Page 1
1 - فرار
- ما زلت لا أصدق أنك راحلة فعلاً، وأن هذا هو أخر يوم عمل لك. لطالما اعتقدت أنك سوف تغيرين رأيك. أعني، إنك تعملين هنا منذ الأزل، جينا.لم تقدر جينا لايتون إلا أن تبتسم لزميلتها في المكتب بسبب صوتها الكئيب. قالت لها بهدوء: "لعل هذا هو سبب رحيلي، ناتالي... لأنني أعمل هنا منذ الأزل، كما قلت".
حسناً! "منذ الأزل" تعني في الواقع السنوات الإحدى عشرة الأخيرة، منذ أن تخرجت جينا من الجامعة وهي في الحادية والعشرين من عمرها. لكن من الواضح أنها بالنسبة إلى ناتالي تمثل جزءاً من شركة "بريدون وابنه". هذا ما يشعر به جميع العاملين في الشركة على الأرجح.
حدقت بها ناتالي بأسى: "أعلم أنني لن أتفق مع سوزان، فهي ليست مثلك".
ردت جينا مشجعة: "سوف تكونين على ما يرام".
إلا أنها في الواقع لم تشعر بذلك حقاً، فخلال الأسابيع الأربعة المنصرمة، كانت جينا تعلم سوزان ريتشاردز - بديلتها- مهام العمل. وأدركت في خضم ذلك أن هذه الأخيرة لا تحتمل الأغبياء. صحيح أن ناتالي ليست غبية، لكنها تبدو بطيئة الاستيعاب أحياناً ، ويجب أن يشرح لها المرء الأمر مرتين حتى تستوعبه. أما سوزان فعبّرت لناتالي مسبقاً عن قلّة صبرها بعبارات واضحة لا مجال للشك فيها. لكن هذه ليست مشكلتها. بعد ساعات قليلة من الآن سوف تسير خارج شركة "بريدون وابنه" للمرة الأخيرة. بل إنها ستغادر بلدة يوركشاير حيث ولدت وتربت مع كل أصدقائها وأفراد عائلتها، فتنتقل للإقامة في لندن خلال عطلة نهاية الأسبوع. ستحصل على عمل جديد، شقة جديدة، أسلوب حياة جديد...
لوحت جينا باتجاه الأوراق الموضوعة على مكتبها فيما راحت معدتها تنقلب مقلدة انقلاب الفطائر المحلاّة في مطعم "شروف تيوسداي"، وقالت: "أنا بحاجة إلى إنهاء بعض الأعمال ناتالي قبل موعد الحفلة".
سيقيم مديرها حفلة وداع مصغرة على شرفها من بعد الظهر، لذلك فهي تريد إنهاء بعض المسائل العالقة قبل مغادرتها. حالما خرجت ناتالي أجالت جينا بصرها في أرجاء المكتب الواسع المريح الذي كان مكان عملها خلال السنوات الأربع الأخيرة، وذلك منذ أن وصلت إلى منصب السكرتيرة الشخصية لمؤسس معمل المعدات الزراعية. هذا المنصب جعلها تشعر بالرضى فقد ارتفع راتبها وتضاعف إحساسها بقيمة نفسها، أما دايف بريدون فهو رئيس جيد ورجل دمث يتمتع بروح مرِحة تتلاءم مع روحها المرحة. لذلك فهو ليس سبب رحيلها...
- ألن تغيري رأيك في اللحظة الأخيرة؟
سمعت جينا الصوت الرجولي العميق من مدخل الباب، فرفعت بصرها نحوه.
ردّت برباطة جأش تكذبها دقات قلبها المتسارعة: "بالطبع لا".
إنها ماهرة في إخفاء حقيقة شعورها تجاه هاري بريدون، فهو الابن الوحيد لرئيسها ويده اليمنى في العمل. حدقت جينا بوجه هاري الأسمر الصارم بوسامته، ولم تكشف عيناها الزرقاوان الغامقتان أي شيء . قالت: "أنت حتماً لم تفكر جدياً أن هنالك أي احتمال لحصول ذلك؟"
هز كتفيه قائلاً: "أملت بذلك. لعلها الكلمة الأفضل لوصف الأمر".
Page 2
يا له من أمر مضحك! منذ وقت طويل تقبلت جينا مغازلات هاري على أنها لا تعني شيئاً البتة، لكن وتيرة تنفسها أخذت تتسارع رغماً عنها. قالت بنبرة صوت سطحية: "آسفة. لكنني وضبت حقائبي مسبقاً".
- يشعر والدي بالحزن لرحيلك، كما تعلمين.
تمشى هاري داخل الغرفة، فربض على حافة مكتبها وثبّت عليها نظرات عينين رماديتين بلون الدخان. حاولت جينا أن تتجاهل ضربات قلبها التي تسارعت بجنون لدى اقترابه منها، لكنها فشلت. قالت بحدة: "من الجميل أن أعرف أنه آسف لرؤيتي أرحل، لكنني أعتقد أن هذا كل ما في الأمر، هاري. لأن سوزان برهنت عن جدارتها للقيام بالعمل، كما تعلم".
سوزان ريتشاردز. إنها شقراء جذابة، وتمتلك جسداً تتمنى أي عارضة أزياء الحصول عليه. إنها في الواقع، تناسب ذوق هاري تماماً. عاد هاري إلى المملكة المتحدة بعد تعرض والده لأزمة قلبية، فاستلم المزيد من أعباء أعمال دايف برايدون خلال الاثني عشر شهراً الماضية. أما جينا فسمعت كل ما يتم تداوله من شائعات في الشركة حول صديقاته الحميمات المتعددات واللواتي يقال إنهن شقراوات نحيلات. أما هي فصهباء، ولطالما سخر منها زملاؤها في المدرسة وأطلقوا عليها لقب "رأس الجزرة". لكن جينا تحب خصلات شعرها المائلة إلى اللون الأحمر القرمزي. ومع أن شكل جسدها الممتلئ الشبيه بشكل الساعة الرملية كان رائجاً في زمن مارلين مونرو، إلا أنه لم يعد كذلك الآن. سألت نفسها بصمت، لماذا إذاً وقعت في حبه وأنت تعلمين ذلك؟ هي تعلم أيضاً أنه زير نساء فهو يحب النساء إلاّ أنه يتخلى عنهنَّ بسهولة. طرحت هذا السؤال على نفسها مئات المرات خلال السنة الماضية لكنها لم تهتدِ البتة إلى الجواب المنطقي. مهما يكن، فالحب لا يعمل حسب المنطق العقلاني. جل ما تعلمه هو أن هذا الشعور الذي بدأ بإعجاب بسيط قلب كيانها رأساً على عقب، فراح ينمو بسرعة ليصير حباً ملازماً يستهلكها كلما تسنت لها معرفته عن كثب. أما بالنسبة إلى هاري فهي بكل بساطة ليست أكثر من سكرتيرة يتشارك فيها مع والده. أقرت بأنها شخص يحب هاري تبادل الأحاديث والثرثرة معه، كما أنه يلاطفها أحياناُ، لكن هذا ما يفعله مع أي امرأة غيرها في النهاية.
- ظننت أنك لم تحبي لندن حين ارتدت الجامعة هناك. أذكر قولك إنك بالكاد طقت صبراً حتى عدتِ إلى ديارك.
عبست جينا وصححت له بهدوء: "قلت إنني سررت لعودتي إلى الديار، لكن ذلك لا يعني أنني لم أعجب بالمدينة".
حدّق هاري بها للحظة قبل أن ينهض عن مكتبها ويهب واقفاً، قال لها بنبرة منطقية جعلتها ترغب في ضربه: "حسناً! إنها حياتكِ أنت. أنا فقط آمل ألاّ تندمي على ذلك. هذا كل ما في الأمر. فالمدن الكبرى تجعلك تشعرين بالوحدة".
أومأت جينا برأسها وقالت: "أتعني ذاك القول المعروف حول كونك محاطاً بالكثير من الأشخاص لكنك لا تعرف أياً منهم؟ الكثير من الأصدقاء الذين تعرفت إليهم أيام الجامعة يقيمون في لندن، فلا مشكلة لدي بهذا الخصوص. على أي حال أنا أتشارك شقتي مع فتاة أخرى. لن أعيش بمفردي".
لم تضف جينا أنها تشعر بالكثير من الذعر حيال ذلك الأمر. فقد اعتادت العيش في منزلها الخاص خلال السنوات الست الأخيرة، وهي شقة صغيرة ذات موقع جميل استراتيجي في الطابق العلوي من منزل كبير يقع على حدود البلدة، ويطل على منظر النهر الجاري فيها. بعد أن كانت تقيم مع والديها فكرت في امتلاك منزل خاص بها كي لا تبقى مضطرة إلى الرد على أسئلتهما وتبرير تصرفاتها أمامهما. فضلاً عن ذلك يمكنها أن تمتع نفسها خلال عطلات نهاية الأسبوع فتستيقظ حين ترغب، وتأكل الطعام حين تشعر بالرغبة في ذلك. لكن استئجار منزل في لندن هو أمر مختلف تماماً عن استئجار منزل في يوركشاير. مع أن وظيفتها الجديدة تدر عليها راتباً جيداً، لكنها لا تستطيع تحمل نفقات منزل خاص بها.
سار هاري متجهاً نحو الباب وهو يقول: "لا تنسي أن تتركي لي عنوانك الجديد. فقد أتصل بك في المرة المقبلة التي أذهب فيها إلى العاصمة. ولعلني سأرتمي لأنام على أريكتك لليلة واحدة".
عليك أن تقتلني أولاً! لكن جينا استنشقت نفساً عميقاً وأخرجت الكلام بشكل عادي قائلة له بغير اكتراث: "حسناً!"
- يشعر والدي بالحزن لرحيلك، كما تعلمين.
تمشى هاري داخل الغرفة، فربض على حافة مكتبها وثبّت عليها نظرات عينين رماديتين بلون الدخان. حاولت جينا أن تتجاهل ضربات قلبها التي تسارعت بجنون لدى اقترابه منها، لكنها فشلت. قالت بحدة: "من الجميل أن أعرف أنه آسف لرؤيتي أرحل، لكنني أعتقد أن هذا كل ما في الأمر، هاري. لأن سوزان برهنت عن جدارتها للقيام بالعمل، كما تعلم".
سوزان ريتشاردز. إنها شقراء جذابة، وتمتلك جسداً تتمنى أي عارضة أزياء الحصول عليه. إنها في الواقع، تناسب ذوق هاري تماماً. عاد هاري إلى المملكة المتحدة بعد تعرض والده لأزمة قلبية، فاستلم المزيد من أعباء أعمال دايف برايدون خلال الاثني عشر شهراً الماضية. أما جينا فسمعت كل ما يتم تداوله من شائعات في الشركة حول صديقاته الحميمات المتعددات واللواتي يقال إنهن شقراوات نحيلات. أما هي فصهباء، ولطالما سخر منها زملاؤها في المدرسة وأطلقوا عليها لقب "رأس الجزرة". لكن جينا تحب خصلات شعرها المائلة إلى اللون الأحمر القرمزي. ومع أن شكل جسدها الممتلئ الشبيه بشكل الساعة الرملية كان رائجاً في زمن مارلين مونرو، إلا أنه لم يعد كذلك الآن. سألت نفسها بصمت، لماذا إذاً وقعت في حبه وأنت تعلمين ذلك؟ هي تعلم أيضاً أنه زير نساء فهو يحب النساء إلاّ أنه يتخلى عنهنَّ بسهولة. طرحت هذا السؤال على نفسها مئات المرات خلال السنة الماضية لكنها لم تهتدِ البتة إلى الجواب المنطقي. مهما يكن، فالحب لا يعمل حسب المنطق العقلاني. جل ما تعلمه هو أن هذا الشعور الذي بدأ بإعجاب بسيط قلب كيانها رأساً على عقب، فراح ينمو بسرعة ليصير حباً ملازماً يستهلكها كلما تسنت لها معرفته عن كثب. أما بالنسبة إلى هاري فهي بكل بساطة ليست أكثر من سكرتيرة يتشارك فيها مع والده. أقرت بأنها شخص يحب هاري تبادل الأحاديث والثرثرة معه، كما أنه يلاطفها أحياناُ، لكن هذا ما يفعله مع أي امرأة غيرها في النهاية.
- ظننت أنك لم تحبي لندن حين ارتدت الجامعة هناك. أذكر قولك إنك بالكاد طقت صبراً حتى عدتِ إلى ديارك.
عبست جينا وصححت له بهدوء: "قلت إنني سررت لعودتي إلى الديار، لكن ذلك لا يعني أنني لم أعجب بالمدينة".
حدّق هاري بها للحظة قبل أن ينهض عن مكتبها ويهب واقفاً، قال لها بنبرة منطقية جعلتها ترغب في ضربه: "حسناً! إنها حياتكِ أنت. أنا فقط آمل ألاّ تندمي على ذلك. هذا كل ما في الأمر. فالمدن الكبرى تجعلك تشعرين بالوحدة".
أومأت جينا برأسها وقالت: "أتعني ذاك القول المعروف حول كونك محاطاً بالكثير من الأشخاص لكنك لا تعرف أياً منهم؟ الكثير من الأصدقاء الذين تعرفت إليهم أيام الجامعة يقيمون في لندن، فلا مشكلة لدي بهذا الخصوص. على أي حال أنا أتشارك شقتي مع فتاة أخرى. لن أعيش بمفردي".
لم تضف جينا أنها تشعر بالكثير من الذعر حيال ذلك الأمر. فقد اعتادت العيش في منزلها الخاص خلال السنوات الست الأخيرة، وهي شقة صغيرة ذات موقع جميل استراتيجي في الطابق العلوي من منزل كبير يقع على حدود البلدة، ويطل على منظر النهر الجاري فيها. بعد أن كانت تقيم مع والديها فكرت في امتلاك منزل خاص بها كي لا تبقى مضطرة إلى الرد على أسئلتهما وتبرير تصرفاتها أمامهما. فضلاً عن ذلك يمكنها أن تمتع نفسها خلال عطلات نهاية الأسبوع فتستيقظ حين ترغب، وتأكل الطعام حين تشعر بالرغبة في ذلك. لكن استئجار منزل في لندن هو أمر مختلف تماماً عن استئجار منزل في يوركشاير. مع أن وظيفتها الجديدة تدر عليها راتباً جيداً، لكنها لا تستطيع تحمل نفقات منزل خاص بها.
سار هاري متجهاً نحو الباب وهو يقول: "لا تنسي أن تتركي لي عنوانك الجديد. فقد أتصل بك في المرة المقبلة التي أذهب فيها إلى العاصمة. ولعلني سأرتمي لأنام على أريكتك لليلة واحدة".
عليك أن تقتلني أولاً! لكن جينا استنشقت نفساً عميقاً وأخرجت الكلام بشكل عادي قائلة له بغير اكتراث: "حسناً!"
Page 3
تمنت لو أن بمقدورها أن تكرهه فذلك سيجعل كل شيء أسهل بالنسبة إليها، ولن تضطر إلى اقتلاع نفسها من جذورها بسببه. مع ذلك، لا! هذا ليس عدلاً. فحتى قبل أن تقع في غرام هاري، كانت قد اكتشفت أنها تعيش حياة رتيبة، وهي لذلك تحتاج إلى أحداث تغيير ما في حياتها. إن شقيقتيها وغالبية صديقاتها تزوجن وأصبح لديهن أطفال، لذلك فالخروج مع أي منهن لم يعد متاحاً كما كان في السابق. قبل ظهور هاري على الساحة بحوالى الاثني عشر شهراً لم تكن جينا قد خرجت إلا في موعدين غراميين فقط. الرجال الوحيدون الموجودون حولها هم إما مملين جداً أو مقتنعين بأنهم هبة الله على الأرض للنساء. إنها تكاد تنظر إلى نفسها كما لو أنها امرأة عانس مكرسة لأجل وظيفتها ومنزلها، وهي فقط تلعب دور العرّابة تجاه أولاد الآخرين. لطالما قال لها أصدقاؤها إنها انتقائية جداً وصعبة الإرضاء. حدقت جينا باتجاه الباب الذي أغلقه هاري للتو خلفه، وفكرت أنها ربما تكون كذلك. تسنت لها العديد من الفرص لكنها تهربت من فكرة محاولة الإعجاب بشخص ما. فإما أن تكون الشرارة موجودة في العلاقة الغرامية أو لا تكون، ما من حل وسط هنا. فضلاً عن ذلك، فهي لا تشعر باليأس لأن تستقر. إن ما تتوق إليه جينا بشدة هو الحصول على حياة مثيرة للاهتمام ومشوقة وتحمل أزيزاً وحيوية. هذا يشمل النوادي الليلية، المسرح، المطاعم الجيدة والرفقة الجميلة. بحق السماء! إنها في الثانية والثلاثين من عمرها! حسناً! لقد أومأت لها لندن، وهي احتضنت هذه الفكرة.
هذا هو الخيار الصائب. أومأت جينا مفكرة بذلك. بالطبع، لو أن هاري أبدى أي اهتمام تجاهها... لكنه لم يفعل. لذلك لن تحقق أمنيتها بالحصول على الورود من خلف الباب والأمسيات الحميمة أمام نار الموقد، ولا بالحصول على الفطور في السرير وهما يحملان صحيفة نهار الأحد...
ابتلعت كتلة أحست أنها تسد حلقها وهي تقول لنفسها إنها ذرفت ما يكفي من الدموع لأجله. مهما كان رحيلها صعباً إلا أن بقاءها هو بمثابة الانتحار العاطفي. ذلك العناق المختصر خلال عيد الميلاد أعلمها بذلك. عندما تمنى لها هاري ميلاداً مجيداً عانقها عناقاً خفيفاً ودوداً مع نقرة لطيفة على خدها فقط. لكن لمسته ودنوها الشديد منه ورائحة عطر ما بعد الحلاقة التي فاحت منه... أمور جعلتها تشعر بالدوار، فظل دماغها يشعر بالخدر لعدة ساعات حتى بدا عيد الميلاد مشوباً بالمرارة بالنسبة إليها. قررت جينا أن تعذيب الذات ليس أسلوبها. كما أنها حصلت على التأكيد الإضافي الذي كانت بحاجة إليه، فبعد ظهر "نهار الملاكمة" أخذت كلبي والديها في نزهتهما المعتادة في الحقول المغطاة بالثلوج المحيطة بالبلدة، وهناك رأت هاري عن بعد برفقة شقراء فاتنة. اختبأت جينا خلف شجرة كي لا يرياها، لكن ما إن أدركت زوال الخطر وتابعت سيرها بأمان حتى أدركت أن عليها مغادرة شركة "بريدون وابنه". يجدر بها أن تغادر في الحال، إلى حيث لا مجال أبداً لأن تلتقي به مجدداً. والآن حل شهر نيسان. إنه يوم الرحيل. كان الربيع في الخارج قد نشربساطه بقوة خلال الأيام القليلة الماضية. تفتحت أزهار الزعفران والنرجس البري الأصفر اللون بكثافة، فيما انشغلت الطيور ببناء أعشاشها. إنها فرصة للحصول على حياة جديدة. لا جدوى من أن تشعر كما لو أن عالمها وصل إلى نهايته. لا جدوى البتة...
بالرغم من ذلك، انضمت جينا إلى بقية الموظفين في مطعم الشركة خلال وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم، وهي تجرش على أسنانها. تأثرت عندما رأت معظم موظفي شركة "بريدون وابنه". إنهم يزيدون عن المائة إذا ما احتسبت أولئك الموجودين في المصنع، وقد اجتمعوا كلهم لتوديعها. تضاعف تأثرها عندما قدموا لها جهازاً لسيارتها ذو نظام ملاحقة متصل بالأقمار الصناعية ساهم الجميع بشرائه لها. قال بيل دنت رئيس المحاسبة في الشركة ممازحاً وهو يقدم لها الهدية: "هكذا يمكنك أن تجدي الطريق لدى عودتك لزيارتنا من حين إلى آخر".
يعرف الجميع أنها لا تتمتع أبداً بحس الاتجاهات ومهارات الملاحة. وخلال الأسابيع القليلة الماضية تحملت الكثير من الممازحات حول إمكانية ضياعها في شوارع المدينة.
- أشكر الجميع شكراً جزيلاً.
هذا هو الخيار الصائب. أومأت جينا مفكرة بذلك. بالطبع، لو أن هاري أبدى أي اهتمام تجاهها... لكنه لم يفعل. لذلك لن تحقق أمنيتها بالحصول على الورود من خلف الباب والأمسيات الحميمة أمام نار الموقد، ولا بالحصول على الفطور في السرير وهما يحملان صحيفة نهار الأحد...
ابتلعت كتلة أحست أنها تسد حلقها وهي تقول لنفسها إنها ذرفت ما يكفي من الدموع لأجله. مهما كان رحيلها صعباً إلا أن بقاءها هو بمثابة الانتحار العاطفي. ذلك العناق المختصر خلال عيد الميلاد أعلمها بذلك. عندما تمنى لها هاري ميلاداً مجيداً عانقها عناقاً خفيفاً ودوداً مع نقرة لطيفة على خدها فقط. لكن لمسته ودنوها الشديد منه ورائحة عطر ما بعد الحلاقة التي فاحت منه... أمور جعلتها تشعر بالدوار، فظل دماغها يشعر بالخدر لعدة ساعات حتى بدا عيد الميلاد مشوباً بالمرارة بالنسبة إليها. قررت جينا أن تعذيب الذات ليس أسلوبها. كما أنها حصلت على التأكيد الإضافي الذي كانت بحاجة إليه، فبعد ظهر "نهار الملاكمة" أخذت كلبي والديها في نزهتهما المعتادة في الحقول المغطاة بالثلوج المحيطة بالبلدة، وهناك رأت هاري عن بعد برفقة شقراء فاتنة. اختبأت جينا خلف شجرة كي لا يرياها، لكن ما إن أدركت زوال الخطر وتابعت سيرها بأمان حتى أدركت أن عليها مغادرة شركة "بريدون وابنه". يجدر بها أن تغادر في الحال، إلى حيث لا مجال أبداً لأن تلتقي به مجدداً. والآن حل شهر نيسان. إنه يوم الرحيل. كان الربيع في الخارج قد نشربساطه بقوة خلال الأيام القليلة الماضية. تفتحت أزهار الزعفران والنرجس البري الأصفر اللون بكثافة، فيما انشغلت الطيور ببناء أعشاشها. إنها فرصة للحصول على حياة جديدة. لا جدوى من أن تشعر كما لو أن عالمها وصل إلى نهايته. لا جدوى البتة...
بالرغم من ذلك، انضمت جينا إلى بقية الموظفين في مطعم الشركة خلال وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم، وهي تجرش على أسنانها. تأثرت عندما رأت معظم موظفي شركة "بريدون وابنه". إنهم يزيدون عن المائة إذا ما احتسبت أولئك الموجودين في المصنع، وقد اجتمعوا كلهم لتوديعها. تضاعف تأثرها عندما قدموا لها جهازاً لسيارتها ذو نظام ملاحقة متصل بالأقمار الصناعية ساهم الجميع بشرائه لها. قال بيل دنت رئيس المحاسبة في الشركة ممازحاً وهو يقدم لها الهدية: "هكذا يمكنك أن تجدي الطريق لدى عودتك لزيارتنا من حين إلى آخر".
يعرف الجميع أنها لا تتمتع أبداً بحس الاتجاهات ومهارات الملاحة. وخلال الأسابيع القليلة الماضية تحملت الكثير من الممازحات حول إمكانية ضياعها في شوارع المدينة.
- أشكر الجميع شكراً جزيلاً.
Page 4
ألقت جينا خطاباً صغيراً مؤثراً فيما أبقت نظراتها بعيداً عن ذلك الرجل الطويل الأسمر الذي يقف بعيداً قليلاً عن بقية الحشد. إلا أنها ظلت مدركة جداً لكل حركة يقوم بها هاري. انتبهت في أي لحظة بالتحديد شقت سوزان ريتشاردز طريقها متجهة نحوه، وكيف أن المرأة الأخرى تطاولت برأسها واقفة على أطراف أصابعها لكي تهمس شيئاً ما في أذنه. أحست بالسرور عندما بدأ الموظفون يندفعون راحلين إلى منازلهم بعد حوالى ساعة من الزمن. إنه أمر سيء بما يكفي أن يغرم المرء بشخص لا يبادله هذا الشعور، فما بالك إن كان عليه أن يبدو مشرقاً وسعيداً طيلة الوقت؟ جاهدت كي تكبح سيل الدموع المتدفق من عينيها، ولم يسهّل عليها الأمر رؤية موضوع عواطفها وهو يتلقى رفرفة أهداب امرأة شقراء لا شك في جاذبيتها وجمالها. شقت جينا طريقها إلى مكتبها لتأخذ ما تبقى من أغراضها وهي تشعر أنها أشبه بخرقة مبللة. جلست على كرسيها ونظرت في أرجاء الغرفة فيما انتابتها عواطف وأحاسيس لا تحتمل.
دخل دايف بعد لحظة وكان هاري في أعقابه. قال دايف وهو يهز رأسه: "قلت لك إنه ما كان عليك أن تتركينا. الجميع يقدرونك كثيراً هنا".
أجبرت جينا نفسها على الابتسام، وتدبرت أن تبقي صوتها خفيفاً وهي تقول: "إن العالم الكبير الواسع يوميء لي بالقدوم، إما الآن أو أبداً. وسيصعب علي قول الوداع دوماً".
مد دايف يده داخل جيبه، فأخرج علبة صغيرة مستطيلة الشكل مغلفة كهدية، ثم قال: "بما أننا نتكلم عن الموضوع... هذه هدية شخصية لأشكرك، عزيزتي. أنا لا أتملقك حين أقول لك إنك كنت أفضل سكرتيرة حظيت بها على الإطلاق. إنها الحقيقة. إذا وجدت أن لندن ليست ممتازة كما يجب أن تكون عليه تذكري أنك دوماً ستجدين لنفسك عملاً في شركة "بريدون وابنه" ".
بعد أن فتحت جينا غلاف الهدية حدقت مذهولة مفتونة بالساعة الذهبية الصغيرة الموجودة في العلبة، فقالت: "آه! إنها جميلة. أشكرك كثيراً. أنا لم أتوقع.."..
منعتها الكتلة الموجودة في حلقها من متابعة الحديث.
تكلم دايف وقد بدا منزعجاً بسبب إظهارها لمشاعرها فقال: "هاري اختارها".
دايف رجل فظ متواضع جداً من يوركشاير وهو يفتخر بذلك. قال: "فكرت أن أعطيك شيكاً فهو خيار عملي أكثر برأيي، لكن هاري اعتقد أنك ستحبين شيئاً يذكرك بالوقت الذي أمضيته هنا، وهو لاحظ أنك ما كنت ترتدين ساعة يدك خلال الأسابيع القليلة الماضية".
همست جينا: "ساعتي انكسرت".
وهو لاحظ ذلك! من الواضح أن دايف رغب بإنهاء ما اعتبره عدة لحظات محرجة بالنسبة له، فقال: "حسناً! ها نحن إذاً. لا تنسي أن تأتي بحثاً عنا عندما تعودين لزيارة والديك. اتفقنا عزيزتي؟ سوف أغادر الآن، فالسيدة برايتون وأنا خارجان لتناول العشاء هذه الليلة".
أضاف وهو ينظر إلى ابنه: "هلاّ أقفلت المكاتب، هاري؟ أنا توليت أمر المصنع قبل قليل".
- إلى اللقاء سيد بريدون.
نهضت جينا لتصافح رئيسها. إنه رجل من الطراز القديم ولا يحبذ اللياقات الاجتماعية كالتقبيل والمعانقة، لكنها بفعل الاندفاع الآني طبعت قبلة سريعة على خده المتجعد قبل أن تجلس من جديد. سعل دايف لينقي حلقه، ثم قال بعبوس قبل أن يختفي خارجاً من الباب: "إلى اللقاء، عزيزتي. اعتني بنفسك".
ساد السكون للحظات قليلة فيما رتبت جينا الأوراق القليلة المتبقية على مكتبها. أحست أن أعصابها وعضلاتها تصرخ مستغيثة، وأن الدماء تتسارع في عروقها. تصرفي ببرود! حافظي على هدوئك وطبعك العملي! لا تحرقي نفسك سدى. كنت تعلمين أن هذه اللحظة ستأتي. هذا صحيح، لكنها لم تتوقع أن يكونا بمفردهما عندما ستضطر إلى قول كلمات الوداع الأخير.
- لم أرَ سيارتك في موقعها العادي في موقف السيارات هذا الصباح.
دخل دايف بعد لحظة وكان هاري في أعقابه. قال دايف وهو يهز رأسه: "قلت لك إنه ما كان عليك أن تتركينا. الجميع يقدرونك كثيراً هنا".
أجبرت جينا نفسها على الابتسام، وتدبرت أن تبقي صوتها خفيفاً وهي تقول: "إن العالم الكبير الواسع يوميء لي بالقدوم، إما الآن أو أبداً. وسيصعب علي قول الوداع دوماً".
مد دايف يده داخل جيبه، فأخرج علبة صغيرة مستطيلة الشكل مغلفة كهدية، ثم قال: "بما أننا نتكلم عن الموضوع... هذه هدية شخصية لأشكرك، عزيزتي. أنا لا أتملقك حين أقول لك إنك كنت أفضل سكرتيرة حظيت بها على الإطلاق. إنها الحقيقة. إذا وجدت أن لندن ليست ممتازة كما يجب أن تكون عليه تذكري أنك دوماً ستجدين لنفسك عملاً في شركة "بريدون وابنه" ".
بعد أن فتحت جينا غلاف الهدية حدقت مذهولة مفتونة بالساعة الذهبية الصغيرة الموجودة في العلبة، فقالت: "آه! إنها جميلة. أشكرك كثيراً. أنا لم أتوقع.."..
منعتها الكتلة الموجودة في حلقها من متابعة الحديث.
تكلم دايف وقد بدا منزعجاً بسبب إظهارها لمشاعرها فقال: "هاري اختارها".
دايف رجل فظ متواضع جداً من يوركشاير وهو يفتخر بذلك. قال: "فكرت أن أعطيك شيكاً فهو خيار عملي أكثر برأيي، لكن هاري اعتقد أنك ستحبين شيئاً يذكرك بالوقت الذي أمضيته هنا، وهو لاحظ أنك ما كنت ترتدين ساعة يدك خلال الأسابيع القليلة الماضية".
همست جينا: "ساعتي انكسرت".
وهو لاحظ ذلك! من الواضح أن دايف رغب بإنهاء ما اعتبره عدة لحظات محرجة بالنسبة له، فقال: "حسناً! ها نحن إذاً. لا تنسي أن تأتي بحثاً عنا عندما تعودين لزيارة والديك. اتفقنا عزيزتي؟ سوف أغادر الآن، فالسيدة برايتون وأنا خارجان لتناول العشاء هذه الليلة".
أضاف وهو ينظر إلى ابنه: "هلاّ أقفلت المكاتب، هاري؟ أنا توليت أمر المصنع قبل قليل".
- إلى اللقاء سيد بريدون.
نهضت جينا لتصافح رئيسها. إنه رجل من الطراز القديم ولا يحبذ اللياقات الاجتماعية كالتقبيل والمعانقة، لكنها بفعل الاندفاع الآني طبعت قبلة سريعة على خده المتجعد قبل أن تجلس من جديد. سعل دايف لينقي حلقه، ثم قال بعبوس قبل أن يختفي خارجاً من الباب: "إلى اللقاء، عزيزتي. اعتني بنفسك".
ساد السكون للحظات قليلة فيما رتبت جينا الأوراق القليلة المتبقية على مكتبها. أحست أن أعصابها وعضلاتها تصرخ مستغيثة، وأن الدماء تتسارع في عروقها. تصرفي ببرود! حافظي على هدوئك وطبعك العملي! لا تحرقي نفسك سدى. كنت تعلمين أن هذه اللحظة ستأتي. هذا صحيح، لكنها لم تتوقع أن يكونا بمفردهما عندما ستضطر إلى قول كلمات الوداع الأخير.
- لم أرَ سيارتك في موقعها العادي في موقف السيارات هذا الصباح.
Page 5
رفعت جينا رأسها متفاجئة، فنظرت إليه بشكل مباشر لأول مرة منذ دخوله إلى الغرفة. نظر إليها هاري وهو يضع يديه في جيبي سرواله فيما فتح عينيه الرماديتين جزئياً فبدت تعابيرهما مبهمة. كانت جينا قد لاحظت مسبقاً قدرته على إخفاء يفكر به. لعل ذلك جزءاً لا يتجزأ من شخصيته التي جعلته ناجحاً جداً بقدراته الخاصة منذ أن غادر الجامعة ليعمل خارج البلاد. في البداية عمل هاري في ألمانيا ثم في النمسا وأخيراً في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى هنا. بعد أن ترك مركزاً رفيعاً جداً ذا راتب خيالي في سلسلة ضخمة من الشركات المنتجة للمواد الطبية في أميركا. وذلك حين عاد لمساعدة والده. علمت جينا هذا من دايف، أما هاري فلم يتحدث أبداً عن ماضيه. وحين كانت تطرح عليه الأسئلة الغريبة عن ماضيه، كان يرد بأجوبة مختصرة ذات كلمات من مقطع واحد. حاولت أن تستجمع أفكارها فصعب عليها ذلك فيما بدا هاري واقفاً أمامها وقد بدا رائعاً وسيماً إلى حد الخطيئة. قالت: "سيارتي؟ علمت أنني سأبدو متأثرة لمغادرتي اليوم فقررت القدوم بسيارة الأجرة".
لم يكن ذلك إلا جزءاً من الحقيقة. في الواقع هي لم تكن تعلم ما الذي ستشعر به حين تصبح معرفتها أنها لن تراه مجدداً حقيقة واقعية. استقام هاري في وقفته وقال: "ما من داع لذلك. سأوصلك إلى منزلك".
لا! لا! لا! رأت جينا سيارته من قبل، إنها سيارة رياضية رائعة، وهي تسير كالبرق المشحون. ستشعر أن الأمر إغواء ذو إطارات، لذا قالت: "شكراً. لكن ذلك ليس ضرورياً. نحن لن نذهب في الاتجاه نفسه كي توصلني".
ابتسم هاري، فتساءلت جينا إن كان يعلم أن تأثير ابتسامته مدمر على الجنس الآخر. على الأرجح أنه يعلم. فكرت بذلك بسخرية أليمة. تشدق هاري بتكاسل: "إنها أمسية ربيعية جميلة، ليس لدي ما أفعله، فأنا أملك كل الوقت الموجود في العالم".
- لا! حقاً. سأشعر بالسوء لجعلك تتحمل مثل هذا العناء.
مسح هاري جانباً رفضها اليائس، وقال: "أنا مصر".
- وأنا أصر على أن أستقل سيارة أجرة.
يمكنها أن تكون مصرة على رأيها مثله تماماً. سوف تعاني من الاذلال الشديد لأنها تكن له المشاعر هباء، لذا يستحق الأمر منها هذا الالحاح.
- لا تكوني سخيفة.
مشى هاري متجهاً نحوها، فربض على مكتبها كعادته، ثم رفع ذقنها فنظر إلى عينيها وقال برقة: "أنت تشعرين بالتوتر لمغادرتك، ولا عجب في ذلك. عملت هنا منذ الأزل، فمن غير الممكن أن أتخلى عنك لسيارة أجرة مجهولة الهوية".
لم تعجبها عبارة "منذ الأزل" مطلقاً. من تراه يظنها... ميتوسيلا من كتاب التاريخ؟ كما أنها مقتت نفسها بسبب انقباض كيانها بأكمله تحت وقع لمسته. حسناً! هو يقوم بهذا التصرف بشكل عابر مهما يكن. قالت له بتصلب: "أنت لا تتخلى عني. إنه خياري أنا".
- إنه خيار سيء.
انزلق هاري بعيداً عن المكتب، فمشى نحو الباب وفتحه قبل أن يستدير نحوها ويتابع: "وبالتالي هذا يبرر لي بالكامل أن أرفض خيارك. سوف أحضر معطفي".
صرخت جينا فيما اختفى خلف الباب: "هاري!"
لم يكن ذلك إلا جزءاً من الحقيقة. في الواقع هي لم تكن تعلم ما الذي ستشعر به حين تصبح معرفتها أنها لن تراه مجدداً حقيقة واقعية. استقام هاري في وقفته وقال: "ما من داع لذلك. سأوصلك إلى منزلك".
لا! لا! لا! رأت جينا سيارته من قبل، إنها سيارة رياضية رائعة، وهي تسير كالبرق المشحون. ستشعر أن الأمر إغواء ذو إطارات، لذا قالت: "شكراً. لكن ذلك ليس ضرورياً. نحن لن نذهب في الاتجاه نفسه كي توصلني".
ابتسم هاري، فتساءلت جينا إن كان يعلم أن تأثير ابتسامته مدمر على الجنس الآخر. على الأرجح أنه يعلم. فكرت بذلك بسخرية أليمة. تشدق هاري بتكاسل: "إنها أمسية ربيعية جميلة، ليس لدي ما أفعله، فأنا أملك كل الوقت الموجود في العالم".
- لا! حقاً. سأشعر بالسوء لجعلك تتحمل مثل هذا العناء.
مسح هاري جانباً رفضها اليائس، وقال: "أنا مصر".
- وأنا أصر على أن أستقل سيارة أجرة.
يمكنها أن تكون مصرة على رأيها مثله تماماً. سوف تعاني من الاذلال الشديد لأنها تكن له المشاعر هباء، لذا يستحق الأمر منها هذا الالحاح.
- لا تكوني سخيفة.
مشى هاري متجهاً نحوها، فربض على مكتبها كعادته، ثم رفع ذقنها فنظر إلى عينيها وقال برقة: "أنت تشعرين بالتوتر لمغادرتك، ولا عجب في ذلك. عملت هنا منذ الأزل، فمن غير الممكن أن أتخلى عنك لسيارة أجرة مجهولة الهوية".
لم تعجبها عبارة "منذ الأزل" مطلقاً. من تراه يظنها... ميتوسيلا من كتاب التاريخ؟ كما أنها مقتت نفسها بسبب انقباض كيانها بأكمله تحت وقع لمسته. حسناً! هو يقوم بهذا التصرف بشكل عابر مهما يكن. قالت له بتصلب: "أنت لا تتخلى عني. إنه خياري أنا".
- إنه خيار سيء.
انزلق هاري بعيداً عن المكتب، فمشى نحو الباب وفتحه قبل أن يستدير نحوها ويتابع: "وبالتالي هذا يبرر لي بالكامل أن أرفض خيارك. سوف أحضر معطفي".
صرخت جينا فيما اختفى خلف الباب: "هاري!"
Page 6
عاد وأبرز رأسه من الباب مبتسماً ليجيب: "نعم، جينا؟"
استسلمت وتذمرت بغير لباقة: "هذا سخيف!"
وخطير بالنسبة لها.
- ارتدي معطفك وكفي عن التذمر والتأفف.
عاد هاري بعد أقل من دقيقة، فتناول جهاز نظام الملاحة المتصل بالأقمار الصناعية الخاص بجينا، وحمله عنها عندما لاقته في المكتب الخارجي.
ناولته جينا مفاتيح المكتب الخاصة بها ومن ضمنها مفاتيح أدراج الملفات السرية، قائلة: "من الأفضل أن تأخذ مفاتيحي. كنت أنوي إعطائها لسوزان قبل قليل".
تابعت في سرها: لكنها كانت منشغلة جداً برفرفة أهدابها تجاهك، فلم تسنح لي الفرصة لأفعل.
وضع هاري المفاتيح في جيبه من دون تعليق. أزلقت جينا العلبة التي تحتوي على الساعة الذهبية داخل حقيبة يدها وهما يسيران متوجهين نحو المصعد. قالت له بهدوء: "أشكرك على اختيارك للساعة، هاري. إنها رائعة حقاً".
- يسرني ذلك.
حالما دخلا إلى المصعد المبطّن بالسجاد أضاف هاري قائلاً: "والدي عنى فعلاً ما قاله، كما تعلمين. الساعة هدية من كلينا. كنت رائعة في إدارة القلعة هنا عندما تعرض إلى الأزمة القلبية، كما أنك تحملت ساعات عمل إضافي لا متناهية عندما اضطررت إلى استجماع الأمور وفهم ما يجري في العمل مكان والدي. ما كان بمقدوري أن أنجح من دونك، جينا".
هذا تعذيب! ربما هو تعذيب استثنائي مميز، لكنه لا يقل عن التعذيب. قالت: "أي شخص في مكاني سيفعل الأمر نفسه".
تكلم هاري بصوت أعمق وقد استخدم نبرته المبهمة التي تتميز بوقع كالديناميت، فغمغم: "لا! ما كانوا سيفعلون ذلك. أنا... فقط رغبت أن أشكرك".
المصعد في الشركة كبير بما فيه الكفاية ليقل بسهولة اثني عشر شخصاً، لكنه فجأة بدا لجينا بالغ الصغر. اشتمت نفحة خفيفة لعطر ما بعد الحلاقة الخاص بهاري فتنشقتها بجشع. ثم تكلمت بنبرة سطحية وهي تستجمع كل قوة إرادتها المعتبرة فقالت: "ما من داعٍ لذلك، أنا بكل بساطة كنت أؤدي عملي، لكن من الجميل أن أعرف أن هنالك تقديراً لذلك".
أجبرت نفسها على الابتسام فيما انفتحت أبواب المصعد. خطت نحو صالة الاستقبال الصغيرة مطلقة تنهيدة ارتياح خفيفة. إنه مكان دافئ جداً وحميم جداً. أما السيارة فستكون أكثر سوءاً.
في الواقع، بعد أن استقرت جينا في المقعد المجاور للسائق وأغلقت الباب، بدأت كل خلية عصبية في جسدها تسجل وقع دخول هاري وانضمامه إليها داخل السيارة. لاحظت أن بطانة السيارة كلها من الجلد الأسود الفاخر وأنها ذات لوحة قيادة حديثة عالية التقنية، لكن ما جعلها تواجه صعوبة في ابتلاع ريقها هو ضيق السيارة المغلقة التي تحتجزهما. تكلمت بصوت يشبه الصرير: "إنها سيارة جميلة".
أدار هاري رأسه نحوها مبتسماً. بدا قريباً جداً منها إلى درجة أنها استطاعت أن ترى كل شعرة سوداء صغيرة في ذقنه بالرغم من خفوت ضوء النهار الذي شارف على نهايته. قال لها: "كنت أمتلك إحدى هذه السيارات في الولايات المتحدة، وأظنني اعتدت على قيادة السيارات السريعة".
ولا شك أنه اعتاد على العلاقات الغرامية السريعة، فلم تدم علاقته بأي من صديقاته الحميمات أكثر من خمس دقائق. أومأت جينا وقالت: "لا بد أنه كان من الصعب عليك أن تغادر أميركا".
- نعم، كان كذلك.
استسلمت وتذمرت بغير لباقة: "هذا سخيف!"
وخطير بالنسبة لها.
- ارتدي معطفك وكفي عن التذمر والتأفف.
عاد هاري بعد أقل من دقيقة، فتناول جهاز نظام الملاحة المتصل بالأقمار الصناعية الخاص بجينا، وحمله عنها عندما لاقته في المكتب الخارجي.
ناولته جينا مفاتيح المكتب الخاصة بها ومن ضمنها مفاتيح أدراج الملفات السرية، قائلة: "من الأفضل أن تأخذ مفاتيحي. كنت أنوي إعطائها لسوزان قبل قليل".
تابعت في سرها: لكنها كانت منشغلة جداً برفرفة أهدابها تجاهك، فلم تسنح لي الفرصة لأفعل.
وضع هاري المفاتيح في جيبه من دون تعليق. أزلقت جينا العلبة التي تحتوي على الساعة الذهبية داخل حقيبة يدها وهما يسيران متوجهين نحو المصعد. قالت له بهدوء: "أشكرك على اختيارك للساعة، هاري. إنها رائعة حقاً".
- يسرني ذلك.
حالما دخلا إلى المصعد المبطّن بالسجاد أضاف هاري قائلاً: "والدي عنى فعلاً ما قاله، كما تعلمين. الساعة هدية من كلينا. كنت رائعة في إدارة القلعة هنا عندما تعرض إلى الأزمة القلبية، كما أنك تحملت ساعات عمل إضافي لا متناهية عندما اضطررت إلى استجماع الأمور وفهم ما يجري في العمل مكان والدي. ما كان بمقدوري أن أنجح من دونك، جينا".
هذا تعذيب! ربما هو تعذيب استثنائي مميز، لكنه لا يقل عن التعذيب. قالت: "أي شخص في مكاني سيفعل الأمر نفسه".
تكلم هاري بصوت أعمق وقد استخدم نبرته المبهمة التي تتميز بوقع كالديناميت، فغمغم: "لا! ما كانوا سيفعلون ذلك. أنا... فقط رغبت أن أشكرك".
المصعد في الشركة كبير بما فيه الكفاية ليقل بسهولة اثني عشر شخصاً، لكنه فجأة بدا لجينا بالغ الصغر. اشتمت نفحة خفيفة لعطر ما بعد الحلاقة الخاص بهاري فتنشقتها بجشع. ثم تكلمت بنبرة سطحية وهي تستجمع كل قوة إرادتها المعتبرة فقالت: "ما من داعٍ لذلك، أنا بكل بساطة كنت أؤدي عملي، لكن من الجميل أن أعرف أن هنالك تقديراً لذلك".
أجبرت نفسها على الابتسام فيما انفتحت أبواب المصعد. خطت نحو صالة الاستقبال الصغيرة مطلقة تنهيدة ارتياح خفيفة. إنه مكان دافئ جداً وحميم جداً. أما السيارة فستكون أكثر سوءاً.
في الواقع، بعد أن استقرت جينا في المقعد المجاور للسائق وأغلقت الباب، بدأت كل خلية عصبية في جسدها تسجل وقع دخول هاري وانضمامه إليها داخل السيارة. لاحظت أن بطانة السيارة كلها من الجلد الأسود الفاخر وأنها ذات لوحة قيادة حديثة عالية التقنية، لكن ما جعلها تواجه صعوبة في ابتلاع ريقها هو ضيق السيارة المغلقة التي تحتجزهما. تكلمت بصوت يشبه الصرير: "إنها سيارة جميلة".
أدار هاري رأسه نحوها مبتسماً. بدا قريباً جداً منها إلى درجة أنها استطاعت أن ترى كل شعرة سوداء صغيرة في ذقنه بالرغم من خفوت ضوء النهار الذي شارف على نهايته. قال لها: "كنت أمتلك إحدى هذه السيارات في الولايات المتحدة، وأظنني اعتدت على قيادة السيارات السريعة".
ولا شك أنه اعتاد على العلاقات الغرامية السريعة، فلم تدم علاقته بأي من صديقاته الحميمات أكثر من خمس دقائق. أومأت جينا وقالت: "لا بد أنه كان من الصعب عليك أن تغادر أميركا".
- نعم، كان كذلك.
Page 7
شغّل المحرك قبل أن يستدير نحوها مجدداً، ثم تابع: "ما رأيك بتناول العشاء؟"
حدقت جينا به وهي تشعر الصدمة بكل ما في الكلمة من معنى. ردت كالببغاء: "تناول العشاء؟"
كرر ما قاله بصبر: "ألا ترغبين بتناول العشاء؟ إلا إذا كانت لديك مخططات أخرى أعتقد أنها طريقة لطيفة لإنهاء الوقت الذي أمضيته لدى شركة "بريدون وابنه". إنه عربون شكر صغير".
شعرت جينا بالارتباك والخدر بشكل يتعدى القياس، وأملت ألا يلحظ هاري ذلك. ردت قائلة: "لقد شكرتني للتو بتقديمك الساعة لي".
- ذاك شكر مشترك بيني وبين والدي. أما هذا فشكر مني فقط.
من الجنون أن توافق على عرضه. سوف تمضي الأمسية بأسرها محاولة إخفاء مشاعرها وهي تلعب دور الموظفة الودودة، في حين أنها تشعر بالوهن والضعف في ركبتيها لمجرد النظر إليه. لكنها لن تحظى أبداً بفرصة قضاء أمسية أخرى برفقته، هذا أمر أكيد. بعد يومين من تسوية بعض القضايا العالقة سوف تغادر إلى لندن. أقرت جينا بضعف: "مخططاتي الأخرى تقضي بتفريغ الخزائن من الأغراض ثم البدء بالتنظيف الربيعي للشقة، وهما أمران يمكنهما أن ينتظرا".
- جيد. سنتناول العشاء إذاً. هنالك مطعم إيطالي صغير لا يبعد كثيراً عن مكان إقامتي. هل تحبين الطعام الإيطالي؟
- أحبه كثيراً.
لم تكن جينا تظن أنها قد تتذوق أي طعام هذا الليلة بأي حال.
- سوف أتأكد إن كانت لديهم طاولة شاغرة.
أخرج هاري هاتفه النقّال وضغط على رقم ما قبل أن يقول: "روبيرتو!"
تكلم باللغة الإيطالية السريعة. لم تعلم جينا أنه قادر على التكلم بتلك اللغة، لكن ذلك لم يفاجئها. ابتسم لها هاري وقال: "لقد تم الأمر. الساعة الثامنة. هل تمانعين لو مررنا بمنزلي أولاً؟ أود أن أرتدي قميصاً نظيفة قبل ذهابنا".
منزله! سوف ترى أين يقيم. سوف تتمكن من تصوره هناك خلال الأسابيع والأشهر القادمة. على الأرجح أنها ليست فكرة جيدة، لكنها مشوقة ولا تقاوم. أومأت جينا وقالت: "حسناً!"
في اللحظة نفسها دبت الحياة في السيارة القوية فغادرا موقف السيارات بسرعة فائقة. نظرت إلى يديه الموضوعتين على عجلة القيادة. إنهما يدان كبيرتان قادرتان. ما الذي سيكون عليه شعورها لو أنهما لامستاها برقة و....
- ... والديك من حين إلى آخر.
- عذراً؟
أدركت جينا متأخرة جداً بأنه يوجه الكلام إليها، فيما كانت منغمسة في حلم خيالي صادم بقوته. تلونت وجنتاها باللون القرمزي، وهي صفة منحوسة ترافق شعرها الأحمر ووجهها الباهت ذا البشرة المليئة بالنمش. كذبت جينا قائلة: "كنت أفكر كم بدا الجميع لطفاء معي اليوم".
- بالطبع كانوا لطفاء، فأنت محبوبة جداً ومشهورة.
حدقت جينا به وهي تشعر الصدمة بكل ما في الكلمة من معنى. ردت كالببغاء: "تناول العشاء؟"
كرر ما قاله بصبر: "ألا ترغبين بتناول العشاء؟ إلا إذا كانت لديك مخططات أخرى أعتقد أنها طريقة لطيفة لإنهاء الوقت الذي أمضيته لدى شركة "بريدون وابنه". إنه عربون شكر صغير".
شعرت جينا بالارتباك والخدر بشكل يتعدى القياس، وأملت ألا يلحظ هاري ذلك. ردت قائلة: "لقد شكرتني للتو بتقديمك الساعة لي".
- ذاك شكر مشترك بيني وبين والدي. أما هذا فشكر مني فقط.
من الجنون أن توافق على عرضه. سوف تمضي الأمسية بأسرها محاولة إخفاء مشاعرها وهي تلعب دور الموظفة الودودة، في حين أنها تشعر بالوهن والضعف في ركبتيها لمجرد النظر إليه. لكنها لن تحظى أبداً بفرصة قضاء أمسية أخرى برفقته، هذا أمر أكيد. بعد يومين من تسوية بعض القضايا العالقة سوف تغادر إلى لندن. أقرت جينا بضعف: "مخططاتي الأخرى تقضي بتفريغ الخزائن من الأغراض ثم البدء بالتنظيف الربيعي للشقة، وهما أمران يمكنهما أن ينتظرا".
- جيد. سنتناول العشاء إذاً. هنالك مطعم إيطالي صغير لا يبعد كثيراً عن مكان إقامتي. هل تحبين الطعام الإيطالي؟
- أحبه كثيراً.
لم تكن جينا تظن أنها قد تتذوق أي طعام هذا الليلة بأي حال.
- سوف أتأكد إن كانت لديهم طاولة شاغرة.
أخرج هاري هاتفه النقّال وضغط على رقم ما قبل أن يقول: "روبيرتو!"
تكلم باللغة الإيطالية السريعة. لم تعلم جينا أنه قادر على التكلم بتلك اللغة، لكن ذلك لم يفاجئها. ابتسم لها هاري وقال: "لقد تم الأمر. الساعة الثامنة. هل تمانعين لو مررنا بمنزلي أولاً؟ أود أن أرتدي قميصاً نظيفة قبل ذهابنا".
منزله! سوف ترى أين يقيم. سوف تتمكن من تصوره هناك خلال الأسابيع والأشهر القادمة. على الأرجح أنها ليست فكرة جيدة، لكنها مشوقة ولا تقاوم. أومأت جينا وقالت: "حسناً!"
في اللحظة نفسها دبت الحياة في السيارة القوية فغادرا موقف السيارات بسرعة فائقة. نظرت إلى يديه الموضوعتين على عجلة القيادة. إنهما يدان كبيرتان قادرتان. ما الذي سيكون عليه شعورها لو أنهما لامستاها برقة و....
- ... والديك من حين إلى آخر.
- عذراً؟
أدركت جينا متأخرة جداً بأنه يوجه الكلام إليها، فيما كانت منغمسة في حلم خيالي صادم بقوته. تلونت وجنتاها باللون القرمزي، وهي صفة منحوسة ترافق شعرها الأحمر ووجهها الباهت ذا البشرة المليئة بالنمش. كذبت جينا قائلة: "كنت أفكر كم بدا الجميع لطفاء معي اليوم".
- بالطبع كانوا لطفاء، فأنت محبوبة جداً ومشهورة.
Page 8
إنها لا ترغب في أن تكون محبوبة أو مشهورة. بل رغبت أن تكون حورية نحيلة أنيقة ذات شعر أشقر طويل وعينين ساحرتين. أي ذاك النوع من النساء الذي قد يأسر قلب هاري.
تابع هاري كلامه بسهولة قائلاً: "كنت فقط أقول إنه يجدر بنا أن نبقى على اتصال، يمكننا أن نتناول الغداء سوياً من حين إلى آخر عندما تأتين لزيارة والديك. أنا أعتبرك صديقة، جينا. آمل أنك تعلمين ذلك".
- وأنا أعتبرك كذلك أيضاً.
وجهت له جينا ابتسامة مشرقة فيما فكرت أنه سوف ينسى أمر وجودها خلال أيام قليلة. قد يحصل ذلك على الأرجح مع حلول وقت استيقاظه صباح غد. هاري ليس من صنف الرجال الذين يتخذون صديقات لهم من النساء. فالنساء هن نساء فقط بالنسبة إليه.
بدأ الشفق الربيعي البارد يحيد تماماً مفسحاً المجال لظلال الليل بأن تسيطر، وذلك حين أدار هاري السيارة خارج الشارع الريفي الذي كانا يسيران عليه لبعض الوقت، فعبر بوابات حديدية منمقة إلى مدخل منزل مرصوف بالحصى الصغيرة. فوجئت جينا لهذه المسافة التي قطعاها، فهي لم تدرك من قبل أن منزل هاري بعيد جداً عن شركة "بريدون وابنه". افترضت أنه استقر في مكان ما بالقرب من منزل والديه. التف الطريق المؤدي إلى منزله قليلاً بين الأشجار الباسقة الدائمة الاخضرار والأجمات التي عملت بشكل فعال على إخفاء البناء عن الطريق العام. فجأة أصبحت الطريق محاطة من كلا الجانبين بمروج خضراء واسعة الامتداد، وما لبث أن ظهر المنزل أمامهما. لم تكن جينا تعلم ما الذي تتوقعه. لعله منزل عصري أو منزل شبيه بقصور الأمراء يعود إلى بداية القرن. لكنها فوجئت بأن الكوخ المسقوف بالقش الذي يشبه الصور في الحكايات الرائعة لا ينتمي إلى أي من هذين الصنفين.
- أهذا هو منزلك؟
سألت جينا ما هو بديهي واضح، لكن لم يبدُ أن هاري لاحظ ذلك، فسألها بشكل عابر: "أيعجبك؟"
فيما ركن السيارة في الفسحة الشبيهة بنضوة الحصان الواقعة أمام المنزل. هل أعجبها؟ كيف يمكن لأي شخص ألا يعجب به؟ الجدران البيضاء للكوخ ذي الطابقين والنوافذ التقليدية يعلوها سقف هرمي مائل من القش تبرز منه نوافذ عمودية من الطراز القوطي. برز السقف ليشكل شرفة دائرية مدعومة على جذوع أشجار عتيقة ذات عقد، حيث وضعت طاولة وكراسي جاهزة لأمسيات الصيف. كما ازدان السياج المحيط بالباب الذي تعلوه قنطرة بالورود المتنوعة. أما نبات اللبلاب الأحمر والأخضر فغطّى جدران الشرفة. هذا هو المنزل المثالي الذي تحلم به، فهو الكوخ الإنكليزي الريفي التقليدي الكامل. رؤيته أفقدت جينا القدرة على الكلام. إنه آخر مكان على الإطلاق كانت لتتوقع بأن يشتريه هاري، وهذا حتماً ليس مكاناً ملائماً لرجل أعزب. لم تعد واثقة إن كان هاري قد خمَّن ما تفكر به أم أن تعابير وجهها فضحتها، لكنه تشدق في اللحظة التالية قائلاً: "كنت أمتلك في الولايات المتحدة منزلاً عصرياً من الفولاذ غير القابل للصدأ يلائم عصر الفضاء ويطل على المحيط، فأحببت التغيير".
- إنه رائع!
فتح باب السيارة وهو يكلمها، وما إن ظهر إلى جانبها حتى يساعدها لتخرج من المقعد المجاور للسائق. كررت جينا قائلة: "إنه رائع. إنه كوخ حقيقي يشبه أكواخ القصص الخيالية. أكاد أتوقع أن تظهر ذات الشعر الذهبي والدببة الثلاثة في أي لحظة".
راودها انطباع بأن هاري لم يقدّر دهشتها لاختياره هذا المنزل. هزّ كتفيه وقال: "إنه مكان أستريح فيه لبعض الوقت. أنا لا أنوي ترسيخ جذوري هنا".
هو لا يريدها أن تفترض بأن هنالك أي خطر في أن يصبح رجل عائلة في المستقبل. على أي حال هي لا تفترض ذلك أصلاً. قالت له بحذر وهما يسيران باتجاه الباب: "ألهذا السبب كَثُرَت أسفارك في الماضي؟"
- أظن ذلك.
تابع هاري كلامه بسهولة قائلاً: "كنت فقط أقول إنه يجدر بنا أن نبقى على اتصال، يمكننا أن نتناول الغداء سوياً من حين إلى آخر عندما تأتين لزيارة والديك. أنا أعتبرك صديقة، جينا. آمل أنك تعلمين ذلك".
- وأنا أعتبرك كذلك أيضاً.
وجهت له جينا ابتسامة مشرقة فيما فكرت أنه سوف ينسى أمر وجودها خلال أيام قليلة. قد يحصل ذلك على الأرجح مع حلول وقت استيقاظه صباح غد. هاري ليس من صنف الرجال الذين يتخذون صديقات لهم من النساء. فالنساء هن نساء فقط بالنسبة إليه.
بدأ الشفق الربيعي البارد يحيد تماماً مفسحاً المجال لظلال الليل بأن تسيطر، وذلك حين أدار هاري السيارة خارج الشارع الريفي الذي كانا يسيران عليه لبعض الوقت، فعبر بوابات حديدية منمقة إلى مدخل منزل مرصوف بالحصى الصغيرة. فوجئت جينا لهذه المسافة التي قطعاها، فهي لم تدرك من قبل أن منزل هاري بعيد جداً عن شركة "بريدون وابنه". افترضت أنه استقر في مكان ما بالقرب من منزل والديه. التف الطريق المؤدي إلى منزله قليلاً بين الأشجار الباسقة الدائمة الاخضرار والأجمات التي عملت بشكل فعال على إخفاء البناء عن الطريق العام. فجأة أصبحت الطريق محاطة من كلا الجانبين بمروج خضراء واسعة الامتداد، وما لبث أن ظهر المنزل أمامهما. لم تكن جينا تعلم ما الذي تتوقعه. لعله منزل عصري أو منزل شبيه بقصور الأمراء يعود إلى بداية القرن. لكنها فوجئت بأن الكوخ المسقوف بالقش الذي يشبه الصور في الحكايات الرائعة لا ينتمي إلى أي من هذين الصنفين.
- أهذا هو منزلك؟
سألت جينا ما هو بديهي واضح، لكن لم يبدُ أن هاري لاحظ ذلك، فسألها بشكل عابر: "أيعجبك؟"
فيما ركن السيارة في الفسحة الشبيهة بنضوة الحصان الواقعة أمام المنزل. هل أعجبها؟ كيف يمكن لأي شخص ألا يعجب به؟ الجدران البيضاء للكوخ ذي الطابقين والنوافذ التقليدية يعلوها سقف هرمي مائل من القش تبرز منه نوافذ عمودية من الطراز القوطي. برز السقف ليشكل شرفة دائرية مدعومة على جذوع أشجار عتيقة ذات عقد، حيث وضعت طاولة وكراسي جاهزة لأمسيات الصيف. كما ازدان السياج المحيط بالباب الذي تعلوه قنطرة بالورود المتنوعة. أما نبات اللبلاب الأحمر والأخضر فغطّى جدران الشرفة. هذا هو المنزل المثالي الذي تحلم به، فهو الكوخ الإنكليزي الريفي التقليدي الكامل. رؤيته أفقدت جينا القدرة على الكلام. إنه آخر مكان على الإطلاق كانت لتتوقع بأن يشتريه هاري، وهذا حتماً ليس مكاناً ملائماً لرجل أعزب. لم تعد واثقة إن كان هاري قد خمَّن ما تفكر به أم أن تعابير وجهها فضحتها، لكنه تشدق في اللحظة التالية قائلاً: "كنت أمتلك في الولايات المتحدة منزلاً عصرياً من الفولاذ غير القابل للصدأ يلائم عصر الفضاء ويطل على المحيط، فأحببت التغيير".
- إنه رائع!
فتح باب السيارة وهو يكلمها، وما إن ظهر إلى جانبها حتى يساعدها لتخرج من المقعد المجاور للسائق. كررت جينا قائلة: "إنه رائع. إنه كوخ حقيقي يشبه أكواخ القصص الخيالية. أكاد أتوقع أن تظهر ذات الشعر الذهبي والدببة الثلاثة في أي لحظة".
راودها انطباع بأن هاري لم يقدّر دهشتها لاختياره هذا المنزل. هزّ كتفيه وقال: "إنه مكان أستريح فيه لبعض الوقت. أنا لا أنوي ترسيخ جذوري هنا".
هو لا يريدها أن تفترض بأن هنالك أي خطر في أن يصبح رجل عائلة في المستقبل. على أي حال هي لا تفترض ذلك أصلاً. قالت له بحذر وهما يسيران باتجاه الباب: "ألهذا السبب كَثُرَت أسفارك في الماضي؟"
- أظن ذلك.
Page 9
حدقت جينا به وقالت: "والدك يأمل أن تستلم شركة العائلة في مرحلة ما. أليس كذلك؟"
- ذلك ليس أبداً ضمن مخططاتي.
فتح هاري الباب ثم وقف جانباً، فتقدمته جينا إلى داخل البهو المريح الواسع. بدا بوضوح أن الأرضية المغطاة بالألواح الخشبية جُدِدت وطُليت بشكل محبب، فانعكست تدرجات ألوانها المعتقة على الجدران المطلية باللون العسلي والمزينة ببعض النقوش الغريبة.
- وافقت على القدوم إلى هنا لمساعدة والدي خلال السنوات القليلة المقبلة. وذلك لأريحه وأسهل عليه عملية التخلي عن ارتباطاته وإجراء عملية البيع عندما يحين الوقت لذلك. لكن هذا كل ما في الأمر.
- فهمت.
هي لم تفهم حقاً لكن الأمر ليس من شأنها، فتابعت: "إذاً سوف تعود إلى أميركا في مرحلة ما؟"
مجدداً هزّ هاري كتفيه وقال: "الولايات المتحدة، ألمانيا، وربما حتى أستراليا. لست واثقاً. استثمرت مبلغاً كبيراً من المال الذي كسبته خلال السنوات الأخيرة الماضية في البورصة المالية وما شابه. لست في الواقع بحاجة لأن أعمل، لكنني سأفعل ذلك أنا أحب التحدي".
هذا أطول تصريح سمعت هاري يقوله عن نفسه. تاقت جينا لأن تسأل المزيد لكن سرعان ما أطبقت على وجهه نظرة مغلقة، لذا غيرت الموضوع قائلة: "كل شيء يبدو بالغ النظافة وخالياً من الغبار. ألديك عاملة تنظيف تتردد إلى المنزل؟"
- أتعنين أن الرجال غير قادرين على تنظيف المنزل بأنفسهم؟ تلك مزحة عنصرية. أليست كذلك؟
ابتسم لها هاري وهو يتقدمها ليرشدها إلى ما بدا أنها غرفة جلوس، ففتح الباب على غرفة واسعة يتوسطها موقد حجري مفتوح مدهش. فرشت على الأرضية الخشبية سجادات ذات نوعية جيدة أما الأرائك والكراسي فبدت ناعمة ووثيرة. أقر من دون أي أسف: "مع ذلك أنت محقة. فالسيدة روثمان تأتي ثلاث مرات في الأسبوع وتؤدي كل المهام، بدءاً من تلميع زجاج المصابيح الكهربائية وصولاً إلى الغسل والكي. إنها امرأة نشيطة جداً".
سألته جينا فيما أشار لها هاري لتجلس على المقعد: "وهل تحضر لك وجبات طعامك؟"
- لا، أبداً! أنا طاه بارع، إذا كان يسمح لي أن أقول هذا عن نفسي، فضلاً عن ذلك أنا أحب أن آكل ما أريده ساعة أريد. أترغبين بتناول كوب من العصير فيما تنتظرينني؟
- لا بأس بذلك.
نظرت جينا إلى الموقد الحجري فيما اختفى هاري في المطبخ. ما زالت هنالك في الموقد بقايا نار، فيما كدس الكثير من الحطب داخل جدران الموقد الواسعة المغلقة. تصورته وهو يجلس هنا خلال الأمسيات الباردة وهو يرتشف فنجاناً من القهوة فيما يحدق بلهب النار الوامض. أحست أن قلبها ينتزع بقوة منها ما حذرها أنه يجدر بها أن تبقي أفكارها تحت السيطرة، فلا تسهب متمعنة في التفكير بامرأة شقراء مستلقية على سجادة ما أمام الموقد، فيما يدللها هاري ويغازلها.
- إنه عصير التوت البري.
أُخرِجَت جينا من معاناتها الذهنية مع عودة هاري وهو يحمل بيده كوباً كبيراً من عصير التوت البري الغامق اللون. تناولته جينا بابتسامة مشككة. لا بد أن الكوب يتسع لحوالى نصف زجاجة عصير. أما هي فكانت منشغلة جداً أثناء الحفلة، فلم تتناول أياً من المقرمشات الوفيرة الموضوعة على الطاولات كما أنها لم تتناول الغداء.
أشار هاري بيده نحو إحدى الطاولات الموضوعة في آخر الغرفة فقال: "لن أتأخر. هنالك بعض المجلات على تلك الطاولة وإلى جانبها بعض المكسرات والزيتون. قومي بخدمة نفسك".
- أشكرك.
- ذلك ليس أبداً ضمن مخططاتي.
فتح هاري الباب ثم وقف جانباً، فتقدمته جينا إلى داخل البهو المريح الواسع. بدا بوضوح أن الأرضية المغطاة بالألواح الخشبية جُدِدت وطُليت بشكل محبب، فانعكست تدرجات ألوانها المعتقة على الجدران المطلية باللون العسلي والمزينة ببعض النقوش الغريبة.
- وافقت على القدوم إلى هنا لمساعدة والدي خلال السنوات القليلة المقبلة. وذلك لأريحه وأسهل عليه عملية التخلي عن ارتباطاته وإجراء عملية البيع عندما يحين الوقت لذلك. لكن هذا كل ما في الأمر.
- فهمت.
هي لم تفهم حقاً لكن الأمر ليس من شأنها، فتابعت: "إذاً سوف تعود إلى أميركا في مرحلة ما؟"
مجدداً هزّ هاري كتفيه وقال: "الولايات المتحدة، ألمانيا، وربما حتى أستراليا. لست واثقاً. استثمرت مبلغاً كبيراً من المال الذي كسبته خلال السنوات الأخيرة الماضية في البورصة المالية وما شابه. لست في الواقع بحاجة لأن أعمل، لكنني سأفعل ذلك أنا أحب التحدي".
هذا أطول تصريح سمعت هاري يقوله عن نفسه. تاقت جينا لأن تسأل المزيد لكن سرعان ما أطبقت على وجهه نظرة مغلقة، لذا غيرت الموضوع قائلة: "كل شيء يبدو بالغ النظافة وخالياً من الغبار. ألديك عاملة تنظيف تتردد إلى المنزل؟"
- أتعنين أن الرجال غير قادرين على تنظيف المنزل بأنفسهم؟ تلك مزحة عنصرية. أليست كذلك؟
ابتسم لها هاري وهو يتقدمها ليرشدها إلى ما بدا أنها غرفة جلوس، ففتح الباب على غرفة واسعة يتوسطها موقد حجري مفتوح مدهش. فرشت على الأرضية الخشبية سجادات ذات نوعية جيدة أما الأرائك والكراسي فبدت ناعمة ووثيرة. أقر من دون أي أسف: "مع ذلك أنت محقة. فالسيدة روثمان تأتي ثلاث مرات في الأسبوع وتؤدي كل المهام، بدءاً من تلميع زجاج المصابيح الكهربائية وصولاً إلى الغسل والكي. إنها امرأة نشيطة جداً".
سألته جينا فيما أشار لها هاري لتجلس على المقعد: "وهل تحضر لك وجبات طعامك؟"
- لا، أبداً! أنا طاه بارع، إذا كان يسمح لي أن أقول هذا عن نفسي، فضلاً عن ذلك أنا أحب أن آكل ما أريده ساعة أريد. أترغبين بتناول كوب من العصير فيما تنتظرينني؟
- لا بأس بذلك.
نظرت جينا إلى الموقد الحجري فيما اختفى هاري في المطبخ. ما زالت هنالك في الموقد بقايا نار، فيما كدس الكثير من الحطب داخل جدران الموقد الواسعة المغلقة. تصورته وهو يجلس هنا خلال الأمسيات الباردة وهو يرتشف فنجاناً من القهوة فيما يحدق بلهب النار الوامض. أحست أن قلبها ينتزع بقوة منها ما حذرها أنه يجدر بها أن تبقي أفكارها تحت السيطرة، فلا تسهب متمعنة في التفكير بامرأة شقراء مستلقية على سجادة ما أمام الموقد، فيما يدللها هاري ويغازلها.
- إنه عصير التوت البري.
أُخرِجَت جينا من معاناتها الذهنية مع عودة هاري وهو يحمل بيده كوباً كبيراً من عصير التوت البري الغامق اللون. تناولته جينا بابتسامة مشككة. لا بد أن الكوب يتسع لحوالى نصف زجاجة عصير. أما هي فكانت منشغلة جداً أثناء الحفلة، فلم تتناول أياً من المقرمشات الوفيرة الموضوعة على الطاولات كما أنها لم تتناول الغداء.
أشار هاري بيده نحو إحدى الطاولات الموضوعة في آخر الغرفة فقال: "لن أتأخر. هنالك بعض المجلات على تلك الطاولة وإلى جانبها بعض المكسرات والزيتون. قومي بخدمة نفسك".
- أشكرك.
Page 10
حالما غادر هاري مجدداً سارت مسرعة عبر الغرفة وانغمست في طاس المكسّرات، بعد أن قررت أنها ستقلق بشأن السعرات الحرارية الزائدة يوم غد. أما الليلة فهي بحاجة لأن تكون متحكمة تماماً بأحاسيسها. زلة واحدة، نظرة واحدة ويحزر هاري ما تشعر به تجاهه، أما هي فسوف تموت خجلاً.
استعادت جينا كوب العصير الخاص بها فارتشفت منه وهي تتجول في الغرفة. إنه غني، غامق اللون، مشبع بنكهة الفاكهة. إنه رائع، تماماً مثل هاري. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الأثرية الضخمة الموضوعة فوق الموقد. الإضاءة الخفيفة في الغرفة جعلت شعرها يبدو ذهبي اللون، فامتزج نمشها ذا لون الزنجبيل الباهت بوهج عسلي طاغ. ومع ذلك فالإضاءة لم تفعل شيئاً لأنفها الصغير الأفطس عبست جينا لانعكاس صورتها في المرآة، وقد اسودت عيناها الزرقاوان انزعاجاً وغضباً. لهذا السبب لم يغازلها هاري أبداً. لكم تاقت جينا لأن تكون امرأة قاتلة بجمالها: طويلة، نحيلة، أنيقة... وليست ذات جسم ممتلئ ووركين كبيرين. حتى والدتها أجبرت على أن تقر بأن جينا "ذات جسم ممتلئ جميل". ما يعني بعبارات قد يستخدمها بقية الناس أنها فتاة سمينة. بعد أن حدقت جينا في انعكاس صورتها لدقيقة كاملة، مشت نحو النافذة فنظرت إلى الخارج عبر الأراضي المحيطة بخلفية الكوخ، فيما أنهت كوب العصير اللذيذ.
- لا يمكنك أن تشاهدي الكثير هذه الليلة.
لا بد أن هاري تسلل إلى الغرفة خلسة لأن جينا لم تسمعه وهو يدخل. شعرت بالسرور لعدم وجود بقية من العصير في الكوب، لأن الشراب كان لينسكب على فستانها بسبب الإجفال الذي أصابها مع وصول هاري خلفها. استمر هاري بالوقوف خلفها فيما وضع يديه بشكل رخو على خصرها وهو يقول: "هناك بركة سباحة إلى اليسار خلف شجرة الكستناء الكبيرة تلك، لكن الظلام حل الآن ولا يمكن رؤيتها، بالإضافة إلى ملعب للتنس. هل أنت رياضية؟"
رياضية؟ لم تعد جينا تعلم ما هي عليه وهو يمسكها بهذا الشكل. بعد أن استجمعت ما تبقى من عملية التفكير لديها، تمكنت أن تقول متلعثمة: "أنا أسبح قليلاً".
لم تضف جينا أنها لعبت التنس لسنوات، لأنه بغض النظر عما ستقوله وسواء كانت رياضية أم لا فذلك لن يوقف أعصابها عن الاهتزاز بجنون.
- يجدر بك أن تأتي للسباحة هنا خلال فصل الصيف، إذا كنت في هذا الجزء من الغابة.
ذلك ليس خياراً بالنسبة إليها على الإطلاق لكنها قالت: "ذلك سيكون رائعاً".
- إذا كنت مستعدة يمكننا أن نذهب.
أحست جينا بالارتياح الغامر عندما أفلتها هاري، كما أحست أنها فاقدة الأمل. وحين استدارت لتواجهه لم يساعد ذلك توازنها المرتعش البتة. من الواضح أن هاري أخذ حماماً سريعاً فضلاً عن تبديل ملابسه، أما شعره الأسود فما يزال رطباً ومشعثاً. فجأة بدا لها مختلفاً تماماً عن هاري المرتب المنمق الذي عرفته خلال ساعات العمل. أما القميص السوداء ذات القبة المفتوحة مع السروال الأسود غير الرسمي فهما إضافة رائعة إلى هذا التحول. عندما يرتدي هاري البذلات الرسمية من مصمم شهير مع القمصان وربطات العنق فهو يبدو رائعاً يسلب الأنفاس. أما الآن فبدا ذا وسامة لا تحتمل. إنه يتمتع بما يكفي من الجاذبية لإحداث خلل في دوران الأرض. تحكمت جينا بسرعة باندفاع مشاعر الحب التي انتابتها، ودهشت لأن ذلك لم يظهر عليها فيما ناولته الكوب الفارغ ومشت باتجاه الأريكة حيث وضعت حقيبة يدها وسترتها.
قالت له من فوق كتفها: "هذا لطف من قبلك هاري. لم يكن بانتظاري في الشقة ما هو أكثر إثارة من الفاصوليا والخبز المحمص".
- يسرني ذلك.
فكرت بتهكم، بل يسرها هي لو أعطيت أقل تشجيع من قبله. إنها لم تشعر أبداً بمثل هذا الأحاسيس تجاه أي من أصدقائها الشبان في ما مضى. كانت قد بدأت تتساءل إذا كان هنالك خطب ما بها، لكن دخول هاري إلى حياتها أوضح لها الأمر. لم يتطلب الأمر إلا أن تفكر به حتى تشعر باندفاع الأحاسيس المهتاجة بشكل محرج. تناول هاري السترة من يدها فساعدها على ارتدائها بابتسامة دافئة. إنها ممتنة جداً بغير حدود لأنه غير قادر على قراءة ما يجول في ذهنها. استنشقت نفساً عميقاً، وسارت برشاقة ونشاط خارج الغرفة.
استعادت جينا كوب العصير الخاص بها فارتشفت منه وهي تتجول في الغرفة. إنه غني، غامق اللون، مشبع بنكهة الفاكهة. إنه رائع، تماماً مثل هاري. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الأثرية الضخمة الموضوعة فوق الموقد. الإضاءة الخفيفة في الغرفة جعلت شعرها يبدو ذهبي اللون، فامتزج نمشها ذا لون الزنجبيل الباهت بوهج عسلي طاغ. ومع ذلك فالإضاءة لم تفعل شيئاً لأنفها الصغير الأفطس عبست جينا لانعكاس صورتها في المرآة، وقد اسودت عيناها الزرقاوان انزعاجاً وغضباً. لهذا السبب لم يغازلها هاري أبداً. لكم تاقت جينا لأن تكون امرأة قاتلة بجمالها: طويلة، نحيلة، أنيقة... وليست ذات جسم ممتلئ ووركين كبيرين. حتى والدتها أجبرت على أن تقر بأن جينا "ذات جسم ممتلئ جميل". ما يعني بعبارات قد يستخدمها بقية الناس أنها فتاة سمينة. بعد أن حدقت جينا في انعكاس صورتها لدقيقة كاملة، مشت نحو النافذة فنظرت إلى الخارج عبر الأراضي المحيطة بخلفية الكوخ، فيما أنهت كوب العصير اللذيذ.
- لا يمكنك أن تشاهدي الكثير هذه الليلة.
لا بد أن هاري تسلل إلى الغرفة خلسة لأن جينا لم تسمعه وهو يدخل. شعرت بالسرور لعدم وجود بقية من العصير في الكوب، لأن الشراب كان لينسكب على فستانها بسبب الإجفال الذي أصابها مع وصول هاري خلفها. استمر هاري بالوقوف خلفها فيما وضع يديه بشكل رخو على خصرها وهو يقول: "هناك بركة سباحة إلى اليسار خلف شجرة الكستناء الكبيرة تلك، لكن الظلام حل الآن ولا يمكن رؤيتها، بالإضافة إلى ملعب للتنس. هل أنت رياضية؟"
رياضية؟ لم تعد جينا تعلم ما هي عليه وهو يمسكها بهذا الشكل. بعد أن استجمعت ما تبقى من عملية التفكير لديها، تمكنت أن تقول متلعثمة: "أنا أسبح قليلاً".
لم تضف جينا أنها لعبت التنس لسنوات، لأنه بغض النظر عما ستقوله وسواء كانت رياضية أم لا فذلك لن يوقف أعصابها عن الاهتزاز بجنون.
- يجدر بك أن تأتي للسباحة هنا خلال فصل الصيف، إذا كنت في هذا الجزء من الغابة.
ذلك ليس خياراً بالنسبة إليها على الإطلاق لكنها قالت: "ذلك سيكون رائعاً".
- إذا كنت مستعدة يمكننا أن نذهب.
أحست جينا بالارتياح الغامر عندما أفلتها هاري، كما أحست أنها فاقدة الأمل. وحين استدارت لتواجهه لم يساعد ذلك توازنها المرتعش البتة. من الواضح أن هاري أخذ حماماً سريعاً فضلاً عن تبديل ملابسه، أما شعره الأسود فما يزال رطباً ومشعثاً. فجأة بدا لها مختلفاً تماماً عن هاري المرتب المنمق الذي عرفته خلال ساعات العمل. أما القميص السوداء ذات القبة المفتوحة مع السروال الأسود غير الرسمي فهما إضافة رائعة إلى هذا التحول. عندما يرتدي هاري البذلات الرسمية من مصمم شهير مع القمصان وربطات العنق فهو يبدو رائعاً يسلب الأنفاس. أما الآن فبدا ذا وسامة لا تحتمل. إنه يتمتع بما يكفي من الجاذبية لإحداث خلل في دوران الأرض. تحكمت جينا بسرعة باندفاع مشاعر الحب التي انتابتها، ودهشت لأن ذلك لم يظهر عليها فيما ناولته الكوب الفارغ ومشت باتجاه الأريكة حيث وضعت حقيبة يدها وسترتها.
قالت له من فوق كتفها: "هذا لطف من قبلك هاري. لم يكن بانتظاري في الشقة ما هو أكثر إثارة من الفاصوليا والخبز المحمص".
- يسرني ذلك.
فكرت بتهكم، بل يسرها هي لو أعطيت أقل تشجيع من قبله. إنها لم تشعر أبداً بمثل هذا الأحاسيس تجاه أي من أصدقائها الشبان في ما مضى. كانت قد بدأت تتساءل إذا كان هنالك خطب ما بها، لكن دخول هاري إلى حياتها أوضح لها الأمر. لم يتطلب الأمر إلا أن تفكر به حتى تشعر باندفاع الأحاسيس المهتاجة بشكل محرج. تناول هاري السترة من يدها فساعدها على ارتدائها بابتسامة دافئة. إنها ممتنة جداً بغير حدود لأنه غير قادر على قراءة ما يجول في ذهنها. استنشقت نفساً عميقاً، وسارت برشاقة ونشاط خارج الغرفة.