eKtab
EN ع
حلم وردي فاتح اللون
Read free sample

حلم وردي فاتح اللون

by ميسلون هادي

Page 1
( 1 )
 
في رأسي أتكوّن من جديد كل مساء نفساً أخرى جديدة، بعد أن أُحاسب الأولى على ذنوبها وأخطائها، ثم أطويها في خلوة الليل فوق آلاف النفوس التي تنام معي كل يوم·· وعندما أستيقط أحياناً، من دون التجدد إلى النفس الجديدة التي يرتاح لها العقل جازماً بالصحيح من الخاطئ، يهتف القلب بأنني كاذبة، لأن الشيء الصحيح سنعرفه في اللحظة نفسها التي نفعل فيها الشيء الصحيح· أقول له: يا قلب، صدقني هذه المرة أني قد انتظرت طويلاً وأنا لا أعرف إنْ كنت قد فعلت الشيء الصحيح فيضحك ويقول إنكِ سألت هذا السؤال مئة مرة من قبل، وبعض الصحيح نقوم به دون سؤال، فدعي جانباً الأسئلة التي يجب أن تبقى بلا جواب
 
الباب العالي للبيت المقابل مفتوح على غير العادة، وثمة أطفال يلهون على مقربة منه، ونساء ممتلئات القوام يدخلن إلى البيت دونما حاجة إلى قرع الجرس أو التريّث قليلاً قبل فتح الباب·· وتحت السماء يمر الغيم خفيفاً، ثم يذوب وينسحب فيترك خلفه شمساً دافقة ترقص لها أغصان الياس المزروع على شكل قوس يحيط بالباب·· كان يابساً منذ عامين والآن استعاد لونه الأخضر اللماع وعاد إلى الحياة بعد أن شابته الصفرة وتساقطت أوراقه وكاد يموت من شدة العطش· أما جرس الباب فتلك حكاية أخرى، هي كل ما نحتاج اليه لنخلص إلى حكاية أصغر نلملمها في منديل معقود ونرويها للصغار عندما يكبرون········ فهذا الجرس المنطوي الصامت منذ سبع سنوات يبدو أنه قد نطق أخيراً وقال كلمةَ حقٍ· كان هو الشاهد على الفرح والحزن، وعلى الحقيقة والخطأ، وقد مر عليه الشحاذون بالعشرات، الصادقون منهم والكاذبون، ومر عليه المقايضون والعطشى والتائهون والحدائقيون والغاسقون وطلاّب المؤونة الفائضة عن الحاجة· قرعه الأهل والأحبة من الإخوة والآباء والأمهات، وأَعلنَ أخبار التخرج والنجاح بلجاجةِ الضربِ عليه من الأبناء والبنات، ثم عافوه وخرجوا جميعاً فراراً من النار والدمار إلى الشتات وبلدان الجوار···
 
هذا الجرس هو نفسه الذي خمش القلوب المنتظرة بمخلبه القاسي، عندما كان يقرعه قادمٌ وقتَ الغسق يتبعه خبرٌ مفجعٌ أو تابوتٌ ملفوفٌ بالعلم، فيتوحش البيت ويتحول الى أثر·· فما أكثر ما يَرى، هذا المنادي الصغير المختفي خلف كَلْكَلِ الأشجار، من أحزان وأفراح·· وما أغرب ما يحتمل من سَباَبات العابرين من الغرباء وأهل المكوث من الأحبة والأهل والأصدقاء·· وما أسرع ما يتلقى اللعنات إذا ما كان الغاسق شراً إذا وقب، وما أقل ما يتلقى التقدير إذا كان القارع خيراً إذا نطق·· بيدَ أن وجوده، ذاك الذي لا ينتبه إليه أحدٌ، لأنه خُلوّ من الصفات والإضافات، هو خرافة كل الأحوال والأزمان، والعلامة الفارقة التي تميز البيوت من الخرائب والأطلال· واليوم يتحدث بالحق بعد أن كان صامتاً طوال سنوات عديدة لا يقرعه أحد، وإن قُرع فالكل يفزع ويهرع خائفاً إلى النوافذ·
Page 2
إنه يوم جديد، وهذا نهار مختلف يشرق على الباب العالي للبيت المقابل ويسفح نوره الساطع على حيطانه، فيبدو المنظر دافئاً رغم أن الفصل شتاء·
 
كنت أنظر من نافذة غرفتي العلوية، بعد أن عدت مبكرةً من كليتي عن عمد، لأشهد هذا النهار الشتائي الذي لا يبدو مختلفاً عن أي نهار شتائي آخر إلا لمن تغمره السعادة مثلي الآن، فيرى العالم قد اكتمل وأصبح شديد الجمال· كنت أنظر إليه واضعةً ذقني على حافة الشباك أراقب عصفورة وحيدة تتأرجح برفق فوق سعفة كبيرة وهي تزقزق بصوت متقطع نسميه غناءً ولا ندري إن كان غناءً فعلاً، أم شكوى من الجوع والعطش، أم أنيناً من قلب محترق يبحث عن رفيق· ثمة مسمار معلق على جذع النخلة تستعمله الأم أحياناً مشجباً للسلال وضفائر أغصان الثوم الناشف، ولكنه الآن يحمل قطعةً كبيرة من الخبز الأسمر متروكةً للطيور·· كانت العصافير الرشيقة هي التي تتحرك حولها وتنقر في لُبّها قطعاً صغيرة من الطعام، بينما الحمائم البدينة تسير ببطء على الحشائش وهي تتلفت وتومئ برؤوسها إلى أمام لتلتقط بعض الفتات المتساقط على الأرض·
 
لن أغادر هذا الشباك حتى ينتهي اليوم إلى مستقر أخير·· لن أغادره حتى إن نعست أو عطشت·· وفي هذا المكان سأتناول غدائي وأشرب شايي وأراقب أخبار التلفزيون·· لا يهمني من غاب أو حضر ومن فاز أو خسر·· لن أكترث الساعة لغيري من الناس، وسأظل أنظر من نافذة صغيرة كهذه وأراقب هذا النهار المختلف كيف يطلع على الباب العالي ويسفح نوره الساطع على الحيطان؟
 
ثمة أحاديث يومية كادت أن تقطع عجلتي في العودة إلى البيت، ولكني أزحتها عن طريقي بالغبطة وتوسلت بريم أن تستعجل المغادرة إلى البيت ولأنها كانت تعرف السبب حق المعرفة، فقد طارت بعد آخر محاضرة أنهتْها على عجل وخرجت إلى فناء الكلية لتجدني واقفة أنتظرها قرب باب السيارة·
 
لأول مرة لا يجعلني يوم بهيج أشعر بالأسى·· في الحقيقة شعرت بذلك قليلاً عندما رأيت الأطفال يغادرون البيت إلى الحديقة راكضين طائرين كالنحل بعد الغداء، فأفزعَ هبوبُهم المفاجئ الحمائمَ وجعلَها تهب طائرة دفعة واحدة وكأنها تؤذن للبدء بعيدٍ أو مهرجان· ولكن لا مكان في قلبي للأسى أكثر من ذلك·· وأنا مشغولة بالنظر بعيداً إلى نهاية الشارع لعل ضجة أخرى تقوم هناك فتضع حداً لهذا الانتظار الطويل الذي يمطر الأفكار عن قصة حدثت منذ وقت طويل، لكن خيوطها الأخيرة تتجمع الآن قرب الباب العالي وأمامه، لتكتب لها نهاية جديدة في نهاية الشارع·
 
كيف خطر ببالي أن أسكن ذلك البيت ذا الباب العالي؟ وهل كان هو الذي اختارني عن عمد أم أنا التي اخترته دون قصد؟·· وكم كانت غريبة تلك الأيام التي قضيتها فيه، عندما حدث أنْ نظرت إليه ونظر إلي وابتسمنا وحُسم الأمر؟··· عندما كان العكس هو الصحيح·· كنت أنا موجودة في ذلك البيت المقابل ذي الباب العالي·· أنظر إلى هذا البيت الذي أنا موجودة فيه الآن وأستغربُ مما يحدث فيه من عجائب ختام·
 
دخلت من ذلك الباب العالي قبل ثلاثة أعوام، فوجدته ثقيلاً يُفتح بصعوبة، جعلني ذلك أدفعه بقوة لأدخل إلى البيت الذي استأجرتُه للتوّ لكي أنظفه قبل أن أنقل جميع أغراضي إليه·· لفت نظري أن قوس الياس الذي يرتفع فوق الباب العالي قد تحول إلى أجمة كثيفة· أما الحديقة التي يبدو أنها أُهملتْ منذ وقت طويل، فقد تشابكت أغصانها، وأصبحتْ في التفافها على بعضها البعض قريبة الشبه بالغابة· باب البيت الداخلي أيضاً كان ثقيلاً جداً·· دفعتُه بصعوبة لكي أخطو بقدمي اليمين إلى داخل البيت، وأذكر أن أول ما رأيته عندما أزحت ستارة النافذة:
Page 3
( 2 )
 
أول ما رأيته عندما أزحت ستارة النافذة، هو الشارع الصامت الذي لم يكن مزدحماً كما هو عليه الآن، كان هادئاً يغط بالقيلولة·· إلى أن مر من أمام الباب رجل يجلس على كرسي متحرك·· حزين كأنه حديث العهد بعاهته·· وصديقه الذي يدفعه سعيد وكأنه يذهب به إلى مسابقة للتعرف على أعز الأصدقاء· لم يكن هناك سواهما في الزقاق أحد، ونافذة المطبخ للبيت المقابل قد أُسدلت دونها ستارة سميكة جعلتني أنصرف عنها إلى قراءة صحيفة قديمة كانت موجودة تحت جهاز الهاتف· عندما قلبتها وجدتها تعود الى عام مضى كنت فيه بعيدة عن هذا البيت مسافةَ مئات الأميال:
 
أواخر نيسان تتقارب الكواكب الخمسة الكبرى، وهي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، في مشهد قد لا يتكرر خلال القرن· وقد قال عالم الفلك في مرصد البحرية الأمريكية إن تقارب الكواكب الخمسة سيبدأ يوم العشرين من نيسان وسيصل إلى الذروة في الرابع من أيار، مما يشكل فرصة نادرة لرؤية الكواكب الخمسة بالعين المجردة في الوقت نفسه والمكان نفسه من السماء، وهذا لا يحدث كثيراً· وذكر أن هذه الظاهرة النادرة قد لا تحدث مرة أخرى قبل مرور مئة أو خمسين عاماً، وأنها لا تشكل خطراً على كوكب الأرض·
 
أعدت الصحيفة إلى مكانها ونظرت إلى البيت المقابل لبيتي مرة أخرى، فكانت ستارة المطبخ لا تزال مسدلة، ولكني رأيت قفصاً صغيراً معلقاً قرب النافذة·· خمّنت أن في القفص طائراً، وأن صاحب البيت قد علقه خارج البيت، ربما لكي يبدّد عنه الملل بضوء شمس مشرقة، وكأن الشمس كانت تغري صاحبه للخروج بذلك الطائر الحبيس من ظلمات البيت إلى النور طلباً لحرية موهومة لا تتمادى في سخائها أكثر من منحه تلك الانتقالة اليومية بين الظلمة والنور·
 
الطيور كثيرة·· توقظني من النوم أصوات تغريدها وكأنني في الفردوس·· بلابل وعصافير وحمائم لا تكف عن التنطط والضحك والثرثرة والتنقل حافية من غصن إلى آخر، قريرة العين ومسرورة وقادرة على أن تنقل عدوى سرورها إليك في لحظات·· هذا هو البيت الذي أريد·· له، مثل البشر، لسان يتحدث به، ورائحة يتميز بها، وذكريات يتحسر من أجلها· وكل بيوت هذا الزقاق تتحسر·· حدائقها جنان وسكانها الملائكة·· 
Page 4
 ويكفيني أن أنظر إليها من الخارج في رواحي ومجيئي بين يوم وآخر لكي أعرف أنّ لكل بيت حكايةً تُروى وأن كل الحكايات لا تصل في جزالتها إلى لوعة البلبلة الأم التي طارت كالمجنونة من على شجرة النارنج بحثاً عن طفلها البلبل··
 
كان فتى الحدائق، واسمه عمار، يأتي إليّ بين يوم وآخر ليكنس الحديقة من الأوراق المتساقطة وقداح الزيتون ورُطب النخلة وثمار أخرى كثيرة لا تكف عن التساقط·· وعمار يزيح كل ذلك في تنكة يحملها ثم يمضي إلى بيت آخر· تنكة الأوراق المتساقطة تلك كانت تنطق بجمال الطبيعة حتى في فضلاتها وأوساخها، فإذا ما أضاف إليها جيران آخرون تفالة الشاي أو قشور البطيخ حولوها إلى قذارة· كنت أنظر إليه من النافذة، فلمحت القفص المعلق في البيت المقابل تحمله امرأة تبدو نحيلة طويلة القامة·· عندما رأتني تمهلت قليلاً ولم تجفل·· بل انتبهت بهدوء ورفعت رأسها كما لو كانت تنظر إلى أحد ما يقف بالباب وسيقرع الجرس بعد قليل·· ثم طرأتْ على وقفتها حالة تأهب مفاجئة كأنها تنبأت بسورة غبار مفاجئة هبت في مكان قريب، فاستدارت وتوارت داخل البيت· عمار لمح طفل البلبلة في عشه، وفي لحظة خاطفة سدّد إليه صنبور الماء وأسقطه أرضاً·· وكان سيمضي به إلى السوق لبيعه إلى أقرانه هناك، لولا أن البلبلة الأم انتفضت وهاجت تلوب بحثاً عن ابنها الضائع بلوعة لا تختلف عن لوعة أم ضاع منها ابنها في الزحام·· كانت تمشّط الأرض بعينيها ثم تقف على حبل الغسيل وتنظر ثانية ثم تتلفت وتطير وتبحث وهي تصيح وتنوح·· شالت نفسها وحطّتها، فتركتُ النافذة وخرجتُ لأجد عمار مرتبكاً يضع يده في جيبه ويبتسم·· وقبل أن أطلب منه شيئاً قفز إلى السياج وأعاد قطعة من روح الأم إلى مكانها، ثم قال متهكماً وهو يعيد الطفل إلى عشه:
 
- ضاعت مني الفلوس·· هل فرحت الآن؟
 
فضحكتُ وسألتُه:
 
- بكم كنت ستبيعه؟
 
قال:
 
- بألف دينار·
Page 5
( 3 )
 
في آب اللهّاب كان أول موعد لي مع الصباغ الذي، قبل أن يدخل إلى البيت، وقف قريباً من بابه ثم نظر ملياً إلى واجهته وقال:
 
- الواجهة أيضاً تحتاج إلى طلاء·
 
قلت له:
 
- لا أفكر إلا في طلاء غرفة الجلوس في الوقت الحاضر·
 
قال وهو يرفع نظره مرة أخرى إلى الواجهة ويدخن:
 
- الكل يقولون هكذا في البداية··
 
القفص في البيت المقابل يعكس، بين الفينة والفينة، ضوءاً حاداً وكأنه يصدر من جسم معدني· كان الوقت ضحى، فدعوت الصباغ، وكان اسمه تحسين، للدخول وإلقاء نظرة سريعة على غرفة الجلوس التي جاء لطلائها· باب الغرفة الذي يفضي إلى خارج البيت كان ثقيلاً هو الآخر مثل الباب الخارجي للبيت، وعندما فتحته ليدخل اليها تحسين الصباغ شعرت بأن هناك من يدفعه من داخل البيت· رفع تحسين رأسه الى السقف وقال بأسف بالغ:
 
- جدرانها متسخة للغاية·· ما كان ينبغي تركها مدة طويلة دون طلاء·
 
قلت له:
 
- استأجرت البيت من فترة قصيرة، وأحاول طلاء ما هو ضروري فقط··
 
قال:
 
- أعرف هذا·· وأعرف أصحاب البيت الأصليين···
 
قلت:
 
- أتعرفهم؟
 
قال، وسُحبُ الدخان لا تفارق فمه وشاربيه:
 
- أعرفهم وأعرف الكثير من أهل الزقاق·· قبل أربعين عاماً كانت هي المرة الأولى التي أدخل فيها إليه·· عندما وزع عبد الكريم قاسم هذه البيوت على الضباط الشباب في أوائل الستينيات·· كانت متشابهة الى حد التطابق، ولكن الشيخ عبدالله أرسل في طلبي لإجراء بعض التحويرات على واجهة بيته··الذي يقع على بعد ثلاثة بيوت من هنا·
Page 6
رفع يده باتجاه اليمين وقال:
 
- لا زلت أذكر سيارة النفرات·· أنزلتني عند الشارع العام، فدخلت منه إلى زقاقكم عن طريق حديقة واسعة كان الناس يدعونها بالمتنزه··
 
قدمه سحقت سيكارته على الأرض·· نظرتُ إليها، فانحنى عليها وقال:
 
-أينما يوجد الصباغون توجد أعقاب السكائر·· أنا آسف·
 
ثم رفع عقب السيكارة ورماه بحركة خاطفة إلى الخارج، من خلال فتحة الباب الذي تركته موارباً بين المرآب وغرفة الجلوس· عادت يده حرة أكثر من قبل، فوضع كفه على جبينه ثم قال:
 
- جئت للمرة الثانية قبل ثماني سنوات أو أكثر قليلاً·· كانت البيوت قد أُهملت طويلاً في سنوات الحصار، وبعضها كان لا يزال يحمل آثار المطر الأسود الذي خلّفتْه سحب الدخان أيام القصف الأمريكي· ولكن في عام واحد، هو العام 1998 على ما أتذكر، صبغتُ بيوتاً عدة في هذا الزقاق·
 
نظره كان متجهاً إلى النافذة وهو يستطرد في تعداد تلك البيوت التي قام بطلائها، ويبدو أن الخارطة اعترضت نظراته المرسلة إلى الخارج، فقطع كلامه وقال:
 
- سنرفع هذه الخريطة··
 
وتقدم نحوها ثم لفها على شكل أسطوانة رقيقة سلمها لي فوضعتها على رف علوي من رفوف المكتبة، ثم راح يجيل بصره قي أرجاء الغرفة إلى أن عاد إلى المكتبة العامرة بالكتب والتي تركها أهل البيت في عهدتي:
 
- وهذه المكتبة يجب تحريكها·
 
قلت له:
 
- ومتى ستبدأ؟
 
قال:
 
- يوم غد إن شئتِ·
Page 7
وجاء في اليوم التالي ثم صعد السلم سبعة أيام متتالية زحفتْ فيها فرشاته من جدران غرفة الجلوس إلى سقفها· وفي الدقائق الفاصلة بين بداية شاي ونهايته، كان ينتقل بين زمان وزمان ليفتح دفاتر مطوية بإحكام ويروي لي حكاية هذا البيت أو حكاية ذاك، ثم يبقيني منشغلة بالأسطر الخالية التي كان يتركها بين حكاية وأخرى ممحوةً في ذمة النسيان أو متروكة على شكل فراغات تثير الفضول·
 
في لحظة وجدت نفسي أسأله وأنا أقدم له الشاي دون أن يهبط إلى الأرض:
 
- والبيت الذي يقابلني تماماً·· هل يسكنه أحد؟
 
بعد القدح الأخير من الشاي قال وهو يحرك عوداً من جريد النخل داخل علبة مملوءة بصبغ فاتح الزرقة مكتوب عليه (أصباغ حديثة):
 
- هذا البيت الذي يقابلك صبغته أيضاً قبل أن تشتريه ختام ابنة الشيخ عبد الله رحمه الله من طبيب هاجر إلى أمريكا·· إنه ابن عمها·· وكان المفروض أن تتزوجه، ولكن لم يحدث النصيب ·
 
توقف عن تحريك العود ثم ارتفع كمه الأبيض في الهواء وقال:
 
- هذا الطبيب ابن عم ختام، صبغت له غرفة الجلوس بالأزرق الفاتح أيضاً، وكان ذلك قبل أن يهاجر ويبيع البيت·
 
صمتَ·· وغابت عنه نهاية الجملة بين علبته والتلفزيون، ففضل أن يبقى صامتاً بعض الوقت، وهو ينظر إلى عزيز علي يغني يا جماعة والنبي، ثم غاب أكثر وقال وهو يحرك عوده ببطء شديد:
 
- في السبعينيات وبعد التأميم شاهدت عزيز علي لأول مرة في التلفزيون وهو يغني البستان قالوا وقتها إن أحمد حسن البكر أرسل إليه خمسين ديناراً مكافأة· ربما لم تكوني أنت قد ولدت بعد·
 
ثم استطرد ضاحكاً:
 
- البكر أيضا أهدى سيارات لادا إلى منتخب الشباب عندما فاز على إيران·
 
عاد يحرك العود داخل العلبة وقال:
 
- كأنها البارحة·
 
وصلت فرشاة تحسين الصباغ أخيراً إلى الباب الخارجي لترسمه، وحسبما طلبت، بلونين يتناقضان من طرف إلى آخر·· الأبيض في مواجهة الشارع، والأخضر الباهت بمواجهة الحديقة، فهز الصباغ رأسه عجباً وقال إنها المرة الأولى التي يصبغ بها باباً بلونين· وقبل أن يطوي دفاتره كلها ويعيد المكتبة إلى مكانها ويمضي، سألته عن ذلك المهاجر الذي اشترت ختام، ابنة الشيخ عبدالله، بيته، فقال:
 
- لا أدري سوى أنه ابن عمها·· وجاء من الخارج ليتزوجها ويبقى، ولكنه سرعان ما قرر العودة إلى المَهجر فأبت هي الهجرة معه·
 
رمى عقب السيكارة إلى الحديقة، وغسل فرشاته الصغيرة تحت الماء الصافي وضمها في كيس وضعه تحت جناحه·· بعد ذلك توقف عند الواجهة الأمامية للبيت المقابل وراح يتأملها طويلاًَ كمن يبحث فيها عن تلك المتعة الخفية التي كافأت صاحبها فور الانتهاء من عمل جميل ومتقن· طالت وقفته هناك أمام بيت ختام، ابنة الشيخ عبدالله، وطافت به رغبة للتدخين، على ما يبدو، إذ أخرج سيكارة وضعها بين شفتيه غير مشتعلة·· ثم تقدم باتجاه الباب ورفع يده اليسرى باتجاه الجرس، وقبل أن يقرعه تراجع قليلاً، ثم استدار باتجاهي وقال:
 
- الواجهة كلها بحاجة إلى طلاء جديد·· ولكن الشمس توشك على الغروب·· ربما أعود في وقت آخر·
Page 8
( 4 )
 
عادت العصافير والبلابل إلى التنطط وتبادل الأسرار والقهقهات·· وكان صندوق القمامة قد امتلأ بأكياس مكورة ومعقودة بإحكام·· كنت أملأها كل يوم بورق وقداح الأشجار المتساقطة إلى الأرض· الديدان التي كنت أعثر عليها في الزوايا كانت أجمل من أن تجرفها المكنسة·· وبيوت النمل، التي تشبه فتحاتها فوهات البراكين، تشي بأن أربابها من أصحاب الذوق الرفيع·· والوحوش الصغيرة تتسلق سيقان الأشجار إلى أعلى تبحث لها عن قوت تأكله، فتصبح هي قوتاً لحمائم الحديقة وعصافيرها·· والعصافير أيضاً قد تصبح قوتاً للقطط، وحياتها اللاهية في غير منأى عن الخطر·
 
غادر تحسين الصباغ، فأعدت الخارطة إلى مكانها ورحتُ أُعيد ترتيب كتبي وأوراقي على رفوف مكتبة صغيرة في البيت الجديد الذي استأجرته، بعد عودتي من الجبل الأخضر في ليبيا، من ورثة رجل معروف كان ضابطاً في الحرس الملكي أيام أول عهد بائد في العراق، وتقاعد قبل آخر عهد بائد من العهود البائدة، وما أكثرها!، ومات على سجادته وهو يصلي ميتةً هنية هادئة، كما أخبرني بذلك ابنه البكر هشام الذي استأجرت البيت منه قبل أن يغادر إلى سوريا· كانت ابنة أخيه سارة تعمل معي في ليبيا قبل أن تهاجر مع زوجها إلى الدانمارك، وهي التي اتصلت بي فجأة من هناك لتعرض عليّ هذا البيت، عندما علِمتْ بحاجتي إلى سكن آمن·
 
إنه لمن الحظ الحسن أن أسكن في بيت جدها، هذا الرجل الذي عاصر الأزمان والأكوان كلها، ولم أكن أدرك بعدُ ما في هذا البيت من أسرار ولا كنت قد اكتشفت شيئاً منها بعدُ·· فقط رحت أقلّب كتبي القديمة التي تركتُها طيلة سنوات الحصار في بيت أختي، وأرتبها الآن في مكتبة مؤقتة مرتجلة لأجد فيها أياماً وتواريخ وعناوين تعود إلى عشر سنوات خلت، فأفكر كيف مضت مثل لمح البصر!؟·· وكيف ينساب العمر مثل أمكر الثعالب بخفة بين القدمين، ليسلب منك أثمن وأجمل مقتنياتك، ويخدعك طوال الوقت بأنك باقٍ في مكانك إلى الأبد، وأنك لن تبلغ قط العمر الذي كنت ترى الآخرين من أهلك يبلغونه، فتفزع منه وتحسب أنك ناجٍ منه إلى الأبد، فإذا بلغته أو اقتنعت مكرهاً بأنك بلغته فإنه يوهمك بأنه يبدو عليك أصغر سناً دائماً وإلى الأبد؟·
 
الظلام بدأ ينتشر بالتدريج، ولم أعد أتمكن من قراءة ما كتبتُه بخط يدي على صفحات بعض الكتب· فتركت الغرفة المبعثرة المظلمة وصعدت إلى السطح لأتنسم قليلاً من هواء الله النقي·· بعيداً عن الجو الفاغم داخل البيت· كان الليل، في الخارج، ينتشر عارياً من الأقراط وقلائد الكهرباء التي انفرط عقدها منذ الحرب، ولم تعد تزيّن عنقه منذ سنوات·· وكانت مصابيح بيوت الشارع مطفأة جميعاً، لأن موعد تشغيل مولّد المحلة لم يحن بعد، وكانت ختام تخرج إلى حديقة بيتها، وهي تحمل الفانوس المضاء بيد، وقفص الكناري الفارغ باليد الأخرى، وتسير على مهل باتجاه الباب الخارجي للبيت، متلمّسة طريقها بصعوبة في الظلام، وينساب جسدها على مهل كمن يمشي حافياً على فراش من زجاج·
Page 9
خفضت رأسي فورَ أنْ رأيتها، خلف سياج السطح العالي·· ثم، بعد ثوان، رفعت عيني على مهل وواصلت النظر إلى تلك المخلوقة التي كانت تتحرك كالسائرة في نومها وتتوجه ببطء شديد نحو الباب وتتعثر كمن يتلافى، في مشيه، شظايا زجاج مكسّر·
 
ظننتها تبحث عن طير الكناري الذي ترك قفصه، كما سبق أنْ أخبرتْني، فقلت لنفسي: ما أغرب هذه المرأة التي لا تخاف أن تخرج إلى الشارع في جنح الظلام المرعب هذا، لتبحث عن طائرها الضائع في ظلام دامس!· شعرت قليلاً بالخوف منها، ثم ازداد شعوري بالخوف أكثر وأكثر عندما ترددتْ إطلاقات نارية قادمة من الشارع الذي يقع خلف بيتي، وسمعت أصوات جنود أمريكان ينادون: go·· go·· go·· تبعَها على الفور صوت دبابة كأنها تدور على نفسها، ثم ترددتْ ضجة أبواب تُفتح، وتعالت الصيحات مرة أخرى، واستمرت عدة دقائق عاد بعدها الصمت من جديد وتوقفت الضجة وهدأ كل شيء·
 
نهضتُ إلى وضعي السابق محنية الرأس خلف سياج السطح العالي، فرأيت ختام تقف خلف باب بيتها دون أن يبدو عليها الاكتراث للضجة التي حدثت قبل قليل، ثم رفعتْ القفص الفارغ عالياً وهي تتمتم ببضع كلمات، ورمته بعيداً عن البيت، فطار عبر السياج إلى الهواء، ثم سقط سقطة مدوية في عرض الشارع ظل صداها يتردد عدة ثوانٍ مثل ليرات ذهب تخرخش· هلعتُ وسقط قلبي مع سقوط القفص إلى إسفلت الشارع، وكانت الرجفة التي أحسستها مع سقوطه أشدّ وقعاً من تلك التي أحسستها مع لعلعة الرصاص وضجة المداهمة التي حدثت قبل قليل·· وعلى ما يبدو أن ما اعتدنا عليه لا يُخيفنا، مهما كانت شدته، ولكن ما فعلته تلك المرأة، التي تتحرك مثل الشبح، بدا غريباً ومقلقاًَ وخارجاً عن المألوف، فرحت أتساءل: يا ترى ما بالها!؟ هل فعلتْ ذلك حزناً على طائرها الذي قالت إنه تركها واختفى فجأة؟ أم إن الذي كانت تحمله بيدها هو شيء آخر غير قفص الكناري، وأنا التي توهمتُه قفصاً لطول ما نظرتُ إليه عندما كان معلّقاً في الشمس خلال ساعات طوال من الأيام الفائتة؟
 
في الصباح، وعندما جاء فتى الحدائق، عمّار، وطرق الباب، كان أول ما قاله، بعد أن ركن دراجته الهوائية في المرآب وبادرني بالتحية، هو أن الأخبار السيئة لا تشجعه على البقاء في بغداد، وأنه سيترك العمل فيها ويعود إلى بيت أهله في الديوانية لحين تهدأ الأمور وتنتهي على خير· قلت له:
 
- أين تذهب؟ لا تذهب·· ابقَ هنا في هذا الحي، وهذا الشارع قد خلا من سكانه أو كاد، كما ترى·· وأنت الوحيد الذي يأتي إلي بين صباح وآخر فأشعر بأني على قيد الحياة·
Page 10
ثم سرحتُ بالأماكن والزوايا التي سيزرع فيها عمار الشتلات الجديدة التي اشتريتها من المشتل· ضحك عمار وأنا أضعها أمامه، وقال محتداً أكثر منه مندهشاً:
 
- من أين تأتين بكل هذه السنادين، وكل المشاتل مقفلة؟
 
قلت له:
 
- هناك مشتل واحد لا يزال يجازف بالبقاء مفتوحاً، ويقع قرب نفق الشرطة·
 
قال بطريقته في الضحك التي تعبر عن الانزعاج:
 
- أعرفه·· ألم يغلق أبوابه بعد، وكل تلك الحواجز مقامة حوله وبالقرب منه؟ بل إن سيارة مفخخة انفجرت بالقرب منه قبل أسبوع·
 
ثم ضحك بلا مبالاة، وقال:
 
- وأغراض المحل أبو الموبايلات غدت شذر مذر·
 
قلت له:
 
- رأيت ذلك·· ورأيت قطع السيارة المحترقة المتروكة قرب المشتل·
 
قال وهو لا يزال غير مقتنع بفكرة الوصول إلى المشاتل في مثل هذه الظروف:
 
- ولكنه بعيد، وما له حاجة·
 
قلت له بصوت عال فيه شيء من التأنيب:
 
- هل نسيت أني أعمل في كلية الزراعة؟ فالمشتل إذن ضروري· وإذا كان بعيداً، فما أفعل في العطلة الصيفية سوى المشي·· وكلما طالت المسافة، كان ذلك أفضل لانقضاء الوقت··
 
توقفتْ الشتلة بين يديه والأرض، وقال:
 
- عفية عليك·· هم رياضية·· وفلاحة·· وأستاذة··؟
 
شتلة الرازقية، التي كانت تتدلى شراشيب جذورها لتلامس التراب المحفور، ملأت الجو برائحة أرض طيبة، فقلت:
 
- بل قل إني عراقية·· هل تصدق أني مشيت مرة من ساحة النسور في الكرخ إلى معرض بغداد، فمنتزه الزوراء، فساحة المتحف، ثم عبرت جسر الإذاعة إلى الرصافة، وقطعت شارع الرشيد مشياً على الأقدام إلى الشورجة، ومن هناك ابتعت لأهلي ثلاث لالات ومنقلة، ثم واصلت المشي إلى الباب المعظم، وعدت إلى البيت بحافلة تائهة مرت بي بالمصادفة·