرة بطابع فلسفي لدى اليونانيين ثم تغير مضمونها فانطبعت بطابع قانوني عند الرومان ثم اصطبغت بصبغة دينية عند رجال الكنيسة واصطبغت فيما بعد بصبغة سياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
ووفقا لهذا المذهب فإن للفرد حقوقا يكتسبها من الطبيعة بصفته إنساناً وهي لصيقة به وأنها في وجودها لا تستند إلى وجود الدولة والقانون. فالفرد، وهو الهدف الأسمى من كل تنظيم قانوني، يتمتع بهذه الحقوق قبل وجود الجماعة. وسوف نتكلم عن ذلك بالتفصيل عند دراسة حقوق الإنسان وعلاقتها بالحقوق الطبيعية في ثلاث فقرات، نخصص الفقرة الثانية بعد المقدمة، لدراسة مفهوم حقوق الإنسان ونشأتها وتطورها الفكري، ونتكلم في الفقرة الثالثة عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وفي الخاتمة، نقوم بعرض أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث مع بيان التوصيات اللازمة بهذا الصدد.
2- مفهوم حقوق الإنسان ونشأتها وتطورها
2-1 مفهوم حقوق الإنسان
الإنسان هو محور الحقوق جميعا. فهي، مبدئيا لا تكون إلا له وإذا كانت مفيدة، لمصلحة المجتمع في بعض الأحيان، فليس هذا التقيد إلا لمصلحة الإنسان نفسه، الذي هو ( مدني بطبعه ) بحسب الرأي الراجح، ولابد له من التعايش الاجتماعي مع أخيه الإنسان.
غير إن فئة من الحقوق اعتبرت أساسية وحيوية، واصطلح العلماء المحدثون على تسميتها وحدها بحقوق الإنسان، وذلك تقديرا لأهميتها، واحتراما للكرامة والقيم الإنسانية وهي لصيقة بالشخصية، كحق الشخص في الحياة وفي سلامة جسمه وأعضائه وحقه في المحافظة على شرفه وكرامته. فهي حقوق طبيعية عامة تثبت للإنسان لكونه إنساناً وتنبع من بشريته، وتتصل به وتثبت بمجرد ولادته وتنتهي بوفاته وتثبت لجميع الناس بشكل متساو. وتسمى بالحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان لكونها حقوقا تفرضها الطبيعة البشرية ويقررها القانون الطبيعي بحكم كونه إنساناً. وان نسبة مبادئ حقوق الإنسان لمجموعة بشرية معينة أو حقبة تأريخية محددة عملية غير علمية وليست صحيحة. ففكرة حقوق الإنسان هي مزيج من التفاعل الحضاري للمفاهيم الإنسانية عبر العصور. لذلك فلكل مجموعة الحق في الادعاء ببعض القيم والأفكار التي تحتويها.
كما قلنا في المقدمة، منذ القدم استمرت المناقشات حول مصادر وأنواع الحقوق، والحصيلة كانت ولادة عدة نظريات للتحليل والتحقيق حول الحقوق.
بعض هذه النظريات تؤكد على أن الطبيعة هي مصدر الحقوق، وتقول أخرى بأن الرب هو صاحب كل الحقوق وهو الذي يهبها للإنسان. بينما هناك نظريات على عكس ما سبق، بأن الدولة هي المصدر الوحيد للحقوق، لان الحقوق في رأيها تبنى على القانون وبدونه لا يوجد شيء أسمه الحق، على كل حال، أذا كانت مناقشة المشرعين حول وجود الحقوق أو عدمه على هذه الشاكلة فكيف إذن ينظرون إلى أقسام وأنواع الحقوق. في الواقع إن الإنسان محور كل حقوق كما قلنا في السابق، لذا لا يمكن النظر إليها دون الإنسان وبعكسه، إذن فهما لا ينفصلان، ففي الأصل إن الحقوق وجدت لخدمة مصالح الإنسان، ولكن أحيانا عندما تقلل من حقوق الإنسان أو انه يقف مكتوف الأيدي أمام تجسيد بعض هذه الحقوق، لا يعني ذلك إن هذا هو ضد مصالح الإنسان بل إن معوقات تطبيق الحقوق هي في مصلحة الإنسان.
لان الإنسان يعتبر مدنيا وفق طبيعته بحسب الأصل، لذلك فأنه عقد اتفاقا مع الآخرين من بني جنسه حوله والذي يسمى (العقد الاجتماعي ) وبموجب هذا العقد قد يترك الإنسان بعض حقوقه للمجتمع مقابل الاحترام والاحتفاظ ببقاياها بهدف الخلاص من الحقوق المضادة. لان حرية كل فرد تبدأ في المكان الذي تنتهي منه حرية شخص آخر، ولأجل تنظيم هذه الحريات، يستوجب عقد الاتفاق الاجتماعي، إذن عرفنا ما هي الحقوق، فماذا تعني حقوق الإنسان؟.
كما ذكرنا آنفا بأن الإنسان هو محور كل الحقوق، وهو والحقوق لا ينفصلان، ولكن بالرغم من وجود هذه العلاقة الوثيقة، فأن هناك حقوقا رئيسية للإنسان لا يمكن الاستغناء عنها، كما وفي نفس الوقت توجد للإنسان حقوق ثانوية يمكن الاستغناء عنها لأنها لا تضره في كل الأحوال. وهذه الحقوق الأساسية تسمى حقوق الإنسان، في الواقع إن حقوق الإنسان والحقوق الطبيعية والحقوق المدنية كلها تتحد في المضمون ولكنها تختلف في التسمية.
وحسب أقوال (شيشرون وتوماس الاكويني وأرسطو) فأن مصدر الحقوق الطبيعية هو القانون الثابت والخالد والذي لا يتأثر بتغير الزمان والمكان من حيث جوهره ويطبق على كل فرد في أي مكان يكون سواء هنا أو هناك، وهذا القانون هو القانون الطبيعي، ويدرك الإنسان أحكام هذا القانون ويصل إليها عن طريق العقل.
ونحن نقول، إذا كان هناك قانون باسم القانون الطبيعي، وحقوق باسم الحقوق الطبيعية، فإن الله سبحانه وتعالى هو واضعه بدون شك ونتلمس أحكام هذا القانون من خلال القران الكريم.
في بعض الأحيان تقليل جزء من هذه الحقوق يضر بكرامة الإنسان وهو ضد مصالحه وعلى هذا الأساس فانه من البديهي أن ذلك بدوره يؤدي إلى التقليل من القيمة الإنسانية ونستطيع أن نعتبره إنساناً غير سوي، ولكن على عكس ذلك فأن إكمال هذه الحقوق يؤدي إلى إكمال إنسانيته، وعلى هذا الاعتبار فان مجموعة الحقوق التي اقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 تعتبر الحد الأدنى من الحقوق الضرورية للإنسان، ولهذا سميت بحقوق الإنسان، لذا فان أي تجاوز على هذه الحقوق يعتبر تجاوزا على الإنسان نفسه فمثلا منعه عن حرية التعبير وحق الانتخاب وحقوق التربية والتعليم هي في حد ذاتها تقليل من شخصية الإنسان.
كما ذكرنا سابقا أن هذه الحقوق الأساسية مرهونة بطبيعة الإنسان وقيمة الإنسانية، ويقوم المجتمع بتنظيمها بحيث تنسجم مع المجتمع نفسه ومع الظروف التي تحيط به. لذا نرى ان في كل دولة يقوم القانون بتحديد الحقوق الأساسية للإنسان، وهذا هو مضمون الفرق بين هذه الحقوق والحقوق التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1948 حيث يتألف من ديباجة و (30) مادة تحدد حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين وهما الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويتميز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عما سبقه من جهود دولية ووثائق ومواثيق أخرى بشموليته وعالميته. فقد جاء في إعقاب حربين عالميتين عانت البشرية من ويلاتها معاناة لا حد لها([1]).
شكل الإعلان منبعا أصيلا للجهود الداخلية والعالمية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وجسد الفلسفة الأساسية للكثير من الإعلان والمواثيق العالمية، ويعتبر الشجرة التي تفرعت عنها بقية أغصان حقوق الإنسان، حيث تفرعت ما لا يقل عن مئة زهرة من إزهار عبر تصريحات دولية. حيث أكد المؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان والمنعقد في طهران سنة 1968 (أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمثل تفاهما تشترك فيه شعوب العالم على ما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من حقوق ثابتة منيعة الحرمة. ويشكل التزاما على كاهل أعضاء المجتمع الدولي)([2]). إلا أنه بالرغم من كونه اليوم يعتبر جزئا من الشرعة الدولية وبالإضافة إلى كل هذه التأكيدات من لدن المجتمع الدولي على احترامه، فهناك دول عديدة تتعرض له وتنتهكه انتهاكا شديدا.
وجدير بالذكر، أن الحقوق الأساسية للإنسان، لها علاقة مباشرة مع كل فرد والأفراد الآخرين في المجتمع، لذا نستطيع القول بأنه لا يمكن لأي شخص أن ينال جميع حقوقه كاملة إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي لان النظام الديمقراطي هو الذي يضمن تلك الحقوق لأفراد المجتمع([3]) ويضع الحدود لها.
في الواقع إن فكرة الحقوق الطبيعية والتي تضم حقوق الإنسان ظهرت من قبل مؤيدي المذهب الفردي في أوروبا، أثرت نظرية العقد الاجتماعي ومبادئ مدرسة الحقوق الطبيعية تأثيرا كبيرا على مؤيدي المذهب الفردي، وعلى هذا الأساس يحصل الإنسان على حريته وحقوقه، عندما يكون جنينا في بطن أمه ولحين اليوم الذي يولد فيه ويموت، لذا يعتبر مرتبطا بها([4]).
لذا فأن مؤيدي المذهب الفردي، يستندون إلى وثيقة الحقوق التي أصدرتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها في مؤتمر (فيلادلفيا) عام 1776 وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي اعتمدته الثورة الفرنسية عام 1789 وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1948، وهذه الحقوق والحريات المرتبطة بالإنسان، وكما نعلم، تستند إلى نظرية الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي، كحرية الفكر والعقيدة والدين وحرية التعبير ….الخ([5])،ولا يحق لأي شخص أو أي جماعة أو دولة منع هذه الحقوق والحريات الأساسية، كما جاء في نص المادة/30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنه: (لا يجوز تفسير أي نص من هذا الإعلان بأنه يسمح للدولة أو الجماعة أو الأفراد أن يحق لهم إبداء أي نشاط أو عمل يؤدي إلى خرق هذه الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان)([6]).
2-2 نشأة حقوق الإنسان
إن الكلام عن نشأة حقوق الإنسان الطبيعية يقتضي البحث عن نظرية القانون الطبيعي لوجود تاريخ واحد لهما كما سنرى، وبهذا الصدد يرى أرسطو ان الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فهو لا يستطيع أن يعيش منعزلا عن الناس، بل لابد إن يعيش مع غيره في مجتمع سياسي منظم. فإذا وجد شخص، يعيش بحكم طبيعته لا بحكم المصادفة، خارج المجتمع، لكان شخصا كريها، ولكان هذا الشخص بغير مأوى، بغير أسرة، بغير قانون. ومثل هذا الشخص لا يفكر إلا في الحرب، ولا يتقيد بأي قيد، ويكون كالطائر المفترس مستعد دائما للانقضاض على الآخرين([7]).
وإذا ما كان الفرد موجودا من الناحية التاريخية قبل وجود الدولة، فأن الطبيعة قد تصورت وجود الأخيرة قبل أن تتصور وجود الفرد. فالدولة هي أول شيء اقترحته الطبيعة، فالكل بالضرورة يسبق الجزء، وما الأسرة والأفراد إلا الأجزاء المكونة للدولة.
ويتميز المجتمع السياسي عن غيره بخضوعه للقانون والعدل، فأن، احترام القانون هو أساس الحياة المدنية([8]).
وهكذا، فإن إرادة الأفراد تخضع لأحكام القانون، وبالتالي فان الفرد يفقد حريته المطلقة في إن يفعل ما يشاء، بل ينبغي أن تكون أفعاله منسجمة مع القانون. أما القول بحرية الفرد في أن يفعل ما يشاء، فهو نوع من السفسطائية البائسة([9]).والتضحية بالإرادة المطلقة للفرد تكون من اجل قيمة اسمى منها، وهي العدل و الفضيلة أو القانون الطبيعي، وهذا يعبر عما ينبغي إن تقوم على أساسه الدولة من اجل تحقيق وجودها الحقيقي، وهو الوجود الذي لا غنى عنه من اجل وجود الأفراد أنفسهم وتحقيق السعادة لكل منهم([10]).ويؤكد أرسطو على ضرورة تربية الشعب على عبء النظام القائم في الدولة، هو انه لا أهمية لنوع هذا النظام أو شكله، فطالما هو نظام غير ظالم بصفة مطلقة وغير مخالف للطبيعة فأنه يكون واجب الاحترام، وتكون القوانين الصادرة عنه واجبة الطاعة وان كان فيه عيوب بسيطة لاتصل به إلى درجة الطغيان([11]).غير إن القول، بان القانون الوضعي هو العدل لا يعني واجب خضوع الأفراد للقانون الوضعي فقط. بل انه يتضمن أمرا للمشرعين بأن يستوحوا أحكام قوانينهم من مبادئ العدل.، لأنه مثلما يخضع الفرد للقانون، فان القانون نفسه يجب أن يعبر عن العدل لأنه يصدر عن إرادة إنسانية([12]).
فالقانون الطبيعي هو العدل في ذاته وهو لا يتغير. أما القانون الوضعي فهو الذي يتغير من زمن لآخر ومن مجتمع لآخر. لذا فإن التغيير لا يمتد إلى القانون الطبيعي ذاته، بل انه يقتصر على وسيلة التعبير عنه وهو القانون الوضعي، الذي يفترض انه يعبر بصورة ما عن القانون الطبيعي([13]).
2-3 التطور الفكري لحقوق الإنسان
قلنا سابقا، إن حقوق الإنسان جزء من الحقوق الطبيعية والتي هي حقوق لصيقة بشخصية الإنسان ولا يمكن أن يتنازل عنها. وقلنا إن الحقوق الطبيعية والتي تعتبر مصدرا لحقوق الإنسان، تستند في وجودها إلى القانون الطبيعي، والقانون الطبيعي وان كان تمثل قيما عليا ثابتة وخالدة، ولكنه رغم ذلك فليس له مضمون ثابت، بل انه يتغير وفقا لتصورات الإنسان ومصالحه بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيش فيها([14]).
وإذا، أن حقوق الإنسان جزء من الحقوق الطبيعية والتي تأخذ من القانون الطبيعي مصدرا لها والقانون الطبيعي هو المثل الأعلى الذي يراد تحقيقه، فباسمه يراد إدانة النظام الموجود وإقامة نظام آخر بدلا منه([15]).
وهكذا استخدمت الكنيسة الكاثوليكية القانون الطبيعي كوسيلة للحد من سلطان الدولة التي نشأت بعد فترة الإقطاع في أوربا، وهو نفسه الذي استخدمته الكنيسة لتقوية سلطانه([16]).
وأيضاَ أن فقهاء وفلاسفة القرن الثامن عشر لجأوا إلى القانون الطبيعي لتحديد الحقوق والحريات العامة وإدانة الحكم المطلق وكيفية تفسير نشؤ الدولة، وبناء عليه فأنهم أعلنوا بإن الشعب هو مصدر السلطات، لذلك فإن ممارسة السلطة داخل الدولة يجب أن تكون مقيدة بالدستور وكما نبحث في الفقرات اللاحقة من خلال دراسة العقد الاجتماعي في فكر هوبز ولوك وروسو.
وهكذا، كانت نظرية العقد الاجتماعي مصدرا لمضمون عدد من الوثائق الخاصة بحقوق الإنسان، كالوثيقة الأمريكية لعام 1776 والوثيقة الفرنسية لعام 1789 واعتبرت فيما بعد جزءا من الدساتير الفرنسية لعام 1791 و 1946 و1958. وكذلك أصبح مصدرا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي أعلن من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948.
وهكذا، و بعد الثورة الأمريكية مباشرة وقعت الثورة الفرنسية، ثم وقعت خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين العديد من الثورات في قارة أوروبا وأمريكا الجنوبية مؤكدة مفهوم السيادة للشعب. ومن ناحية أخرى فأن تنامي الحركة الاشتراكية خلال القرن التاسع عشر أدى إلى توسع مفهوم حقوق الإنسان والى ان يأخذ المفهوم وجهة جديدة، فبينما كانت مفاهيم حقوق الإنسان بشكلها الأولي تؤكد على ضرورة ان يكون الفرد حرا من تدخل الدولة في شؤونه المدنية والسياسية، أصبحت صياغات جديدة لمفاهيم حقوق الإنسان وكنتيجة لانتشار الأفكار الاشتراكية تؤكد على ضرورة تدخل الدولة لتحقيق قدر من العدل الاقتصادي وضمان حقوق الفرد الاقتصادية([17]).
فرغم انه يوجد الآن اتفاق واسع على مبادئ حقوق الإنسان وعلى المستويين الوطني والعالمي، إلا أن ذلك لا يعني إن هنالك اتفاقا بنفس الدرجة بشأن طبيعة حقوق الإنسان وفحواها ومداها، بتعبير أدق ليس هنالك اتفاق بشأن تعريف حقوق الإنسان، حيث لازالت هنالك بعض الأسئلة الأساسية لم تتم الإجابة عليها لحد الآن. لذلك فسواء كانت حقوق الإنسان ينظر إليها على إنها مصدرها رباني، أخلاقي، أو وضعي، وسواء أن التبرير لحقوق الإنسان الفطرية، العادة، نظرية العقد الاجتماعي أو مبدأ توزيع وإدارة العدل كشرط ضروري لتحقيق السعادة، وسواء اعتبرت حقوق الإنسان على انه لا يمكن التنازل عنها، أو يمكن ذلك جزئيا، وسواء قبلت حقوق الإنسان بشكلها الواسع عددا ومحتوى أو بشكلها المحدود عددا ومحتوى، فإن هذه الأمور وأمور مماثلة تتعلق بحقوق الإنسان تشكل نقاشا ساريا حاليا وسيبقى كذلك، طالما كانت هنالك وجهات نظر متباينة فيما يتعلق بموضوع معياري أو اعتباري كموضوع حقوق الإنسان([18]).
إن رسالة حقوق الإنسان هي في انتشار مستمر، بفضل الجهود الجادة للعدد الكبير من المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، إذ تقوم المنظمات غير الحكومية بمراقبة وتسجيل ونشر كل ما يتعلق بحقوق الإنسان وفي معظم بقاع العالم.
2-3-1 حقوق الإنسان في العراق القديم
إن العراق القديم يمثل أولى الحضارات التي عرف الإنسان فيها قيمة الحياة والعيش سوية، وهذا الأمر دفعه إلى نبذ العنف والبحث عن السعادة عن طريق التعاون مع بعضها البعض، لمواجهة مشقة الحياة.
فقد اكتشف علماء الآثار والتنقيب، وجود اثر لمجمعات في العراق القديم يدل على إسكان البشر فيها والتي تعود إلى فترة زمنية أكثر من مائة آلاف سنة، عاش سكانها على الصيد والزراعة وتربية الحيوانات واستقروا في الأرياف، وكانت هذه المجتمعات قائمة على أساس انصهار الفرد في الجماعة وكانت أمورها تدار بغير قانون وان الإنسان في هذا المجتمع أكثر رقيا والتزاما بما يسمى حقوق الإنسان، وذلك لان حقوق الإنسان لم يكن متصورا وجودها في المجتمع وفقا للمفهوم الذي تناولته القوانين في الوقت الحاضر. وتطورت حقوق الإنسان أكثر فأكثر عندما ظهرت المدن الكبيرة في العراق القديم، وذلك في القرن الرابع فبل الميلاد.
وبما ان الحماية القانونية ركن من أركان الحق، حيث لا يعتبر حقا إن لم تتوفر له الحماية القانونية وتمكين صاحبه من التمتع به. وهكذا فان الحق مرتبط بالقانون ولا ينفصل عنه، فمتى وجد القانون يوجد الحق ومنه حقوق الإنسان. وهكذا توجد صلة قوية بين فكرة القانون وفكرة الحق، وفيما يتعلق بفكرة الحق وحقوق الإنسان في العراق القديم، لقد اثبت التأريخ إن القانون ظهر لأول مرة في العراق، في البداية كان على شكل قواعد عرفية، وبعدها أصبح على شكل قواعد قانونية. ومن أقدم القوانين المكتوبة التي عثر عليها علماء الآثار هو قانون اورنمو الذي أصدره الملك السومري اورنمو، وهو مؤسس لسلالة اور الثالثة (2111-2003 قبل الميلاد).
في عام 1952 الميلادي استطاع العالم المسماري صموئيل نوح كريمر أن يتعرف على لوح مسماري محفوظ في متحف الشرق القديم في اسطنبول يحتوي على أجزاء من القانون الذي أصدره الملك السومري اورنمو([19]). وقد اقر هذا القانون حقوق الإنسان. فقد جاء في مقدمة هذا القانون ان الهدف من تشريعه هو توطيد العدالة والحرية في البلاد وإزالة البغضاء والظلم والعداوة.
كما تضمن القانون نصوصا كثيرة من مبادئ حقوق الإنسان التي اقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كتحريم المساس بجسم الإنسان والذي نص عليه في المواد من (15) إلى (19)، ولكن هذه المواد، بعض من كلماتها تالفة ولم يبق منها شيء يذكر، حيث تنص المادة /15 على انه: (إذا رجل ب… قدم رجل آخر، عليه أن يدفع عشرة شيقلات من الفضة) كما تنص المادة/ 16 على أن: (إذا حطم رجل متعمدا طرف رجل آخر بهراوة، عليه أن يدفع منا واحدا من الفضة) وجاء في المادة/17 على أن: (إذا قطع رجل بسكين انف رجل آخر، عليه أن يدفع ثلثي المنا من الفضة) وجاء في المادة/ 18 على أن: (إذا قطع… بـ… لكل …، عليه أن يدفع…شيقلا من الفضة) وجاء في المادة/19 على أن: (إذا كسر رجل سن رجل آخر، عليه أن يدفع شيقلين من الفضة لكل سن).
ومن القوانين التي تضمنت حقوق الإنسان في العراق القديم، قانون لبت عشتار الذي أصدره الملك لبت عشتار خامس ملوك سلالة ايسن الذي حكم في فترة 1934 – 1924 قبل الميلاد وهو من القوانين التي تعود إلى بداية العهد البابلي القديم والتي يطلق عليها بعض العلماء فترة (ايسن – لارسا) وهو أقدم القوانين المدونة باللغة الاكدية المكتشفة حتى الآن([20]) .
يتألف هذا القانون من مقدمة مشابهة لقانون اورنمو وخاتمة ومواد قانونية أخرى. وقد استطاع العلماء قراءة ثمان وثلاثين مادة من موادها فقط. تضمنت المقدمة تمجيدا للإلهة السومرية العظام ولإله المدينة الرئيسي وكيفية اختيار الإلهة للملك (لبت عشتار) الراعي الحكيم لنشر العدل في البلاد والقضاء عن الشكاوى والقضاء على العداوة وجلب الرفاهية للسومريين والأكديين. ومن الحقوق التي أكدها قانون لبت عشتار هي حماية طبقة العبيد ومنع الإساءة إليهم واوجب إنصافهم ، ومنع تعذيب الإنسان للإنسان، وضمن حقوق الطفولة، ومنع المساس بجسم الحيوان. حيث تنص المادة /14 على انه: (إذا اشتكى عبد سيد على سيده بسوء معاملته وثبت على سيده إساءة عبوديته مرتين، فسوف يحرر العبد) كما جاء في الخاتمة إن: (لبت عشتار ابن الإله انليل قد قضيت إلى البغضاء والعنف وعملت إلى إبراز العدالة والصدق وجلب الخير للسومريين والاكديين…)([21]).
ومن القوانين التي تضمنت حقوق الإنسان في العراق القديم، قانون اشنونا، حيث يتألف من مقدمة وخاتمة وستين مادة قانونية. كتبت المقدمة باللغة السومرية، بينما كتب المتن باللغة الاكدية السامية آنذاك. وقد نظر هذا القانون إلى حقوق الإنسان من الزاوية الاقتصادية، ورفع المعاناة الاقتصادية عن الإنسان، لذلك انتهج هذا القانون نهجا اشتراكيا لرفع المعاناة عن المواطنين. فقد حدد أسعار السلع والخدمات والمواد الأساسية والتي يحتاجها الإنسان لإدامة حياته وتصريف شؤونه اليومية، كسعر الحبوب والزيوت والصوف وملح الطعام، والنحاس واللحوم والنقل البري والنقل المائي والمحافظة على حقوق الأسير إضافة إلى الحقوق التي وردت في القوانين السابقة([22]).
أما قانون حامورابي الذي أصدره الملك حامورابي وهو أشهر ملوك العهد البابلي وسادس ملوك سلالة بابل الأولى (1792 – 1750) قبل الميلاد). فقد كتب هذا القانون على مسلة كبيرة من الحجر الأسود، طولها 225سم وقطرها من الأعلى 160سم ومن الأسفل 190سم ومن الوسط 60سم، وهي اسطوانية الشكل ولكنها ليست دائرية تماما. رتبت مواد قانون حامورابي في أربعة وأربعين حقلا، وكتبت باللغة البابلية، على غرار قانون لبت عشتار وبالخط المسماري. يحتوي الحجر على 282 مادة ماعدا المواد التالفة بسبب التخريب الحاصل في أحد أجزاء المسلة. وقد وجدت المسلة في مدينة سوسة عاصمة عيلام جنوب غربي إيران أثناء حفريات البعثة التنفيذية الفرنسية (1901 - 1902 م) وهذا القانون من أكثر القوانين اهتماما بحقوق الإنسان قبل الإنسان، وقد تضمنت حقوق الإنسان التي وردت في القوانين التي سبقته، وأضاف إليها حقوقا أخرى كثيرة. إذ أن حامورابي قد حذف مواد القوانين السابقة التي لا تتفق مع روح العصر الذي يعيش فيه، وأضاف مواد قانونية أخرى اقتضتها مصلحة المجتمع في حينه وبالأخص المواد القانونية الصارمة الخاصة بعقوبة الموت ومبدأ القصاص([23]).
جدير بالذكر، إن قانون حامورابي يتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية، المقدمة والمتن والخاتمة. وقد كتبت المقدمة بصورة مطولة على غرار مقدمتي قانون أورنمو ولبت عشتار، حيث أكد فيها على نشر الحق والعدل في البلاد لتحقيق الخير للناس، وهذا جزء من المقدمة: (آنذاك اسمياني (الالهان) انو وانليل بأسمي، حامورابي، الأمير التقي الذي يخشى إلهته، لاوطد العدل في البلاد، لأقضي على الخبيث والشر، لكي لا يستعبد القوي الضعيف، ولكي يعلو (العدل) كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود، ولكي ينير البلاد من اجل خير البشر)([24]). أما المتن، فيتضمن ما يقارب (182) مادة قانونية، كل مجموعة من المواد تتعلق بموضوع معين، وهي التقاضي (الاتهام الكاذب، شهادة الزور، تلاعب القضاة) والأموال (الجرائم التي تقع على الأموال، الأراضي والعقارات، التجارة والعلاقات التجارية) والأشخاص (الأحوال الشخصية، إيذاء الأشخاص) وأجور الأموال والأشخاص (مسؤوليات أصحاب المهن وأجورهم، أجور الأشخاص والحيوانات ومسؤولية أضرارهم) وبيع العبيد. وفي الخاتمة أشار حامورابي إلى القوانين العادلة التي وضعها ثم أشار إلى صفاته الرفيعة ومؤهلاته وقابلياته الفذة التي منحته إياها الإلهة المختلفة ثم يذكر بعد ذلك انه في سبيل أن لا يظلم القوي الضعيف، ولمنح العدالة لليتيم والأرملة في بابل، وهذا جزء منها: (لقد كتبت كلماتي النفيسة على مسلتي وثبتها أمام تمثالي ملك العدالة، في بابل المدينة التي رفع رأسها الإلهان انو وانليل عاليا، وفي ايساكيلا المعبد الذي أسسه ثابتة كالسماء والأرض، لأفضي البلاد بالعدالة ولا وطد النظام في البلاد، ولكي امنح العدالة للمظلوم)([25]).
في الختام، ما نود ذكره، هو إن قانون حامورابي قد حدد مسؤولية حاكم المدينة على الأمن والاستقرار وحماية أموال المواطنين، فإذا سرقت أموال شخص فإن على حاكم المدينة تعويضه عن الأموال التي سرقت منه. وإذا فقد شخص من المدينة فعلى أهالي المدينة وحاكمها تعويض أهله. وأكد أيضا على الرعاية الصحية للمواطنين وحمل الطبيب المسؤولية عن الأخطاء التي يحدثها للمريض. وان ابرز ما اهتم به قانون حامورابي هو إقامة نظام قضائي متطور من اجل أن يكون ملجأ يلجأ إليه الإنسان لحماية حقوقه.، وليصبح القضاء الرقيب على حماية حقوق الإنسان ومنع الاعتداء عليها([26]).
2-3-2 حقوق الإنسان عند اليونان
نشأة فكرة القانون الطبيعي عند اليونان معاصرة لنشأة الفلسفة ذاتها. ومرت بعدة مراحل تبعا لتطور الفلسفة ذاتها.
كانت هذه الفكرة عند رواد الفلسفة الإغريقية الأوائل مجرد تأمل فلسفي لمظاهر الحياة الاجتماعية ومحاولة للكشف عن طبيعتها. لقد لفت نظرهم وجود قاعدة مطردة ونظام ثابت تسير عليه أمور الدنيا ويخضع لحكمه جميع ما يوجد فيها من حيوان ونبات وجماد.
ويقول الفيلسوف اليوناني هرقليطس بهذا الصدد: (أن قانون العالم ليس من وضع الإلهة أو البشر، وإنما وجد هكذا دائما وأبدا).
وفي مرحلة السوفسطائيين، لقد كان المحور الذي دارت حوله فلسفة حقوق الإنسان عند الرومان السوفسطائيون جميعا هو مقولة السوفسطائي المشهور بروتوجوراس : (الإنسان مقياس لكل شيء) أي فما يظهر للشخص انه حقيقة يكون هو الحقيقة وليس هناك خطأ([27]).
وقد طبق السوفسطائيين هذه الفكرة على السياسة والأخلاق والقانون فقالوا إذا لم يكن هناك حق في الخارج، وكان ما يظهر للشخص انه حق فهو حق بالنسبة إليه وحده، ولا وجود لقانون خارجي أخلاقي عام يخضع له الناس جميعا وإنما يرجع الحكم إلى إحساس الشخص نفسه([28]).
جدير بالذكر، إن سقراط بخلاف السوفسطائيين، ذهب إلى أن الحواس ومدركاتها إذا كانت تختلف باختلاف الأشخاص فإن العقل واحد لدى الجميع وهو عام مشترك لدى الجميع. ولما كان العقل عاما فإن الناس جميعا يرون الحقائق بمنظار واحد، هو منظار العقل الذي لا يختلف إدراكه في شخص عن شخص آخر([29]). ويتبين من أفكار سقراط أن القانون الطبيعي يستند إلى الأساس العقلي الفلسفي.
ويلاحظ، إن القانون الطبيعي هو المثل الأعلى الذي يبحث عنه العقل للاستهداء به، ويقوم هذا المثل على المفاضلة بين المواطنين تبعا لحالاتهم وقابليتهم وان مهمة الحكام هي ملاحظة وضمان ان يعمل كل شخص واجبه في موقعه من الحياة، وذلك الموقع الذي تقتضيه قابليته([30]).
أما ارسطو فهو يرى ان العالم وحدة كلية تؤلف مجموع الطبيعة وان الإنسان يملك صفة مزدوجة. فهو جزء من الطبيعة وهو منح العقل، ولما كان جزءا من الطبيعة فأنه يخضع لها. ولما كان قد منح العقل فأنه يبدو مخلوقا متميزا يملك الروح والإرادة اللتين تمكنانه من التمييز بين الحسن والقبيح بحرية([31]).
اما الرواقيون، فأسسوا أفكارهم حول فكرة القانون الطبيعي على مبدأ ارسطو القائل (بأن الإنسان جزء من الطبيعة) وانه منح العقل الذي يميزه عن أجزاء الطبيعة الأخرى. ورأوا ان الطبيعة ليست نظاما للأشياء وحدها بل عقل الإنسان ايضا. ولما كان الإنسان جزءا من الطبيعة فيكون محكوما بالعقل ولما كان كائنا اجتماعيا ومدنيا فأنه يجب ان يعيش طبقا للعقل أي يعيش طبيعيا. وهذا يعني ان الإنسان يجب ان يعيش على وفاق مع الطبيعة وذلك بأن يكون الفرد مواطنا في جمهورية عالمية تشد الافراد الى بعضهم روابط الاخوة. رأوا انه في العصر الذهبي للقانون الطبيعي المطلق لا تكون هناك عائلة او رقيق او ملكية او حكومة الا ان هذه المؤسسات الاجتماعية تصبح ضرورية مع الفساد الاجتماعي للجنس البشري([32]).
2-3-3 حقوق الإنسان عند الرومان
ان الفقيه الروماني المشهور شيشرون نقل فكرة الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي في تعاليم الرواقيين من عالم الفلسفة الى ميدان القانون. انه عبر صراحة عن ايمانه بوجود قانون طبيعي بقوله: (ان هناك قانونا حقيقيا هو العقل القويم المطابق للحقيقة، موجود فينا، وذو أساس الهي، ولا يمكن اقتراح إلغاء هذا القانون او إبطاله. فهو ليس غيره في روما او اثينا وليس هو غيره اليوم او غدا لكنه قانون واحد خالد وثابت لكل الشعوب ولكل الأزمان. فهو كالإله واحد وعالمي وسيد كل الأشياء وقائدها. ان الله هو صانع هذا القانون وهو الذي قدره وأعلنه )([33]).
جدير بالذكر، ان فكرة القانون الطبيعي قد تسربت الى الرومان بفعل عاملين. أولهما، تأثرهم بالتراث الفكري اليوناني بصورة عامة فلسفة الرواقيين بصورة خاصة، وكما لاحظنا ذلك في آراء شيشرون وغيره من فقهاء وفلاسفة الرومان. وثانيهما، هو حاجتهم الى مصدر آخر للقانون ليستمدوا منه أحكاما لغرض تطبيقها على العلاقات الاجتماعية القائمة بين أفراد الشعوب الخاضعة لسيطرتهم من جهة وعلى علاقاتهم بالأجانب من جهة أخرى([34]).
ويتضح من ذلك، ان فقهاء الرومان امنوا بوجود قانون طبيعي يتصف بالعمومية من حيث انه لا يخص شعبا دون آخر ويستمد أحكامه من الطبيعة ذاتها.
2-3-4 حقوق الإنسان في القرون الوسطى
سادت المرحلة اليونانية نحو ألف سنة وانتهت بنهاية القرن الخامس الميلادي، وفي نهاية هذه المرحلة كان صوت المسيحية قد دوى في أرجاء أوربا فبدأ الفكر الإنساني شوطا جديدا امتد نحو ألف سنة أخرى كانت للفلسفة خلال هذه المرحلة وظيفة تتمثل في ان تؤيد بالدليل العقلي ما سلمت به النفوس بالإيمان تسليما لا يقبل الشك، فأصبحت الفلسفة تابعة للعقيدة والعقل عنوانا لها. ولقد انحصر الفكر الفلسفي بيد رجال الدين الكنسيين، اللذين يتميزون بالعلم والمعرفة وعظم سلطان الكنيسة، حيث طغت الكنيسة على سلطة الدولة لأنها كانت القوة الوحيدة التي تمكنت من مقاومة غزوات أمم الشمال المتبربرة التي قوضت الإمبراطورية الرومانية، كما استطاعت ان تحافظ على الحركة الفكرية التي أوشكت على الضياع([35]). وتقع فلسفة القرون الوسطى في عهدين، عهد اباء الكنيسة، والعهد المدرسي.
برزت في ذلك القرن اسماء كثيرة من اباء الكنيسة والمفكرين أمثال اوغسطين وساليري واوكام وبيكون وتوما الاكويني وغيرهم، ولكننا سنقصر الكلام على مفكرين مشهورين منهم وهما أوريليوس اوغسطين وهو من ابرز فلاسفة عهد اباء الكنيسة، وتوما الاكويني وهو من اعظم فلاسفة العهد المدرسي. حيث ارصد اوغسطين معظم حياته لنشر المسيحية والدفاع عنها وألف كتابه الشهير ( مدينة الله The City of God ) رد فيه حجج الوثنيين الذين حملوا المسيحية نتائج سقوط الإمبراطورية الرومانية. حيث انه خلط بين الدين والدولة، وقال يجب ان تكون الدولة مسيحية، أي ان تكون دولة وكنيسة في وقت واحد مادام الشكل النهائي للتنظيمات الاجتماعية دينيا.
واهم ما جاء به اوغسطين من أفكار جديدة، هو تصويره لفكرة مجموعة الأمم المسيحية وقد تصورها على انها ذروة تطور الإنسان من الناحية الخلقية والروحية، وسبب ذلك يعود إلى إيمانه بعجز الدولة عن إقامة العدالة ما لم تكن مسيحية، والادعاء بأن الدولة قادرة على ان تعطي كل ذي حق حقه غلط، إذا كانت الدولة نفسها لا تعطي الله حقه في العبادة([36]).
ويتضح لنا من ذلك، تطور سياسة الكنيسة، فبعد ان كانت في العهد الأول تفصل بين الدين والدولة فصلا تاما وتمنح كلا من السلطتين الدينية والدولة، سلطة مستقلة حسب المقولة المشهورة (اعط ما لقيصر لقيصر، ومالله لله) وهكذا خضعت سلطة الدولة للسلطة الدينية في هذه الفترة، فلا طاعة للقانون الوضعي إذا كان يخالف القانون الإلهي، الذي نقشه على قلوب الناس، والإنسان يجده ويدركه بواسطة عقله وهو يعلو على القانون الوضعي.
اما ما يخص أفكار القديس توما الاكويني حول الإنسان وحقوقه، فهو يرى، ان الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، لأنه يحتاج الى أشياء كثيرة ضرورية لحفظ حياته يعجز وحده من توفيرها، ولهذا فأنه يحتاج الى تعاون الآخرين، لان الحياة في المجتمع تمكن الفرد من حياة طيبة كريمة بفضل الفرص التي تتاح له عن طريق التضامن الاجتماعي([37]).
والمجتمع عند الاكويني جسد أعضائه هو تتمثل في الأفراد، وكما ان لكل عضو من أعضاء الجسد وظيفة، فأن لكل فرد وظيفة في هذا المجتمع. وقسم المجتمع الى ثلاث طبقات وهم رجال الدين والأسياد والعوام، ويرى ان الفلسفة والدين ليسا نقيضين بل أنهما خطوتان تكمل أحداهما الأخرى في تحصيل المعرفة.
ويقول بهذا الصدد (لقد استقى الإنسان علمه عن العالم من مصدرين هما العقل والوحي. اما إنتاج العقل فقد بلغ الذروة في مؤلفات ارسطو، ثم جاء الكتاب المقدس بوحي من الله عن الموضوعات التي استقصت على عقول الناس، فحسب الإنسان ان يقرأ ما كتبه ارسطو وما هو مسطور في الكتب المقدسة ليعلم كل ما هو جدير بالمعرفة)([38]).
وفي مجال نظرية الدولة، يرى الاكويني ان الدولة نتيجة ضرورية لإشباع الحاجات البشرية النابعة عن طبيعة الإنسان الاجتماعية، ولهذا فأن مهمة الدولة هي تأمين الأمن والسكينة وتحقيق المصلحة العامة، وهو يعتبر الدولة في منزلة أدنى من منزلة الكنيسة وترتب على هذا انه يجب على الدولة ان تقدم العون والمساعدة للكنيسة وان تكون في خدمتها لتحقيق أهدافها العليا، وكل دولة تعارض الكنيسة وتناهض قراراتها، دولة غير شرعية يملك البابا حق إقالتها وإعفاء الرعية من الخضوع لأوامرها وسلطتها([39]).
وفي نطاق القانون، فأنه يميز بين أنواع ثلاثة من العقول تنبثق منها ثلاثة أنواع من القوانين، فهناك العقل المطلق وهو العقل الإلهي الذي يحكم العالم من خلال القانون الأزلي الخالد الأبدي، والعقل التأملي وهو عقل الإنسان حينما يتأمل فيستطيع أن يصل إلى قدر من القانون الإلهي، هذا القدر يسميه الاكويني القانون الطبيعي، ويأتي بعدهما العقل العملي، ومهمته تشريع القوانين الوضعية طبقا للقانون الطبيعي، أي وفقا لهذا القدر القابل للمعرفة من القانون الإلهي([40]).
وفي حالة مخالفة القانون الوضعي لقواعد القانون الطبيعي تكون الطاعة للقانون الوضعي واجبة حتى لو كان هذا القانون ظالما، أما إذا خالف القانون الإلهي فأنه لا يكون واجب الطاعة، فلا طاعة للقانون الوضعي إذا خالف القانون الإلهي.
2-3-5 حقوق الإنسان في الإسلام
إن الإسلام قد اقر الحق ومن خلاله حقوق الإنسان وقيده بقيود عديدة لمنع الفرد من سوء استعماله والتعسف فيه بهدف تحقيق المصالح العليا للمجتمع وسد الطريق أمام المتعسف ومنعه من إلحاق الضرر بالآخرين، لان تحقيق مصالح الإنسان فردا وجماعة من أهم وابرز مقاصد الشريعة الإسلامية، لذا فأن من الطبيعي إقرار الشريعة الإسلامية لفكرة الحق، غير إنها تقيد الحق بقيود عديدة بغية الحفاظ على التوازن بين مصلحة الفرد وبين مصلحة الجماعة([41])ومن هنا ظهر الحق في الشريعة الإسلامية بمظهر خاص وهو وقوعه موقع الوسط بين المذهبين الفردي والجماعي، وبعبارة أخرى ان فكرة الحق في الشريعة الإسلامية ذات نزعة وسطية بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية. ومن أهم الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية الحق في المساواة أمام القانون في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية (كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): الناس سواسية كأسنان المشط) وقوله (صلى الله عليه وسلم): كلكم من ادم وادم من تراب)، والحق في حرية التعبير والعقيدة (كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): دعوه فأن لصاحب الحق مقالا)([42]) ، وحق التعليم والتعلم(كقول الرسول: اطلب العلم ولو بالصين) وقوله (صلى الله عليه وسلم): اطلب العلم من المهد إلى اللحد)، والحق في إشغال الوظائف العامة والإسهام في شؤون إدارة الحكم وقوله (صلى الله عليه وسلم): (من ولى رجلا من أمور المسلمين شيئا، وهو يعلم ان فيهم من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين)، وحق الشفعة( كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): الجار أحق بسبقه)([43]).
وبما إن الله سبحانه وتعالى هو مالك كل شيء كقوله تعالى في سورة ياسين الآية/83: )فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( فإن منشئ الحق ومانحه هو الله سبحانه وتعالى ولكنه ائتمن الإنسان عليه وجعله خليفة في الأرض كقوله تعالى في سورة النمل الآية/63: )وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ( وكقوله تعالى في سورة الحديد الآية/7: )وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ( . وهكذا فأن الحق في الاسلام منحة مشروطة لتحقيق المصلحة التي من اجلها شرع ومبعثها اعتراف الشرع بها وليس صفة طبيعية كما بقرها المذهب الفردي([44])، وبالتالي فليس هناك حق ذاتي مطلق، ولا حق مع تجاوز الفضيلة، لان الفضيلة قيد يقيد الحقوق، ويوقف المشروعية عندما يغلب عليها الطابع الفردي والأناني([45]).
وفيما يتعلق بمقارنة فكرة الحق في الفقه الإسلامي بالمذهبين الفردي والاشتراكي نرى ان الفقه الإسلامي اعتبر الحق صلاحية ممنوحة لشخص ما لتحقيق مصلحة معترف بها له بعكس المذهب الفردي الذي يرى بأن للإنسان طائفة من الحقوق بمجرد ولادته ويكتسبها من الطبيعة بوصفه إنساناً([46]).
لا خلاف بين الفقه الإسلامي والمذهب الفردي في قدسية الحق وحق صاحبه في ممارسته للانتفاع به بمختلف الطرق المشروعة لتحقيق مصالحه الشخصية والاجتماعية. ولكن مدى السلطة التي يملكها صاحب الحق في الفقه الإسلامي ليس مطلقا كما هو في المذهب الفردي، بل انها تخضع لقيود عديدة كقيد الفضيلة لتحقيق المصلحة العامة ولمنع التعسف في استعمالها وإلحاق الضرر بأطراف أخرى.
وفي ضوء هذه المقارنة البسيطة يمكننا ان نقول بأن نزعة الفقه الإسلامي نزعة وسطية بين النزعة الفردية والنزعة الاشتراكية.
ومن الجدير بالذكر، ان إقرار الإسلام لحقوق الإنسان، هو تكريم لبني ادم، لان هذه الحقوق ما هي إلا بعض سمات الكرامة الإلهية لبني ادم. وقد جاء التكريم الإلهي للإنسان بشكل مطلق ليشمل الكرامات كلها ومنها الحقوق والحريات الأساسية ما كانت مدنية او سياسية او اجتماعية او اقتصادية أو ثقافية([47]).هذا ما نستنتجه من قوله تعالى في سورة الإسراء الاية/70: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) يعني، كرمناهم بالعلم والنطق واعتدال والخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت وفضلناهم على البهائم والوحوش. وبهذا المعنى ولنفس الغرض، ان الله سبحانه وتعالى قد أكد في آيات كثيرة على مساواة الإنسان أمام القانون في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، وجعلها حقا أساسيا، ولذلك مرة أخرى أكد سبحانه وتعالى وحدة الجنس البشري في سورة النساء الآية/1:(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وكقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (كلكم من ادم وادم من تراب).
ان هذه الآيات الكريمات لم تتوجه بالنداء إلى إنسان موصوف بدينه او بلونه او بقومه او بجنسه، بل توجهت الى جميع الناس بغض النظر عن هذه الأوصاف كما وتصف الناس بأنهم مخلوقون من نفس واحدة إشعارا بالوحدة البشرية التي تعني الرحم الواحد الذي يجمع بني ادم، وهذا يعني ان جميع الإنسان أصلهم واحد ولهذا كلهم متساوون في الحقوق والواجبات ويجب ان تتمتع كل شخص منهم بحقوقه وحرياته الأساسية والتي تسمى بحقوق الإنسان بدون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللون …. الخ ([48]).
وهكذا، فإن الله سبحانه وتعالى من خلال تكريمه لبني ادم، قد سخر له ما في الأرض جميعا، وأعطاه الحرية في تمتعه بها، ليستفيد منها في حياته اليومية كحق من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، كقوله تعالى في سورة البقرة الآية/29: )هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( وقوله تعالى في سورة البقرة الآية/267 : )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ( وقوله تعالى في سورة الأعراف الآية/160 : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وقوله تعالى في سورة طه الآية/81 : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).
كما وان تعدد الشعوب والأمم والقبائل لا يعني أفضلية شعب أو امة أو قبيلة على الآخرين، بل ان ذلك دليل على التضامن الاجتماعي والوحدة الإنسانية، ليكون الاختلاف في الوسط الاجتماعي دليل التعارف، كقوله تعالى في سورة الحجرات الآية/13: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
إن بعض الحقوق أهم من البعض الأخر، كحق الإنسان في الحياة، هو من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، هذا ما يتبين لنا من آيات كثيرة من القران الكريم، كقوله تعالى في سورة المائدة الآية/32: )مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا(، ولهذا، وضع عقابا شديدا لمن يقتل شخصا بغير حق، عليه فقد حذر من اقتراف جريمة إزهاق الروح بدون حق شرعي، كقوله تعالى في سورة النساء الآية/93: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
كما اهتم الإسلام بحق المشاركة في الحكم، ولهذا الغرض، قد اقر مبدءا مهما إلا وهو (مبدأ الشورى) وكما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران الآية/159 : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ). والشورى وسيلة للوصول إلى الرأي الأصوب لأنه رأي الجماعة. والجماعة هنا لا يقصد بها الأغلبية المطلقة، كما هو الحال في النظام الديمقراطي الذي يعتمد على الأغلبية العددية وحدها، ولكن المقصود بالجماعة هنا الجماعة المؤهلة للاستشارة. ومن أهم ما ينبغي ان يتوافر في هؤلاء ان يكونوا ممن يتقون الله في القول والعمل ولا يخشون أحدا إلا إياه، ويعملون على تحقيق منهاجه في الأرض، وان يكونوا ممن لديهم العلم والخبرة الكافية، فيما يستشارون فيه، قال الله سبحانه وتعالى عن المسلمين في سورة الشورى الآية/38:(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
وفي التأريخ الإسلامي صور من استعمال الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين للشورى في اتخاذ القرارات، كما في حفر الخندق في غزوة الخندق، وفي معاملة أسرى البدر.
2-3-6 حقوق الإنسان لدى كروسيوس
بعد انهيار الكنيسة وقيام الملكيات المطلقة وإتباع تعاليم ميكافيلي اللاأخلاقية، أصبحت الحياة أكثر تعرضا للفوضى من أي وقت مضى، وأصبحت القوة الفيصل الحاسم في علاقات الدول فيما بينها، ولهذا اَمن كروسيوس بأن رفاهية البشر تقتضي معالجة شاملة ومنسقة للقواعد التي تنظم العلاقات بين الدول عارضا آراءه بهذا الصدد في مؤلفه (قانون الحرب والسلم) الذي أصدره سنة 1625([49]).
ذو فيما يتعلق بالقانون الطبيعي، فأنه يرى أن الطبيعة البشرية هي مصدر هذا القانون، التي تقتضي بأن يعيش الإنسان وفقا لغريزته الاجتماعية في المجتمع. الا ان العقل يمكن الإنسان من تحسين طبيعته، لذلك فأن كل ما يخالف العقل يخالف القانون الطبيعي في نفس الوقت، وكل ما يتمشى مع العقل، يتمشى مع القانون الطبيعي([50]).وبتعبير آخر فإن القانون الطبيعي عند كروسيوس، كما عند توماس الاكويني، يعلو على القانون الوضعي، وان القانون الوضعي يستمد صحته من القانون الطبيعي. الا ان كروسيوس يميز بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، وهو يرى بأن القانون الوضعي يستمد وجوده من إرادة الحكام في حين ان القانون الطبيعي يستمد وجوده من سلطان العقل([51]).
إلا أن مفهوم القانون الطبيعي عند كروسيوس يختلف عن مفهومه عند توماس الاكويني، فرغم ان كليهما ينطلق من العقل، الا انه عقل في خدمة الدين لدى الاكويني، في حين انه عقل في خدمة الإنسان وغريزته الاجتماعية لدى كروسيوس. وهذا يعني ان كروسيوس قد قطع الصلة بين القانون الطبيعي والدين([52]).وبتعبير آخر فإن القانون الطبيعي ليس كذلك لان الله أراده، بل لأنه بالذات القانون الطبيعي([53]).
ومما تقدم يتضح لنا، ان كروسيوس يؤيد وجود حقوق طبيعية لصيقة بالإنسان، وهي في وجودها تسبق وجود الدولة والقانون الوضعي، عليه فلا يجوز ان تتجاهلها القوانين الوضعية، لأنها حقوق طبيعية، ولهذا فأن مهمة القانون الوضعي هي ضمان التمتع بهذه الحقوق لكل الأفراد([54]).
ويرى كروسيوس ان الحياة الإنسانية كلها تؤلف مجتمعا واحدا لذلك يجب الرجوع إلى القانون الطبيعي الذي يعلو على القانون الوضعي لأي شعب من الشعوب وهذا القانون الطبيعي يقوم على فكرة الحق والعدل وهو ملزم لجميع الشعوب على حد سواء([55]).
وبناء على ذلك فأنه قد أقام العلاقات الناشئة بين الدول في حالة الحرب والسلم على أساس القانون الطبيعي، إذ جاء بفكرة القانون الدولي العام في معناه الحديث وبناه على اساس احترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتنظيم العلاقات بين الدول المتحاربة تنظيما قانونيا([56]).
ويرى أن الدول قد تخوض الحروب بسبب مصالحها المتضاربة إلا إن عليها الا تنسى وجود قدر مشترك من الإنسانية حتى بين الأعداء، وهذا القدر المشترك من الإنسانية لا يتصور التخلي عنه حتى في العلاقات مع الأعداء. ومن هذا فقد لجأ كروسيوس إلى تبرير الحرب العادلة دون غيرها([57]).
2-3-7 حقوق الإنسان عند مفكري مدرسة العقد الاجتماعي
إن فكرة القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية قد عاصرتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر فكرة أخرى هي فكرة العقد الاجتماعي.
صاحب هذه الفكرة هو أفلاطون، وهو يرى ان المجتمع السياسي ينشأ على أساس نوعين من العقود، النوع الأول خاص بالعقود بين الأفراد وهو الذي ينظم الحياة الخاصة للأفراد، والنوع الثاني خاص بالعقود المبرمة بين الحاكم والمحكومين([58]).
وعن العقد الاجتماعي المبرم بين الحاكم والمحكومين، فبمقتضاه يتعهد الحكام بعدم فرض سلطتهم بأسلوب عنيف ويتعهد المحكومون بعدم تغيير نظام الحكم([59]).
وبعد أفلاطون بقرون عديدة عادة هذه الفكرة للظهور مرة أخرى على يد الكتاب المناوئين للمذهب الإلهي الذي تجد فيه مؤسسات نظام الحكم الملكي المطلق شرعيتها. إن هذه الفكرة قد تبناها، الكتاب المناوئون للمذهب الإلهي، الذي تجد فيه مؤسسات النظام الملكي المطلق (نظام الحكم المطلق) شرعيتها.
وهكذا فان فكرة العقد الاجتماعي قد طرحت كرد فعل ضد مذهب الحق الإلهي السائد في القرن الثامن عشر([60]).من هنا يمكن القول ان فكرة العقد الاجتماعي نشأت لتصدي الحكم المطلق، وذلك بإظهار القيمة التي يتمتع بها الفرد كطرف من العلاقة مع الحكام. فإذا كان الفرد غاية في ذاته وان المجتمع وجد ليساعد على تحقيق هذه الغاية، فقد قيل ان مثل هذا الفرد سيؤسس السلطة والمجتمع عن بواسطة إبرام العقد مع بقية الأفراد([61]).وفق هذا المنطلق ان الدولة والمجتمع سيكونان مدينين بوجودهما لتعاقد الأفراد. ففكرة العقد الاجتماعي أخذت معنى آخر يؤكد على سلطة واختيار الأفراد في تحديد مصيرهم السياسي والمدني بإرادتهم المتعاقدة([62]).
جدير بالذكر، ان أنصار فكرة العقد الاجتماعي رغم اتفاقهم على إن الأفراد يؤسسون الدولة بواسطة العقد الاجتماعي، لذا تعود لهم السلطة والسيادة، الا إنهم غير متفقين على مضمون هذا العقد الذي ابرمه الأفراد فيما بينهم لتأسيس هذه الدولة.
لذلك انقسموا إلى ثلاث طوائف يمثلون ثلاثة اتجاهات فكرية ضمن فكرة العقد الاجتماعي، يقودها كل من توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو. ونظرا لأهمية هذه الاتجاهات في فهم فكرة العقد الاجتماعي، فأننا سندرس هذه الاتجاهات الثلاثة وعلى النحو الآتي:
2-3-8 فكرة العقد الاجتماعي في فكر توماس هوبز (Thomash Hobbes (1588 – 1679 م
توماس هوبز هو من فلاسفة القانون الطبيعي، يعتقد ان أول أمر يصدر عن القانون الطبيعي هو (البحث عن السلام والسعي إليه). وبمقتضى هذا القانون يجب على الناس ان يسعوا الى السلام ولتحقيق هذا الهدف عليهم جميعا إبرام عقد فيمابينهم و ان يتنازلوا بموجبه عن الحق في عمل كل شيء. وبهذا التنازل المتبادل تنشأ الدولة([63]).
والإرادة ليست حرة في ان تضع في هذا العقد ما تشاء، وبصفة خاصة فإن الإرادة ليست حرة في الأضرار بصاحبها. ومن ثم فانه لا يجوز بمقتضى هذا العقد التنازل عن الحقوق الأساسية للإنسان. وفي هذا يقول هوبز: (ان موضوع التصرفات الإرادية لكل شخص هو شيء حسن لهذا الشخص، ولهذا السبب فأن هناك بعض الحقوق لا يتصور ان رجلا يتنازل عنها او يتصرف فيها بأي كلمات أو إشارات)([64]). والحقوق التي يتحدث عنها هوبز في هذه العبارة هي الحقوق التي أطلق عليها فيما بعد حقوق الإنسان، وهي الحقوق الطبيعية التي تستمد وجودها من القانون الطبيعي ذاته ولا يجوز المساس بها بواسطة أي تصرف إرادي سواء كان هذا التصرف قانونا او عقدا([65]).
وهكذا فأن العقد الاجتماعي عند هوبز يستمد أسباب وجوده وشروطه من القانون الطبيعي وليس من الإرادة. فالعقد الاجتماعي عقد غير إرادي. ومع ذلك فان هوبز قد انحرف بنظرية القانون الطبيعي انحرافا يبرر طغيان القانون الوضعي واستبداد الدولة.
وبما أن فكرة العقد الاجتماعي سلاح ذو حدين، إذ قد تفسر لتأكيد سيادة الشعب باعتباره مصدرا لجميع السلطات، وقد تستخدم لتأكيد سلطة الحاكم المطلقة باعتباره مصدرا لجميع هذه السلطات. وهكذا استخدم هوبز هذه الفكرة لمساندة الدولة الاستبدادية وسماها بالتنين، لأنها تبتلع من جوفها كل الأفراد الذين تذوب شخصياتهم وإرادتهم أمام شخصيتها وإرادتها.
ينطلق هوبز من تحليل لطبيعة الإنسان في ضوء رؤية فلسفية معينة، فيقول: (الإنسان يتميز من الحيوان بالعقل ورغبة المعرفة والقلق من المستقبل والخوف من المجهول. والإنسان بهذا التكوين لا يعيش وحده بل مع أمثاله الذين يحملون ذات الصفات. بناء عليه، لكل إنسان مثيله ومنافسه وبالتالي تدفعه أيضا إرادة القوة تحت كل أشكالها. فكل فرد، إذن، مساو للفرد الآخر. والمساواة بين الأفراد تعني ان كل واحد يريد ان يحقق أهدافه وان يحطم او يخضع الآخر. فالمنافسة وعدم الثقة المتبادلة والرغبة الجامحة في المجد والشهرة، تكون نتيجتها الحرب الدائمة لكل واحد ضد كل واحد، والإنسان، عندها، سيكون ذئبا بالنسبة للإنسان. ومثل هذه الحروب ستكون عائقا لكل بناء ولكل حراثة ولكل راحة ولكل علم وأدب ولكل ملكية، وباختصار لكل مجتمع. واضع من ذلك إنها تؤدي إلى الخوف الدائم من الموت العنيف. وهذا هو الوضع البائس للإنسان في حالة الطبيعة)([66]).
وهكذا، وهو يرى بأن الإنسان في حالة الطبيعة يتمتع بحرية كاملة لكنها عقيمة، لأنه إذا كانت له الحرية في ان يفعل ما يشاء، ففي مقابل ذلك هناك الآخرون الذين لهم نفس الحرية، الأمر الذي يعرضه لان يتحمل كل ما يعجبهم. أي يملك كل واحد الحق على كل شيء ولكنه لا يستطيع ان يتمتع بأي شيء. لكن حينما يقام المجتمع المدني، فأن كل مواطن لا يحتفظ بحرية إلا بقدر ما تمكنه من العيش الكريم وبسلام، ويفقد الآخرون كذلك حريتهم بالقدر الذي يصبحون معه غير مؤذين([67]).
ولهذه الأسباب، فقد قاد الإنسان عقله الى وجوب الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة أخرى، حالة المجتمع المدني، فأتفق الجميع على ان يتنازل كل إنسان عن جزء من حريته المطلقة لمصلحة المجتمع وهذا التعاقد بين الأفراد هو أساس الاجتماع والفائدة التي تقوم عليها الدولة([68]).
ولكن هذا التعاقد لا يمكن تنفيذه وتحقيق غايته إلا إذا خضع الجميع لفرد واحد منهم يتمثل في شخصية الدولة كلها وتكون إرادته هي القانون النافذ وتخضع جميع الأفراد لإرادته خضوعا تاما([69]).أي لا تكون للأفراد حرية الرأي والضمير وتسحق أي عقيدة دينية تتعارض مع ما تراه الحاكم حقا وخيرا.
وهكذا فالأفراد يتعاقدون فيما بينهم، فيتنازلون، لمصلحة الغير، وهو الحاكم، عن كل حق وعن كل حرية تضر بالسلم. فقد ارتبطوا فيما بينهم في حين إن الحاكم الذي أوجدوه لم يرتبط أو يتقيد. إذا الالتزامات المتبادلة هي، بين المحكومين وحدهم وان الحاكم لن يكون طرفا فيها. بناء عليه فالأفراد اشترطوا فيما بينهم بالتخلي عن الحق الطبيعي الذي يعود لهم بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لمصلحة شخص ثالث وهو الحاكم([70]). وستكون سلطة الحاكم مطلقة لا يجوز للأفراد أن يستردوا ما أعطوه للحاكم من السلطة، لأنه لم يكن طرفا في العقد ولم يلتزم بشيء تجاههم، ولهذا فقد ظلت الحرية للحاكم وحده وأصبح سلطانه عليهم مطلقا لا حدود له([71]).