eKtab
EN ع
حمام القرماني
Read free sample

حمام القرماني

by نجوى الزهار

Page 1
المقدمــــــة

صباح الخير، مساء الورد، السلام عليكم.

طابت أيامكم وغمرتكم أكاليل الرضى.

إلى من يقرأني الآن، وإلى من سوف يقرأني عندما أغيب عن هذا الكون الجميل.

كنت قد مارست الكتابة، كتابة هذا النص «حمّام القرماني» قبل ما يقارب الخمس سنوات. وكان السؤال: ماذا فعلت بما كتبت؟

وجاء الجواب، بأن الزمن المناسب عندما يحضر سوف يكون لهذا النص مكان تستقر فيه بعض من معانيه وحروفه على صفحات الورق في كتاب مطبوع.

وتغير مذاق الياسمين في بلادي.

وها نحن في بيروت. بيروت التي تحملت آلامها سنوات طويلة، مضت مع الدعاء المتوالي لها بأن يظل لون بحرها الأزرق فرحاً بأبنائه ولياليه، أرادت لهذا النص أن يكون عبر «دار الفارابي» في بيروت.

اللغة والأحاسيس هي ما نمارسه جميعاً سواء أكان ذلك في الكتابة، الرسم، الغناء، الحديث الجواني، الكلمة الحنون، واليد التي تتحرك دوماً لتلامس كل ما هو حقيقي، هي ما يجعل للذكريات خميرة متجددة. فنحن جميعاً أياً كان موقعنا نمارس الإبداع. لكي نتحايل على ما نصادفه في حياتنا، نمارس الإبداع في جعل الجمال هو ما نتذوقه، هو ما نلمسه، وهو ما نتحدث فيه وعنه في جعل الجمال هو القوة الحقيقية لكل زمان ومكان.

ماذا أريد؟

لقد سردت ذكريات لشخصيات بعضها تزامن مع زمني، وبعضها الآخر أمسكت به عبر أثير لا أدري مصدره في الحقيقة، والحقيقة الحقة. إنّ كتابتي هي التي تحاول أن تمسك بالجمال، الجمال في بلاد الشام عبر مياه متدفقة، عبر أطواق الياسمين أرادت أن تمسك تلك الصور الجميلة.

وتغير مذاق الياسمين في بلاد الشام، ولا أقول غاب الياسمين، ولا أقول تخلى الورد الجوري عن عبقه. فماذا أريد؟.

أواه يا بلادي! ماذا أريد؟

أريد أن يظل الياسمين في بلادي محتفظاً بلونه الأبيض، بأوراقه الخضراء. أريد من الياسمين في بلادي أن يداري جذوره الباحثة عن الحب والأمان.

أريد أن أمسك بأصوات البائعين في بلادي عندما كانت حناجرهم تغني أجمل الألحان. أريد من صورة بائعي الصبار أن ترسمها يد السحاب في حاراتنا وهم يرشون الماء على أكواز الصبار بيد، وباليد الأخرى يسقون نبات الريحان والياسمين.

ماذا أريد؟

أريد أن أقول لمن يقرأني الآن أو غداً أو بعد زمن وزمن إننا لم ولن نضيّع مفاتيحنا السرية، تلك المفاتيح التي كانت تبقينا على تواصل مع ذواتنا، مع جيراننا مع كل شجرة برتقال وليمون، نحن لم نضع. لم نفقد تلك المفاتيح، ولكن عندما تغير طعم الياسمين في بلادنا، وعندما اختبأت زهور أشجار اللوز، أمسكنا بتلك المفاتيح وزرعناها في تراب بلاد الشام لكي تكون بانتظاركم. أنتم الذين سوف تمسكون بتلك المفاتيح السرية، ولسوف يكون بناؤكم هو استعادة الروح الشامية لفرحها. وعندما تمسكون تلك الأحجار المتراكمة، اقتربوا منها. اسألوها بداية عن حالها وأحوالها. اسمعوها تذوقوها. ولسوف يحدثكم المسجد عن فرح مئذنته، والكنيسة عن عذوبة أجراسها، تمهلوا تمهلوا وأنتم تعيدون البناء. ابحثوا عن كلامنا من الطوبة والطوبة. شاهدوا أعراسنا في الأثير المحيط بكم. اتحدوا بكيمياء كلامنا ضحكنا. اجعلوا السهل يتعانق مع الجبل، واجعلوا السهل يمد يديه ليلامس قمم الجبال. وعندما تبدأون بالغناء:
Page 2
«موطني موطني..... الجلال والجمال»

اتركوا لنا مساحة صغيرة، أغمضوا عيونكم، فمن وراء أغنياتكم لنا أغنية.

باستطاعتكم أن تسمعونا، باستطاعتكم أن تشاهدونا، ارفعوا الرؤوس عالياً عالياً، فثمة سحابة بيضاء تريد أن تقول لكم سلاماً. ردوا السلام علينا.

هنالك ياسمينة بيضاء تعربش على أسواركم، ردوا السلام إليها.

لا نودع، بل نسلم عليكم تسليماً دائماً.

لقد صار قلبي قابلاً كل صـــورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبـــــان

وبيت لأوثان وكعبة طائــــــف

وألواح توراة مصحف قـــــرآن

أدين بدين الحب أنى توجهـــــــت

ركائبه فالحب ديني وإيمانــــــي

(ابن عربي)

من أنا؟

(«حيـاتنا: كيف تترتب مفاهيمها؟ كيف نكتسبها؟ واليوم وأنا أعود إلى بداية البدايات لا أعرف مما نسج ثوبي، وكيف تكونت له كل هذه الألوان. لا أستطيع القول إنّ الحب الذي امتزج بهذا البيت، بيت جدتي، شجرات ياسمين بيضاء وليلكي، بحيرة تتوسط الديار، ذات مياه لا تتوقف عن الجريان، غرف واسعة متقاربة متباعدة بفعل أدراج متواصلة متصلة. شجرات ليمون وبرتقال من غير المسموح قطف ثمارها، نباتات تحيط بالديار تسقى وتلمع بعملية لا تنتهي، شجرة لبلاب متسلقة. لا أستطيع القول إنّ بهذا كان تكويني شيئاً أبداً ولا أعرف حقيقته. فتلك شجرات الياسمين الثلاث التي زرعت يوماً ما بيد لا نعرفها نحن. هل كانت الياسمينات تعرفها؟ وهل كان بإرادتها أم بغير إرادتها أن تتوحد ليلاً وتستقل جذورها نهاراً؟ أم كانت تعرف أنها عندما تنزع غطاءها هذا كل صباح، بانتشارها على أرض ديار، مغرقة بالتوهج أنها ديارنا؟. إنها أيدينا التي تمتد إليها مداعبة أزهارها لترد عليها تحية الصباح. ومن من زوارنا كان يعرف أنه إذا ما قرع باب بيتنا في لحظة معينة سيكون بانتظاره طوق صباحي من الياسمين الأبيض والأصفر والليلكي؟ وهذه الشجرات من أين لها أن تعرف أن عم أمي له مثل هذا الإحساس بأن الجمال الحقيقي لا يحصر بشكل....
Page 3
فهذه الثمار النضرة المتوهجة لها أيضا جمال الثمار ذاته، فتجعّدت قشرتها الخارجية وجفت ينابيع مياهها الداخلية، أم أنها هي التي أوحت إليه بفكرة عدم قطفها لكي نستطيع نحن من عشنا في هذا البيت أن نرى وجه الأجداد ونسمع حديث الأجداد؟ شاهدوها نشاهدها تشاهدنا. أزهار الياسمين، أشجار البرتقال والليمون تعرف جزءاً من حقيقتنا. وأنا الطفلة الأصغر سناً لوالدتي المطلقة. لعلي كنت أتعلم من شجرات الياسمين،البرتقال، الأدراج المتصلة والآيات القرآنية. وإلا فما معنى أن أصر على وجوب زواج أمي لكي تستقر، وأنا لم أتجاوز الرابعة من عمري؟. فالانفصال السلبي لم يكن موجوداً في عالمي. فالأدراج التي كانت تفصل في بيت جدتي كانت أيضاً وسيلة اتصال. وأمي يا أمي وإن ذهبت للزواج، فأنا أعلم تماماً أن الأدراج بيننا، تلك الأدراج كانت معي عندما ذهبت للزوج طالبة للطلاق وليس الانفصال. وكم حاولت أن أشرح له أنني بطلاقي لا أنفصل انفصالاً، لا أبتعد بعيداً. فقط أحدد طبيعة العلاقة بيننا. فالأدراج بيننا دائماً. فتلك شجرة اللبلاب يا أيها الزوج، تلك الشجرة كانت جذورها في ركن من أركان أرض الديار، ولكنها كانت كل يوم تفاجئنا بامتدادات، بتسلقات، وكم ابتسمنا لتحيتها الصباحية غير المتوقعة عبر الإطلالات من ثنايا النوافذ البعيدة كل البعد عن جذورها من دون أن تفقد جزءاً حقيقياً منها.

شجرة اللبلاب فهمت تماماً أنها لن تقوى على منع تلك الامتدادات، وتلك الامتدادات عرفت أيضاً أن سر وجودها يكمن في تلك الجذور البعيدة القريبة منها. وأنا أيضاً أريد جذوري وأريد أيضاً امتداداتي. ولسوف أطل عليك كل صباح، فأطفالنا هم الامتدادات التي لا تنتهي براعمها. هم التسلقات الثابتة على قلبك وقلبي. لم يفهمني..... لم أفهمه.... عدم الفهم نعيشه جميعاً، نمارسه أيضاً جميعاً. وما الاعتذار الذي نبديه لبعضنا البعض إلا فهم متأخر مع أن الكون بكل ما فيه نتقاسمه معاً. ولكن دائماً الأشياء تعاود تكرار الأخطاء نفسها، الاعتذارات، الفهم المتأخر. فنحن نصر على أن عطاء الآخرين، ربيعهم، جمال ثمارهم، يجب أن يأتي في اللحظة التي نريدها نحن. لا نريد أن نعرف شيئاً عن عمق شتائهم، عن حاجتهم لحطبنا لنارنا، إلى أن يأتي يوم ما نصادف فيه شتاء يشبه شتاءهم، ورياحاً تهتز لها أشجارنا كما اهتزت أشجارهم. في تلك اللحظة نحاول الفهم. فالدموع يجب أن نتذوقها، لنتأكد من أن دموع الآخرين لها أيضاً الملوحة نفسها. وأنا كيف لي أن أفهم ذاك الرجل الذي طالما شاهدته يجوب الشوارع حاملاً كيساً على كتفيه في الساحة الخالية المقابلة لمنزلي، يغتسل بما تبقى من مياه متجمعة بفعل المطر. في يديه علبة فارغة يستعملها كمرآة، كيف لي أن أفهم، وكيف لي أن لا أكون متأكدة أنه بحاجة لمساعدتي؟ في هذه اللحظة تركت ما بيدي، وذهبت إليه مسرعة مع مخاوف بأن لا أقدر على اللحاق به، وكان لا يزال في مكانه يمشط شعراً طويلاً مكتسياً بلون الحناء. وبعد أن حييته، قلت له بصوت خافت: أرجوك أن تأخذ هذا. وقبل أن أكمل كلامي ويدي تحاول أن تمتد إليه أكثر، رمقني بتلك النظرة الحادة التي عرفت طريقها إلى ذكرياتي وذاكرتي قائلاً: لماذا لماذا؟ قلت بصوت أكثر انخفاضاً مما سبق: هذه نقود إنك بحاجتها! فأعاد القول: لماذا؟ ومن قال لك إنني بحاجة إلى هذه النقود في ذاك الزمن؟. وقبل أن يهتز عالمي الداخلي بفعل ظروف باعدت بيني وبين سهولة العيش، لم أستطع أن أفهمه، بل على الأغلب أسأت فهمه. فقد كان يمارس عمله بالبحث في النفايات عما يستطيع العيش منه. لا يريد أن يكون متسولاً. أما أنا فلم أر غير منظره الخارجي، ولم أنتظر أن يسأل يد المساعدة، كان قراري تصرفي.... ولكني اليوم عندما أراه وقد أصبح جسده يقارب الأرض انحناء، وعلى رأسه بعض من شعيرات لا تزال تكتسي بلون الحناء، حاملاً كيساً يزداد حجماً واتساعاً، أرى سياج الكبرياء يحيط به ويعطيه أوضح مرآة يرى بها روحه المليئة بالقناعة والرضا، عندها أقول له معذرة يا صديقي، فلقد فهمت معنى الاغتسال بمياه المطر.

هذا الذي لا أعرف حقيقته، بدايته. لا أبحث عنه اليوم في ثنايا الذاكرة؛ فالأحداث المليئة بالود، الوجوه، أشجار الليمون، البرتقال، الياسمين، المياه المتدفقة، الصباحات، المساءات. الأشياء كلها متواجدة في ربيعها صيفها شتائها خريفها. فعندما نجوب الشوارع مشياً، ونحن البعيدين كل البعد عمّا اصطلح على تسميته الحدود الجغرافية من ذاك البيت الدمشقي «سوق ساروجة»[1].... الذي امتدت إليه يد التنظيم السلبي لتشيد على أرض دياره لوحاته مياهه أحاديثه ضحكاته همساته مساءاته وصباحاته.... شارعاً يتيماً بلا أم بلا أب. ذاك الشارع ربما تحنو عليه في بعض الأحيان جذور أشجار الياسمين ولكن! جذور أزهار الياسمين في أي مكان وأي زمان تقول لي بلغة لا أستطيع أن أفك حروفها لأكتبها لكم؟... ولكن المعاني تعرفها وأعرفها أنا.... قالت لي يوماً وأنا ألامس شجرة ياسمين في منعطف ما.... إنّ قاماتي وإن امتدت إلى داخل الأرض، فلا نزال على حالنا نصحو معاً، نفرد أزهارنا على أرض تلك الديار المتوهجة بالألوان ذاتها، الأبيض والأصفر والليلكي..... على تلك الأرض غير المرئية إلا العيون التي تعرف تماماً كيف لا تنتهي الأشياء، هي فقط تغير أبوابها لحين وادوارها لحين..... ولكن الأدراج... هي معنا، ليكون درب العودة درب البداية مضاء بهذا الذي لا أعرف حقيقة بدايته. فعندما تمتد يدي لتمشط شعري، تمتد يد خالتي عبر ما اصطلح على تسميته المسافات لتساعدني قليلا،ً لتقول لي: لا يا صغيرتي، فهذه التسريحة أجمل على وجهك، دعي جبينك يرى الصباح والمساء أيضاً. لا تدعي الشعر يحجب عنه نور الشمس. في تلك اللحظة أرى شعري القصير وقد تطاول ليعود إلى تلك الأرض الذي كانت فيه ضفائري الطويلة الحمراء تنتقل بيني وبينهم. هي لي هي لهم. هي جزء من التسلقات، من الأدراج التي بيننا.

تصحو خالتي يوماً، تمسك الأمشاط، الدبابيس، كأساً من الماء. أفرح لندائها، تمسك ضفائري، تفردها تمشطها. لماذا ذهبت رائحة الغار[2] من شعرك؟ لعل على جدتك الحمام المقبل أن تزيد كمية الطرابة[3] المعطرة...... تهمس لي ألا أتزين. لقد أحضرت اليوم مشط جهاز جدتك الموشح بالأحجار الملونة. أطلب منها أن أمسكه قليلاً، لا ترفض. أمسكه، لا بل هو الذي يمسك بيدي». (من كتاب: ابتسامة بيضاء لنجوى الزهار).
Page 4
مذاق الكلام

سألتني نجمتي: كيف يكون طعم الكلام؟ هل له مذاق؟ أتشعرين بطعمه وأنت تتكلمين يذوب عسلاً؟ أم أن العسل هو كلام اتخذ صفته؟ هل ترين بياض الكلام ثلجاً؟ أم أن الثلج هو كلام اتخذ صفته؟ ثم عاودت السؤال: هل تنظرين إلى العيون؟ نحن في عالم النجوم، ننظر إلى العيون ملياً، نعرف أن للكلام طعماً فنتذوقه. بعضه نمتصه رويداً رويداً ليسري مباشرةً في القلب.

سألتها: يا نجمتي عندما كان الشجار، الخناق في أروقة حارتنا، هل كان لكلامهم طعم في الأفواه؟

صمتت نجمتي: ثم قالت:

الإنسان عاشق للجدران، للأبواب، لا يُريد إلا المواثيق المكتوبة. نحن في عالم النجوم لا نعتمد الأوراق مطلقاً، يكفي أن تمرّ نجمة أمام نجمة، ليُعرف أن الحب قد استقر بينهما. يكفي أن يمر رجل أمام بيتي، لأعرف أنه يُريدني. لا نحتاج إلى طرق الأبواب، إلى فتح الشبابيك، لا نحتاج إلى العهود، المواثيق... أنظري إلى هذه الأوراق المتراكمة، هل تضمن الحقوق؟

ولكن؟

قلت: لا لا نحن بحاجة إلى الأوراق، العلامات المدرسية يجب أن تأتي في ورقة، الزواج في ورقة، حتى الطلاق في ورقة. سمعت أمي تقول: ما أسعدني عندما استلمت ورقتي.

يا نجمتي أبي من البداية، رفض إرسال ورقتها، رفض الطلاق. ثم قال: إن كبرياءه لا تسمح له، هي لا تُريده، هو يُريدها، فليُطلّق! وهو المُمسكُ بورقتين رابحتين.. أختي وأنا.

شعر بانتصاره موقتاً....

ولكن عندما كثرت تساؤلاتي عنها، عن أم الأشجار، البساتين، أمسك أبي بكلماتي، ثم وضع بها قليلاً من محلول الحنان لعلّ قلب أمي يرقّ. ثم استعار بعضاً من أجنحة الطيران لتصل سريعاً إلى مسامع أمي. سألني يا نجمتي بأي مكانٍ أحتفظ بدموعي؟ ركضت مسرعة إلى وسادتي، وأعطيته بعضاً منها، لكي يبدأ بعجن الكلام.

ولكن يا نجمتي، لابد له في النهاية من أن يكتب ذلك في مكتوب، وإلا كيف سوف تسمع أمي ما قلت؟ لا لا أخالفك، يجب أن يكون هناك بعض من الأوراق.

كان الصمت......... قالت نجمتي: تابعي، تابعي...

ـ أتابع ماذا؟

- هذا الحديث!

- أي حديث؟

إنني أغيب يا نجمتي، أغيب، ألا ترين الشمس في غروبها؟ إنها تسكب ألوانها، تريد الذهاب إلى من ينتظرها. دعينا نحاول أن نغير مجرى هذا الحديث، فما عدت أدري يا نجمتي من القائل؟ من السامع؟

فنجان قهوة أول
Page 5
شاليمار

سألتني صديقتي المقرّبة من قلبي: متى ستعاودين الكتابة؟

- سأكتب. سأكتب.. أجبت.. ولكن ثمّة مشاغل تُشغلني.

- ماذا، مشاغل عن الكتابة؟ يجب أن تكفّي عن هذا، عليك أن تضعي برنامجاً محدداً، فمنذ كتابك الأول لم تبادري إلى نشر أي جديد.

- رغماً عني. معذرة صديقتي.

سرحت بفكري إلى أيامٍ مضت. كنت عاشقةً لكتاباتِ كاتبٍ مشهور، أشتري كتبه، أعيش كل نَبضة، أجول في كلّ نقطة، إلى أن جاء يوم، علمت فيه بحضوره من الخارج لإعطاء محاضرة عن إبداعاته. احترت في أمري وأنا في انتظار محموم، والأسئلة تضج في دواخلي.ماذا سأسمع؟ وأيضاً تحضيرات الأنثى، ماذا أرتدي؟ أركض باتجاه مكتبتي لأعيد ما قرأت، هل فهمت كل شيء..؟.

أحصي في قلبي وعقلي كل ما قال... أتساءل ماذا لو اقتحمت عوالمه وسألته أن يُعطي شخوص قصصه شيئاً مما عندي؟...

جاء اللقاء ليصل متأخراً.. متأخراً جداً. قلت لذاتي لا يهمّ، سوف يشرح لنا سبب هذا التأخير........ لكنه لم يفعل.

قام الحضور، قامت الحاضرات، بل قامت القاعة برمّتها للترحيب، الترحيب الحار جداً، بتصفيق رفع من حرارة القاعة. بادَرَنا بهزّةٍ صغيرةٍ من رأسه، أعدتُ القول لذاتي: لابد أنه شعر بالإحراج من هذا.

قيل لنا لنبدأ الأسئلة. ابتدأ البعض بطرح الأسئلة التي امتدّت من الفعل إلى الفاعل إلى المفعول به إلى التذكير إلى التأنيث إلى أو الجر... لم أستطع أن أفهم أغلب الأسئلة. وبالتالي لم أفهم أياً من الأجوبة. كان يُجيب أحياناً بهزّةٍ من رأسه.

عدمُ فهمي أرجعتُهُ إلى أسبابٍ ذاتية، ولكن رغماً عني بدأت السير باتجاه آخر. ثم طلب الحضور منه بإلحاحٍ شديدٍ أن يحدّثنا عن مشاريعه المستقبلية.

قال: إنّ ثمة موضوعاً قد طُلب إليه الكتابة عنه، ولسوف يضعُ برنامجاً محدداً لذلك.

برنامجاً محدداً! برنامجاً محدداً... موضوعاً محدداً! موضوعاً محدداً.

تملكني شعورٌ جارفٌ حزينٌ. أهو التخطيطُ المبرمجُ لما يكتب؟ كان باعتقادي أن بحر الكلمات يأتيه هائجاً فَيُلقيه لنا على صفحات أوراقه، وأن المعاني تأتيه كفراشات طائرة، وأنه لا موسم لديه لإبداعاته. فالبحر في مدِّهِ وجزرهِ هو الذي يُملي عليه متى وكيف؟ هكذا كان اعتقادي. ولكنه قال وأنا سمعت، إنه يخطّط لذاك المشروع الذي أصرّ البعض عليه، لأن الظروف ملائمة لمثل هذا الموضوع.

أهكذا يا أيها الصديق الذي مضى، تعد العنوان؟ وتعد الوقت الكافي؟.. لعلك تعدّ الفواصل ثم عدد الكلمات... ثم النقاط.
Page 6
فنجان قهوة آخر

- أين أنتِ؟ هل كتبت شيئاً جديداً؟

- لا لم أكتب بعد.

- ماذا لو كتبت عن معاناتك؟ عن إحباطاتك؟ إنها مواضيع تستحق القراءة.

ماذا تقول صديقتي! نعم إن الكثير قد مرّ بحياتي، ولكنه لم يُخلّفْ ألماً. فكيف أكتب ما لم أعد أشعر به؟

- ولكن هل تنسين كل الذي مر بك؟

- لا أحد ينسى. ولكن في بعض الأحيان، عندما أحاول كتابته، شارحة تلك المعاناة التي مرت في ذاك الزمن، يطلّ عليَّ الحدثُ محدّقاً إلى عينيّ ليقول لي: أنتِ لم تري الصورة الأخرى. نعم كان هنالك ألم، ولكنه وبإرادتك تجنّبتِ النظر إلى بعض الأمور التي كان من الممكن أن تخفف هذا الألم، أو بالأحرى لا تستدعيه مطلقاً.

فأحداث عمري عندما أتحاور معها تأتيني بصورة متغيرة.

- ماذا تقولين؟

- أخشى يا صديقتي أن كتبت قصتي أو أحداث عمري، أن أعاود كتابتها من جديد بأحرف جديدة، بمعانٍ مختلفة، ولسوف أعاود وأعاود الكتابة، لأنها سوف تطل عليّ كل يومٍ بمعنىً آخر. بمنطقٍ آخر.

- ولكن هذا الذي تبوحين به، بعيد عن الواقع، بعيد عن الصحة.

أصمت أنا. تصمت صديقتي.... فننعم بنعمة الصمت، لأقول لها: لم تأكل القمح.
Page 7
لم تأكل القمح

في هذا الصباح أردت الكتابة. إلى أن جاءت ثانية تانك الحمامتان إلى شباكي. كنت ممسكة بقلمي، نظرت إليهما ملياً، فلقد وضعت القمح ليلاً حتى يكون الفطور جاهزاً. ولكن هل وضعت كمية القمح التي لا تكفي؟ فهذا الدوران لم أعهده من قبل. فعاودت من جديد، فتح الشباك، وضعت القمح ثم عدت إلى فراشي لكي أكتب.

يا صديقتي أصبح على شباكي أربع حمامات، لا أعرفهنّ من قبل. واحدة بينهنّ لم تأكل القمح! لم تكترث لشيء! سوى أن تجول من بداية الشباك إلى نهايته. أُصاب بالحيرة، ما معنى سلوكها؟ فأغيب إلى معانٍ أخرى.

هجرة الفراشات، كيف تهاجر؟ ثم أنظر إلى السماء فأرى أسراباً من الطيور فأقول لها: يا أسراباً متوحدة تطير باتجاه واحد، بمسار واحد، لديك بعض من المنطق. إلى أن يقفل عائداً عصفورٌ واحدٌ، يترك سربه، ليُعاود الرجوع في طريق انعكاسي.

بالله عليك يا صديقتي كيف أفهم هذا؟ كيف نفهم أي شيء؟ ولكني سأحاول الكتابة، لأن بعض الأمور هي التي تمتلك الأجنحة لكي تستقر في الوجدان، وهذا الوجدان عندما يفيض يحتضن قلماً، يمسك ريشة، يشدو بقصيدة، يتلهف على عناق، ليكون لقاء الأشياء للأشياء؟
Page 8
بابور الكاز

قولي لي هل من جديد؟

شعرت بالإحراج، لم أستطع أن أبوح لها بما يُشغِل بالي هذه الأيام. ذاك الذي يشغلني بعيدٌ جداً عن أيّ مُخيّلة. وشعرت أنني إذا عرفت بعضاً من حقيقته، أستطيع الكتابة على نحو أوضح، فلا أتيه ويتيه معي من يقرأني. ولكن قبل ذلك أريد أن أتوجه إلى من يقرأني، حتى نكون على قدر ولو قليل من القرب.

ما رأيكم أن ندع الكلام يختمر قليلاً، أيكون ذاته بعد الاختمار؟ أن ندع الأحاسيس تهدأ قليلاً، أتكون ذاتها بعد ذلك؟ وما الوهم إلا التوهم بأننا نعرف شيئاً، إن كنت مخطئة فتعالوا معي، ساعدوني على ما يشغل بالي.

ما يشغل بالي بابور الكاز، بابور الكاز كانت الجدات يستعملنه. ولمن لا يعرفه سوف أصفه قليلاً، ولعلي سأطلب المساعدة في أن يُرسم بابور الكاز. هو نار مشتعلة من الأعلى، لديه خزان وقود.

لا يزال صوت جدتي في ذهني: لماذا صوت بابور الكاز مخنوقاً؟ فتأتي خالتي بشيء ما، صغير صغير جداً، له ما يشبه الإبرة في أعلاه تُعالج به البابور، فيعاود الإنشاد كما تحب جدتي.

أتساءل لمن القوة في هذا؟ أهي للكاز أم للنار؟ أم لتلك الإبرة (نكاشة)[4] المتناهية في الدقة؟ ما فهمت شيئاً من هذا. ولكن عندما كان داخلي يغلي بأفكار، برغبات، بعضها مباح وبعضها الآخر غير مباح، بأكثر من قدرة الكاز على الاشتعال، كنت أشعر بأن ما ينقصني هو تلك الإبرة الدقيقة، لعلها تغرد في أعماقي، فتنطلق أنواري..

وأحياناً أتمنى أن أدخل إلى تلك النار المشتعلة في داخلي، لأرى كم هي جميلة برودتها. تمنيت أن أمسك بحبات الكاز لأشعر بليونتها. ولكن هل استطعت؟
Page 9
أمي سعيدة جداً

«أمي سعيدة سعيدة جداً. تلمع عيناها، تتراقص أطرافها، تركت عصاها التي تتكئ عليها، تلك أمي التي تزوجت مرتين لكي تتطلّق مرتين ثم تترمل........ أيضاً مرتين».

أمي لم تحب أبي منذ اللحظة التي تزوجت فيها. هكذا كانت دائمة الترديد، ثم التنهيد على بيتٍ لم يستطع أبي إنجازه.

لقد امتلك المال، ولكن اللحظة الراهنة كانت تتملكه، هو عاشق لقوة الحياة، أما هي فإنها كانت العاشقة للبيوت ذات الأبواب العالية، الغرف الممتدة الواسعة، السجاد العجمي، الفضة بكل تجلياتها. أقول في سرّي، إن ذلك عائد إلى تربيتها في بيت جدي.

ما من ملامة، ما من ملامة يا أمي.

السعادة بالطلاق تعني الاستعداد للزواج الثاني الذي يخضع للمقاييس المتعارف عليها، مع الإصرار على الترتيبات التي تحمي الزواج من الانهيار.

الخلافات هي جزء أساسي من محمية الزواج، والخلافات في درجاتها، كل درجاتها من بداية العتاب الهامس، ثم الانطلاق إلى الشجار الصاخب، ثم البدء بعملية التجريح.

كل هذا ربما يحتاج إلى البيت المملوك المؤثت جيداً لإعادة بعض التوازن إلى الأطراف المتشاجرة، ولكن؟

ذاك الزواج المبرمج استطاع الصمود للحد الذي بلغت فيه أمي الثمانين من العمر. لم تشفع لها الذكريات المعجونة بقطع الأثاث، لم يشفع لها شيء، حتى المرايا لم تحاول أن تطالب بصورة أمي الصباحية، فلقد استبدلت المرايا وجهاً آخر. واجهت طلاقها منفردة، ما استطاعت دارها أن تلحق بها.

فباتت أمي في بيت أهلها من جديد.

حزنت أمي، حزنت أكثر مما تحتمل.... فكان هذا الانحناء المدوي لجسدها، يمر الصباح فتزداد انحناءً، يأتي المساء فيزداد الانحناء.

«يا أمي يكاد جسدك يلامس الأرض».

يأتي الصباح حاملاً معه الفطور لأمي، بأكثر من شكل وأكثر من طريقة، لعل بعضاً من السلوى تلامسها. الصينية الفضية العائدة إلى عرس جدّتي، مع كاسات الشاي المتناهية الرقة ـ الجبنة البيضاء المجدولة ـ الجبنة البيضاء مع حبة البركة ـ زيتون أسود ـ أخضر ـ مكلس[5] ـ مكدوس ـ كشكة ـ زيت مع زعتر ـ نعنع ـ طرخوم ـ بيض مسلوق ثم أحياناً بيض مقلي ـ عجة[6].

تمر عليه عينا أمي كأنها لا تراه، تحاول خالتي هيفاء أن تشغل بالها، يديها بشيء. فتطلب إليها أن تحرك الزيتون الأخضر المنقوع بالكلس. لا تجيب، لم يستطع أي حديث أن يُعيد إليها بعضاً، بعضاً من سكينة.

تلك السكينة لمن يعرفُها، تتجلى بالدوائر... من يعرفُها يتمركز في وسط دائرته... يتلقى أيامه، أنواره من مركز دائرته، ولكن أمي في الثمانين، تُريد أن تأتي دائرتها إليها. ما عاد باستطاعة الجسد المساعدة على اكتشاف خيوط أخرى.
Page 10
كبة مقلية

الباب يدق، تأتي الجارة نوال، حاملة معها طبقاً من الكبّة المقلية.

نوال: صباح الخير يا بنات، كاتبة ـ هيفاء كيف حالكن؟

هيفاء: الحمد لله الحمد لله، ولكن لماذا؟ لقد أتعبت نفسك بإحضار الكبة، أعلم تماماً كم هو مرهق إعدادها.

نوال: لا يهم. فأنت تعرفين أبا العبد، لا يستطيع العيش بدونها.

هيفاء: كبة في الصباح.

نوال: وفي المساء أيضاً. لا أدري كيف فقدت عقلي وتزوجت.

«تهمهم هيفاء: كيف تقولين هذا؟ كنت دائماً تبدين وتُرددين رغبتك في الزواج، كلمة عانس كانت تؤذيك».

نوال: نعم نعم ولكن كما يقولون «دخول الحمام غير الخروج منه». أبو العبد أي نوع من الدلال لا يُريده. صحن السلطة. هل تصدقين كم أتعب في إعداده؟

هيفاء: ماذا، صحن سلطة متعب؟

نوال: اسمعيني جيداً، البندورة يجب أن تكون مقشرة، فقشرة البندورة تؤذي معدته.

هيفاء: ضاحكة.. قشري قشري يا جارتي.

نوال: ولكن أن أصحو صباحاً في اللحظة التي يصحو بها! أحياناً أحب أن أنام أكثر مما ينام، فالتعب يُهدّني.

هيفاء: قولي هذا الكلام لأختي. الرجال هم هكذا دلال... دلال....... دلال.