eKtab
EN ع
هكذا أتشبه بالشجر
Read free sample

هكذا أتشبه بالشجر

by نضال الشوفي

Page 1
الكتابة الأيقونية
 
د. عبد العزيز غوردو
 
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر...
 
(توقيع: تميم بن مقبل)
 
سؤال أول: أهي الوثنية ما دفع شاعرا (من زمن حياة الإنسان المنطلق في البرية) إلى طلب التماهي مع الحجر، من خلال اشتهاء التشبه به حد الاندغام: ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر!؟
 
صدر هذا البيت استهلال فلسفي عميق يجد امتداده / جوابه المقنع في عَجُزه: «تنبو الحوادث عنه وهو ملموم»؛ قبل أن يتوارى قصيا في الزمن حتى لا يكاد يبين.. ثم فجأة يرتد رجع الصدى، شجيا كشبابة الرعاة، كأنه يأتي من عالم آخر: «هكذا أتشبه بالشجر»!
 
عند هذا العنوان يمتشق سؤال ثان / سؤالنا الأول: ما الذي يدعو قاصا (من زمن موت الإنسان والبرية)، إلى التشبه بالشجر؟
 
وكما وجد صدر البيت الأول جوابه في عجزه وجد عنواننا الثاني جوابه في متن الأضمومة، التي احتضنته، وأولها القصة التي حملت عنوانها، أو حملا (القصة / الأضمومة) عنوان بعضهما... وهو مناص مغر، حد الاستفزاز، بالارتماء بين دفتي الأضمومة والغوص نحو أعمق نقطة فيها...
 
الأضمومة هنا عيادة سردية.. داخلها يصر نضال الشوفي على التلاعب بنا عن قصد، من خلال صور لا تتوقف عن التقاط التفاصيل، فلا يجعلنا نكتفي بالتأمل على الحواف بل يسحبنا نحو عوالمه الممتلئة، لنتواطأ في الفعل التبئيري، على غواية الكتابة / القراءة، نحن الكسالى الذين عركتنا العطالة وأحجمتنا عن فعل التأمل: كيف نغدو منشغلين بهذا الفن بعد القراءة الأولى والثانية.. والعاشرة؟
 
عند هذا الحد يصبح هناك التزام أورثوذكسي بين البورتريه الذي ينكتب، مرة أخرى بعد القراءة، والقارئ الذي لم يكتب شيئا في الأصل، ومع ذلك يشعر بأنه متورط في هذا الفعل الكتابي: كيف أجاد نضال الشوفي تدبيج ذلك في منجزه السردي؟
 
منذ البداية إذن، منذ القصة الأولى، أو ربما مما قبلها / من عنوان الأضمومة، كما أعلنا عن ذلك قبلُ.. ثم في «الغمر» كما في «شواطئ الرماد» كما في «المنعطف».. كما في أخواتها الأخريات... يصر هذا المنجز «الشوفي» على أن يكتب وينكتب، يشكل ويتشكل، يلغز ويتلغز... من خلال مجموع العلائق التي تشابكت فيه، واشتبكت مع القارئ اشتباكا لذيذا آسرا؛ وحيث يبدع التشكيل بالحروف في رسم مشاهد يومية عنيدة عادية، وأخرى سريالية تهوي بنا إلى الهاوية السحيقة المتاخمة للعقل والجنون، نحن لهوة أحجار الطواحين تسحقنا وسط ما يستغرقنا يوميا من غير اشتهاء: الحب والرحيل؛ شقاء العامل البسيط وتأمل المفكّر المبدع؛ حياة الريف الهادئة وصخب المدينة الضّاجة؛ ضيق الزوايا وانغلاقها وانفتاح العالم على أفقه الممتد؛ حياد المسالم السلبي وشغب المناضل المشاكس؛ لذة الحياة ومتعتها وعذابها ودموعها… حيث نستنشق المتعة والألم في آن واحد، ليس على طريقة القديسين كما في الأيقونات القديمة، بل على طريقتنا نحن البشر العاديين عند نعي الحقائق الغائبة؛ وبأسلوب لا ينفك يدهشنا كل مرة ولا غرو، فالبعد «النضالي» حاضر هنا بقوة؛ وقد جاء ليبقى ويتجذر في كل من يلمسه؛ وليعلم الجميع، منذ البداية، إن كانت هناك بداية أصلا، أن: «الإنسان غلطة... والعالم خلق للأشجار»؟!
 
لا يذهب نضال الشوفي حتى في المواضيع الكبرى التي يكتب عنها (الموت؛ الحياة؛ الوجود؛ الألم...) حد «الأسطرة»، بل يحاول فقط أن يكشف عنها بعض مظاهر الموضوع الذي تمثله (على حد رأي أمبرطو إيكو)؛ أي بما هي مواضيع قابلة لأن نتأمل، ونتفرس، فيها مباشرة: في شموخها وصلفها وعبثيتها وتعاليها... لكن بعد أنسنتها؛ ولئن كان ريجيس دوبري قد كتب يوما يقول: «شيئان لا نستطيع التحديق فيهما طويلا: الشمس والموت.» فإننا عبر مواجهتها، من خلال هذا النوع من الكتابة أي ما بعد الأنسنة، نستطيع أن نتأملها عبر الموشور الذي تنعكس فيه، والذي تمجد نفسها من خلاله؛ فههنا اللغة لا تحتفي فقط بالموضوع الذي تكتب عنه، بل هي تحتفي بنفسها أيضا.
 
من وسط خرائب العالم والإنسان إذن جاء هذا ال «نضال» ليعلمنا كيف وعندما تضيق بنا الدنيا، وتحاصرنا الأسئلة، ما علينا إلا أن ننفث نفسا طويلا – حتى لو ارتخت الشفاه - ثم نغمز في أسرارنا: لهذا نحب صحبة الشجر...
 
يعلمنا «كيف نغني للأشجار عن الأشجار»؛ أما الإنسان فهو «غلطة» والعالم لم يخلق له... لأنه لا يستحقه...
 
وإذ ننام نجترح، نحن المبتلين، غواية الحنين إلى الأيام الخوالي، إلى الوطن الكسيح، إلى قبور الأجداد التي تصر على الصمود ولو من دون شاهدة... وإلى الأشجار... لا خلاص لنا إذن إلا بالسفر إلى أرض محايدة تخضّر فيها الأصابع، وتبرعم أشعارا على الورق، وإذ تزهر فإنها لن تزهر أفضل من شتلات نشتهي أن نتشبه بها، فيصيح كل واحد منا، بصيغة الجمع أو المفرد: هكذا أ /ن / تشبه بالشجر...
 
عنوان مغر بالقراءة، وأضمومة لن يندم من قرأها على أنه قد فعل، وأكيد سيكون خاسرا كل من فاته شيء منها، حتى لو حدث ذلك دون قصد منه...
Page 2
هكذا أتشبه بالشجر
 
لا أعرف شيئا عن «ماكس أوب»، حيا كان أو ميتا، كاتبا أو شاعرا أو شيئا غير ذلك، كهلا عرافا يتأمل من شرفة الثمانين تلالا قريبة مفروشة بالغاب، أو يافعا يلاحق الكؤوس بين حانة وأخرى، وعندما ينتشي بالخمر والوجوه يروق له أن يكنّي النساء بأسماء فاكهة غير مألوفة .
 
لا أعرف شيئا عن الرجل سوى عبارة قصيرة لا أذكر من أين سقطت على سمعي واستوطنت طرف لساني، فاستأنستها وغسلت كلماتها بلحن جنائزي رتيب، ودندنتها كلما كنت وحيدا، وما أكثر ما أكون ...
 
دندنتها كلما شج الهواء عروق دالية معرشة على شباك غرفتي فينقشع ذاك السياج الشائك وهو يحجز خلفه الأشجار والعشب البري، وآثار أناس ازدردت ألغام الحقل أطرافهم، ونثرت بقايا العظام هنا وهناك.
 
ودندنتها ممزوجة بلهاثي وأنا أقتلع قدمين ثقيلتين تغرقان وسط التراب المحروث، كلما سرت بين أشجار يانعة تنزاح خضرتها عن هاوية تنتهي بالحقل المدجج ذاته:
 
«الإنسان غلطة، والعالم خلق للأشجار ...»
 
«العالم خلق للأشجار ...»
 
في بلدتي الشرق بحالة انفصام منذ عقود، لا يعدو كونه شروقا أو غروبا شمالا أو جنوبا، الشرق سياج وحقل ألغام يحجز أمداء تبثني نبض رجل أورثني قسمات وجهه، وسواد شعره ،واعتدال قوامه ثم رحل.
 
كانت الحرب موعده، فالتقط رشاشه وودع أمي والتحق بكتيبة ظلت ترابط عند وهدة قريبة حتى انكشفت للطائرات. فتقهقرت بعد نفاد الذخيرة وازدحام الأجساد في الغمر القاني. أبي ذو الشعر الأسود والقامة المعتدلة، استبسل بلا أمل هناك على مشارف قريته، وانسحب ذليلا يلقي على كتفيه سلاحا فارغا ينفث الدخان، وشابا يافعا مقطع الأطراف.
 
تقول أمي بنبرة منكسرة: كانت الطيور المذعورة والشمس والطائرات فوق الرؤوس، وأنتما تتقلبان في بطني فلا أقوى على العدو كما يفعل الناس ...
 
فيتبرم أخي التوأم ويصيح: والله قد صدعت رؤوسنا بهذه الحكاية.
 
تصمت أمي، وأغمغم بدوري مشفقا: ليتك يا أمي خلقت شجرة.
 
يفرقنا موعد النوم كل إلى فراشه، فأعلّق نظري في عتمة السقف، وأفرد أجزاء الحكاية في عقلي متمما فصلها الأخير على هواي، علّي أدرأ غيضي من سلوك أخي الغارق في النوم في الزاوية المقابلة.
 
أقول في سري: سامحه الله، متى يكف عن التذمر، وينقطع عن رفاق السوء؟ متى يقطر معي عرقا في الأرض التي من دونها لا حيلة لنا ولا معيل؟ يطول تحديقي في اللاشيء وأنا أوزع اللوم بين أخي التوأم وأبي الغائب من قبل أن نولد، فيمتح الليل حتى يهدني الإرهاق وأغفو
 
في الصباح، أنهض بمفردي متثاقلا مغمض العينين تقريبا، أستدّل بصوت أمي يكرر النداء ريثما تلسع برودة الماء جلدة وجهي. أضع رداء العمل على جسدي، وألتقط زادا أعدته أمي على مهل لشخصين بالغين أو أكثر، أتركها لعناء أليف لا طائل منه مع أخي، وأتخذ وجهتي إلى البستان.
 
في بلدتي، الناس تصحو قبل الشروق، تدب خطاهم في الشوارع بصمت وهدوء حتى تطل الشمس من خلف التلال، فينحلّ في أبدانهم أثر النعاس، وتنشط الألسن وتدور على ذات الكلمات، وتهافت السؤال عن أخبار أبي الغائب، عن رتبه العسكرية الجديدة، وخالتي زوجة أبي وأخوتي البعيدين. فضول ينفخ في الصدر ضريم الهموم:
 
في أي مدينة يقطن والدك هذه الأيام؟
 
هل يرسل لكم مالا بوسيلة أو أخرى؟
 
متى سيسعى للقياكم في بقاع محايدة؟
Page 3
متى؟ وكيف؟ وأين؟ ...
 
وأنا أداري ارتباكي بمقتضب الجواب، أتلمس السبل للتملص أو لقمع تحشّر يقبض على أعصابي المستفزة أصلا. أنفث نفسا طويلا وأغمز في سري: لهذا أحب صحبة الشجر.
 
ثم أتابع سيري وأنا أدندن أغنيتي: «الإنسان غلطة، والعالم خلق للأشجار ...»
 
عندما أصل إلى البستان ينسدل ستار العالم من خلفي، وتنفتح أبواب جنتي، وما أقربها أن تكون، لولا المشهد الحدودي الرابض جهة الشروق. أقعي فوق التراب قبالته مستسلما لسدور يعبر بي مدى العمر، ثم يعيدني إلى الفصل الأخير محملا بالهموم. أم تنوء بأثقال الحياة فتحني الظهر شيئا فشيئا، تنكمش تعابير وجهها وتقسو قبل الأوان. وأخ يمقت العمل، ولا يعنيه من قادم الأيام سوى ما يغّيب وعيه من خمر وسموم، يهجر البيت ما شاء، ثم يعود ليهز أركانه الآيلة بالتطلب والنفور.
 
أقول لنفسي: لا بأس أن تكون هذه الهاوية مكانا ألقي به فضلات الكروب، وأعود إلى عملي أدندن للأشجار أغنيتي عن الأشجار.
 
عما قريب سُتجنى المحاصيل، فتبدل العصافير قوت موائدها. ستخلع البساتين زي المواسم وتنتظر عارية موعد المطر الأول، وتعاود الاغتسال هطولا بعد هطول حتى ترق قشورها وتصبح جاهزة للتبرعم من جديد. لكن الشتاء أيضا يزيد انطواء النفس بانطواء الجسد خلف الجدران الكالحة. لهذا تراودني الرغبة في أن أستحم هذا الشتاء مع الشجر. سأسابق الفصول وأبني غرفة صغيرة في بستاني الصغير هذا. سأخرج عاريا تحت شلال المطر، وأرقص مع الريح، وأميل مع الغيم الذي لا يعرف مستقرا. فإذا ما ابتعد، سأهز الغصون وأستكمل البلل ولسع البرد حتى يلين جلدي وتنمو في الربيع القريب على جسدي البراعم، سأكون أول إنسان يتحول إلى شجرة.
 
لكن أحلام النهار لا تدوم ظلالها في نفس كائن تقطع الكوابيس نومه.
 
في الليل أرى ريحا عاتية تمزق الغيم وتنثره نتفا، تقتلع سقف البيت وتقذفني إلى الحقل الممتد على طول الحدود. أنهض مذعورا لاهثا ممتقعا بالعرق، أقفز إلى الشباك أعب هواء منعشا، وأبلل جفاف حلقي برشفة ماء، وأنتظر متوجسا حلول الصباح.
 
وحين تضاء السماء بنور شمس لا زالت بعيدة، أكون على الدرب وحدي أستكمل سيري كمن يستكمل سباقا طويل المسافة، وكلما اقتربت من هدفي ازداد تثاقل أنفاسي، واشتد وجيب قلبي. ساومت نفسي على الرجوع وتعويض جسدي بقسط من الراحة.
 
لكن الريح التي رأيتها في نومي تدفعني من الخلف وتزيد تسارع مشيي، فما إن تحل نهاية الدرب، حتى أكون قد فقدت الشعور بأقدامي، وأسقط أرضا، وأصرخ بعالي الصوت، وأغرف بكفي التراب وأذريه في الهواء، وأشعر أن عينيّ لا تحتملان بشاعة ما أرى فأغمضهما وأصرخ من جديد، ثم أتهالك وأذرف الدموع حتى تجف مخازنها.
 
أفتح عينيّ من جديد وأنظر بلوعة إلى الأشجار المطروحة أرضا، وقبل أن أسائل نفسي عن الفاعل أرى أثار أقدام الجنود وعجلات جرافاتهم حفرت في التراب الرطب أثلاما أينما تحركت. استثمروا عتمة الليل، وانسحاب الناس إلى مخادعهم، واقتلعوا أشجار بعض البساتين، وانسلوا بعيدا لا أدري إلى أين. كتفاحة أحمل رأسي بين كفي متخبطا في تفكيري وحيرتي وحزني ، وأمضي في طريق العودة بخطى تزحف زحفا على الأرض الرجراجة تحتي، ولا أجد سبيلا إلا الغناء، فأغني أغنيتي بصوت متهدج ولحن جنائزي رتيب:
 
«الإنسان غلطة، والعالم خلق للأشجار ...»
Page 4
يتقاطع ندبي مع رؤى تترى على سجيتها، وتقفز إلى رأسي كلمات شاعر لا أعرف عنه شيئا، سوى أنه شاعر، وأنه كتب ذات مرة:
 
«الإنسان الأخضر يحتاج
 
إلى نوم أخضر
 
في بذرة نظام الله ...»
 
ولعلي كنت أواسي النفس عندما حدثتها عن حلمي الجديد في أن أكون أول إنسان يتحول إلى بذرة، ستكون توأم الغرس الجديد في أرض أعاهد نفسي أن لا تبور.
 
إذن أنا لست محزونا تماما، وإنما تعتملني أيضا مشاعر غضب شديد يستحضر في عقلي التركيز ولو بفكرة صغيرة بحجم بذرة واعدت نفسي أن أكونها، ربما في شتاء آخر.
 
تشغلني الفكرة - الحلم فأجد نفسي فجأة قريبا من البيت، ومتعبا، وراغبا بنوم طويل بغير كوابيس، لكن الكوابيس ترصدني أينما حللت، تبدل ثوبا من عتمة بثوب من نور، وتباغتني في سهادي وفي يقظتي.
 
ثمة جمهرة من الناس داخل البيت وخارجه، ووجوم يلف الحي بكامله. يضطرب قلبي ويكاد يفلت من مكانه حين يتراءى لي طيف أمي، أتسمر في وقفتي فيلاقيني أحد الجيران بقية المسافة التي لم أقو على سيرها. يربت على كتفي ويسترسل بعد عبارات العزاء:
 
يقولون، والله أعلم، إن جرعة زائدة قد أودت بحياته.
 
يااا الله .. يااا الله ..
 
أكررها بلوعة وأنا أشعر بارتخاء فكي واتساع حدقتي عينيّ، وأتمم في سري:
 
إذن كنت دون علم مني، أمضي الليل ساهرا بالقرب من جثة أخي.
 
يحرر وقع المفاجأة قدمي، فأزلف بين الجموع أشق طريقي داخل المنزل. لكن شرطيا يعترض طريقي عند باب غرفتنا، فأقف متفرسا من فتحة الباب في الجسد المسجى وسط الغرفة، وأحادثه دون أن يسمعني أحد:
 
آه من هذه الأقدار يا أخي، لقد بددّت دموعي قبل أن أجيء إليك .
 
ويمضي شهران وكارثتان وحبان تنازعا قلبي. وأنا أهيم بين سرير أمي المتداعية، وباب غرفتي الموصد، وأشعر أن هذا المكان يكاد يخنقني، وأن دهشة الحياة قد فارقتني إلى الأبد. فأحسم أمري، ويستقر قراري أخيرا على الالتحاق بعائلتي خلف الحدود علّ بداياتي هناك لا تتعثر من جديد. أتلبس عتمة الليل وأنطلق إلى المطل الذي كنت أودعه جل أسراري هناك في أعلى الهاوية. أمضي بعض الوقت أصارع الخوف في صدري، وأفكر في المواضع الأكثر إيحاء بالأمان. وبنظرة أخيرة، أتملى الأشجار الذابلة المطروحة أرضا، ثم أنطلق وأعبر عند مسيل تجري فيه مياه الشتاء، أنقل الخطو بحذر فوق الحصى والتراب، أعاهد نفسي ألاّ أنظر للوراء كي لا أضعف. وأتابع سيري ببطء شديد يضغط أنفاسي، لكني أظل متشبثا بهدفي مستكملا سيري وأنا أحدق مستكشفا موطئ أقدامي حتى أشعر بشيء يًضغط تحت إحداها، وأخال صرير المعدن المبحوح يخدش سمعي. فأتسمر في وقفتي أغالب رعبي حتى لا تنم الرجفة عن جسدي. ويمضي الزمن وأنا والعشب والأشجار نميل كما تشاء لنا الريح، لكننا نظل نقاوم الموت واقفين، إنها حالة أخرى لم تخطر ببالي قبل الآن قط، يتحول فيها جسد بشري إلى شجرة ..
Page 5
الغمر
 
حرصك الدائم على هبوط الدرج قفزا على ساق واحدة، لم يعوّض شيئا من طفولة مسها الحلم. بعد القفزة الأخيرة كان دائما يتلقفك ممر معتم ينتهي إلى باب وحيد، كنت بعد فتحه تنتحلين دور الواعظ الذي يكرر ذات الخطاب عن الفارق الهش بين الجنون وبين الثمالة. لعلك في مثل تلك الطقوس كنت تتناسين عامدة، أنه في الحالتين ما من مجيب، وربما كان ذلك آخر ما يبتكر رأسك الجميل من سبل ترثين بها حالي. لكنك مؤكدا ما كنت لتعودي مُذ تفتحين الباب طفلة، ومؤكدا أيضا أنه مُذ يطالعني قدّك المسحور زرافة، ويزهر صوتك النابت فوق الأثاث، تهون عليّ أثقال المبنى الرابض فوق حجرتي الصغيرة، فألقاك بخطابي المعهود، الذي أعددته لك يوما عن الفارق العظيم بين رعابيب الدنيا وبينك، وأتلوه بشعر عن معذبتي التي تجيء في غيهب الغسق.
 
كعادتك، كنت لا تعيرين هلوستي اهتماما. بعد أن تفضّين ستار النافذة اليتيمة، تشرعين بالتذمر من الفوضى التي خلفتها عربدة السكر وأمارات الجنون. ترتفع نبرة صوتك كلما أمعنت في تقريع مخمور تقهقر من صالات المدينة وشوارعها المبهرجة بالأضواء إلى كهفه الصغير المشبع بدخان السجائر وأبخرة الكحول.
 
ما كان شيء ليشفع عندك سوى أن أصلب نفسي أمام لوحة تعلو الجدار، أتخشب في مقعدي أمام نافورة ألوان تنبع ما بين الإطار وحواف الصفحة وتسيل متموجة حتى تهدأ عند الاسم الممهور في الأسفل. لحظتئذ، بل في كل اللحظات التي يتجدد فيها الهروب، تسقط دمعة لم أقوَ عليها قط. أجمل مفارقات عمري الذي لم يغدُ طويلا جدا بعد، أنك في كل تلك اللحظات تكونين حاضرة. تزفرين تنهيدة حرّة. تترحمين على صاحب اللوحة. تتلعثمين بكلمات قليلة عن الخيار الواثق للمصير، تبدعين فلسفة عن الرسام الذي يقدم الجسد أضحية إلى النار المقدسة كي تراود ألوانه ذاكرة السنين، وإذ تيأسين مني تصرخين من جديد بأنك سأمتني، وأنك لن تعودي إليّ بعد اليوم، لكنك في اليوم التالي تعاودين هبوط الدرج القصير ذاته، قفزا على ساق واحدة.
 
أذكر مرة سألتك فيها سؤالا بدا لي في لحظته متزنا ورائقا:
 
_ ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟
 
أذكر جوابا لم تمهد له ابتسامة:
 
_ هل ستموت قريبا؟!
 
ثم تداركت:
 
_ العاشق لا تشغل باله الأسباب
 
هذا أنت.. هذه سجاياك الصريحة، لا يربكك سوى دمعة رجل مهزوم ومنعزل، رجل عافه الشعر واستهلكته الكؤوس حين أترع الصدر حزنا على صديق أورثه ذاكرة نار ضل لهيبها الطريق إلى اللوحة الوحيدة..  رجل تداعت أفكاره فنبهته فجأة أنه لم يناج صديقه بقصيدة واحدة، جل ما فعله أن احتبس داخل قمقمه وأدمن النواح..
 
 في لحظة أخرى قلت بعد أن أسرفت في الشرود، ومسحت وجهي بوقار الحكماء:
 
_ ما نفع الخطى، ما نفع الساق سوى أن تطوى على الساق، إذا التبست على النفس الدروب
Page 6
سألتني ووجهك يخلع عنه تلك البسمة المقيمة أبدا في محجريه:
 
_ أيلتبس عليك الدرب إلي أيضا؟! أم أنك ترى بي عصا العاجز التي لا توصل أبعد من الباب؟!
 
ثم خرجت المرة من دون وعيد، وصدى العبارة يرن في أذني، والحيرة تناوشني ثم تنهشني. أذكر بعد تلك الساعة كيف كان الوقت يتلهى بتزجية أيامي الطويلة، وغيابك قد طال تلك المرة، انقضى يومان ولم يعزف النعل الرفيع إيقاعه الرتيب فوق الدرج، انقضى الثالث والنظر لا يستقر طويلا على الكأس الفارغة أو على مقبض الباب البليد، دخلت في الرابع متاهة التغرب وصارت اللوحة مستقرا جديدا لزوغان البصر. أعدت سماع أغنية مرات ومرات ولم تمتط سمعي عبارة واحدة. أحسست شراييني تضيق، وأنفاسي تضيق، والجدران تطبق علي.
 
ولأول مرة منذ أيام شعرت بالشفة الرخية تلطم الأخرى، وسمعتني أقول لي:
 
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
 
وتناهى إلى سمعي ضجيج في الخارج يقترب شيئا فشيئا، وميزت هتافات وأهازيج تتغنى بالحرية.
 
وثنيّت الحكم هسيسا تلك المرة:
 
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
 
وقفزت من مقعدي متجها إلى الباب بعد أن اجتاحتني الرغبة أن أصفقه ورائي بكل ما تبقى لي من العزم، وأنطلق بعدها كريح تتهيأ للعصف بالحشد بحثا عنك، لكني ما إن أدرت مقبض الباب وجذبته نحوي حتى تجمدت أوصالي، وبدأ جسدي يرتج على إيقاع النبض واللهاث.
 
كنت واقفة هناك بجلال الملكات. قال صمتك كل ما انتظرت سماعه. مددت يدك إلي بدعة، والعينان المبتهجتان تدعواني للخروج. في تلك اللحظة الخاطفة أشرق وجهي بابتسامة كدت أنساها، أسلمتك راحة يدي وروحي وناظري، وصعدت برفقتك الدرج.. أتصدقيني الآن لو قلت إني في تلك اللحظة كنت بدأت حقا أستعيد طفولة مسها الحلم؟! كان تصرفي وليد اللحظة، لم أخطط أبدأ لأستوقفك عند مدخل العمارة وأعود إلى الدرج لأهبطه قفزا على ساق واحدة. كانت عيناك الذاهلتان تتبعاني بفضول حتى اختل توازني وسقطت على ظهري وتدحرجت إلى الأسفل، وقد غيبت شدة الألم عن سمعي نبرة صوتك المفجوع.
 
الآن لا أحسب الزمن الذي مر على ذاك الحادث الذي أقعدني.
 
مهما يكن، قد مر زمن طويل وأنا أشعر بوطأة العجز والحاجة أن تكوني متكأي. أزجي الوقت بالنظر إليك وأنت تلوبين حولي، وبإلقاء قصائد ممجوجة كنت أكتبها لك وحدك، لكني مؤكدا لم أجرؤ على ذاك السؤال قط:
 
ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟