eKtab
EN ع
هل يرحل المسيحيون العرب؟
Read free sample

هل يرحل المسيحيون العرب؟

by وهيب عبده الشاعر

Page 1
1- مقدمة
 
بدأ اهتمامي بالبحث في المسيحية العربية بعد حشد من القراءات المتواصلة عن لبنان، حيث لعبت المسيحية دوراً مهماً في تاريخه الثريّ، والذي كان فاعلاً في تاريخ المشرق العربي في مختلف حقباته، خاصة تلك التي انطلقت مع ظهور الإسلام· ولقد كان للمسيحية في لبنان دورٌ عظيمٌ في تاريخ الأمة العربية في القرون الأربعة الماضية، أي عصر النهضة والتنوير بعد هبوط عميق ومديد·
 
لقد أدركت في مرحلة مبكرة من هذا الاهتمام، وفي محاولة تحسّس واستشراف الدور الواعد والمنشود للمسيحيين، العرب في هذه المحطة من التحديات العربية، ضرورة التمييز بين دور المسيحية ودور المسيحيين من أجل تعميق الفهم لتاريخهما· فهل كان للدين المسيحي تأثير على المجتمع العربي وحضارته؟ أم أنه كان هامشياً وذا تأثير غير جوهري؟ وإذا كان دور المسيحيين العرب جوهرياً فهل كان ذلك بسبب دينهم؟ أم بسبب انتمائهم العربي في مرحلة صعود العرب ما قبل الإسلام؟ وبعبارة أخرى، هل كان ذلك التأثير صعباً أم مستحيلاً على غير المسيحيين، وأن للمسيحية تأثيراً على دور المسيحيين العرب، يختلف عن دور أشقائهم الآخرين قبل الإسلام وبعده؟ وهل امتدَّ هذا التأثير في حياة العرب من المجالات الاجتماعية، وخاصة القبليّة والعائليّة من زواج وطلاق وتعدد زوجات، إلى الاقتصاد مثل الزكاة والربا في الإسلام، وفي الثقافة شكلاً ومضموناً، وخاصة في القيم والتوجهات، أو في الحياة السياسية؟
 
إن الدافع الحاسم في اهتمامي بدراسة المسيحية العربية نابع بشكل خاص من الدور الإيجابي الذي لعبه المسيحيون العرب في الدولة والمجتمعات العربية منذ البداية، وخاصة في العلوم والمهن والمال والفلسفة والتواصل مع الإغريق والفرس والهند· وكذلك الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في العصر الحديث، في إطلاق شرارة اليقظة على عظمة اللغة العربية وتراثها الثقافي، المؤسّس للنهضة الحديثة التي لم تعطِ ثمارها الكاملة بعد·
 
وعلى هذه الخلفية ينشأ السؤال المهم والكبير؛ ما طبيعة الدور المنشود الذي سوف يلعبه المسيحيون العرب للمساهمة في وصول العرب إلى مبتغاهم وتحقيق أمانيهم المنشودة؟ وإذا كان هذا إيجابياً فهل يعود ذلك ثانية لخصائص المسيحية الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أم إلى عقيدتهم الدينية؟
 
لم تعتن العلوم الإنسانية منذ الإغريق وحتى القرن العشرين بالدراسات المجتمعية، التي تضيء الأبعاد والدوافع والنتائج للأحداث الدينية التاريخية، التي احتلّت مساحات واسعة في تاريخ الإنسانية· فمعظم الإرث الديني الثقافي والإنساني المتوفّر يحصر هذه الأحداث في أطرها اللاهوتية، ولا يتعرض للخلفية السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية التي احتضنت الأحداث التاريخية ذات الطبيعة الدينية·
 
ففيما يخص مناطق الديانات السماوية لا يتوفر ما يروي العطش الفكري، حول أسباب ولادة الأديان الثلاثة، ومن ثم تفتتها إلى مذاهب مختلفة، وكذلك وضع حدود لانتشارها أو فشلها ، وما ساعدها في ذلك الانتشار أو الانحسار·
Page 2
وبعد توالد الأحداث الدينية المختلفة، تكرّر النضوب الفكري والمعاناة من الجهل والغموض حول الأسباب والنتائج المتعددة الأوجه لهذه الأحداث في المجالات الحياتية المختلفة· ولإعطاء بعض الأمثلة الحيوية على ذلك يمكن أن نتساءل:
 
1- لماذا رحّبت الصين بالبوذية ووفرت لها قاعدة انتشار في بلاد الشرق والجنوب الشرقي الآسيوي كافة، ولكنها لم ترحب بالمسيحية ولا بالإسلام فبقيا فيها مهمّشين؟
 
2- لماذا تقبلت الشعوب التركية الإسلام عند وصوله إليها، فهاجرت بعد ذلك وهي مسلمة إلى الغرب وصولاً إلى الأناضول، بينما توقف الإسلام في شبه القارة الهندية، بعد أن اعتنقه أقل من نصف السكان؟ ومن هم الذين اعتنقوه هناك والذين لم يعتنقوه؟
 
3- لماذا رفض أهل إيبيريا الإسلام رغم بقائه فيها قرابة ثمانية قرون؟
 
4- من قبل الإسلام في أوروبا الشرقية على يد العثمانيين وصولاً إلى البشناق وألبانيا، ومن رفضه ولماذا؟
 
5- لماذا تتحول أوروبا الآن إلى الإسلام؟
 
6- ما مصير التنافس بين انتشار الإسلام وانتشار المسيحية في أفريقيا؟
 
وعليه، تجدر الإشارة إلى المصادر المتوفرة في دراسة المسيحية في سجلها اللاهوتي والكنسي عبر تاريخها، وعلاقاتها مع الحكم والمجتمع في الماضي والحاضر وغير ذلك، وخاصة أوضاع الكنيسة الذاتية وأدائها في المجالات الاقتصادية والثقافية والأدبية والعلمية· ففي هذا الصدد لاحظ المؤلف كماً هائلاً من المصادر التي تغطي هذه الجوانب كافة· ومن الملاحظ أيضاً ذلك التباين الهائل في مستوى هذه المصادر من الناحية العلمية والشمولية والحياد والموضوعية · إلخ· ومن أهم النواقص الملحوظة في هذا المجال أيضاً ضعف التطرق للأطر الشمولية في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، من أجل تحقيق فهم أعمق في طبيعة دور الكنيسة وأسبابه ونتائجه في المجتمع بكامله· وربما كان ذلك بسبب حداثة التعرّض عالمياً لهذه الجوانب في كتابة التاريخ أو بشكل أوسع في العلوم الإنسانية والاجتماعية· وأخيراً يبدو أن هذه الملاحظات تنسحب على الكتابة عن الأديان الأخرى كافة، مما يجعل الشكوى متساوية فيها جميعاً·
 
وفي سبيل الإجابة عن فضولي حول المسيحية العربية، اخترت أن أقدم لمحة سريعة عن الخلفية والذاكرة الراهنة للمسيحيين العرب، من أجل بناء الجسر الواصل بين معرفة القارئ العادي واهتماماته من جهة، وطبيعة هذا البحث المتخصص· بعد ذلك حاولت في الباب الأول أن أستعرض الإرث التاريخي المتراكم للمسيحيين العرب، بما في ذلك المؤسسة الدينية ودور المسيحية قبل الإسلام، حيث المصادر تميل إلى الضعف· بعد ذلك جاء دور المسيحية والمسيحيين في الحضارة العربية الإسلامية· وقد ختمت هذا الباب بمحاولة مسح الأوضاع الراهنة للمسيحيين العرب من الجوانب كافة·
 
وفي الباب الثاني هنالك محاولة لتلخيص الاعتلالات والعيوب العربية الراهنة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ومن ثم محاولة إظهار القدرات والموارد العربية· وأخيراً اختتمت هذا الباب بالجزء الأصعب وهو تلخيص الخصائص المسيحية العربية، تاركاً للقارئ القيام بالعملية الأصعب أو الأسهل في أن يمزج نقاط الضعف والهوان مع الموارد المتوفرة، وكذلك مع الخصائص المسيحية لكي يصل إلى تصوره الخاص·
Page 3
ومن أهم ما برز في هذا البحث التغيّر التاريخي الدرامي الحديث في نسب المسيحيين العرب في الهلال الخصيب ومصر إلى أشقائهم المسلمين· فلأسباب كثيرة هبطت نسبة المسيحيين في هذه المنطقة الحيوية في العالم العربي في القرن العشرين، من حوالي عشرين في المئة إلى حوالي سبعة بالمئة من مجموع السكان، وهو هبوط متسارع لم يشهد له تاريخ المنطقة مثيلاً، ولا أظنه قد توقّف أو تباطأ· ولذلك سوف يكون له أثر كبير جداً على مسيرة المستقبل· وقد أدى ذلك إلى أن ثلثي المسيحيين العرب يعيشون الآن في المهجر لأسباب كان أهمها اقتصادياً· كذلك فإن ضعف فرصهم في المواقع السياسية والإدارية العليا بشكل عام دفعهم لمزاولة أعمال تتعلق بالمال والتجارة والصناعة والمهن الحرة والخدمات·
 
ومما تجدر الإشارة إليه، في خلاصة هذا الكتاب، أنّ الإسلام والمسلمين وعبر أربعة عشر قرناً لم يبخلوا على أشقائهم المسيحيين إلا نادراً، كما حصل في عصور الدويلات المتتابعة أو ما تُسمى بعصور الانحطاط، وأيضاً في حكم المماليك، وأثناء الحروب الصليبية·
 
لقد نجح العرب بمكوناتهم الدينية المختلفة، بما فيها المسيحية، بأن يقدموا للحضارة الإنسانية حضارة لا تقل عن حضارات العالم شيئاً· ومن دلائل ذلك أن المسيحيين العرب، ورغم تناقص عددهم تناقصاً حاداً في منطقة الهلال الخصيب، إلا أن دورهم في حماية العربية والنهضة بها وبآدابها كان فاعلاً·
 
لقد رحّب المسيحيون العرب بالفتوحات الإسلامية لبلاد الشام والهلال الخصيب، بالنظر للروابط العرقية والقبلية واللغوية، ولأن جور الكنيسة البيزنطية كان لا يُطاق، حتى إنهم في بعض الأحيان قاسموا المسلمين كنائسهم؛ فخصّصوا أوقاتاً لصلاتهم فيها وأوقاتاً لصلاة المسلمين·
 
ومما يضاعف من قيمة دور المسيحيين العرب إدراكهم الكامل بأن علاقاتهم مع الغرب غير مضمونة ولا متكافئة، تشبه علاقاتهم مع أي عدوٍ طامع يخطط لخدمة الصهيونية· فضلاً عن ذلك، فإن هناك مؤشرات مفصليّة ساهمت في إعادة تقييم علاقاتهم بالغرب، ومن أبرزها وعد بلفور، الذي هو إعلان صريح بتجاهل حقوق العرب بفلسطين، مسلمين ومسيحيين·
 
لقد بدأ مسيحيو المشرق يميلون إلى إدراك أنهم يتوحدون بين بعضهم بعضاً بسمات جوهرية توثق عُرى التواصل بينهم اجتماعياً وثقافياً ومصيرياً، وهذا الأمر سيحتاج إلى وقت طويل ليعطي ثماراً، رغم شعورهم أحياناً بالاغتراب بين العرب المسلمين، وقلة الأمن أحياناً·
 
لقد ساهم هذا الفصل المهم في تاريخ العرب الحديث في تلاحم المجتمعات العربية الداخلية، وإطارها القومي من المسلمين والمسيحيين، وضاعف من أدائهم حيث برز المسيحيون خاصة بسبب تراجع أعدادهم النسبية·
Page 4
2- الخلفية التاريخية والرؤية الراهنة
 
2-1 لمحة تاريخيّة إجماليّة
 
2-2 المسيحيّة المشرقيّة
 
2-3 المشهد المعاصر
 
2-4 لبنــان
 
2-5 بقية المشرق العربي
 
2-6 المظاهر الثقافيّة والاجتماعيّة
 
2-7 المسيحية العلمانيّة
 
2-8 الشأن العام
 
2-9 إسرائيل والمسيحيّة
Page 5
2-1 لمحة تاريخيّة إجماليّة
 
عرفت الحضارة العربية عبر آلاف السنين الكثير من الشعوب والدول واللغات والأديان، ومراكز الثقل المتنقلة ضمن إطارها الجغرافي، الذي اتسع من فارس شرقاً إلى الأطلسي غرباً، ومن الأناضول شمالاً إلى شواطئ الجزيرة العربية جنوباً· وكانت إحدى المحطات المتأخرة نسبياً لهذه الحضارة العربية مرحلة الديانة المسيحية، التي تنافست وتزامنت لقرون عدة مع وثنيات متعددة قبل أن ترافقها الديانة الإسلامية، ويقضيان معاً على ما تبقى من تلك الوثنيات·
 
لقد كان التحوّل في القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام من المسيحية إلى الإسلام بطيئاً جداً، حتى إنهما لم يتساويا في الأعداد في الهلال الخصيب ومصر إلا في نهاية القرن العاشر الميلادي· أما التحوّل في شمال أفريقيا فقد كان سريعاً ومباشراً· وقد انتشرت وما زالت الديانتان الاثنتان عالمياً على أيدي العرب أنفسهم في البداية، وفي أجواءٍ من المنافسة أحياناً· فانتقلت المسيحية في البداية إلى الحبشة والجنوب والغرب الأوروبي، وإلى جيوب في الهند· كما انتشر الإسلام إلى الشرق في آسيا، وإلى الجنوب في أفريقيا، وذلك التحاقاً بالديانة اليهودية الأقدم من الاثنتين تاريخاً والأشد انغلاقاً والأقل عدداً والأكثر بعثرة وتشتتاً· وقد كانت هذه الديانات متآخية في معظم تاريخها ومشتركة في الأداء الحضاري حتى حقبتنا الراهنة·
 
لقد تجددت دماء الأمة العربية بعد انتعاش اللغة العربية وثقافتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي بدأ في جبل لبنان· وتعزّزت تلك الدماء بعد مجابهة الغزو الفرنسي للمشرق العربي عام 1798، فبدأ عصر النهضة العربية الجديد· وامتلأت هذه النهضة بالتحديات الكثيرة، والنابعة من التاريخ، ومن حجم الولادة والنهضة الجديدتين وطبيعتهما· ويقتضي ذلك الوقوف لجرد الحال العربي القائم بعناصره المختلفة عندئذ، ومحاولة الإفادة من تراث الماضي والإعداد لمواجهة متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل· ويتطلب ذلك تفعيل كامل عناصر الأمة ومكوناتها، وجني ثمار طاقاتها الكامنة· وقد بدأت هذه المسيرة الشاقة بطبقة المثقفين، على أن يتولاها الساسة والحكام من بعدهم وبمراقبتهم ·
 
باشرت الهوية العربية متميّزة ومتفوقة عمّا حولها، وتمثلت أساساً باللغة العربية كما نعرفها الآن، وكذلك بثقافتها المتراكمة ومؤسستها القبلية· وكانت اللغة العربيّة وعاء للثقافة مستوعبة ما سبقها من لغات سامية ومتفوقة في تكوينها ومسيرتها في الألف الأول قبل الميلاد· وقد شملت فيما بعد الكتابة، وذلك في محيط جغرافي بين بلاد فارس شرقاً، والإغريق والفراعنة المجاورين إلى الغرب والقارة الهندية الأبعد· وكان هذا المحيط ثرياً بالحضارات واللغات والأديان والثقافات، التي شكل العرب امتداداً واحتواءً ونهاية لمعظمها· وكانت القبيلة المؤسسة الحاضنة للأمن في منطقتها، من خلال عصبية الدم والأنظمة والتقاليد الحياتية، وكذلك القواعد العرفية المنظمة للعلاقة مع القبائل الأخرى المحيطة· وشكّل ذلك الإطار المسرح الثقافي والنظام الاقتصادي المبنيّ عليه، والمرتكز ابتداءً على الزراعة البدائية وبعض المدن الصغيرة وأعرافها وتقاليدها· وكانت اليهودية في هذه المنطقة الممتدة الديانة السماوية الوحيدة في تلك الحقبة، وإن بقيت جيوباً معزولة وهامشية، بسبب عدم ممارستها الدعوة والتبشير إلا استثناءً وانغلاقها العقائدي على الإنسانية· وكان الاستثناء انتشارها في اليمن وشمال أفريقيا بواسطة الحبشة، لبضعة قرون قبل الميلاد، وكذلك في بلاد الخزر فيما بعد في القرن التاسع بعد الميلاد· ومن هنا لم يكن لليهودية أثر ذو أهمية كبيرة ودائمة في التاريخ والمجتمع العربيين، إلا من خلال ارتباط العقيدتين المسيحية والإسلام بها·
Page 6
ولما تزامنت المسيحية في المرحلة العربية الثانية، عند انتشارها في الهلال الخصيب ومصر وشمال أفريقيا وبعض الجيوب في الجزيرة العربية مع النهضة الحضارية العربية الأولى، انعكس ذلك على تطور اللغة العربية وآدابها وثقافتها وخاصة الشعر· وقد تمثلت تلك النهضة بالتقدم الاقتصادي الزراعي والتجارة الداخلية والخارجية وتواصلها، وبناء المدن وتطور الحرف والصناعات اليدوية· وبرزت مؤسسة الملكيّة الشخصيّة ومفاهيمها، ما أنتج سبل الطبقية بوضوح· كما برز الأمن والاستقرار الإقليمي، المتمثل بالتحالفات القبلية فيما بينها، وكذلك مع الدول الامبراطورية المحيطة بها· وقد أدى ذلك إلى نشوء مجموعة الدول العربية الأولى في اليمن وفي نجد وجنوب العراق والأنباط وغيرهم·
 
وفي المرحلة الثالثة من التاريخ العربي، انطلق الإسلام بحضارته العظيمة والشاملة، والممتدة حتى شملت الجزء الأكبر من العالم المعروف في حينه· وقد تجاوز ذلك بكثير الحدود الجغرافية للأمة العربية كما هي الآن، وخاصة بعد توسّع رقعتها، من خلال الهجرة والتعريب، وخروج المجتمعات الوافدة اليونانية والفارسية التي لم تتعرب· وقد شكّل المسيحيون العرب في الهلال الخصيب ومصر في بداية الإسلام غالبية السكان· ونتيجة لقيام المجتمع الإسلامي المتكامل حضارياً، تراجع دور القبلية في الحياة العامة كثيراً· وبالقدر الذي كان وما زال الهلال الخصيب ومصر فيه قلب الحضارة العربية وجوهرها، فقد كانت مكونات هذه الحضارة إسلامية ومسيحية طوال ألفي عام وحتى الآن، وإن بنسب متغيرة·
 
وكان بدء تفكك الدولة العربية الواحدة في المركز والأطراف فور قيامها في أواخر عصور الخلفاء الراشدين، وذلك عند تزامن صراع عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان على الخلافة· وتكرر ذلك مرة أخرى في الصراع الذي نشب بين الأمويين والعباسيين بعد ذلك بمئة عام· وتعمّق التفكك أكثر بعد القرن التاسع· فضلاً عن ذلك لوحظ انتقال للسلطة الأمنيّة والإداريّة إلى العناصر الفارسية والتركية المقيمة والمهاجرة، التي تمثلت منذ القرن العاشر بالبويهيين والسلاجقة· وتلت ذلك حملات الفرنجة الصليبيين والمغول، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر· غير أن الهوية الاجتماعية والثقافية بقيت فيها جميعاً عربية مع مزيد من العمق والتكثيف، عبر العهود كافة باستثناء عصر الانحطاط وحتى الآن· وفي بداية هذه المرحلة تبلورت الشريعة الإسلامية بمذاهب وطرق عدة(1)؛ سنية وصوفية لا تختلف بين بعضها إلا في الهوامش· أما الشيعة فقد بدأوا مبكراً بالابتعاد والتشقق إلى مذاهب ومدارس مختلفة بعد وفاة الخليفة علي بن أبي طالب·
 
وفي المرحلة الرابعة توقف عطاء الحضارة العربية السياسي بشكل كامل، بعد أن توقف أمنياً وإدارياً، وانتقل الحكم في البلاد العربية للمماليك منذ القرن الثالث عشر بدءاً من القاهرة، ومن ثم الدولة المركزية العثمانية منذ القرن السادس عشر· وقد رافق ذلك وقبل العثمانيين تراجع أعداد المسيحيين في المشرق العربي، بسبب الاضطهاد على أيدي غير العرب من المسلمين الحكام· وسارع في تحقيق ذلك الغزو المغولي والصليبي· ثم دخل العالم العربي عصر الانحطاط والظلام والانكماش وانتعاش مؤسسة القبلية من جديد· وقد انسحب ذلك على عناصر المجتمع العربي ومكوناته كافة، وذلك بعد أن حققت الثقافة العربية مستوىً عاليًا وقياديًا على الأصعدة اللغوية والعلمية والأدبية كافة، في ظل الحياة المدنية الراقية فأوصلها إلى الذروة العالمية·
 
بدأت المرحلة الخامسة - والتي ما زالت هي الراهنة في تاريخ الأمة العربية - منذ الغزو الفرنسي لمصر وسورية قبل قرنين· وفيه استبدل الحكم العثماني بالاستعمار والاستيطان الأوروبي، رغم الكثير من حركات الاحتجاج والمبادرات الدينية السياسية كالوهابية والسنوسية والمهدية وغيرها· وفي هذين القرنين منذ تلك البداية التي أنهت عصر الانحطاط، حققت الأمة العربية بعض الإنجازات الكبيرة المتمثلة بالنهوض الاجتماعي والعددي، فتضاعف عدد أبناء الأمة أكثر من ثلاثين مرة، وانتقلت الجماهير من الريف والبادية إلى المدن· وانتعشت نتائج اللغة العربية، وأحييت الثقافة العربية فنمت واتسعت حتى انخفضت الأميّة الآن إلى الثلث، وتقاربت اللهجات المحكية مع بعضها ومع الفصحى· ورافق ذلك الكثير من مزايا الحياة الإنسانية المعاصرة· ولكن أجزاء مهمة من مظاهر تخلّف الأمة وضعفها ما زال مسيطراً· ويتلخص ذلك باغتصاب فلسطين وإقامة إسرائيل لمأسسة السيطرة الغربية وديمومتها، وبنظام الكيانات السياسية المصطنعة التابعة لأمريكا، والخاضعة للقطرية والفساد والقمع والتباعد الطبقي، رغم تحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي أحياناً قليلة ومؤقتة·
 
ولكن الجزء الأهم في جوهر التخلف العربي يتمثل في حال الإنسان العربي، الذي يرزح تحت أمراض القبلية والطائفية والمذهبية والقطرية، وضعف الانتماء والتماسك الاجتماعي وقيمه، خاصة لدى النخب، وكذلك سطحيّة مظاهر المعاصرة والحفاظ على السلفيّة الاجتماعيّة والتقاليد المتحجرة، وعدم مواكبة الأمم الناهضة· وبالإضافة لذلك حققت أعداد المسيحيين النسبية تراجعاً كبيراً ومتسارعاً·
 
فهل المسيحي العربي مؤهل لأن يساهم في الثورة على الحال الراهنة للمواطن العربي؟ وأن يهب روحه وعقله وساعده لجهود خلاصه؟ أم هو منبوذ ومكروه مجتمعياً، ومشكوك في ارتباطه مع الغرب والأنظمة العربية الفاشلة، ومتهم بالكفر الديني، فلا يبقى له إلا القبول بالدرك الأدنى في المجتمع وفي العمل وفقدان حقوق المساواة، أو الهجرة إلى الخارج؟ أم أنها سواء من هذا وذاك، عندما يدفعه وعيه الغائب إلى الاحتجاج على هذه الحال المنغلقة، بوضع نفسه في تصرّف المصالح والأهداف والسياسات الغربية وخدمتها، أو بالانضمام إلى أجهزتها أداة تمارس مع وجدانها كره الذات واحتقارها· ومن هنا فإن هذا البحث يهدف للمساهمة في الإجابة عن هذه الأسئلة·
Page 7
2-2 المسيحية المشرقية(2)
 
لم يبخل الإسلام والمسلمون العرب بالمجمل، طوال أربعة عشر قرناً، على أشقائهم المسيحيين العرب إلا فيما ندر· وقد انحصر ذلك بشكل خاص في بعض مراحل عصر الانحطاط والتخلّف الشديد، وحكم المماليك غير العرب واستفزاز الغزو الصليبي·
 
ثم جاء الاستعمار الغربي، الذي تمثل بالاحتلال والاستيطان، وخاصة المشروع الصهيوني وأجنداته الخاصة بالمسيحيين، وكذلك الاختراق الثقافي غير الممنهج بسبب القرب الجغرافي، متزامناً مع الإصلاحات العثمانية والمصرية والتحولات الاجتماعية، في ظل قيام الإدارة المركزية المستبدة؛ لكي تخلق جميعاً حالاً من الفوضى والاضطراب في أوضاع المسيحية المشرقية· وقد فاقم ذلك تفتت المجتمع العربي وأوطانه إلى مكوناته الكيانية والمجتمعية الصغيرة، وانعزالها عن بعضها، بسبب انتعاش القبلية والمناطقية والطائفية والمذهبية وما تبع ذلك من حروب وغزو ·· إلخ في ظل الثراء النفطي الفاحش· وقد نتج عن ذلك عزل المسيحيين والمسلمين العرب عن بعضهم البعض، في أدوار من العنف والاضطهاد أحياناً وما نتج عنها من هجرة·
 
لم يكن التمييز والاضطهاد للمسيحيين العرب أحياناً من منطلق مفهوم أهل الذمة المستضعفين والصاغرين، ودافعي الجزية مقابل الحماية، حيث كان الدافع الحقيقي للجزية جمع الضرائب رغم أنه كان خلافاً للنص الحرفي القرآني كما يقول ألبير منصور(3)، حيث تشترط الآية القرآنية دفع الجزية عند عدوانية المسيحيين على المسلمين· فمعظم المسيحيين العرب قاتلوا إلى جانب أشقائهم المسلمين ضد أقرانهم في المعتقد الديني من بيزنطيين في الفتوحات الإسلامية(4)· كما قاتل معظمهم مع أشقائهم المسلمين ضد الصليبيين بعد ذلك بستة أو سبعة قرون، مما كان يستدعي إعفاءهم من الجزية بموجب النص القرآني· وهكذا فالنصوص القرآنية الواضحة بخصوص أهل الذمة تم تجاوزها أو تطبيقها حسب هوى الحاكم وبشكل جائر أحياناً· وبالرغم من ذلك استمرّت الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين العرب حتى الآن، وخاصة في حروب الاستقلال الوطني في القرن العشرين· وذلك في تجاوز المجازر في جبل لبنان ودمشق في القرن التاسع عشر·
 
وقد كان المعنى الأول للذمة هو الصدق والثقة والمودة كما نصّ القرآن الكريم· كما كان الهدف من مبدأ الجزية أن تكون بديلاً عن الزكاة في رفد الخزينة، خاصة عندما كان المسيحيون في الهلال الخصيب ومصر أغلبية في البداية· كذلك لا تعقل الحجة بحالة الضعف لدى المسيحيين تفسيراً لاستغلالهم أو الانفراد بهم، إذ كما يقول المؤرخ المرجعية ألبرت حوراني، إن أعداد المسيحيين في الهلال الخصيب ومصر استمرت فوق نسبة تسعين بالمئة حتى عام 750م، عندما انتقل الحكم من الأمويين إلى العباسيين· كما وصل المسيحيون بعد ذلك إلى نسبة خمسين في المائة من مجموع السكان حتى عام 1000م· وقد احتلّ موضوع الجزية والتمييز المساحة الأكبر في الذاكرة والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب حتى الآن، وذلك رغم الإصلاحات العثمانية قبل قرن ونصف·
Page 8
ولم تقصّر المسيحية المشرقية في رسالتها الإنسانية، حيث نقلت العقيدة المسيحية لأوروبا، وذلك عندما كان المسيحيون العرب منخرطين في الجيوش الرومانية وخاصة الأنباط منهم، مثل الأباطرة فيليب العربي وكركلا· ولكن المسيحية في الغرب اختلفت نوعياً عندما أصبحت الكنيسة ركناً أساسياً من أركان الدولة البيزنطية في بداية القرن الرابع، ومن ثم أصبحت الباباوية الحاكمة من الفاتيكان بعد ذلك· وغرقت في المال والاستبداد نتيجة ذلك، وحتى الثورة الفرنسية·
 
ولم يبخل المسيحيون العرب كذلك على أشقائهم العرب المسلمين عندما شاركوا وقادوا مجالات الحياة المهنية والعلمية والفكرية والأدبية، والتي كانت في البداية شبه احتكار لهم، وخاصة في مجال الترجمة في دار المأمون للحكمة، وكذلك في الإدارة الحكومية المالية في العصور المتعاقبة·
 
لقد نجح العرب، بمكوناتهم الحضارية المنتشرة والشاملة، ومنها الدينية المنوعة من مسلمين ومسيحيين وكذلك يهود عرب أحياناً، بأن يقدموا للإنسانية حضارة لا تقل عن الحضارات الإنسانية الأخرى، وذلك في المستوى الراقي والثراء والانتشار الواسع، وفي دفع البشرية إلى الأمام وإلى الأعلى· فقد كان العرب حتى الدعوة الإسلامية مسيحيين ويهوداً ووثنيين· ولم تتغير الأعداد والنسب إلا ببطء شديد بعد الدعوة الإسلامية·
 
وكان اليهود العرب الذين نزحوا من اليمن والحجاز مع المسيحيين في فجر الإسلام إلى الهلال الخصيب ومصر، والذين كانوا أقل عدداً من المسيحيين فلم يسجل لهم التاريخ نشاطاً بارزاً في المجتمعات التي كانوا جزءاً منها·
 
أما يهود أوروبا الحاليون، ومنذ القرن التاسع الميلادي، فهم منحدرون من قبائل الخزر الأتراك في القوقاز، الذين اعتنقوا اليهودية مع القليل من يهود الأندلس بعد إخلائها عام 1492· وهكذا لا علاقة لهم إثنياً وثقافياً بالمسيحيين أو اليهود العرب· وهؤلاء اليهود الأوروبيون أو الاشكناز هم الذين خلقوا الفكرة والحملة الصهيونية مع دول أقرانهم الأوروبيين، الذين كان بعضهم يرمي للخلاص منهم خارج أوروبا، حيث كانوا منبوذين ويعيشون في جيتاوات مختلفة، والبعض الآخر يرمي لجعلهم قاعدة وأداة للاستعمار الغربي في العالم العربي· وقد كانت هذه الخلفية أحد أهم أسباب رفض إسرائيل من العرب مسيحيين ومسلمين كافة·
 
وفي القرون القليلة الماضية ورغم تراجع نسب المسيحيين الإجمالية من المجموع العربي العام، خاصة في القرن العشرين إلى ما دون العشرة بالمئة حتى الآن، وذلك في كل من الهلال الخصيب وفي وادي النيل، فقد كان أداؤهم عالياً، وخاصة في مجالات الثقافة واللغة العربية والأدب· وقد برز ذلك في سورية الطبيعية بشكل خاص، وفي مجالات الفكر والعمل السياسي القومي واليساري، وفي مجالات الاقتصاد والانتعاش الاجتماعي، والتواصل مع الحضارة الغربية· ومع تزامن الهجرة المسيحية من سورية لمصر وللعالم الجديد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والحفاظ على التواصل بينهم وبين الوطن الأم تعاظمت مساحة عطائهم ثانية·
Page 9
2-3- المشهد المعاصر
 
يطالعنا الآن الكثير من اللبنانيين بمن فيهم ميشيل عون(5)ومساعدوه بالدعوة لتنسيقات عربية تتجاوز الحدود القطرية، وتسعى لتفعيل دور المسيحيين والعلمانيين العرب من جديد في إحياء المجتمع العربي، من خلال وحدة هويته وقضاياه، وكذلك المشاركة في القيادة لذلك الدور الإحيائي· والمسيحيون اللبنانيون هم الذين يتميزون بحيويتهم التاريخية عن أشقائهم المسيحيين في باقي الهلال الخصيب ومصر، رغم أحجام بعض تلك الطوائف الكبيرة نسبياً بالمقارنة مع لبنان·
 
إن تحسّس الهوية المشرقية للمسيحيين العرب، وتحسّس الروابط التاريخية العميقة والوثيقة بينهم هو تحسّس وطني وقومي الطبيعة والدور· وهو أيضاً تحسّس اجتماعي وثقافي وسياسي المضمون· كما أنه طموح في تأمله للمستقبل· وهو أيضاً متحرر نسبياً من عقدة الأقلية العددية والطائفية، وما ينتج عن ذلك من ضعف وإقصاء· وهو على هذه الخلفية قادر على أن يوضح أسس الوحدة الاجتماعية والثقافية العربية المتجاوزة والمتحدية، بشكل خاص ما يطرح الآن في المشرق والمغرب من تأجيج للفتن المذهبية بين السنة والشيعة العرب، وكذلك بين الطوائف والمذاهب الأخرى· وتهدف هذه الفتن لإفقاد البلاد العربية القدرة على الدفاع عن مصالحها الشرعية، وممارسة الاستقلال الحقيقي، ودفع العدوان والأطماع الخارجية، وكذلك الانطلاق الحضاري·
 
ويعزّز ذلك إدراك التيار المسيحي العوني وبعض شركائه المسلمين في لبنان بأن العلاقة مع أمريكا بشكل خاص، ورغم العلاقة التاريخية مع الدول الغربية، من خلال الفاتيكان وفرنسا وبريطانيا لقرون طويلة، هي علاقة مع العدو الطامع والهادف لتحقيق مشاريع الأنانية في الهيمنة والتفتيت والاستعباد؛ لخدمة المشروع الصهيوني الذي تهدده المسيحية العربية والعيش المشترك على أساس المساواة· وهكذا يتبين أن الغرب لا يشكل حماية للمسيحيين العرب أو حتى مجرد الاكتفاء بالنفوذ بينهم، من خلال الصداقة والمشاركة والتعاون، فالدين للغرب يشكل أداة للتوظيف السياسي الذي وضع في أعلى أولوياته المشروع الصهيوني وليس وجداناً إنسانياً·
 
ويشترك مسيحيو المشرق العربي مع المجتمع العربي الأوسع ببعض السمات الجوهرية، وعلى رأسها المضامين الاجتماعية والثقافية و التاريخية للدين بخلاف المجتمعات الغربية· وذلك بالإضافة لروابط هويتهم القومية العربية، رغم تفاوت الأوضاع السياسية والاقتصادية والقانونية والإدارية وكذلك المعنوية من بلد لآخر· لذلك فإن بعض قادة الفكر والعمل السياسي في لبنان يطمحون للقيام بدور التواصل و التوحيد بين مسيحيي المشرق العربي، من أجل تجميع قواهم وزيادة فاعليتهم· وهم يدركون بشكل خاص ضرورة أن يتم ذلك خارج مؤسساتهم الدينية والكنسية، التي تؤجج الطائفية والمذهبية لخدمة مصالح زعاماتها الدينية والسياسية· كما أنها تشكو من التبعية لرئاستهم الكنسيّة في الغرب المدفوعة بالاعتبارات السياسية الأنانية· وهذا التطلع للعمل العربي المشترك هو مشروع ومطلوب من جميع مكونات المجتمع العربي المدني، التي تشترك بروابط المصلحة والخبرة والخلفية المشتركة كالمهن والعمّال وأصحاب الأعمال، وكذلك منظمات ونشاطات المجتمع المدني الأخرى كافة·
Page 10
إن من أهم القضايا المشتركة بين المسيحيين العرب تراجع أعدادهم بسبب تدني معدلات الولادة، وكذلك تزايد الهجرة إلى خارج العالم العربي طوعاً أو قسراً(6)، كما في فلسطين وأخيراً العراق، مما يهدد في المدى البعيد وجودهم في المشرق العربي بالكامل· وحول هذا الموضوع الحيوي ظهرت في الإعلام اللبناني أفكار لبعض المسيحيين اللبنانيين حول سبل التعامل معه· وجاء من بين هذه الأفكار أن حماية المسيحيين المطلوب توافرها، خاصة بعد تراجع أعدادهم تأتي من خلال إقامة دولة ومجتمع المواطنة والمساواة، وإلغاء الطائفية السياسية والمحاصصة، وكذلك الانفتاح على الغالبية المسلمة· فيقود ذلك إلى العمل المشترك مع أشقائهم المسيحيين· ويتطلب هذا التوجه الانخراط في مجالات الحياة العامة كافة ، وليس بالتعالي والفوقية والابتعاد، وتباين قيم وأساليب العيش التي مارستها شرائح واسعة من المسيحيين في أكثر من موقع تماهياً مع الغرب· ويوفر هذا التوجه فرص العطاء والحيوية الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي طالما أثبت المسيحيون أداءهم وبلاءهم العالي فيها· وسوف يدفعهم هذا التوجه للنأي عن الغرب والحذر منه ومن عدائه المخفي للعرب عبر آلاف السنين، بكل الطرق والأساليب· ويُضاف لذلك ضرورة الحفاظ على قدرة المسيحيين العرب، بسبب مؤهلاتهم وخصوصياتهم، على استمرار التواصل والرصد الفكري لما يجري في العالم الغربي والإنساني، ومدى إمكانيات إفادة العرب منه، وطبيعة ذلك·
 
وفي المقام الثاني تتباين حقوق المسيحيين في الدول العربية بشكل يمكن أن يجلب الضرر لهم· فحيث إنهم في لبنان يشكلون الآن حوالي 35% من السكان فإن لهم رسمياً نصف الدولة، بينمايشكلمسيحيو مصر سبعة أو ثمانية بالمئة من السكان وربما أكثر(7)، ولكنهم غائبون عن الدولة بشكل شبه كامل، وخاصة في المجالس التمثيلية والسلك القضائي والدبلوماسي والمحافظين، ورؤساء الجامعات الذين يعدون بالمئات، وكذلك في قيادة القوات المسلحة· أما في الأردن وفلسطين وسورية فلهم حصص أكبر بكثير مما تبرره أعدادهم، بسبب ثقافة ورؤى وحاجة أنظمة الحكم واطمئنانها لهم· وهذا يثير أحياناً عدم ارتياح لدى الغالبية المسلمة· أما في العراق فهنالك تباعد اجتماعي وثقافي تراتيبي ومتبادل مع باقي المجتمع· وكذلك في الشأن العام، حيث يكاد يكون غيابهم كاملاً· أما في الأوضاع المستجدة بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 فقد تعرضوا للعنف والتهجير بمئات الآلاف؛ فأصبح وضعهم غير مستقر· وقد كان ذلك ربما نتيجة أهداف أمريكية وإسرائيلية خبيثة·
 
وفي المقام الثالث كانت نسبة المهاجرين المسيحيين العرب للغرب(8)في القرنين التاسع عشر والعشرين تفوق بكثير أعداد أشقائهم المسلمين· وبالنظر للنهضة الاجتماعية والثقافية العربية في هذين القرنين، وتعاظم سبل التواصل الثقافي عبر الاتصالات والإعلام، ووسائلها المتطورة بين أرجاء المعمورة كافة، ظهرت الحاجة لإنعاش العلاقة بين الشتات أو الانتشار المسيحي العربي من جهة والبلاد العربية، لما لذلك من فوائد ملموسة وكبيرة للطرفين· وبالقدر الذي تشكل فيه القرية والعائلة والكنيسة معظم مجالات اهتمام المهاجر العربي المسيحي من الجيل الأول في وطنه الأصل، فإن ذلك لا ينسحب على الأجيال اللاحقة، مما يجعل من الإطار العربي المشترك والأوسع لأغراض التواصل الثقافي والاقتصادي والسياسي، خاصة الفلسطيني مع الشتات، السبيل الأكثر رحابة وعطاءً· وقد كان للأدباء العرب في المهجر دور كبير في الثقافة العربية المعاصرة، فعزّز ذلك من التواصل والعطاء· ويعبّر عن ذلك بوضوح عطش هذه الجاليات للمهرجانات العربية ولزيارات الفنانين لهم، وخاصة اللبنانيين، بشكل دوري لإحياء الروابط الثقافية وتغذيتها·