eKtab
EN ع
حمى الاستهلاك
Read free sample

حمى الاستهلاك

by سحر سهيل المهايني العظم

Page 1

ساعة «سحر» ...

تقديم د. أحمد خيري العمري

كثيراً ما يقال، عن حق، إن الترجمة هي: «إعادة كتابة» - وغالباً ما يقصد بذلك صعوبات فنية تتعلق بكيفية نقل روح الكتاب ومضمونه الداخلي أكثر من مجرد نقل حرفي للكلمات..

لكن الترجمة أيضاً، قد تكون أفقاً أوسع من مجرد نقل لروح الكتاب. وهو أفق يتمثل بالحوار مع أفكار الكاتب والنقاش معه بشكل يثري الموضوع، وأهم من ذلك، يثير النقاش والحوار عند القارئ نفسه..

.. لا أتحدث هنا عن تدخل مباشر في النص موضوعِ الترجمة، لكني أقصد وسيلة أخرى، عبر هوامش أو فصول مستقلة، يتم فيها نقاش الفكرة من «الضفة الأخرى..»، لكي تكتمل أو تقترب على الأقل من تغطية أكبر طيف ممكن من أطياف الحقيقة..

هل في هذا وصاية على القارئ؟ الحقيقة أن الوصاية على القارئ تكمن في أن نمنع عنه الترجمات خوفاً من أن يتسمم بأفكار «من الخارج».. فذلك سيجرده من «المناعة» ويجعله عرضة أكثر للإصابة بأي فيروس عابر..

أمّا مناقشة الفكر، والتحاور معه، فتجعل القارئ نفسه يفكر، ويقرر ويختار.. بلا وصاية مسبقة؛ لا من الكاتب ولا من المترجم..

ولعلي أشير هنا، إلى أن ترجمة العرب لكتب فلاسفة الإغريق كانت تحمل نفساً إسلامياً يصعب تمييزه عن النص الأصلي، وأنا لا أدعو لتكرار ذلك - ولكن أدعو إلى تفعيل فكرة «الترجمة المتفاعلة» مع النص.. والتي ستؤدي إلى تفاعل أكثر من القارئ (حتى لو انحاز القارئ في نهاية الأمر إلى وجهة نظر الكاتب الأصلي، فذلك على الأقل - إذا تمَّ - فإنما يتم باختياره).

لست واثقاً أن ذلك كله كان في ذهن السيدة الفاضلة سحر مهايني عندما بدأت بترجمة كتاب «الأفلونزا».. لكن النتيجة النهائية التي بين أيدينا كانت أكثر من مجرد كتاب مترجم ينضم إلى رفّ الكتب المترجمة، بل لدينا الآن كتاب ينقل تفاعل المترجمة مع الكتاب وحواراتها شبه المباشرة مع الكاتب ومع أفكاره..

الشيء المهم في تفاعل السيدة مهايني (الذي حوَّلها من مترجمة إلى مؤلفة ند) هو أن تفاعلها هذا لم ينطلق من التفاعل النظري الصالوني؛ بل من منطلق عملها في المجالين الاجتماعي والتربوي، فالسيدة مهايني هنا - تركت تشاوف و «برج عاجية» بعض المنخرطات في العمل الخيري الاجتماعي من اللواتي يعتبرن هذا العمل مظهراً مكملاً من مظاهر الوجاهة الطبقية، وذهبت بعيداً نحو الهم الاجتماعي الحقيقي، والأهم أنها ذهبت نحو البحث عن علاج لهذا الهم..

تستعرض السيدة مهايني عبر تفاعلها مع الكتاب، خلاصة خبرتها في هذا المجال، وترسم خطوطاً واضحة لخطوات عملية، تعتبر، بخبرتها، ومن واقع تجربتها، أنها يمكن أن تكون خطوات نحو الخروج من واقع اجتماعي متأزم..

والكتاب - الأصل - يبحث في أعراض مرض فرط الاستهلاك الذي صار واحداً من مميزات الثقافة الأمريكية التي تكتسح العالم، وتكتسحنا أيضاً معها، ولكي أكون صريحاً، فإن الكتاب - الأصل - ليس أفضل ما يمكن قراءته عن هذه المسألة من الناحية العلمية والأكاديمية، لكنه بلا شك يعرض أعراض المرض بالطريقة الأمريكية إياها: كثير من الإمتاع وغير قليل من التسطيح.. وهذا الأمر تجاوزته السيدة مهايني عبر تعميقها للنقاش من زاوية التطبيق الاجتماعي، وعبر استمرارها في مقارنة دؤوبة بين وضعنا مستهلكين سلبيين، ووضعهم مستهلكين يستهلكون ما ينتجون، وخصوصاً عبر ربط ذلك كله مع تعليمات الشريعة الغراء، بعيداً عن الوعظ والنصح الفوقي التقليدي.

.. ولا أشك، ولو للحظة واحدة، أن المتثاقفين - وما أكثرهم في حياتنا الثقافية - لن يلتفتوا لكتاب السيدة مهايني، فهي تكتب بلغة سلسة بسيطة، خالية من التعقيد، الأمر الذي يعتبرونه منقصة لها ولكتابها. وكتابها، أيضاً، خال من المصطلحات الغامضة التي هي بالنسبة إليهم ضرورية لأي كتابة جادة.. حتى لو لم يفهمها القارئ - وحتى لو لم يكن الكاتب نفسه يفهمها - وكتابها أيضاً قد يكون مفهوماً من قبل «القارئ العادي» - وهذا، يا للهول - يعد عاراً وعيباً، فهم يكتبون فقط لقارئ نخبوي افتراضي، في خيالهم، وإذا حدث وفهم الكتابَ أحدهم - ممن لا ينتمي لطبقتهم «البرج عاجية»، فالكتاب إذن لا يدخل جنة قبولهم..

.. ولا أظن هذا كله سيهم السيدة مهايني في شيء، فكتابها ليس موجهاً لهم، بل للناس الذين يشكل تغييرهم همها الأكبر..

.. ومع أسلوبها السلس الجزل الممتع، أظنها ستنجح في الوصول إليهم..

فقط لو أنهم «قرؤوا»!..

لكن هذا موضوع آخر..

Page 2

«الأفلونزا»: وباء الاستهلاك المفرط

Affluenza

The All - consuming Epidemic[1]

عنوان لكتاب صدر باللغة الإنكليزية في أمريكة عام 2000، يتحدث عن ثقافة «الاستهلاك» مرضاً وبائياً اجتاح المجتمع الأمريكي، محدثاً فيه على صعيد الفرد والجماعات عوارضَ مرضية خطيرة، سرعان ما انتقلت عدواها إلى أنحاء العالم.

«الأفلونزا»: كلمة استحدثت من حاصل الدمج بين مفردتين.

Affluence : «أفلونس» أي الوفرة والفيض.

Influenza : «أنفلونزا» أي نزلة البرد المعدية أو «الحمى الراشحة».

«الأفلونزا»: كما ورد تعريفها في الكتاب: مرض معدٍ، يسبب ألماً، أعراضه العامة: قلق، ديون، تبذير ولهاث مستمر وراء مزيد من الأشياء.

استغرق العمل في الكتاب ثلاث سنوات، وصدر نتيجة جهد جماعي قام به فريق من المؤلفين في أمريكة هم:

1ـ «جون دي غراف» John de Graff الحائز على جائزة التأليف والإنتاج لعديد من البرامج التلفزيونية وأهمها: «الأفلونزا» و«الهروب من الأفلونزا»[2].

2ـ توماس نيلور Thomas Naylor الاقتصادي والأستاذ المحاضر في جامعة ديوك، والاستشاري في: «استراتيجية الإدارة العالمية».

3ـ «ديفيد وان» David Wann العالم البيئي ومؤلف كتاب: «التصميم المتناغم مع الطبيعة من أجل حماية البيئة والتصميم العميق» ـ وكتاب: «الطرق الموصلة إلى مستقبل معاش»[3].

4ـ «ديفيد هورسي» David Horsey الرسام الكاريكاتوري والناقد الساخر لثقافة الاستهلاك، بالإضافة إلى تعاون عديد من الباحثين والعلماء والأكاديميين والمؤسسين لعديد من المنظمات المدنية وكثير من الناس الذين شاركوا بالإدلاء بقصصهم وآرائهم.

لقي الكتاب بعد صدوره إقبالاً جماهيرياً واسعاً في الأوساط الأمريكية، ودولٍ عدة في العالم.

Page 3

ما الغرض من تناول كتاب الأفلونزا؟

بداية، طلبت مني الأخت الفاضلة السيدة «هدايت سالم»، أن أقوم بترجمة كتاب الأفلونزا ـ الذي تلقته هديةً من ولدها ـ لتبني عليه بحثاً جديداً يتعلق بانتشار ظاهرة الاستهلاك في بلادنا، الموضوعِ الذي شغل بالها فترة طويلة وكتبت حوله بحثاً ضمن كتاب نشرته «دار الفكر» عام 2003 تحت عنوان: «مشكلات في طريق النهوض».

وما إن أنهيت المهمة المنوطة بي وقدمت لها ترجمة لفحوى كتاب «الأفلونزا» حتى أعادته لي، وأصرت أن أقوم بكتابة رؤيتي عن الآثار السلبية التي خلفتها ثقافة الاستهلاك المادية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

لقد حملها إخلاص العمل لله والغيرية والخيرية المتأصلة فيها أن تمنح فرصة التأليف لواحدة ليس لها أي باع في الكتابة [اللهم إلا مقالات كنت أكتبها لمحاضرة هنا أو هناك].

وحين تجد المرأة من يثق بها ويحفز مواطن القدرة الكامنة لديها، فإن هذا كفيل بشحذ همتها وإرادتها لتبدأ العمل.

وكذلك إذا ما وَجَدَتْ شريك حياتها واقفاً معها على أرضية مشتركة من القيم والقناعات ويتطلع معها إلى ذات الغايات، ويدفع بها إلى خوض تجربة لا مفر معها من الاستغراق المفضي إلى التقصير بالواجبات الأسرية، فإن هذا يُسقط كل الأعذار والمثبطات المانعة للعمل.

وإذا ما وجدت داراً متميزة للنشر مثل «دار الفكر»، يؤمن مديرها العام بأهمية إحياء الثقافة والفكر، وإعطاء كل من يريد النهوض بحاضره فرصة نشر أفكاره، فإن هذا سبب كافٍ لحملها على بذل مزيد من الجهد لإنجاز العمل، طمعاً بأن يكون كتابها واحداً من إصدارات تلك الدار الغنية هي ومديرها عن أي وصف وتعريف.

بداية أُصبت بالإرباك، فلو كانت الترجمة وحدها مناط عملي لكان الأمر سهلاً نسبياً، أما أن أبني على ترجمتي فصولاً أقوم فيها بالربط «الأفقي» بين واقع الثقافة الغربية الاستهلاكية ووقعها على عالمنا العربي والإسلامي، والربطِ «العمودي» بين الخلل والاختلال في الأرض، وبين إخلال الإنسان وانتهاكه ميزان الله في السماء... فذلك ما لم يكن من السهولة بمكان، إلا أن كتاب «الأفلونزا» بعمق موضوعه، وأهمية مضمونه، وأسلوب عرضه النقدي الساخر، قد استهواني فكان القاعدةَ التي انطلقت منها إلى الغاية التي أريد.

وارتأيت أنه من الأفضل منح القارئ العربي فرصة الاطلاع على كتاب «الأفلونزا» من خلال ترجمة شمولية لمضمون وروح فكر الكاتب [مشيرة إلى رقم الصفحة عند الترجمة الحرفية]، ليبني القارئ عليها رؤيته وقناعته الخاصة[4].

أما رؤيتي التحليليةُ المقارِنة والناقدة التي وضعتها مقابل كل فصل من فصول الكتاب المترجم، فكانت تحت عنوان: «نحن والآخر في الميزان».

ورؤيتي لا تفترض الصواب ولا تلزم أحداً بها؛ فالفهم قابل دوماً للتبديل والتصويب؛ فإن أخطأت فمن نفسي، وإن أصبت فبما وفقني إليه ربي.

Page 4

حمى الاستهلاك

كتابٌ ـ بشقيه «الترجمة» و «التأليف» ـ أقرب ما يكون إلى سلسلة من الحلقات التلفزيونية تبث على الملأ حوارات ساخنة، لعبتُ فيها تارة دور «المضيف» المترجم الناقل لحديث ضيفه، وتارة دور «المعلق» الذي يقوم بالتحليل والتعليق على الحدث.

كنت من ضيفي مؤلف كتاب «الأفلونزا» في موقع يسمح لي بالإصغاء لشهادته فقط، إلا أن حواراً متخيلاً جرى بيني وبينه أتاح لي فرصة الإدلاء بشهادتي والتواصل معه بهدوء وانسجام رغم البعد البيئي والجغرافي والثقافي والديني الذي يفصلني عنه. إذ ثمة قاسم مشترك شكّل أرضية التفاهم والتناغم في الحوار؛ وهو أن كلينا يمسك بعملة واحدة، صحيحة بكلا الوجهين.

هو يمسك بآيات الله المنظورة من عالم الشهادة: «الآفاق والأنفس»، وأنا أمسك بآيات الله المقروءة من عالم الغيب: «القرآن الكريم».

إن حالة التواصل الفكري والوجداني التي عشتها مع ضيفي خلال ترجمة ونقل حديثه، جعلت أسلوبي في الترجمة لا يختلف كثيراً عنه في التأليف، ولا أدري إذا ما كان ذاك التناغم يعود إلى مواءمة في الطبع أم إلى التوافق في الرؤية ومنهجية العرض.

منهجية العرض تلك لا تبرز لك أبعاد المشكلة فحسب وتتركك تائهاً يائساً من دون حل، بل تعرض أمامك حلولاً واقعية منطقية ليست خارجة عن نطاق القدرة والتنفيذ.

كذلك منهجيةُ العرض تلك تعتمد اللغة السهلة البسيطة التي تخترقك بسهولة ويسر وتقِفُ بك مع ذاتك بصدق، وإن كنت لا أتقن ـ كضيفي ـ برمجة العواطف وضبط الانفعالات، وأترك قلمي - عادةً - على سجيته معرباً عن مخزون مشاعري، وأنا أدعو كل من يتقن الإنكليزية إلى قراءة كتاب «الأفلونزا» بلغته الأم، لا ليتحقق من أمانتي في ترجمة أهم ما ورد في الكتاب فحسب، بل ليتمتع بلغة ومنطق أصحابه.

إن أهم ما يميز جليسي روح الدعابة والظرف والهدوء والانسيابية في التعبير وجرأة النقد الذاتي وإشاعة الحقيقة دونما صراخٍ أو سخط، يتمتع بشمولية الرؤية والنظرة الموضوعية والعلمية في بسط الحقائق الموثقة بالأدلة والبراهين.

إلا أن ما كان يثير حنقي ويطبع علامات الاستنكار والدهشة على وجهي، أن ضيفي كان ـ جاهلاً أم عامداً ـ يلتزم الصمت في موقع يستوجب النطق.

حمى الاستهلاك...

كتابٌ يعتمد الترجمة والتأليف معاً، أداةً جديدةً لعرض الأفكار والتواصل مع الناس.

أمّا مضمونه فيعرضُ للمتغيراتِ الثقافية في العالم؛ وأزمةِ الاغتراب الثقافيّ في عالمنا العربي والإسلامي؛ المرافقِ للطفرةِ الاقتصاديّةِ في أمريكة واستراتيجيّتها الاقتصادية التي اعتمدت ـ لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم ـ تصديرَ أنموذجٍ ثقافيّ كونيّ؛ وتعميمَ قيمِ السوقِ عبر تكنولوجيا الاتصال ووسائل الإعلامِ الحديثة.

كما يعرضُ الكتاب للدين، رؤيةً ناظمةً للحياة ومنحىً للخروجِ من أزمةِ الاختراق الثقافي والارتكاس القيمي والفكري الذي نعيشه في عصر العولمة؛ عولمةِ نموذج المعيشة الأمريكية القائِم على فرطِ الاستهلاك.

والكتاب موجه للقاعدة العريضة من الناس ـ المرأة وجيل الشباب خاصة ـ وهُمُ الأكثر انبهاراً بالثقافة المادية الوافدة، والأكثر استعداداً وقابلية وفاعلية ـ بالمقابل ـ على تبنِّي الإصلاح والتغيير.

والكتاب يهدف إلى إعادة حيوية التفاعل مع القرآن الكريم وهدي سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عملية الربط بين آيات الله المقروءة في كتاب الله الكريم وآياته المنظورة في عالم الآفاق والأنفس؛ والتي قطع الغرب في اكتشافها وتسخيرها أشواطاً واسعة.

أخي القارئ... لا تقطب جبينك... لا بد أن تساؤلات عدة قد قفزت على السطح:

- هل الغرب الأمريكي الذي يقف وراء مصائبنا، هو من سيعلمنا كيفية التفاعل مع آيات ربنا؟!

- لماذا اللف والدوران، ألا يكفينا القرآن الكريم» هادياً ودليلاً؟!

- وكيف لتلك الكاتبة المترجمة التي ظهرت فجأة أن تعيش حالة من التوافق الفكري والوجداني مع أعداء الدين؟!...

ثم ما علاقة «الاستهلاك» بالدين؟! بل ما علاقة «الاستهلاك» بكل مصائبنا؟

اهدأ قليلاً... وتابع معي قراءة فصول الكتاب وستجد الإجابة عن كل تساؤلاتك.

قريباً ستجد نفسك أمام كتاب يعرض أمامك «صورة» شاملة عن واقع الحياة التي تعيشها البشرية في عصر العولمة، إطارُها مذهّب مزخرف، ألوانها زاهية، بريقها يخطَف الأبصار، الأشخاص فيها يضجُّونَ حركة وحيوية، تعلو وجوههم ابتسامة السعادة. وما إن تبدأ تمعن النظر حتى تجدَ أن الابتسامة تلك، ما هي إلا تكشيرة، وأن ما كنت تراه يضج بالحركة والحيوية ما هو إلا ضجيج التوتر والقلقِ والاضطرابِ، وما تلك الألوان الزاهية إلا ظلالٌ سوداء قاتمة.

هل أثرت فضولك؟

يكفي أن أقول الآن إن وباء «الاستهلاك المفرط» وباء فكري، ثقافة شيطانية، انتشرت كالأخطبوط، حتى طالت كل فرد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أيّاً كان جنسه وعمره ومستواه الثقافي الاجتماعي والمادي، وأدت على صعيد الفرد والجماعات إلى ارتكاس صحي وأخلاقي وفكري ونفسي ما كنتَ تتخيله، وسيدفعك الفضول لمعرفة الأسباب ومن ثم اختيار «الدواء الأمثل» للقضاء على هذا الوباء.

أما إذا ما شعرت أنني لم أستوف في مقدمتي الشرح، فما عليك إلا أن تترقب معي حديث ضيفي مؤلف «الأفلونزا»، الذي سيوافيك بمزيد من التفاصيل.

Page 5

«برنامج الزائر العالمي» International visitor Program

كثيراً ما أشير في فصول «نحن والآخر في الميزان» إلى وقائع وأحداث عاينتها أثناء زيارتي لأمريكة عام 1996 ضمن مجموعة «برنامج الزائر العالمي» الذي يُنظم ويموّل من قبل المراكز الثقافية الأمريكية في أنحاء العالم.

تم اختياري ضمن مجموعة ضمت سبع رجال من دول عربية عدة، لأشارك في الحديث عن: دور الدين في أمريكة: The Role of Religion in America، شملت الزيارة خمس ولايات أمريكية، وتضمنت لقاءات مع أكاديميين ورجال دين وصحفيين وسياسيين وناشطين في مؤسسات مدنية، ورؤساءٍ لعديد من المراكز الدينية: اليهودية والمسيحية والإسلامية والبوذية.

يهدف هذا البرنامج إلى إقامة جسور التواصل والتحاور بين الشعب الأمريكي والشعوب العربية خاصة، باختصار؛ إنه واحد من برامج «العولمة» التي لم تستوقفني للبحث في نوايا الآخر «المخفية» بقدر ما استوقفتني للبحث والاطلاع على ثقافة وفكر الآخر.

لقد حملت لي الجولة نتائج إيجابية، بمعنى أنها أتاحت لي فرصة الاطلاع بموضوعية على علوم وثقافة وتجارب الآخر، لأطلعه بدوري على ثراء الفكر والقيم التي حملتها ثقافتي العربية الإسلامية.

استغرقت الجولة شهراً كاملاً، حرصت فيها على تدوين مجرياتها يوماً يوماً وساعة ساعة في صفحات أوراق لم تر النور بعد، ولكنها كافية لأكون من خلالها شاهد عيان.

وسأكتفي بهذا القدر من التمهيد، تاركة للقارئ الكريم أن يتابع وقائع «البث الإعلامي المشترك».

وأختم بالدعاء:

«اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً بمحكم كتابك، واتباعاً لهدي خاتم أنبيائك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم».

مقدمة مؤلف «الأفلونزا»

الضيف أولاً....

استهل ضيفي جلستنا الأولى بقوله:

بعد نجاحي في تأليف وإنتاج سلسلة من البرامج التلفزيونية، وأشرطة الفيديو التي تتحدث عن الأفلونزا: وباء الاستهلاك المفرط، وطرق التخلص منه، أقنعني أصدقائي الذين شاركوا بوضع الكتاب ـ بضرورة إصدار كتاب نوسع من خلاله مجال العرض فيكون مسلياً ويحمل في الوقت ذاته المعلومة والفائدة. تماماً كمن يضع ملعقة سكر مع الدواء ليسهل بلعه.

وليس الهدف من وراء الكتاب محاربة الاستهلاك والثروة والأثرياء، بقدر ما يهدف إلى إثارة تطلعات الإنسان نحو القيم الحقيقية، وتحفيزه ليقوم بدوره في المشاركة بعملية الإصلاح وتولي علاج المرض الذي تفشت عوارضه بين أفراد الشعب الأمريكي، وأدى على صعيد الفرد والجماعات إلى ارتكاس صحي ونفسي.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: يبحث في أعراض «الأفلونزا» كأي أعراض مرض أو حمى راشحة تصيب الإنسان فتشعرُهُ بارتفاع الحرارة وقشعريرة ووهن وحكة وطفح جلدي وغيرها من الأعراض. وقد يفاجأ القارئ هنا أنه واحد من المصابين بالمرض، أو ربما كان السبب في إصابة أولاده وأصدقائه أو الطبيعة الأم.

وما إن يواصل القراءة حتى يجد أن العوارض المرضية التي تجلت بوضوح على صعيد الفرد والمجتمع والدولة كثيرة ومعقدة لدرجة ما كان يتصورها.

القسم الثاني: يبحث في أسباب المرض (الجينوم المورث للمرض) حيث يتم تعقب فيروس المرض من بداياته، مروراً بكيفية تطوره، وبالمحاولات التي اتخذت لمنع انتشاره، وانتهاءً بالتقنيات الحديثة التي ساهمت في سرعة انتشاره واستفحاله...

ويتبين للقارئ هنا الكيفية التي تم من خلالها نشر فيروس المرض، وإخفاء آثاره السلبية عن العامة في أمريكة.

القسم الثالث: يبحث في طرق الاستشفاء والعلاج، لأن الكتاب لا يهدف إلى ترك الإنسان محبطاً، بل يجعله يخطو طواعية نحو الشفاء.

والوصفات العلاجية منها ما يخص الفرد؛ وتقوم على تبني نمط معيشة جديد يعرف بـ «البساطة الطوعية» أو «الاقتصاد في العيش».

ومنها ما يخص المجتمع: وتقوم على مشاركة المواطنين في مراقبة «مؤشرات» الاستقرار التي حددتها بعض المدن الأمريكية معياراً للاستقرار.

ومنها ما يخص الدولة: وتقوم على اعتماد مؤشر جديد للتقدم والازدهار غير مؤشر ضخامة الإنتاج المحليّ Gross Domestic Product: GDP لأن ضخامة الإنتاج لا تنبئُ بالضرورة عن ازدهار الدولة الحقيقي.

الكتاب لا يحمل للأمريكي معلومات جديدة خارجة عن إطار معرفته، فما نهدف إليه في عصر المعلومات ليس إضافة مزيد من المعلومات، بل الانتفاع بما لدينا أصلاً من معلومات نخدم بها أنفسنا ومجتمعنا.

ولا نفترض تقبل أو موافقة الجميع على كل ما ورد في الكتاب، ولا نهدف بذلك إلى إقناع الجميع أن «الأفلونزا» مرض وبائي حقيقي - بالمعنى الحرفي - بقدر ما نهدف إلى تشجيع الحوار وتبادل الآراء حول «الاستهلاك» الذي أصبح مادة وأساس حياة الشعب الأمريكي؛ علّهم يتوصلون بالنهاية إلى أن: «أفضل الأشياء في الحياة ليست أشياء»، The best things in life are not things ، والقرار يعود إليهم.

الكتاب، يرفع إصبع التحذير في وجه الشعب الأمريكي وهو موجه بالدرجة الأولى لهم، باعتبارهم أكثر الشعوب استهلاكاً في العالم، كما ويحذر شعوب العالم من خطر تبني النمط الأمريكي نفسه في المعيشة؛ داعياً الشعوب إلى المحافظة على التوازن المعيشي الذي اعتادوه؛ وإلى التعلم والاستفادة من أخطاء وتجارب غيرهم؛ كي لا يقعوا بدورهم فريسة لوباء «الأفلونزا»: الاستهلاك المفرط.

[نظرت إلى ضيفي بين السطور وهو يأخذني إلى المشهد التالي]:

«دخلت سيدة جميلة إلى عيادة طبيب، ترفل بثيابها الأنيقة وتسأله أن يصف لها دواءً لحالة الضيق والقلق التي تنتابها على الرغم من اقتنائها منزلاً جديداً وسيارة فارهة، وخزانة مليئة بكل ما هو جديد، عدا العلاوة في مرتبها!!»

فيجيب الطبيب: أنت تشتكين «الأفلونزا»، إنه وباء جديد، معدٍ... نعم... قابل للشفاء ولكن ليس بالسهولة التي تتوقعين.

أضاف ضيفي قائلاً: صحيح أن هذا المشهد من صنع الخيال إلا أن المرض حقيقي.

لقد أخذ الوباء بالانتشار في أمريكة منذ خمسينات القرن الماضي، وتنامت سرعة انتشاره بدءاً من الثمانينات، مع مَقْدَمِ عصر «الأنا»؛ عصر التوسع الاقتصادي الهائل، الذي جعل الأمريكي يرفع من معدل استهلاكه وتسوقه؛ ويزيد من حجم مخزونه من البضائع والسلع الجديدة التي تفرزها الأسواق يومياً.

وسرعان ما انتقلت عدوى «الأفلونزا»، وباء الاستهلاك المفرط إلى العالم بأسره؛ باعتبار أن الاقتصاد الأمريكي بات يُنظر إليه اليوم على أنه النموذج الأمثل.

[هززت رأسي بالموافقة وأنا أتابعه يقول]:

إن «الأفلونزا» مرض يخطَف العقول... نعم يخطَف العقول Mind- snatcher ، كلنا يذكر موقف «آل غور» Algore ـ عندما كان «سيناتور» وأصدر عام 1992 كتاباً بعنوان: «الأرض في الميزان» قال فيه:

«إن أمريكة اليوم أشد حرصاً وتمسكاً بعاداتها الاستهلاكية؛ فهي تستهلك كميات ضخمة من النفط والفحم والماء والهواء النقي والأشجار والتربة، ومخزوناً هائلاً من موارد الأرض لتحولها، ليس من أجل إيجاد المأوى الذي نحتاجه، بل لكثير مما لسنا محتاجين إليه، لدينا كم هائل من البضائع، وتوجد بالمقابل، أعداد كثيرة من الناس الذين يشتكون الخواء، لقد أصبحت أمريكة مدمنة على الأشياء، إن حضارتنا تعدنا السعادة من خلال استهلاك سيل لا ينتهي من البضائع الجديدة البراقة... ولكنه وعدٌ كاذب»[5].

وهكذا تولى «آل غور» بعد سنة منصب نائب رئيس الجمهورية، ولكن ما إن مرت أعوام قليلة حتى جاء خاطف العقول وباء «الأفلونزا» وأخذ معه «آل غور».

لقد صوّت «آل غور» قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2000 على رفع حجم الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات العشر القادمة بنسبة 30%، معلناً بتحول موقفه أنه أصبح ناقلاً لفيروس «الأفلونزا»: وباء الاستهلاك المفرط.

نحن عامة في أمريكة، أُصبنا ـ شأن آل غور ـ بالمرض.

لقد قام الباحث الاجتماعي بولستر ريتشارد هاروود عام 1995 بإجراء مسح حول واقع ومواقف الأمريكيين من الاستهلاك، فوجد أن الناس ينفقون ويتسوقون أكثر مما يحتاجون، وهم يعترفون أن أولادهم أصبحوا ماديين، وأن ما ينفقونه اليوم هو على حساب مستقبل الأجيال القادمة.

يقول هاروود: لقد وقف الاستهلاك معترضاً كل الخطوط الدينية والثقافية والعرقية، أيّاً كان العمر ومستوى الدخل، إن المشاعر العامة تنبي أننا أصبحنا ماديين جداً، طماعين وأنانيين جداً، ومستغرقين في ذاتنا جداً.

وعلينا أن نضع مرة تلو أخرى في الميزان تلك القيم التي قادت مسيرة أمتنا عهوداً طويلة، إنها قيم الإيمان والروابط الأسرية والصداقة والكرم والإحساس بالمسؤولية[6].

[أطرقت قليلاً وأنا أفكر «بسنن الأنفس»: الأخلاق والقوانين الإيمانية في ميزان القرآن والسنة المتناغمة مع فطرة الإنسان وعوامل ارتقائه على صعيد الفرد والجماعات]، وسرعان ما استفقت على ضيفي وهو يقول:

إن وباء الأفلونزا يعود من وجهة نظري إلى هوس التوسع الاقتصادي الذي تحول إلى الحلم الأمريكي، الحلم في أن يصبح كل جيل من الأجيال الأمريكية أكثر ثراء من الجيل الذي قبله عبر تنميط ثقافة: «اشتر الآن... وادفع لاحقاً»، الأمر الذي تسبب في إرهاقنا بالديون، بل وفي إرهاق كوكب الأرض. فنحن ننتج ونستهلك بمعدلات فاقت قدرة الأرض على امتصاص ما نلوثه، وإذا ما بقينا مستمرين في تبني «الاستهلاك المفرط» نمطاً لمعيشتنا، فعلينا إذن أن نبحث عن كواكب أخرى...

إن ضخامة الإنتاج القومي تشير ـ رغم أزمة الاقتصاد العالمية ـ إلى قوة الاقتصاد الأمريكي، وهذا خبر جيد، ولكن توجد أخبار سيئة إلى جانبه.

نشرة الطقس المحلية تنقل إلينا مزيداً من رداءة الأحوال الجوية والكوارث الطبيعية غير الاعتيادية: وابل من الأمطار الغزيرة في «كاليفورنية»، فيضان في نهر «أوهايو»، عواصف ثلجية في «فيرجينية»، أعاصير مخيفة في «أتلانتا»، ارتفاع شديد في درجات الحرارة في «تكساس».

والأنباء المحلية تشير إلى: ارتفاع معدل الفقر، تزايد أعداد الناس المثقلين بالديون، عدد المجمعات التسويقية (المولات): فاق مرتين عدد المدارس الثانوية! وتجاوزت أعداد الذين أعلنوا عن إفلاسهم في السنوات الأربع الأخيرة، أعدادَ خريجي الجامعات!.

معدل ساعات العمل في أمريكة فاق نظيره في الدول الصناعية الكبرى بما فيها اليابان!

النفايات الناجمة عن الصناعات تملأ قوافل تمتد بطولها إلى نصف المسافة الموصلة للقمر! 40% من البحيرات والأنهر لم تعد صالحة للسباحة والصيد بسبب التلوث وو....

ألا يعني كل هذا أن هنالك علاقة ورابطاً ما بين الخبر الجيد على ما يبدو، وبين كل تلك الأخبار السيئة؟

إن عصر العولمة يعني عولمة الاقتصاد، يعني وقوعنا جميعاً في أزمة واحدة، وكلنا بحاجة لأن نفهم لكي نتمكن من السيطرة على وباء الأفلونزا.

بهذه الدعوة إلى الفهم والإدراك، أنهى ضيفي مقدمته التي ظننت للوهلة الأولى أنه قد استوفى فيها حديثه عن «الأفلونزا»: وباء الاستهلاك المفرط، لأدرك بعدها أن ما قام به أولاً هو عرض الصورة الكلية، ليأخذك بعدها إلى موقع قريب من الصورة، فتبدأ تمعن النظر في تفصيلاتها الدقيقة، مستهلاً بإدراج صفحة تضم أربعة عشر عارضاً مرضياً لوباء «الأفلونزا»، «الاستهلاك المفرط».

Page 6

الأفلونزا -العارض المرضي الأول : حمى التسوق

«حبيبي.. اسمع.. عليك أن تحمل في جيبك كل ما معك من نقود؛ بل عليك أن تتفهم موقفي من الآن، فإذا ما أردتني أن أكون صديقتك الحميمة، فعليك أن تدرك من الآن أنني من النوع الذي يعشق التسوق، حبيبي هيا... هنالك كثير مما يستدعي الشراء، اسحب مدخراتك... ولنذهب فوراً».

آلن أتكيسون Alan Atkison

مطرب شعبي

وما إن استهل ضيفي جلستنا الثانية بالفقرة المقتبسة تلك، حتى نقلني إلى المشهد التالي:

«اليوم عيد الميلاد، والطفل «جيسون جونز - في الثامنة من العمر، يحشو فمه بالطعام، يهرول إلى غرفته ليملأ قائمة بأصناف الهدايا واللعب التي يحلم أن يقدمها له» «سانتاكلوز»[7]. في عيد الميلاد، وعلى الرغم من قناعة «جيسون» أنه ما من وجود حقيقي لـ «سانتاكلوز» إلا أنه كان يدرك تماماً أن والديه سيسارعان حتماً لشراء الهدايا والألعاب المدونة في قائمته كافة...

وما إن وصل والدا جيسون إلى قسم الألعاب في إحدى المجمعات التسويقية، بعد المعاناة من أجل إيجاد موقف لسيارتهم في المرآب الذي غص بمئات السيارات، حتى فوجئا بكثرة من يقف أمامهم في خط الانتظار الطويل أمام المخزن.

وازداد توترهما حدة؛ فالخوف إذا ما أخفقا في شراء آخر ما استجد من لعب هذا الموسم... وبعد طول انتظار وجهد، تمكنا من تأمين متطلبات «جيسون» كافة.

ولم ينسيا طبعاً، في طريق العودة أن يحضرا أشرطة الفيديو وأقراص الألعاب المدمجة، كي لا ينتاب «جيسون» الإحساس بالملل مساءً!.

لقد أشار إحصاء أجري عام 1999 أن (200) مليار دولار تنفق على هدايا أعياد الميلاد و(800) مليار أخرى على تسوق الأحذية والساعات، بينما تصل كلفة الدراسة الجامعية إلى (65) مليار دولار فقط!

ويمضي الأمريكي أسبوعياً ما يقارب من ست ساعات في التسوق مقابل 40 دقيقة يقضيها مع أولاده! بل إن 70% من السكان في أمريكة شغلهم التسوق عن ارتياد أماكن العبادة.

صحيح أن ما ننفقه اليوم على البضائع الاستهلاكية يسهم في ثلثي قوة الاقتصاد الأمريكي، ولكنه ينبي في ذات الوقت عن ضعف مناعتنا وقلة مقاومتنا لوباء «الأفلونزا»: «الاستهلاك المفرط».

وإذا ما أردنا معرفة أين يرتفع فيروس «الأفلونزا» فما علينا إلا أن نقوم بزيارة لأحد المجمعات التسويقية الضخمة، حيث تجد كل ما يمكن أن يغريك ويدفعك إلى التسوق؛ العشرات من مخازن البيع الضخمة لشركات عدة تعرض أمامك ما لا حصر له من البضائع.

ألوان من التسلية والترفيه تنقلها لك أجواؤها البراقة، سلسلة من المطاعم تقدم لك كل ما يمكن تخيله من أصناف الطعام: الأمريكي والمكسيكي والصيني والهندي والعربي والياباني وغيرها، عدا المقاهي والاستراحات.

لقد بات كثير منا ينظر إلى تلك المجمعات التسويقية على أنها المكان الأمثل لالتقاء أفراد الأسرة، وفي الواقع فإن كل فرد فيها يذهب بمعزل عن الآخر إلى المكان الذي يستهويه، بل إن الغالبية منا ترتاد المجمعات التسويقية تلك، وليس في ذهن أحدنا شيء محدد يود شراءه، ولكن استعراض الكم الهائل من الأشياء سيغريه حتماً بالشراء...

لقد بات الافتتاح الكبير لأحد المجمعات التسويقية والذي بلغت مساحته 42 مليون قدم مربع [أي ما يعادل مساحة 78 ملعب كرة قدم] وما رافقه من ألعاب نارية ـ بعد أن ولى عهد قص الشريط ـ يشكل حدثاً هاماً كبيراً يجذب إليه ملايين من الزوار والسياح.

أما إذا ما أردت معرفة «الناقل» لفيروس الأفلونزا فانظر إلى:

1ـ شبكة الاتصالات [الإنترنيت]: حيث يقضي 20% من سكان أمريكة أوقاتهم (خمس ساعات وسطياً في الأسبوع) أمام الكومبيوتر يبيعون ويشترون عبر آلاف من المواقع كل ما يمكن وما لا يمكن تخيله.

حتى إن شاباً في تكساس في السادسة والعشرين من العمر، أقسم أمام أبويه «المتخلفين تقنياً» على أن يبقى حبيس جدران بيته ـ عاماً كاملاً ـ مكتفياً لسد احتياجاته ورغباته بما يبيعه ويشتريه عبر مواقع الإنترنيت.

2ـ الدعاية والإعلان: إن أكثر ما أسهم في نشر فيروس «الأفلونزا» هو عالم الترويج المضلل.

فلننظر مثلاً إلى واحد من الإعلانات الترويجية التجارية حيث تظهر على شاشة التلفاز الممثلة الجميلة «بيكت رويس» وهي مستلقية على أريكة في أحد المجمعات التسويقية لتقول بنبرتها المثيرة: التسوق علاج... أصغِ إلى ذاك الهمس الناعم الذي يدور في رأسك ويناديك: تسوق.. تسوق... تسوق.

إن الترويج المضلل لمقولة: «كلما زاد شراؤك زاد توفيرك» ما زال مقنعاً ومؤثراً رغم استحالة تلك المعادلة حسابياً!.

Page 7

«نحن والآخر في الميزان»

مرت بي وأنا أنقل حديث ضيفي؛ حالة من تداعي الأفكار، شدّتني إلى مشاهد مشابهة في مجتمعي، تزاحمت جملة واحدة في مخيلتي، لا تختلف في مضمونها وإن اختلفت في إطارها، المال والأشياء فيها مصدر القيمة والاعتبار، واللهاث وراءها محور الحركة والحياة، لكن بفارق واحد هو:

أن الرغبات المتنامية للتسوق والاستهلاك في مجتمعاتنا العربية يقابلها عجز اقتصادي؛ الأمر الذي يزيد صعوبة تشخيص وباء الأفلونزا: الاستهلاك المفرط الذي انتقل إلينا بسرعة مع هبوب الرياح الغربية.

وعدت بالذاكرة إلى أول مرة زرت فيها أمريكة عام 1991، أُصبت حينها بالدهشة والإعياء، كل شيء فيها كبير وعريض وضخم، من الشوارع، إلى ناطحات السحاب، ومن وجبات الطعام، والسيارات، والمجمعات التسويقية إلى كمِّ المشتريات.

وكنت كأي زائرة أرغب في مشاهدة معالم أثرية حضارية، فأجد من حولي يقول: غداً سنصحبك إلى مجمع تجاري لم تشاهديه بعد...

فأقول في نفسي: أهذا كل ما تفخر به أمريكة؟!.

طبعاً لا أعني بكلامي عدم انبهاري بما في مراكز التسوق من ألوان جذب وتسلية، وبما تحمله مخازنها من نظافة وترتيب وأناقة وجمال عرض. والأهم؛ التسهيلات التي لا حد لها في عملية البيع والشراء والتي زادت بدورها من القوة الشرائية وقوة الاقتصاد الأمريكي؛ إلا أنني وبالرغم من كل ذاك البريق، سرعان ما شعرت بالملل وتملكتني رغبة قوية بالعودة سريعاً إلى أرض الوطن.

أما زيارتي الثانية عام 1996 ضمن مجموعة «برنامج الزائر العالمي»، فقد حملت لي بعداً آخر وانبهاراً بشيء يحمل خصوصية وتميزاً: العلم.

العلم وكل ما يتبع تلك الكلمة من: علماء، أساتذة وجامعات وطرائق تدريسية وفرص وحوافِز علمية، ومنح دراسية، واحتضان مواهب، وإبداع علمي، وكل ما يوفره المناخ العلمي من اجتهاد وإبداع وحرية تفكير وتعبير.

وتعلمت لغة الأرقام ـ التي ظهرت بوضوح في حديث ضيفي ـ وأهمية المسح والإحصاء عند طرح أي مشكلة ومناقشة أبعادها على أرض الواقع.

عدت من بلد يحمل شعبه كل الأضداد: حذقُ العلم وغفلة الجهل، المكر والطيبة، الخبثُ والسذاجة، الانضباط والتفلت، الصواب في الوسيلة والشرود عن الغاية، عدت مفعمة بالحيوية والنشاط؛ أشعر بقيمة الوقت وأهمية الالتزام، أحلم بمزيد من العلم والعمل لأكون أمّاً أفضل، زوجة، ابنة ومواطنة أفضل؛ باختصار؛ عدت وأنا أمسك كتاب ربي بقوة أكثر... وفي طريق العودة...

وفي طريق العودة... وما إن عبرت بي السيارة شوارع دمشق الحبيبة عائدة من المطار، حتى وجدت إعلانات ألصقت في كل مكان وزاوية من زوايا الطرقات، حملت بالأحرف البارزة: «أخيراً، صار عنا مول»[8].

فقلت: يا فرحتنا... أهذا ما نحتاجه؟! ولدينا أعرق وأقدم أسواق في التاريخ، سوق مدحت باشا والحميدية! أم تراه كان إعلاناً عن:

«أخيراً صار عنا أفلونزا» دون أن أدري؟!

وما أسرع ما تتالت المشاهد التي تحمل صوراً عن تهافت التقليد الأعمى والمحاكاة للغرب، سواء في الأسماء الأجنبية التي تتصدر واجهات مطاعمنا ومحلاتنا التجارية، أم في تنطّع أصحابها بمفردات أجنبية خلت من دقة اللفظ تماماً مثلما خلت آلية التعامل مع الزبائن من الكياسة، بل مثلما خلت آلية العمل التجاري كُلِّه من الفنية، والتطور، والعلم[9].

أصبح حالنا أشبه «بالغراب» الذي أعجبته مشية «الحجلة» فراح يقلد مشيتها، فلا هو أتقن فنها في المشي ولا استطاع أن يعود إلى مشيتِهِ.

انفرجت أساريري عن ضحكة ساخرة وأنا أنقل عن ضيفي حديثه حول الافتتاح الضخم لأحد المجمعات التسويقية ـ فالافتتاح الضخم يتناسب ـ على الأقل ـ مع ضخامة المجمع التسويقي، وضخامة الثروات التي يمتلكها أصحابه.

أما أن تقرع الطبول، وتأتي فرقة «العراضة» الشامية، والسيف والترس مضافاً إليها بخلطة عجيبة موسيقى غريبة على أضواء ليزرية من أجل افتتاح دكان لا تتجاوز مساحته ـ كما يقال ـ مترين بمتر، فهذا والله مدعاة للضحك...

وهنالك مشهد مركب أكثر مدعاة، ليس للضحك، بل للحنق... وذلك حين يرافق الافتتاح الكبير لمتجر صغير توزيع مجاني لكتيبات أدعية وأذكار تحمل سوراً من القرآن الكريم؛ أسلوباً من أساليب الدعاية والترويج!!!

Page 8

حوارٌ.. ولكن

التفتُّ إلى ضيفي، وقلت: هل تعلم أن «محمد أسد» قد زار دمشق قبل منتصف القرن الماضي، وتحدث عن انطباعاته حولها في كتابه: «الطريق إلى مكة»؟

[الضيف: صامت].

يقول محمد أسد: «لقد وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الداخلي يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعاملون بها بعضهم بعضاً، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدْرٍ من الخوف والحسد، حتى إن صاحب دكان منهم، يترك دكانه في عهدة جاره، كلما دعته حاجة إلى التغيب لبعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبوناً يقف أمام دكان غاب عنه صاحبه، فيتساءل الشاري فيما بينه وبين نفسه إذا ما كان عليه أن ينتظر عودة البائع أو ينتقل إلى الدكان المجاور، ليفاجأ بالتاجر المجاور ـ المنافِس ـ يسأله عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة ـ لا من بضاعته هو ـ بل من بضاعة جاره الغائب، تاركاً له الثمن على مقعده! أين؟ أين في أوروبة يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة؟!»[10].

[الضيف: صامت].

قلت: كم يُعجب المرء بأسلوبكم العلمي القائم على المسح والإحصاء لتحديد حجم وأبعاد المشكلة، وخفت أن يسألني: «ماذا عن عمل مؤسسة الإحصاء وخريجي كلية الاجتماع في بلادكم؟» ـ فأتيهُ عن الجواب...! ولكن ضيفي ما زال ـ بحمد الله ـ صامتاً.

قلت: أتدري؟ لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحصاء قبل 1400 عام.

فقد روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحصوا لي كم يلفظ الإسلامَ، قال حذيفة: فكتبنا له ألفاً وخمس مئة رجل»[11].

[الضيف: مستغرقٌ في الصمت].

آه... نسيت... جليسي لا يتحدث العربية.

Page 9

الراية ترفع اليوم

لشد ما أدهشني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه، فإنها معركة الشيطان وفيها ينصب رايته»[12].

لقد استشرف سيدي رسول الله بأنوار النبوة أن الأسواق هي المكان الأمثل الذي يرفع فيه الشيطان وأعوانه (الشركات الاحتكارية الضخمة) رايات الفوز...

وعلى الرغم من بساطة الأسواق حينها وسذاجة العرض، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر من خطر استحواذ التسوق والاستهلاك على النفس لدرجة تجعل الإنسان أول من يدخل وآخر من يخرج من السوق، مشيراً بكلمة: «إن استطعت» إلى الابتعاد ما أمكن عن مراكز التسوق حتى لا تتحول الوسيلة ذاتُها إلى غاية.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك يقيناً ما يمكن أن تحدثه التجارة أو اللهو من وقع على النفس، والله عز وجل يقول:

{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ *} [الجمعة: 62/11] .

فإذا كان هوى النفس قد حمل بعض الصحابة على ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في مسجده، بحثاً عن اللهو أو التجارة!، فكيف بمسلم اليوم وسيل رغباته إذا ما رأى تجارة مقترنة بلهو؟!.

Page 10

نحن... وعالم الإعلان وشبكة الاتصالات

ترى هل سيصل هوس التسوق إلى الحد الذي نبقى فيه حبيسي غرفنا نبيع ونشتري عبر مواقع «الإنترنيت».

شبابنا ـ بلا شك ـ مسمَّر اليوم أمام شاشات الكومبيوتر، ليس بغرض إثراء المعلومات، ولا حتى لعقد صفقات بيع أو شراء، بل في ما لا حصر له من الاستخدامات العبثية، إلا من رحم ربي.

إن باستطاعتي أن أفهم السبب الذي جعل محمد أسد - ليوبولد فايس - يزداد رسوخاً في الإيمان بالرسالة الخاتمة لحظة وقعت عيناه على قوله تعالى: {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (*) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ} [التكاثر: 102/1-2] .

لقد أجملت له تلك الآيتان الكريمتان بإعجاز مبهر، حال إنسان العصر، بل إنَّ فيهما تلخيصاً عاماً وشاملاً لكل مراد «المؤلف» من كتاب «الأفلونزا» كما سيكتشف القارئ بنفسه، وقد آن الأوان لنضع تعريفاً لـ «الأفلونزا»، وباء الاستهلاك المفرط، بالمصطلح الإسلامي؛ إنه وباء التهافت والتكاثر والاغترار بمتاع الدنيا.

وما أفدح خسارة من يلهيه الجمع والتكديس عن غاياته، ويبقى مستغرقاً لاهثاً وراء أشيائه إلى.... أن يضمه القبر.

هنالك «إعلان» كانت تبثه إحدى الفضائيات العربية ـ لم يعد مشاهَداً ـ عن شاب استغرق في المكوث أمام شاشة «الكومبيوتر» حتى نسيَ صلاته والقيام بواجباته فأصيب فجأة بنوبة قلبية أوصلته القبر.

الإعلان وإن بدا قاسياً إلا أنه يكشف حقيقةً عن واقع مر.

ولكن إعلاناً كهذا لا يطول بثه في عصر الاستهلاك، ولا بد من توجيه الأنظار إلى مشاهد أكثر إثارة وإشعالاً للرغبات الاستهلاكية، فكانت المرأة مفتاح الترويج ومادة العرض. فهي أقدر على أن تحرك بتحركات جسدها وحبالها الصوتية رغبة وشهية الزبون ليمضي قدماً إلى تجربة «بضاعتها».

إنه عالم جديد لسوق نخاسة جديد. قديماً كانت «الإماء» يُعرضن في سوق النخاسة كاشفات الجذع والبطن ليتمكن الشاري من معاينة صلابة عود «الأمة» الأكثر تحملاً لمشاق الخدمة.

وفي الأسواق اليوم «الحرائر» وهن كاشفات البطن، وحدِّث ولا حرج عن حال مروِّجات العصر.

ترى هل أصبح عالم الدعاية والإعلان يروج للبضائع الاستهلاكية فحسب؟ أم بات يعلن عن مقدم عصر رقٍ أكثر بريقاً...؟!

وقبل أن أتلقى الجواب، سأترك لضيفي الساحة ليكمل كلامه...