eKtab
EN ع
هكذا تكلم زرادشت - للمجتمع لا للفرد
Read free sample

هكذا تكلم زرادشت - للمجتمع لا للفرد

by فريدرك نيتشه

Page 1
المقدمة
 
يعتبر فريدريك نيتشه، الفيلسوف والشاعر الألماني، من أبرز الممهدين لعلم النفس، كما يعتبر عالم لغويات متميزا. كتب نصوصا وكتبا نقدية حول المبادئ الأخلاقية، والنفعية، والفلسفة المعاصرة، المادية، المثالية الألمانية، الرومانسية الألمانية، والحداثة عُموماً بلغة ألمانية بارعة. يعد من بين الفلاسفة الأكثر شيوعا وتداولا بين القراء. وكثيرا ما تفهم أعماله خطأ على أنها حامل أساسي لأفكار الرومانسية الفلسفية والعدمية ومعاداة السامية وحتى النازية، لكنه يرفض هذه المقولات بشدة ويقول بأنه ضد هذه الاتجاهات كلها.
 
في مجال الفلسفة والأدب، يعد نيتشه في أغلب الأحيان إلهاما للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة. روج لأفكار توهم كثيرون أنها مع التيار اللاعقلاني والعدمية، واستخدمت بعض آرائه فيما بعد من قبل أيديولوجيي الفاشية.
 
رفض نيتشه الأفلاطونية والمسيحية والميتافيزيقيا بشكل عام، ودعا إلى تبني قيم جديدة بعيدا عن الكانتية والهيغيلية والفكر الديني والنهلستية.
 
وسعى إلى تبيان أخطار القيم السائدة عبر الكشف عن آليات عملها عبر التاريخ، كالأخلاق السائدة، والضمير. ويعد أول من درس الأخلاق دراسة تاريخية مفصلة. وقدم تصورا مهما عن تشكل الوعي والضمير، فضلا عن إشكالية الموت. كان نيتشه رافضا للتمييز العنصري ومعاداة السامية والأديان ولاسيما المسيحية لكنه رفض أيضا المساواة بشكلها الاشتراكي أو الليبرالي بصورة عامة.
 
ولد نيتشه عام 1844 لقس بروتستانتي وعاش حياة مدرسية عادية ومنضبطة، تأثر في صغره بقيم الوحدة الألمانية وزعيمها بسمارك ورأى فيه كمالا للشخصية الألمانية. توفي والده وهو في الخامسة من عمره فعرف انقلابا وجهه إلى التشاؤم واكتشف في نفس الوقت الفيلسوف الألماني شوبنهاور وانغمس في قراءاته، كما عشق الموسيقى الكلاسيكية وقام بمحاولات لتأليفها.
 
في الجامعة درس نيتشه الفيلولوجيا وتعلم اللغات القديمة واهتم في سنة التخرج بالمسرح والفلسفة الإغريقية القديمة وبعد تخرجه ومزاولته لتدريس الفلسفة في المعاهد الألمانية بدأت صحته تتدهور.
 
تعرف نيتشه على الموسيقار الألماني الشهير ريشارد فاغنر ورأى فيه تجسيدا للعبقرية وعاش معه فترة رافقه فيها في رحلاته ولكن سرعان ما انقلب نيتشه ضده، وكانت القطيعة بينهما هي الشرارة التي أطلقت فكر نيتشه مثل العاصفة على القيم الأوروبية، إذ رأى في المسيحية انحطاطا وأن النمط الأخلاقي الصائب هو النمط الإغريقي.
 
كتب نيتشه في فترة قصيرة العديد من الكتب التي أثارت النقد الشديد وهاجم كل القيم دون استثناء، معيدا إلى الفلسفة دورها في إعادة النظر في كل شيء وعدم التسليم بالبديهيات، وصاغ فكره في فلسفة إرادة القوة ومنها خرجت فكرة «السوبرمان»، حيث أراد نيتشه تجاوز مرحلة الإنسان بإعلان موت الإله ومنه نهاية وصايته. كتب نيتشه في السنوات الأخيرة من حياته أعظم أعماله وأكثرها تعقيدا كتابه الذي بين أيدينا «هكذا تكلم زرادشت».
 
دخل نيتشه عالم الفلسفة عبر الفيلولوجيا (وهي دراسة الكتب التاريخية في إطارها التاريخي الصحيح من دون ترجمة) ومكنته دراسته الجامعية من تحصيل ثقافة كونية شاملة. كان اهتمامه الأولي ومهنته هي الكتب الفلسفية اليونانية القديمة. وكان الرافد الأساسي لكل ما سيقدمه في التفكير الفلسفي هو الفكر الإغريقي القديم الذي كان بالنسبة إليه مقياس الأشياء، والذي رأى من خلاله انحطاط عصره. لقد كان نيتشه اقرب إلى أن يكون أخلاقيا من أن يكون فيلسوفا بالمعنى المعروف في عصره إذ نظر للأخلاق وبحث فيها ولم ينظر للماهيات.
 
وتعد فلسفة هذا الفيلسوف ترجمة أمينة لمأساته الذاتية لاسيما إذا ما أخذنا في اعتبارنا أنه أغرم بفتاة من أصل روسي هي: لور أندرياس سالومي وعرض عليها الزواج فرفضته.
 
أما قصته مع المرض فهي أكثر إيلاماً..فقد ألف نيتشه مؤلفاته وهو يحارب المرض بضراوة، يكتب برغم عينيه نصف الضريرتين ونوبات الصداع الحادة والآلام الجسمانية العنيفة.
 
وفي عام 1889 أصيب بانهيار عقلي أعقبه شلل تدريجي وقضى أحد عشر عاماً في إحدى المصحات العقلية حتى وافاه الأجل عام 1900.
 
هذا العذاب البدني والفكري يحسه القارئ حين يقرأ (زرادشت) فهو تعذيب فكري منهجي للعقل البشري، تبدو كتب الطب على قسوتها إلى جانبه حنونة وادعة!
Page 2
ففكرة (الإنسان المتفوق) التي تشكل محور الكتاب هي فكرة إنسانية تؤسس للرقي بالإنسان: فكرياً بالعلم، وجسدياً بالرياضة، وروحياً بالإيمان الحق، الذي يصنع أرواحاً قوية لا نفوساً خانعة، وهذا ما تفاوت قراء نيتشه في فهمه، فصنفه الغالبية في خانة الإلحاد ومعاداة الإيمان. لكن المرء يعذرهم إن اختلفوا في الفهم، لأن لغة نيتشه صعبة، هذا إضافة لجو سحري غامض يسود الكتاب من أوله لآخره. وبالطبع لا يمكن أن ننفي وجودية نيتشه أبداً، لكنه يستحق أن يقرأ بعمق أكثر، المهم أن هذه الفكرة الإنسانية القائلة بتطوير الإنسان والرقي به حوّلها هتلر والنازيون لنزوع إجرامي رهيب يفترض التفوق حكراً على عرق واحد بل على أفراد فقط في هذا العرق متمتعين بصفات جسمانية ومعدلات ذكاء معينة. فالمتفوق عند النازيين هم هؤلاء فقط، فهم من يسود ويستعبد باقي البشرية.
 
ولقد أعلى نيتشه من شأن الإنسان رافضاً الذلة والانكسار والمسكنة، ممجداً القوة، موقناً أنها لا تأتي إلا بالخير، هذا إن تجاوزنا الفهم الذي نعرفه جميعاً للخير والشر.
 
ما سبق يفرض تساؤلات على الإنسان المؤمن، المقدس للذات الإلهية، والذي يحترم، في ذات الوقت، مفكراً من وزن نيتشه:
 
هل كان لنشأة نيتشه في بيئة متطرفة في تدينها، وذات نزعة تطهرية عنيفة، تقسر المرء على الشعور بالذنب والإثم، لمجرد وجوده وإحساسه بذاته، أثر في نزوعه الشديد للانعتاق من كل القيود إلا إرادة القوة؟
 
ثم، ألا يبعث قدرُ الألم والمرض والمعاناة في نفوس الكثير من البشر نزعات الحنق والسخط والنقمة على كل شيء؟
 
وختاماً: هل كان نيتشه فعلاً حاملاً فكرياً للنازية أم أن أفكاره استغلت وأسيء تفسيرها كما هو شأن معظم أفكاره؟
 
يصنف الباحثون الفلسفة الوجودية إلى نزعتين: نزعة تضاد الدين وفكرة الإله بقوة، وهي النزعة التي يمثلها بشكل أساسي نيتشه وبول سارتر، أما وجودية فيلسوف أقل شهرة هو ياسبيرز فهي وجودية تحاول التوفيق بين اللادينية والإيمان، فهي وجودية لا دينية لكن ليست ملحدة.
 
ويختلف نيتشه عن معظم الفلاسفة بالارتباط الوثيق بين فلسفته وتجربة حياته، فهو ليس ذلك المتأمل النائي بنفسه عن معمعة الوجود، وهو لا يكتب كما يقال (من فوق الأسطح) إنه فعلاً يكتب بمعاناته، يكتب بدمه.
 
صحيح أن نيتشه ولد لقس بروتستانتي متدين. لكنه سرعان ما أعلن وهو في السابعة عشرة من عمره عن شعوره بنشوة عارمة ورؤى تشاؤمية، مع ميل عارم نحو العواصف الهوجاء والغيوم المدماة والسقوط في الهاوية والذهول المسكر، مثلما أعلن وقوفه ضد القيم التربوية والمدرسية وضد العلم والأخلاق ونظام التملك البرجوازي الذي ساد في زمن بسمارك والنظام العلمي الذي يسمم الحياة. كما وقف ضد عبودية الأخلاق بعامة والأخلاق المسيحية بخاصة، وتحول ابن القس المتدين إلى متمرد وكافر. وليس غريباً أن تصدر من نيتشه مثل هذه الأوهام الشيطانية، فقد عانى بنفسه منذ سنوات الطفولة من ضغوط الوساوس والأوهام الشيطانية، وكان يقول إن لديه شعوراً قوياً «انه من المختارين».
 
كان نيتشه ذكيا وجريئا في طرح أفكاره الخطيرة وكان مولعا بالموسيقى والشعر والعزف على البيانو. وقد وصف شعره العاصفي بأنه كان ينزل على الرؤوس كالمطارق. وربما كانت فجيعته بموت والده وهو في الخامسة من عمره، بسبب مرض عصبي أيضاً، قد أثرت في نفسه بعمق حيث قال: «ومع أنني ما زلت طفلا صغيرا وبدون أية خبرة أو تجربة كافية، غير أنني أدركت تماماً معنى الموت.. ومع أنني نحيت جانبا فكرة الموت عن أبي الحبيب، غير أنها هاجمتني مرارا وأخذت أبكي بمرارة» وبعد شهور معدودة توفي أخوه الوحيد الذي «كان مليئاً بالحركة والحياة».
 
درس نيتشه اللغات والآداب القديمة وبخاصة الإغريقية واللاتينية. وخلال تعليمه العالي أكمل الخدمة العسكرية، ثم أنهى دراسته العالية ليحصل على الدكتوراه ويصبح مدرسا للفلسفة في جامعة بازل.
 
عجيب حقا أن ينحدر نيتشه الذي يمثل الشخصية الألمانية المتعالية لا عن الأصول الألمانية ولكن عن الأصول السلافية البولندية.
 
عائلة نيتشه كانت أسرة أرستقراطية فرت من بولندا بسبب الاضطهاد الذي مورس ضد البروتستانت واستقرت في بروسيا في شمال شرق ألمانيا، كان نيتشه جادا في طفولته واشتهر بالتواضع أيضا وحينما التحق بالجامعة تأثر تأثرا كبيرا بالفيلسوف شوبنهور وهو فيلسوف التشاؤم بلا منازع ويدعو إلى هدم كل شيء وإعادة بنائه من جديد وكان يرى أن الإنسان ليس حرا وأن الظروف تفرض على الإنسان ضروريات عليه أن يقوم بها إلى أن يأتي الموت.
 
التحق نيتشه بالحياة العسكرية وعشق صورة الجندي وخصال العسكرية من صبر ونظام وطاعة.
 
ألف نيتشه أول كتاب له واسمه (نشأة المأساة من روح الموسيقى) وأهداه لصديقه الموسيقار العالمي فاغنر، ثم كتابه الثاني (ملاحظات غير مناسبة) والذي هاجم فيه كل فلاسفة القرن التاسع عشر وخاصة هيجل، ونشر نيتشه كتابه (أمور إنسانية) عام 1878، والذي هاجم فيه بشدة صديقه الموسيقار فاغنر وكانت تلك نهاية صداقتهما. وأخذ الناشرون يحجمون عن نشر كتب نيتشه وأخذ هو ينشرها بنفسه.
 
في عام 1879 أصيب نيتشه بمرض خطير وأوشك على الموت وطلب من شقيقته إليزابيث قائلا: (إذا مت لا يقف حول جثماني إلا الأصدقاء ولا يزورني إنسان فضولي ولا يتلو قسيس الأباطيل والأكاذيب فوق جسدي في وقت لا أستطيع فيه أن أدافع عن نفسي فأنا أريد أن أذهب إلى قبري وثنيا شريفا).
 
لكنه شفي وطاف أوروبا بعد ذلك وقد نشر بين 1881و 1888 مجموعة من أهم أعماله مثل فجر الضمير والحكمة والفرحة وهكذا تكلم زرادشت، والأخير من أهم كتبه على الإطلاق بل انه قد يكون واحدا من أسباب الحروب التي عاشتها أوروبا في القرن العشرين.
 
في كتاب زرادشت يتحدث الفيلسوف الفارسي القديم بلسان نيتشه فيقدم أفكاره عن فلسفتي إرادة القوة والأيبرمينش أو الإنسان الأعلى أو المتفوق على بقية الإنسانية. وبينما صورت تعاليم زرادشت العالم ميدانا للصراع بين الخير والشر وجعلت الغلبة في النهاية للخير دائما، فإن نيتشه قال إن من الواجب لتفوق الإنسانية أن ننكر فكرتي الخير و الشر.
 
ولقد أرجع نيتشه أخلاق أوروبا إلى آسيا وقال إنها جاءت عن طريق اليهودية والمسيحية وإنها حلت محل الأخلاق الأوروبية القديمة التي كانت تهتم بالشجاعة والقوة.
 
ويقول نيتشه إن اليهود هم أول من قادوا ثورات العبيد على السادة ليجعلوا قيم أخلاق العبيد تحل محل قيم السادة، والمسيحية عند نيتشه صورة من صور اليهودية.
 
أخذت فلسفة نيتشه تتحول شيئا فشيئا إلى إرادة القوة والسيطرة فهاجم المسيح والمسيحية واعتبر نفسه أعظم من المسيح وأن كتبه أفضل من الكتاب المقدس، وقد صاحبه في ذلك تدهور تدريجي في صحته الجسدية والعقلية حتى إذا ما بلغ السادسة والثلاثين من عمره كتب: (إن المرض هو أول من هداني سواء السبيل)..(في كل أطوار حياتي كانت شدة الألم عندي هائلة لا تطاق).
 
ومع ازدياد الضعف في جسده ازدادت فلسفته في القوة تطرفا (إن القوة هي الحق الوحيد) وانحاز تماما للأقوياء وحاز نابليون إعجابه.
 
نشر دارون مؤلفاته بعد أن قام برحلاته الاستكشافية حول العالم في حياة نيتشه ومن ضمن تلك المؤلفات كتاب «أصل الأنواع» لكن إحقاقا للحق فلقد أساء نيتشه فهم دارون فدارون كان صريحا في قوله إن تطور الكائنات يقوم على التعاون والتنازع بل إن التعاون أكثر من التنازع.
 
وقد ذاعت شهرة نيتشه في أوروبا قبل أعوام قليلة من وفاته، فلما توفي قام تلاميذه بنشر أفكاره التي تلقفها النازيون وحوروها لتتلاءم مع أفكارهم بالقول إن المقصود بالأيبرمينش أو الأكثر إنسانية وعلوا هو الجنس الألماني الآري، مع أن نيتشه لم يذكر كلمة ألماني في أي من مؤلفاته.
Page 3
يقسم العلماء حياة نيتشه إلى ثلاثة أقسام:
 
1- مرحلة الميتافيزيقيا: وهي مرحلة كان مؤمنا بالوجود الميتافيزيقي وهو الأمر الواضح في كتابة «ميلاد التراجيديا».
 
2- مرحلة إنكار الميتافيزيقيا: وتبدأ بكتابة «إنساني.. إنساني جدا».
 
3- مرحلة النضج: وفيها أفضل كتبه وأشهرها «هكذا تكلم زرادشت».
 
الجدير بالذكر أن نيتشه كان شاعرا وأستاذا في فقه اللغة، فعملية فهمه صعبة جدا ومرتبطة كل الارتباط بحياته وتسلسل كتبه. بالإضافة إلى أنه كان موسيقارا.
 
عندما كان فتى في الرابعة عشرة من عمره، كان نيتشه يفكر بغير الطريقة التي كان يفكر بها بقية الصبية، وكان يسأل نفسه أسئلة مبكرة بالنسبة لعمره.
 
وما يميز حياة نيتشه هو أن فكره كان يوجهه فرأي أحد أصدقائه عن احد كتبه أو إهماله كان يكلفه صداقته، وكما يقول عبد الرحمن بدوي «كان كل كتاب جديد من كتبه يكلفه صديقا وقطع صلة».
 
لقد كان وحيدا دائما، لم يتزوج ولم تكن له عشيقة، كان مريضا بمرض عضال بسبب اتصاله مع إحدى البغايا عندما كان طالبا ولم يتصل مع أي امرأة أخرى. وكان في كل مرة يتقرب فيها لامرأة ترفضه.
 
وكانت سنة 1886 سنة حزن لنيتشه، فقد فارقته أخته إلى الباراغواي وفارقته تلميذته لو سالومي بعد رفضها له وزواجها بتشارلز أندرياس.
 
درس نيتشه اللاهوت وكان أبواه من عائلة بروتستانتية متدينة إلا أن نزعته الدينية تحولت إلى «رغبة في الحقيقة مهما كلف الأمر» كان محبا للإنسان وللحياة وكل ما وجده في المسيحية هو فقط الحط من الحياة التي يحبها فأسلم نفسه لتفكيره وتطرف فيه حتى آمن بموت الإله المسيحي، ولشدة كرهه للمسيحية رفض بعدها فكرة بقية الآلهة وأماتها عقله.
 
وكما يقول كولن ولسون «كانت طبيعته التي يحيرها فكره هي مصدر متاعبه». فتفكيره لا يقف عند أي حدود، ويكسر حواجز الغموض في البحث عن الحقيقة، مثلما اخبرنا «رغبة في الحقيقة مهما كلف الأمر» وهي التي لم يعرف كيف يسيطر على عبثيتها فأدت في جزء كبير منها إلى جنونه.
 
لقد كان نيتشه يعتبر نفسه وحيدا منذ طفولته المبكرة، ففي أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر - أي قبيل جنونه - بدأ يكتب رسائله نحو أوفريك يصف فيها وحدته.
 
فيقول «إني أشتاق إلى الكائنات البشرية وأبحث عنهم، ولكنني دائما أجد نفسي فقط، مع أنني لم أشتق إلى نفسي. لم يعد يأتي أحد إلي، ولقد ذهبت إليهم جميعا ولم أجد أحدا».
 
وقد أدت وحدته إلى حالة قريبة من اليأس فقال في رسالة أخرى «الآن لم يعد أحد يحبني، فكيف أستمر في حبي للحياة؟!».
 
«حتى الضوضاء تكون عزاء بالنسبة للإنسان الوحيد».
 
لقد بالغ نيتشه كثيرا في وضع حدود لصداقاته، فإن لم يوافق أصدقاءه فكرهٌ أو توجهه تركهم بلا اكتراث، وعندما احتاج لصديق في آخر عمره لم يجد إلا أوفريك الذي لم يكن كافيا أبدا ولم ينقذه من الهاوية، لبعد المسافة عنه. وحتى جاست الذي كان معه جنبا لجنب لم يكن في النهاية سوى تلميذ تابع لمعلمه.
 
لقد بحث نيتشه عن أناس يساعدونه في إيجاد ذاته، والمشكلة أن ما تحتاجه ذاته كان غريبا عن مجتمعه وعصره، ولم يسعه أن يفعل شيئا لها.
 
لقد نبذ بداية الصداقات غير النافعة، وهو توجه صحيح، إلا أنه بدأ بعدها برفض كل صداقة بل وعادى أصدقاءه «ترى ما الفائدة التي قدمها لنا أصدقاؤنا فكريا؟!»
 
لقد ذكر كولن ولسن في حديثه عن وليام بلايك بأن زوجته كانت تملأ حياته، وكانت تؤمن به وبعظمته، ولو وجد نيتشه امرأة تؤمن به حتى النهاية لأنقذته من الجنون.
 
وهذا صحيح.. فعادة يعمل العقل بطريقة غير تقليدية عندما تكون وحيدا لفترة طويلة.. فكيف إذا كان صاحب هذا العقل نيتشه؟ الذي لم يجفل من تجاوز الحدود وعاش طفولته في وحدة.
 
نسي نيتشه كيف يصبح إنسانا، ولم يقدر على مساعدته أحد، وحتى لو سالومي التي كانت أكثر الناس قربا لهذه المهمة، لم تفلح.
 
وفي رسالة لها كتب نيتشه: «لا أريد أن أكون وحيدا، وأرجو أن أتعلم مرة أخرى كيف أصبح كائنا إنسانيا. أجل، ففي هذا المجال يجب أن أتعلم شيئا».
 
منذ البداية تقريبا هاجم نيتشه سقراط باعتباره أبو العقلانية، هاجمه في «ميلاد التراجيديا» كيف كان سببا لموت التراجيديا الإغريقية بخرافات العقل، أو كما يخبرنا أنه جلب انحطاطا آخر لشعبه «طغيان العقل». وأعاد الكرة مرة أخرى في «أفول الأصنام».
 
اعتبر نيتشه العقل أداة وليس كالكثير من الفلاسفة «كيانا آخر». اعتبره شيئا ثانويا والأساس في نظره الغرائز. آمن بأن العقل في الكثير من المرات يقع في الأخطاء ويواري الحقائق بينما الغرائز هي صادقة وبريئة. وهذا ليس معناه أن العقل ليس له دور في فلسفته.. فهو يرى أنه مهم لترتيب الغرائز.
 
كان نيتشه أستاذا للغة وشاعرا وموسيقارا وباحثا ومحللا نفسيا أيضا. والفكرة قبل أن ترى النور في كتبه يتم تمحيصها أشد تمحيص.
 
فإرادة القوة مثلا ظهرت كفكرة في كتابه «إنساني... إنساني جدا» وبدأ بالتعمق فيها في كتابيه «الفجر» و «أفول الأصنام» إلى أن أصبحت الفكرة عصب فلسفته في كتابه «هكذا تكلم زرادشت».
 
وما كان يميز فكر نيتشه أيضا الغموض والذي تعلمه من هيراقليطس والذي عده نيتشه عظيما وشاركه حبه لديونيسيوس ولهذا يتم تفسير فلسفته لاتجاهات وأغراض مختلفة.
 
فعندما ذكر «الوحش الأشقر» لم يقصد «الجنس النوردي» أو الآري كما فسره البعض، فحين قدمه نيتشه أول مرة قصد به العرب واليابانيين والرومان والإغريق وقبائل التيوتان.
Page 4
ولكن كيف ساهم تفكيره في جنونه؟
 
إن نيتشه كان «يعرف أكثر مما ينبغي» وهي الجملة التي دائما ما رددها كولن ولسن في مشكلة اللامنتمي وشعوره بأنه مجبول لشيء أعظم - خلاص البشرية - وهو يكمن في يده.
 
قد عذبه هذا الشعور وأرقه، كذلك قتاله من أجل حرية الفرد جعله يخوض معاركه في مياه ضحلة.
 
هاجم كيركغارد المسيحية ومثله نيتشه واعتبراها مخادعة وتخفي الحقائق وهما بذلك قد شاهدا العدمية أمامهما في حال إلغائها، لكن كيركغارد تجاوز العدمية وذلك بأن يصبح المرء مسيحيا أفضل إن انتقل من المرحلة الحسية الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية حتى يصل إلى المرحلة الدينية. ولا يمكن أن توضع هذه المراحل في قوالب عقلية أو تفرض بطريقة منطقية، فالمسيحية نفسها مفارقة، وهي تتطلب قفزة نحو الأعلى، بمعنى آخر إن كيركغارد رجع للمسيحية ولكن من طريق آخر ليس طريق الكنيسة.
 
أما نيتشه فقد رأى بأن الإلحاد هو الفرصة الأعظم وليس مجرد ضياع. فقد انشغل بالكيفية التي يستطيع المرء بواسطتها أن يخرج من المسيحية، فالإيمان المسيحي بنظره «انتحار عقلي»، وفي حين يقبل كيركغارد التضحية بالعقل فإن نيتشه يرفضها وينظر للمسيحية على أنها تضحية بالروح البشرية.
 
وفي تصور نيتشه أن القضاء على العدمية يبدأ بالقضاء على الإله، فأعلن، بحماقة، موت الإله دون أن يدري أنه بذلك إنما يعمق من الإحساس بالعدمية ويدفع بالعالم الذي أصبح بلا قانون يحكمه إلى هاوية بلا قرار.
 
إن هذا يوضح طبيعة الحمل الذي أخذه فكر نيتشه على عاتقه. فهو يرى أن خلاص البشرية إنما يكون على يده، فأخذ مطرقته وهدم الأخلاق، وفيما يخص مشرعها فقد أماته، وقدم هدفا جديدا للإنسان يجب أن يخدمه وهو «الإنسان الأعلى» وأقام معه فكرة العود الأبدي حتى يحب الإنسان الحياة ويعمل لخيره فيها، أما فيما يخص العالم وما الذي يحركه فإن فكرة إرادة القوة تطل علينا هنا. وهو بذلك يقدم لنا نظاما جديدا «دينا جديدا»، وهذا معناه أن تفكيره لن يتوقف فقط عند الأمور الكبيرة التي تهم البشر، بل ومع صغائر الأمور (التافهة)، ولهذا انكب على القراءة والكتابة ليفكر بشكل أكثر وأبعد، مما سبب له سلسلة طويلة من أمراض الصداع وسوء الهضم والإنهاك العقلي والجسدي، فكان يبلغ به الأمر أنه لا يستطيع أن يفهم شيئا أو يدرك أمرا مهما تفه في بعض الأحيان.
 
وكما قال كولن ولسن: «كانت الأمور تعرقل طبيعته الخلاقة، لأن ذهنه ارتفع إلى مستويات عالية من التفكير حين كان يتمتع بصحة جيدة. وكان مثل فان كوخ في أن الأمور التافهة ضيقت عليه الخناق في اللحظة الحرجة التي بدأ فيها بالانهيار».
 
ولا نريد أن نقلل من شأن المرض الذي أصاب نيتشه وهو ما يزال تلميذا، فقد ساهم في جنونه، وبقيت صحته معتلة منذ ذلك الوقت، وهي فترة طويلة قد تكون فعلا سببا كافيا لجنونه.
Page 5
تعد الفلسفة أو الحكمة أو البحث عن الحقيقة أكثر العلوم الدنيوية أهمية بعد كل من الإسلام واللغة العربية، وعلى الرغم من أن البعض لا يؤمن بالفلسفة كنظام متكامل شامل كما يؤمن بها بعض الفلاسفة والمفكرين لكننا نشاهد العالم اليوم مبنيا على الفلسفة بما في ذلك الكثير من العلوم الحياتية المنبثقة من الفلسفة. وبغرض محاربة وجود أية فلسفة منزهة ومحاربة تأليه بشر الفلاسفة أو فلسفتهم فإنه يجب علينا دراسة الفلسفة بتعمق وعدم أخذها كمسلمات لكي لا تجرنا إلى الجحر المظلم الذي اختنقت فيه الحضارة الغربية رغم مظاهرها البراقة الخادعة فجميع الأنظمة الحياتية المطبّقة على أرض الواقع اليوم وإن كانت غير مبنية على دلائل يقينية ونصوص ربانية كما هو الإسلام فهي مبنية على عقائد فلسفية لا تعترف بوجود خالق ولا تضع وجوده بعين الاعتبار، فهي قاصرة عن هذا التصور الذي لا يدركه سوى المتبصر المتيقن أن وراء هذا الكون خالق قدير.
 
والفلسفة هي الدين الجديد للعالم على مختلف المسميات التي تطلق على الديانات التي يتفق أتباعها على فصل الدين عن الدولة والحياة.
 
فالفلسفة اليوم هي ذلك الدين البشري الصنع الذي صهر معظم الأديان الأخرى فيه وهزمها واحدة تلو الأخرى فأصبحت حقيقتها هوايات يمارسها المغلوبون على أمرهم بالمنزل أو في مكان العبادة المفصول عن الواقع المعاش تحت مسمى فصل الدين عن الدولة والحياة، فجميع الأنظمة المعمول بها والأفكار المطبقة على أرض الواقع اليوم - ذلك الواقع الافتراضي غير الحقيقي الذي فرضه الغرب على نفسه ويحاول أن يفرضه علينا - هي أوهام منبثقة من وجهة نظر فلسفية غربية مخالفة للأفكار الصحيحة الواقعية - تلك التي تؤمن بوجود خالق- وتمثل تلك النظرات الفلسفية دساتير بشرية يظن بحقيقتها رغم أنها غير مبنية على قواعد ثابتة، فأنظمة الحكم والنظم الاجتماعية ونظاما التعليم والاقتصاد ودراسات النفس ودراسات الاجتماع ودراسات السياسة ودراسات الاقتصاد وكثير من الدراسات التطبيقية الأخرى والتطبيقات التي تبحث في تحرير أو عبودية الإنسان أو تتعلق به وبتنظيم أمور حياته كلها دون استثناء مبنية على قواعد فلسفية غربية أو مشوبة بنظرات من الإعجاب للغرب المنتصر وفلسفته المادية الوجودية.
 
كثيرا ما يشاهد توحد الصف لدى الفلاسفة القائلين بعدم وجود خالق والفلاسفة القائلين بأنه لا أهمية لوجود أو عدم وجود خالق في حرب طاحنة ضروس ضد أية فلسفة قائلة بوجود خالق، فكان النصر من نصيب حملة لواء فصل الدين عن الدولة وعن الحياة لتحترق جميع الفلسفة المؤمنة بوجود خالق لهشاشتها وضعف حجتها وبقي فقط صراع واحد في هذه الحلقة هو ذلك الصراع ضد كل فكر ينادي بوحدانية الخالق ورسالة المصطفى عليه أزكى صلاة وأصدق سلام.
 
ولا شك أننا كمسلمين نختلف مع كل فيلسوف غير مؤمن بوحدانية الخالق ونقوم بنقض فكره وفلسفته المبنية على أوهام رؤية بشرية ضيقة لا تتسع لشمل ما هو خارج عن طاقة وقدرات الإنسان.
 
ونيتشه واحد من أولئك الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالحقائق النقلية التي هي منزلة من عند الخالق ولا يعتقد بأهمية العاطفة ودورها التكميلي للعقل، حيث يقول «إن العطف أمر مشروع إذا كان فعّالاً، أما الشفقة فهي ضربٌ من الشلل العقلي. بالإضافة إلى ما تنطوي عليه الشفقة من السماجة وقلّة الأدب».
 
إن هذه الكلمات القليلة تترجم أفكار نيتشه حول الفردية البشرية وتفكك الروابط الأسرية والاجتماعية، وهي لا تختلف مع الطبقية وعدم المساواة بين البشر التي نادى بها نيتشه في تبشيره بالإنسان الأعلى، حيث نشاهد في كلماته هنا أنه اعتبر العطف مسوغا بطريقة عقلية تدعو إلى تغليب المصلحة الشخصية والشخصانية على العاطفة تجاه الآخرين حيث يدعو بكلماته تلك إلى عاطفة عقلية متعقلة بزعمه، وفي نفس الوقت يدوس على العاطفة الفطرية للإنسان باتهامها بأنها شلل عقلي وهو يصف الحالة العاطفية المفعمة بأنها شلل وضعف بسب غياب العقل، ويتجلى تغليبه للعقل على العاطفة بقوله بأن الشفقة سماجة وهو بذلك يدوس على العاطفة البشرية، وقوله قلة أدب يؤكد أن الأدب لديه نابع من العقل لا من العاطفة وذلك يصب بأن منهجه عقلي بحت.
 
إن كلا من العاطفة والعقل له أهمية كبيرة كما أن الأم والأب كليهما يكمل كل منهما رسالة الآخر ولا نعتقد أن نيتشه كان وُجد وحمل هذه الأفكار لو أن أمه عطفت عليه وأرضعته حليبها وهو طفل عاجز، أو أنها سهرت على رعايته كما باقي الأمهات، فهي لم تسهر بدافع العقل لتذوي عيونها كما الشمعة المحترقة، فلا يوجد عاقل يسهر على راحة الآخرين بل هي العاطفة والشفقة.
 
ترعرع نيتشه في أسرة قساوسة وضمن أطر دينية محكمة فكان لذلك أثر كبير في ثورته على الأطر الدينية.
 
توفي والده وهو في الخامسة من العمر بمرض عضال. كان يتساءل عن سبب مجيئه إلى هذا العالم و مبرر وجوده، ولأن والده لم يؤذِ أحدا بحياته ـ وفق تصوره ـ تساءل نيتشه لماذا يموت الأخيار ويعيش الأشرار؟
 
تتلمذ على يد معلمه الذي آمن بعبقريته البروفيسور ريتشل، حيث تأثر نيتشه بقراءته لشوبنهاور احد الفلاسفة الذين وصفهم الناس بالمتشائمين، إذ كان شوبنهاور يلعن الحياة ويصفها بالخدعة الكبيرة أو بأنها سراب.
 
برع نيتشه في الكتابة وكتب في وصفه لفلسفة فارس الشرقية حيث اعتبر نيتشه زرادشت مسيحا معكوسا. وقال إن زرادشت يبشر بتعاليمه وهو في سن المسيح.
Page 6
ولم يكن نيتشه فيلسوفا وكاتبا فقط، فقد كان أيضا شاعرا وأديبا ناثرا لا يضاهى ومتفوقا على أرباب الأدب الجرماني بكتاباته، ولعل ذلك يتجلى بكتابه الذي نحن بصدده، والذي يرى بعض المؤرخين أنه تفوق بقوة سبكه وجزالة لغته على جهابذة الأدب الجرماني، حتى انه قال «أعتقد أن اللغة الألمانية قد وصلت مع هذا الزرادشت إلى أوج اكتمالها. حيث لا يستطيع لا (لوثر) ولا (غوته) أن يتقدما خطوة ثالثة»، ومن المعروف أن غوته ولوثر هما من جهابذة الأدب الجرماني.
 
ادعى نيتشه بكتابه «إنساني، إنساني أكثر من اللزوم» أن البشر بحاجة إلى تبجيل وتمجيد شخصيات معينة ومعتقدات معينة اعتبرها فوق البشر والبشرية، وهي طبقية واضحة وتقسيم واضح للبشر إلى بشر وآلهة بشرية ويبدو ذلك واضحا أكثر عند قراءة كتب نيتشه ووصفه للإنسان الخارق، ومن ذلك استمد أبو فلسفة الهيمنة الأمريكية على العالم ليو شتراوس فكره حول تأليه الفلاسفة، ويتضح ذلك عمليا بعد موت نيتشه حيث يقال إن كتابه «هكذا تكلم زرادشت» كان يقرأ من قبل الشبيبة الألمانية وكأنه الإنجيل!
 
قام نيتشه بنقض القيم السائدة، أو ما أطلق عليه (إعادة تقييم القيم). وفي الكتاب الرابع يدرس تنظيم المراتب ويبشر بالإنسان الأعلى.
 
ومن الواضح أن ما ينادي به نيتشه هو تأليه للعقل وبالتالي تأليه لحامل هذا العقل، ربما كان ذلك بسبب عدم إدراكه لوجود خالق واحد لهذا الكون ونقمته الشديدة على الكنيسة.
 
يقول منصور الجمري في دراسات في الفكر السياسي الأوروبي: «ومن أهم فلاسفة الغرب فردريك نيتشه (1844-1900) الذي أعلن إلحاده ورفضه كل فلسفة تقول بالقيم المطلقة.
 
واستمر فكر نيتشه مسيطرا على أفكار الكثير من الأوروبيين مثل سارتر (1905-1980) الذين يؤمنون بالفلسفة الوجودية (بأن كل شيء ليس له فائدة فورية أو آنية أو ملموسة في الحياة فهو ليس حقيقة).
 
(لقد عاش نيتشه ومات دون أن يصدر عنه مقال واحد، ثم بعدئذ انفجرت شهرته كالقنبلة الموقوتة، وبالتالي فلا ينبغي أن توهمنا أو تخدعنا شهرته هذه. نيتشه عاش ومات دون أن يعرف أنه نيتشه، لقد حصل له بشكل من الأشكال ما حصل لرامبو، رامبو أيضاً مات دون أن يعرف أنه رامبو).
 
هكذا يقول اليكسيس فيلونينكو الذي يعتبر أحد كبار مؤرخي الفلسفة في فرنسا، لكن ليس معروفاً عنه أنه يهتم بشخص مثل نيتشه، وإنما هو بالأحرى في جهة كانط وفيخته وبقية «العقلانيين» إذا جاز التعبير. وقد كرس لهم كتباً مهمة، أصبحت مراجع لكل الباحثين. فما الذي حدث لكي يهتم بنيتشه، الخصم اللدود لكانط وهيغل؟
 
لنستمع إليه وهو يقول: «كان كانط هو الأكثر عقلانية ومنطقية بين الفلاسفة. وقد صعد، مرحلة فمرحلة، الدرجات التي أوصلته في النهاية إلى قمة نظامه الفلسفي. لقد صعدها بتؤدة وبطء كما يفعل الحلزون أو السلحفاة. ولم يضرب ضربته الكبرى الأولى، أو قل لم يقدر عليها، إلا بعد أن شارف على الستين. فقصد بذلك «نقد العقل الخالص» بالطبع. وهو أحد أهم كتب الفلسفة وأكثرها صعوبة واستعصاء على الفهم، ثم عاش بعد ذلك وكتب حتى تجاوز الثمانين. أما نيتشه فكان أن وضع اللمسات الأخيرة على نظامه الفلسفي، ولمّا يتجاوز الأربعين إلا قليلا!.. لقد صبّ كل ما عنده دفعة واحدة، أو قل انه انفجر به كما ينفجر البركان بالحمم. وفي الأربعين من عمره كان قد أوصل رسالته الأساسية إلى البشرية. وهذا الحدث ينطوي على عبقرية مشتعلة قلّ نظيرها في تاريخ الغرب، وإذا ما بحثنا عن شبيه له في الماضي لم نجد إلا المفكر الفرنسي «باسكال» الذي لم يعش أكثر من تسعة وثلاثين عاما. ومع ذلك، فلا يزال يشغل الناس حتى هذه اللحظة، ولكن ما أشد الفرق بينهما! فباسكال كان فيلسوفاً محترفاً وعالماً دقيقاً وصارماً، أما نيتشه فيعتبر دخيلاً على الفلسفة، لقد جاءها من جهة الأدب. في الواقع أن نيتشه كان شاعراً، ومن أعظم الشعراء..».
 
لقد استشهدنا بكلام فيلونينكو لكي نوضح كيف ينظر شخص كانطي إلى فيلسوف من نوعية نيتشه. ودائماً رأي الخصوم مهم، وأحياناً أهم من رأي الأصدقاء. ويعتقد فيلونينكو أن نيتشه يقدم جمال العبارة على دقة المعنى، لأنه شاعر بالدرجة الأولى، قبل أن يكون فيلسوفاً. ثم انه يشطح أحياناً شطحات سريالية بعيدة وبخاصة في كتابه الشهير الذي نحن بصدده «هكذا تكلم زرادشت». إنه يوغل بعيداً إلى درجة أن التواصل معه ينقطع، والفهم يستحيل. فهناك مقاطع في هذا الكتاب لا يستطيع أحد أن يشرحها. ثم يعيب فيلونينكو على نيتشه جهله بالرياضيات والتقدم التكنولوجي في عصره. ولذا، فإن رؤيته للعالم هي رؤية سيكولوجية وأخلاقية أساساً. وذلك على عكس كانط وفيخته ومعظم الفلاسفة منذ ما قبل سقراط وحتى اليوم. فهؤلاء اهتموا بالنظريات العلمية التي كانت سائدة في عصرهم وبنوا عليها فلسفتهم. ولذلك، قال أحدهم: لولا نيوتن لما كان كانط!. ولكن يبدو أن نيتشه كان يتفلسف من موقع آخر لا علاقة له بالرياضيات أو بالتكنولوجيا.
 
يضاف إلى ذلك، أن نيتشه كان مريضاً، فقيراً، شارداً، أو متشرداً على الطرقات والدروب. لا منزل ثابتا له، ولا بيت دافئا، ولا زوجة ودودة، ولا صديق ولا أنيس.. لا شيء أبداً.. لا أحد.. وحدة مقفرة، شاسعة واسعة، مترامية الأطراف. وحدة يكاد يسمع فيها أزيز الصمت يلفـّه من كل الجهات. والأكثر من ذلك، هو أنه لم يكن يرى أمامه إلى أبعد من ثلاث خطوات.
 
لكن لنستمع إليه هو شخصياً يصور حالته: «إن وجودي عبء ساحق لا يُحتمل، لا استطيع أن أقرأ! ونادراً ما استطيع أن أكتب! ولا استطيع أن أتواصل مع أي شخص على وجه الأرض! ولا استطيع أن أسمع أي موسيقى! أن تكون وحيداً، وتمشي..».
 
في ظل هذه الظروف الصقيعية المرعبة، كتب نيتشه مؤلفاته الخالدة. ولم تمنعه هذه الظروف من أن يصبح أعظم كاتب في اللغة الألمانية، إذا ما استثنينا لوثر، مؤسس البروتستانتية، وغوته.. فقد كان يعتقد أنه، مثلهما، سوف يقطع باللغة الألمانية مسافة جديدة ويعوّدها على أن تقول ما لم تستطع قوله سابقاً.
 
لا يستطيع أحد أن يسلم من جاذبية نيتشه أو سحر أسلوبه إذا ما صبر على قراءته ولو قليلاً. لكننا لا نتفق مع فيلونينكو على القول بأنه كان يضحي بدقة المعنى لصالح بلاغة العبارة. فنيتشه من الكتاب القلائل في التاريخ الذين يستطيعون أن يجمعوا في ضربة واحدة بين عمق المعنى وجمال العبارة، لنستمع إليه يتحدث عن كتابه «هكذا تكلم زرادشت»:
 
«من بين مؤلفاتي كلها، يحتلّ هذا الكتاب مكانة خاصة. عندما قدمته للبشرية أعطيتها أكبر هدية يمكن أن تتلقاها. إن هذا الكتاب الذي يخترق صوته أعماق القرون المقبلة ليس فقط أعلى كتاب وجد حتى الآن، الكتاب الحقيقي الذي يليق بهواء القمم والأعالي. وإنما هو أعمق كتاب انبثق من كنوز الحقيقة الدفينة الأكثر سرية. كل الظواهر البشرية تنحطّ عن علوّه الشامخ أو تقع على مسافات لا نهائية تحته.. إنه بئر عميقة لا تُستنفد، وكل سطل ينزل إليها لا يمكن أن يخرج إلا وهو مليء بالذهب المصفّى والطيبة الإنسانية..».
 
ربما قال بعضهم: ولكن لا يحق لأحد أن يفتخر بنفسه على هذا النحو، وإنما ينبغي أن يترك هذه المهمة للآخرين، وهذا صحيح عموماً، ولكن ربما كان يحق لنيتشه ما لا يحق للآخرين لعدة أسباب. أولها أنه نيتشه، وثانيها أن أحداً لم يهتم به في حياته. وكل كتبه، أو معظمها، طبعها على نفقته الخاصة ولم تثر أي تعليق أو أي اهتمام تقريباً. لقد عاش على رصيده الخاص بـ «نيتشه»، أي على ثقته بنفسه ومعرفته لقدره وأهميته، ولو أنه أعطى وزناً لاهتمام الناس به، أو بالأحرى لعدم اهتمامهم، لتخلّى عن الكتابة ولما ألف ربع ما ألفه.
 
من هو الكاتب الذي يستطيع أن يقاوم هذا الصمت المطبق عليه من كل النواحي ويستمر في عملية الكتابة دون أن يتلقى أي صدى؟!. حتى كتّاب الدرجة الثانية أو الثالثة، تصدر عنهم مقالات عديدة في الصحف والمجلات، هذا إذا لم يتحفونا بمقابلات طنانة رنانة هنا أو هناك.
 
أما نيتشه، فهو شخص غير موجود على الإطلاق! لقد عاش ومات دون أن يصدر عنه مقال واحد، ثم بعدئذ انفجرت شهرته كالقنبلة الموقوتة. وبالتالي فلا ينبغي أن توهمنا شهرته هذه أو تخدعنا. نيتشه عاش ومات دون أن يعرف أنه نيتشه!.. نقصد دون أن يستمتع بهذه الشهرة الأسطورية التي سينالها لاحقاً، بعد موته، أو حتى بعد جنونه بسنوات قليلة..
 
عندما ابتدأ نيتشه يدخل في غياهب الجنون الكامل، أخذت شهرته تصعد رويداً رويداً حتى غطّت على ألمانيا كلها.. وبالفعل فقد أصبح كتابه «هكذا تكلم زرادشت» إنجيل الشبيبة الألمانية في فترة ما.
 
وهكذا صدقت نبوءته: هناك أناس يولدون بعد موتهم!.. عندما سيعرف الناس من أنا، لن أكون هنا.. لقد حصل له بشكل من الأشكال ما حصل لرامبو الذي كان معاصراً له من الناحية الزمنية، رامبو أيضاً مات دون أن يعرف أنه رامبو.
 
من يقرأ هذه الصفحات يعتقد بأننا من أنصار نيتشه بشكل غير مشروط. وفي الواقع فإننا نخاف منه، أو من بعض أفكاره المتطرفة، وهناك أشياء كثيرة لا نوافق عليها، ولكن لا نستطيع أن نقاوم جاذبية أسلوبه. بالطبع إذا ما خيرنا بينه وبين جان جاك روسو، فإننا اختار روسو فوراً وبدون أي تردد. ولكننا ضعفاء أمام العبقرية الشعرية لنيتشه، ضعفاء وبلا مقاومة تقريباً.
 
لنستمع إلى هذا المقطع من سيرته الذاتية التي كتبها قبل جنونه بأشهر قليلة أو ربما بأسابيع: «في هذا اليوم المكتمل، حيث كل شيء ينضج ويكتمل، وحيث العنقود ليس وحده هو الذي ينضج ويتذهّب. في هذا اليوم سقط شعاع من الشمس على حياتي.. نظرت إلى ورائي، ونظرت إلى أمامي، فلم أر أشياء في مثل هذه الكثرة والطيبة.. ليس عبثاً أني دفنت اليوم سنتي الرابعة والأربعين، ويحق لي أن أدفنها. فما كان فيها حياة أصبح الآن مُنقذاً، أبدياً. «قَلْب كل القيم»، «بتبجيل ديونيسوس»، «من أجل تسليتي»، «شيخوخة الأصنام» كل هذه الكتابات هي من هدايا هذه السنة، بل وحتى من فصلها الأخير فقط! كيف يمكن ألا أشعر بالامتنان تجاه حياتي كلها؟ ولهذا السبب فإني أروي هنا قصة حياتي».
 
عندما كتب نيتشه هذا الكلام، لم يكن يعرف أنه على شفا الانهيار، أن أيام الصحو أصبحت معدودة.. ولهذا السبب رأى فيه النقاد بعض أمارات الجنون، وبخاصة عندما يمدح نفسه بطريقة مسرفة، أو عندما يهجو أمه وأخته.
 
 
Page 7
من هو زرادشت يا ترى؟ لطالما حمل هذا الاسم تساؤلات عدة، بداية من اسمه، إلى من هو، ما قصته؟
 
لقد اندثرت تعاليم زرادشت، وزرادشت هذا مصلح ديني من بلاد فارس ظهر في القرن السادس قبل الميلاد، وكان تصوره للعالم قائما على الصراع بين إله الخير وإله الشر، يأتي نيتشه ويبث من خلال زرادشت كل فلسفته، كل جنونه، كل قيمه. لا ليعلن الصراع بين إله الخير والشر بل ليعلن موت الإله.. إله الكنسية، لا يقول ثمة صراع بين إله وإله، بل يدعو ويصارع من أجل بلوغ الإنسان الراقي الذي يكون ويعتز بقيمته ويقول: أنا.
 
على لسان زرادشت يقول: هناك دائما في الحب شيء من الجنون ولكن أيضا في الجنون شيء من العقل.
 
أيضاً: الخلق هو أكبر مخلص من المعاناة، فهو يخفف عبء الحياة ولا بدّ للخلاق من المعاناة والتحولات. ولكي يكون الخلاق نفسه وليدا، يجب كذلك أن تتوفر لديه الإرادة في أن يكون واضعة ويتحمل آلام مخاضها.. ويقول «ابدؤوا بالثقة في أنفسكم فالذي لا يثق بنفسه يكذب دائما» و «احرصوا على ألا تريدوا من الأشياء أكثر مما تسمح به إمكانياتكم والذين يريدون أكثر مما تسمح به إمكانياتهم إنما يراؤون الناس».
 
وعندما نقرأ: «يا زرادشت، إنّ ثمارك قد نضجت ولكنك لم تنضج بعد لتقطفها، لذا وجب عليك أن تعود لوحدتك حتى تصير ناضجا» نشعر بأنّ الكتاب يخاطبنا، يحفزنا، وكتابٌ يكّون كل هذه المشاعر هو كتاب حق وجدير بالالتفات والتفكر.
 
لا نتصور أننا سنبحث عن نيتشه في غير هذا الكتاب، لا نتصور أن نقلق أنفسنا في البحث عن فكره وتطلعاته.
 
لقد وجدناه هنا، كما هو، مجنونٌ وغير جامد، بترجمة مبدع وفنان...!
 
في آب/أغسطس من عام 1881 كان فريدريك نيتشه يتمشى عبر الغابات بجانب بحيرة سيلفابلانا، وتوقف أمام موضع بجانب صخرة ضخمة سامقة هرمية، حين لمعت في رأسه فكرة كتاب: «هكذا تكلم زرادشت».
 
استغرق تأليف الكتاب نحو ثمانية عشر شهراً، لأن نيتشه أنجز الجزء الأخير منه في فبراير/شباط 1883، ولكن كتابته تمت على مراحل، فعلى سبيل المثال انقطع عن الكتابة فيه فترة لينجز مؤلفه: «ترنيمة إلى الحياة».
 
يقول نيتشه انه وضع هذا الكتاب في السنة التي ملأت نفسه بشجن ايجابي، اسماه الشجن التراجيدي، وقال إن الناس سوف يتغنون بالترنيمة احتفالاً بذكراه، لكنه أحب أن يؤكد الفكرة القائلة إن النص ليس نصه، وإنما كان إلهاماً فريداً من المرأة الروسية الشابة الآنسة لوفون سالومي، وكانت تشده إليها آنذاك علاقة صداقة قوية.
 
من وحي ذلك النص سيقول نيتشه إن الألم لا يمكن له أن يكون اعتراضاً على الحياة: «لا يهم إذا لم تكن سعادة لتعطيها لي فلا يزال لديك أسفك».
 
في الشتاء التالي عاش نيتشه في مكان لا يبعد كثيراً عن جنوه على ذلك الخليج المسالم الرائع. لم تكن صحته على ما يرام وكان الشتاء ممطراً بغزارة وضوضاء البحر شديدة بحيث تحول دون النوم، أي تماماً على خلاف الظروف التي تتيح الهدوء، لكن بالرغم من هذه الظروف انطلق نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» مؤكداً بذلك نظريته القائلة إن كل شيء حاسم يأتي نتيجة التعارض والتقابل.
 
في الصباح كان يبدأ مشواره على الطريق الرائع وسط غابة من أشجار الصنوبر والتي تتيح للإنسان أن يطل على البحر، وبعد الظهر، وعندما كانت صحته تسمح يتمشى حول الخليج بأكمله. على هذه الدروب الساحرة ارتسمت شخصية زرادشت نفسه كنمط.
 
عن ذلك عبر نيتشه بهذا القول المعبر: «لم يكن زرادشت يخطر لي، لا بل أحاط بي وغزاني».
 
لكن ما هو النمط الذي يمثله زرادشت؟ إنه ذلك النمط الذي تتوق نفسه لمعايشة المدى الكلي للقيم والرغبات السابقة، وهي تطوف مبحرة في هذا البحر المثالي، وهو انطلاقاً من مغامرات تجربته العميقة الخاصة سوف يعرف الشعور الذي يحس به المكتشف لما هو مثالي، وهو لذلك يعرف أن يكون فناناً وقديساً ومشرعاً وحكيماً ودارساً وكاهناً وقسيساً ماهراً قديماً.
 
إن الأمر يبدو بمثابة دعوة لكل الذين يحسون في أنفسهم روح المغامرة إلى ولوج تلك المجاهل التي لم تطأها قدم قبل ذلك، هي أن يبدوا كما لو أنهم يرون أمامهم الأرض غير المكتشفة بحدودها التي لم يرها الإنسان بعد، وهي ارض تمتد وراء الأراضي المعروفة الأخرى والأماكن المتخفية لما هو مثالي، وهو عالم مفرط في الجمال والغربة والشك والرعب دافعا لأقصى إثارة.
 
سيأتي شتاء ثالث يذهب فيه نيتشه إلى نيس التي ملأته بنورها اللامع. كانت هناك زوايا خفية عديدة ومرتفعات في المنطقة حول نيس قد احتفت به في لحظات لا تنسى. هناك أنجز نيتشه الجزء الأخير من كتابه خلال الرائحة العطرة المتصاعدة من الوادي.
 
بعد ذلك سيصف نيتشه كيف بدا لحظتها: «نمت نوما عميقا، وضحكت ضحكا كثيرا، ولقد كنت قوياً وصبوراً على نحو كامل. لقد حصل الجسم على إلهامه».
 
عيسى الحسن
Page 8
مستهل زرادشت
 
 
 
1
 
لما بلغ زرادشت الثلاثين من عمره، هجر وطنه وبحيرته وسار إلى الجبل حيث أقام عشر سنوات يتمتع بعزلته وتفكيره إلى أن تبدلت سريرته، فنهض يوماً من رقاده مع انبثاق الفجر وانتصب أمام الشمس يناجيها قائلاً:
 
- لو لم يكن لشعاعك من ينير، أكان لك غبطة، أيها الكوكب العظيم؟ منذ عشر سنوات ما برحت تشرق على كهفي، فلولاي ولولا نسري وأفعواني، لكنت مللت أنوارك وسئمت ذرع هذا السبيل، ولكننا كنا نترقب بزوغك كل صباح لنتمتع بفيضك ونرسل بركتنا إليك. اصغ إليّ، لقد كرهت نفسي حكمتي، كالنحلة اتخمها ما جمعتْ، فمن لي بالأكف تنبسط أمامي لأهب وأغدق إلى أن يغتبط الحكماء من الناس بجنونهم ويسعد الفقراء منهم بثروتهم.
 
تلك هي الأمنية التي تهيب بي للجنوح إلى الأعماق، كما تجنح أنت كل مساء منحدراً وراء البحار حاملاً إشعاعك إلى الشقة السفلى من العالم، أيها الكوكب الطافح بالكنوز.
 
لقد وجب عليّ أن أنشر أنواري أسوة بك، وجب عليّ أن أرقد على حد تعبير الأناسي الذين أهفو إليهم.
 
باركني، إذن، أيها الكوكب، فأنت المقلة المطمئنة التي يسعها أن تشهد ما لا يحد من السعادة دون أن تختلج كمقل الحاسدين.
 
بارك الكأس الدهاق تسكب سلسبيلاً مذهباً ينثر على الآفاق وهجاً من مسراتك. انظر! إن هذه الكأس تريد أن تتدفق ثانية، وزرادشت يريد أن يعود إنساناً وهكذا بدأ جنوح زرادشت إلى المغيب.
Page 9
2
 
وانحدر زرادشت من الجبال فما لقي أحداً حتى بلغ الغاب حيث انتصب أمامه شيخ خرج من كوخه بغتة ليفتش عن بعض الجذور والأعشاب، فقال الشيخ:
 
- ليس هذا الرحالة غريباً عن ذاكرتي، لقد اجتاز هذا المكان منذ عشر سنوات، ولكنه اليوم غيره بالأمس.
 
لقد عرفت زرادشت، هذه عينه الصافية، وليس على شفتيه للاشمئزاز أثر، أفما تراه يتقدم بخطوات الراقصين.
 
لقد تبدلت هيئة زرادشت، إذ رجع بنفسه إلى طفولته. لقد استيقظت يا زرادشت فماذا أنت فاعل قرب النائمين؟
 
كنت تعيش في العزلة كمن يعوم في بحر، والبحر يحمل أثقاله، وأراك الآن تتجه إلى اليابسة، أفتريد الاستغناء عمن حملك لتسحب هامتك على الأرض بنفسك؟
 
فأجاب زرادشت: إنني أحب الناس.
 
فقال الشيخ الحكيم: إنني ما طلبت العزلة واتجهت إلى الغاب إلا لاستغراقي في حبهم، أما الآن فقد حولت حبي إلى الله، وما الإنسان في نظري إلا كائن ناقص، فإذا ما أحببته قتلني حبه.
 
فأجاب زرادشت: ومن يصف لك الحب الآن! إنني لا أقصد الناس إلا لأنفحهم بالهدايا.
 
فقال الحكيم القديس: إياك أن تعطيهم شيئاً، والأجدر بك أن تأخذ منهم ما تساعدهم على حمله، ذلك أجدى لهم، على أن تغنم سهمك من هذا الخير، وإذا كان لا بد لك من العطاء فلا تمنح الناس إلا صدقة على أن يتقدموا إليك مستجدين أولاً.
 
فأجاب زرادشت، أنا لا أتصدق، إذ لم أبلغ من الغنى ما يجيز لي أن أكون من المتصدقين.
 
فضحك القديس مستهزئاً وقال: حاول جهدك إذن إقناعهم بقبول كنوزك، إنهم يحاذرون المنعزلين عن العالم، ولا يصدقون أننا نأتيهم بالهبات. إن لخطوات الناسك في الشارع وقعاً مستغرباً في آذان الناس. إنهم ليجفلوا على مراقدهم إذ يسمعونها فيتساءلون: إلى أين يزحف هذا اللص؟
 
لا تقترب من هؤلاء الناس. لا تبارح مقامك في الغاب، فالأجدر بك أن تعود إلى مراتع الحيوان، أفلا يرضيك أن تكون مثلي دباً بين الدببة وطيراً بين الأطيار؟
 
فسأل زرادشت: وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟
 
فأجاب القديس: إنني أنظم الأناشيد لأترنم بها، فأراني حمدت الله إذ أسر نجواي فيها بين الضحك والبكاء، لأنني بالإنشاد والبكاء والضحك والمناجاة أسبح الله ربي، ومع هذا، فما هي الهدية التي تحملها إلينا؟
 
فانحنى زرادشت مسلماً وقال للقديس: أي شيء أعطيك؟ دعني أذهب عنك مسرعاً كيلا آخذ منك شيئاً.
 
وهكذا افترقا وهما يضحكان كأنهما طفلان.
 
وعندما انفرد زرادشت قال في نفسه:
 
- إنه لأمر جد مستغرب، ألم يسمع هذا الشيخ في غابة أن الإله قد مات؟(1)
 
______________________
 
(1) هذه الخطوة الأولى. وسنرى أي إله يقول نيتشه بموته، وأي إله يتجه هذا الفيلسوف إلى اكتشافه في سريرة الإنسان.
Page 10
3
 
وإذا وصل زرادشت إلى المدينة المجاورة، وهي أقرب المدن إلى الغاب، رأى الساحة المكتظة بخلق كثير أعلنوا من قبل أن بهلواناً سيقوم هناك بالألعاب، فوقف زرادشت في الحشد يخطبه قائلاً:
 
إنني آتٍ إليكم بنبأ الإنسان المتفوق، فما الإنسان العادي إلا كائن يجب أن نفوقه، فماذا أعددتم للتفوق عليه؟
 
إن كلاً من الكائنات أوجد من نفسه شيئاً يفوقه، وأنتم تريدون أن تكونوا جزراً تصد الموجة الكبرى في مدها، بل إنكم تؤثرون التقهقر إلى حالة الحيوان بدل اندفاعكم للتفوق على الإنسان. وهل للقرد من الإنسان إلا سخريته وعاره؟ لقد اتجهتم على طريق مبدؤها الدودة ومنتهاها الإنسان، غير أنكم أبقيتم على جل ما تتصف به ديدان الأرض. لقد كنتم من جنس القرود فيما مضى، على أن الإنسان لم يفتأ حتى اليوم أعرق من القرود في قرديته.
 
ليس أوفركم حكمة إلا كائن مشوش لا يمتّ بنسبه إلى أصل صريح، فهو مزيج من النبات والأشباح، وما أدعو الإنسان ليتحول إلى شبح أو إلى نبات.
 
لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق.
 
إنه من الأرض كالمعنى من المبنى، فلتتجه إرادتكم إلى جعل الإنسان المتفوق معنى لهذه الأرض وروحاً لها.
 
أتوسل إليكم أيها الإخوة أن تحتفظوا للأرض بإخلاصكم، فلا تصدقوا من يمنونكم بآمال تتعالى فوقها، إنهم يعللونكم بالمحال فيدسون لكم السم، سواء أجهلوا أم عرفوا ما يعملون، أولئك هم المزدرون للحياة، لقد رعى السم أحشاءهم فهم يحتضرون، لقد تعبت الأرض منهم فليقلعوا عنها.
 
لقد كانت الروح تنظر فيما مضى إلى الجسد نظرة الاحتقار فلم يكن حينذاك من مجد يطاول عظمة هذا الاحتقار. لقد كانت الروح تتمنى الجسد ناحلاً قبيحاً جائعاً، متوهمة أنها تتمكن بذلك من الانعتاق منه ومن الأرض التي يدب عليها. وما كانت تلك الروح إلا على مثال ما تشتهي لجسده ناحلة قبيحة جائعة، تتوهم أن أقصى لذاتها إنما يكمن في قسوتها وإرغامها.
 
أفليست روحكم، أيها الإخوة، مثل هذه الروح؟ أفما تعلن لكم أجسادكم عنها أنها مسكنة وقذارة وأنها غرور يسترعي الإشفاق؟
 
والحق، ما الإنسان إلا غدير دنس، وليس إلا لمن أصبح محيطاً أن يقبل انصباب مثل هذا الغدير في عبابه دون أن يتدنس.
 
تعلموا من هو الإنسان المتفوق.
 
إن هو إلا ذلك المحيط تُغرقون احتقاركم في أغواره.
 
وهل تتوقعون بلوغ معجزة أعظم من هذه المعجزة؟
 
لقد آن للاحتقار أن يبلغ أشده فيكم، بعد أن استحالت رؤيتكم لذاته كما استحالت عقولكم وفضائلكم إلى كره واشمئزاز.
 
لقد آن لكم أن تقولوا: ما يهمني شرفي، وما هي إلا مسكنة وقذارة وغرور، في حين أن على الشرف أن يبرر الحياة نفسها.
 
لقد آن لكم أن تقولوا: ما تهمني القوى العاقلة فيّ، إذا لم تطلب الحكمة بجوع الأسد وما هي الآن إلا مسكنة وقذارة وغرور.
 
لقد آن لكم أن تقولوا: ما يهمني عدلي، إن العادل يقدح شرراً ولما يشتعل.
 
لقد آن لكم أن تقولوا: ما تهمني رحمتي، أفليست الرحمة صليباً يسمَّر عليه من يحب البشر؟ ورحمتي لما ترفعني على الصليب.
 
أقلتم مثل هذا وناديتم به؟ ليتني سمعتكم تهتفون بمثله!
 
إن ما يرفع عقيرته إلى السماء إن هو إلا غروركم لا خطاياكم، إن هو إلا حرصكم حتى على خطاياكم.
 
أين هو اللهب الذي يمتد إليكم ليطهركم؟ أين هو الجنون الذي يجب أن يستولي عليكم؟
 
هاأنذا أنبئكم عن الإنسان المتفوق.
 
إن هو إلا ذلك الإله وبذلك الجنون.
 
وما إن فرغ زرادشت من كلامه حتى ارتفع صوت من الحشد قائلاً: «لقد كفانا ما سمعنا عن البهلوان، فليبرز لنا الآن لنراه».
 
فضحك الجميع مستهزئين بزرادشت، وتقدم البهلوان ليقوم بألعابه وهو يعتقد أنه كان موضوع الحديث.