eKtab
EN ع
حمار خلف الجدار
Read free sample

حمار خلف الجدار

by فوزي صادق

Page 1

تحية

صادقة من القلب الي القلب

لكل من يؤمن بإن الأفكار أمهات العقل

لكل العقول التي تعرف ما تريد وتعي ما تقول

لكل العقول التي لا تعرف ما تريد ولا تعي ما تقول

لكل إنسان ينشد السفر وتلاقح الأفكار بين العقول

لكل إنسان يبحث عن دفء وروح مطمئنة

لكل من ينشد العودة إلى إنسانيته

أهدي تلك الفرقعات الصريحة

فوزي صادق

Page 2

" وجهة نظر "

الحمار لا يمثل الغباء المعاكس ل" النباهة والذكاء " ولا يمثل مصطلح لأخطاء البشر ، وقد أشتق قناع الحمار " الغبي " من الحمار " الحيوان" الصديق المحترم المخلص والمطيع للإنسان، ولقد أطلق القرآن الكريم على " الحمار يحمل أسفاراً " كتعبير مجازي كون الحمار أقرب وأسرع الأمثلة التي يعايشها الإنسان ، وصفة حمل الأسفار تنطبق على كل حيوان ! فيمكننا قول كالجمل يحمل أسفارا وغيره .

أنه دابة عصرهم وسيارتهم على مدى الاف السنين، فهو زميل حضاراتهم ورفيق دربهم بكل نواحي الحياة على امتداد البشرية، حتى الأنبياء! فلم يخلو نبي عن امتلاك حمار يصبحه بحله وترحاله لنشر رسالته وتعاليمه، وكذلك الملوك والوجهاء تميزوا بامتلاك أفضل الحمير وأجودها كي تنقل متاعهم الخاصة وأملاكهم ومتاعهم، فهي، وأقربهم للإنسان .

أول ما يخطر ببالك لتنعت شخصا بالغباء كلمة “حمار“, فهي سُبّة راسخة في الموروث الثقافي البشري على مدى العصور , ولكنك ربما لم تعلم أن الحمار يتمتع في حقيقة الأمر بذكاء عالٍ وذاكرة قوية, وله فوائد طبية واقتصادية مباشرة ، وفوائد اجتماعية وإنسانية غير مباشرة , وقدسته الحضارات القديمة وصورت بعض الآلهة بصورته, وورد ذكره في كل الكتب السماوية ، وإن رافق الحمرا كل رسالات الانبياء ، بقصصها ومغامراتها ومعاركها وأساطيرها .

وجد الحمار لأول مرة في القرن الأفريقي قبل ما يقارب 12 ألف سنة. وهو الحمار النوبي الصومالي ، وهو جد الحمار الحالي المعروف، حسب كتاب كلوتون بروك، فقد دجن خلالها الحمار الأفريقي من حوالي 4000 سنة ق م، حين أصبح أهم أداة نافعة للحضارات بالشرق الأوسط القديم، ومن ناحية القوة ، فيمكن للحمار تحمل ثلث وزنه، كما استعمل لبنه أيضا كغذاء للإنسان بمنغوليا وبممالك شرق أسيا. وقد وصل الحمار الي الشرق الأوسط عام 1800ق م ، وقد سميت دمشق التجارية بمدينة الحمير آنذاك ، وقد سجل هذا في الكتابات المسمارية .

أما في أوروبا الغربية فوجود الحمار دليل على العمل المضن والمتعب

وفى اليونان يطلق وصف الحمار على الشخص الوقح أو عديم الأخلاق والغير متربي ، وخاصة من يدنس شرف غيره ، فيوضع المتهم بساحة عامة ويوضع على رأسه قناع حمار حقيقي مسلوخ من حمار ، فيرميه الناس بالفواكه والخضار المتعفنة والبيض ، ويبصقون عليه كل يوم حتى يعلن توبته ، وقد اقترن الحمار بالنسبة لليونانيين القدامى بإله الخمرة ديونيسوس، كما قدس الرومان أيضا الحمار ووضعوا مجسماته الصغيرة بجوانب عروشهم، وعادة يزف العريس الروماني بالقرى على حمار ، ويستعمل ايضاً بقداساتهم التطهرية تقرباً للسماء .

وذهب بعض المسلمين إلى أن الله ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكبا على حمار ، حتى أن بعض سكان بغداد " بالزمن الماضي " وضع على سطح داره معلفا كل ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا لتجويز أن ينزل الله تعالى على حماره على ذلك السطح فيشتغل الحمار بالأكل ويشتغل الرب بالنداء هل من تائب هل من مستغفر ، لكن حاشى الله وجل جلاله ورفع شأنه أن يوصف أو يقع بتلك المنزلة أو الصفة *

انقرض جنس الحمير من النصف الغربي للأرض، مع خروج العصر الجليدي، وكانت عودته بدخول فاتحي المكسيك والبيرو زمن كولومبس، عندما حمل كولومبوس أربعة حمير عربية من اسبانا، واثنين من الأتان من البرتغال.

والحمار مشهور بعناده، فمن الصعب إرغام أو تهديد الحمار على فعل شيء ضد رغبته. ولكن البغال تفوقه في هذه الصفة, وعندما يقسو عليها سائسها وهى سائرة في أعالي الجبال ترمى بحملها وتنتحر رامية بنفسها من فوق الجبل.

وفي بعض الدراسات العلمية الموثقة ، يظهر الحمار في كثير من تصرفاته ذكيا، حذرا، حميميا، لعوبا، ومتعلما متحمسا، ما يجعلهم أصدقاء الأحصنة لطبيعتهم الهادئة مقابل عصبية الأخيرة، وبالتجربة، إذا وضع مهر جوار حمار وحصان، فسيتوجه للحمار بعد أن يبتعد عن أمه الفرس ، وفي الأثر ، فإنه تكفي ثقة الحمار بصاحبه، لكي يكون المعين المخلص والمساعد مدى الحياة، وفي بريطانيا يسمح للحمار فقط من بين الحيوانات أن يكون طليقاً بحدائقها .

علاقة الإنسان القديمة مع الحمار صنعت تلك الهالة من القصص حوله بعمق ثقافته وموروثه , ويعتبر لفظ حمار من الشتائم السوقية الشائعة في كثير من مناطق العالم وخصوصا المناطق العربية، لوصف شخص بالغباء وعدم الفهم للشرح أمام الأستاذ ، أو لعدم الاستيعاب ومعرفة الكلام الموجه للشخص .

وكان العرب والي زمن قريب ، يضعون الزاني أو الملوط على ظهر حمار بالمقلوب ، ويسيرون به الأزقة والشوارع ، مع منادي يفضح أمره .

Page 3

يتواجد حاليا 44 مليون حمار في العالم، 11 مليون منها فقط في الصين، تتبعها باكستان، أثيوبيا والمكسيك، ثم مصر من الدول العربية ، لكن عددها أكثر، نظرا لأنها ليست ضمن الإحصائيات.

لا زال الحمار يستعمل في أعمال أجداده قبل 6000 سنة، النقل أهمها، والزراعة، وإخراج المياه، وغيرها كمرافقة الخيول أو حتى رعي للأغنام، وقليل منها يستعمل للحليب والأكل، كمنا بمنغوليا ، ولأن المركبات ممنوعة في جزر هيدرا اليونانية، يعتبر الحمار أو المشي وسيلة النقل الوحيدة.

بشكل خاص، يعتبر الحمار صديق المهربين، لتهريب الأسلحة والطحين والبنزين والأدوية ، ومواد غذائية للسوق السوداء ، فهو يعرف طريق عودته دون حاجة لقائد أو دليل ، فيرجع بالحمولة الي نقطة انطلاقه ، كما يحدث حالياً بحدود كثير من الدول ، كاليمن والسودان والعراق وايران وتركيا ، والحمار بطل بارز بقافلة الملح " طريق الملح " من جبال القوقاز الي جبال الصين .

فروة الحمير المستأنسة داكنة غالباً، إلا على مستوى البطن، مقدمة الرأس ومحيط العينان بلون أبيض، مع هذا، توجد فروقات بينها في العالم، فالحمار الحساوي والمصري أبيض، أما حمار البيري فداكن بنّي يميزه صليب القديس أندري على الظهر. تقدم الأحمرة البرية ألواناً أخرى، من البني، إلى الرملي، والبني الأحمر عند حمير التبت مثلاً.

تعيش الحمير البرية بشكل مستقل، عكس الأحصنة البرية التي تتجاور بينها ، ويعاني الحمار بشكل عام من نفس أمراض جنس الخيول، لكنه أيضاً أكثر حساسية لمرض التهاب الحوافر حين يكون الأكل المقدم له زائداً عن اللزوم ، وما يميز الحمير أيضاً، صوتها الحاد، النهيق والذي تستعمله في عملية تواصلها مع بعضها البعض عند ضياع أحد أفراد القطيع ، وكأنه مزمار حاد ، حيث يمكن سماعه على بعد 3 كم، وغالباً ما تستعمله الحمير الوحشية للتخويف في حالة الدفاع، مع الضرب بأرجلها الخلفية كي يهابها العدو .

وقد ورد ذكر قصة العزيز وحماره في سورة البقرة في قوله تعالى: " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير "

وللحمار تاريخ عريق بصحبة الأنبياء ، فقد روي إن النبي صلى الله عليه وآله تقبل حمار كهدية وأسمه يعفور ، ولم يذكر النبي عيسى عليه السلام وإلا بصحبته بحله وبسفره وقصصه " حمار " ، حتى أدى الي تقديس حماره والتبرك بحافر رجله أينما وقعت وبصمت ، والي الان توجد بعد الدور الدينية وأماكن العبادة ببقاع عدة من الشرق الأوسط علامات يقدسها البعض تشريفها بوقع حافر حمار النبي عيسى .

وروي أيضاً أن نبي الله نوح عليه السلام أول ما أمر بدخول السفينة أمر بإدخال حماره مع أنثى زوجها إياه قبيل الطوفان. واليهود ايضاً يقدسون الحمار ، إذ تختلف طقوسهم وعاداتهم عن كثير من الأديان والشعوب، فيقيمون مهرجانًا خاصا بالحمار وذلك للمتشددين فقط، ففى مدينة القدس يحتفلون سنويا ً بهذا الحيوان فى مهرجان تحرير الحمار الأول فيما يعرف باسم “مهرجان بنسك كارلن”، تمارس فيه طقوس غريبة فى هذا اليوم، حيث يأتون بحمار صغير ويحملونه على أعناقهم ثم يمارسون بعض الممارسات الغريبة أمام الحمار

وفي مصر القديمة رسم الإله ست، إله الصحراء والعدم بشكل حمار في المعابد القديمة، كرمز لمساعدته الإله رع (رمز الشمس) خلال رحلته في العالم السفلي (الكسوف)، في العهد القديم والتاريخ اليهودي، سمي ملك شيشم (نابلس) والذي مات على يد أولاد يعقوب، حامور، كنوع من التقدير، ودلالة على أن الحمار أخذ نظرة ذات قيمة عالية قديما، في رسومات المسيحية، غالبا ما صور المسيح راكبا حمارا

في الأدب الصيني والحكم الصينية مثال " ليتني أخذت الحمار دليلاً " وقصتها عن تهور البشر ، حيث يستعمل الملك حصانا راقياً في قطع الجبال ، بدلا عن حمار يقدمه مزارع بائس ينصحه دوماً : أن الحمار يتأنى وأقل هوجا، فيلقى الملك حتفه بسبب الحصان وعجرفته، نادما! فيقول عند موته : ليتني أخذت الحمار دليلا.

ذكر الحمار في أول رواية في البحر المتوسط، الحمار الذهبي للوكيوس أبوليوس كراوي لأحداث تجري له مع البشر، حين يصف مزاجهم ورغبتهم في تغيير غيرهم بالقوة والعنف، بدل التسامح الذي يميزه.

في رواية جورج أوريل، مزرعة الحيوانات، اعتبر الحمار بنجامين، صديق الحصان المسكين، الحذق والشكاك، الذي يكتشف خداع الخنازير في حكمهم، وكما قال أرويل: بأننا لا نفهم فقط لغته، لأنه يضحك علينا، فعقله هو، لا يعلمه بسخافات البشر ، وروايات عديدة، أهمها عربيا، حمار الحكيم لصاحبها توفيق الحكيم، يروي فيها صداقته له، مع أحاديثه التي يعتبرها أسهل من كلامه مع البشر.

ومن قصص الزمن المعاصر: فقد فضح جوال سيدة كالت بالسباب على زوجها في غيابه، ظنا منها أنه لم يسمعها، لتجد نفسها أمام قاضي المحكمة الذي حسم تطليقها بالثلاث.

وكانت السيدة من سكان الخليج في زيارة صديقتها، عندما اتصلت بزوجها هاتفيا للحضور وإعادتها إلى المنزل، إلا أنه تأخر لنحو نصف ساعة، فعاودت الاتصال به ليعتذر عن التأخير واعدا بسرعة الحضور.

وما إن انتهت من حديثها معه، وظنت أنه أغلق الخط، حتى بدأت تكيل السباب له أمام صديقتها، وتصفه بأنه ضعيف الشخصية ونعتته بوصف (الحمار) الذي تسيره كيفما تشاء. وما كان من الزوج الذي استمع لكامل الحوار إلا أن أغلق الخط، وأرسل إليها رسالة تفيد بعدم حضوره، وعليها الحضور إلى المحكمة صباح اليوم التالي لحسم طلاقها، حسبما نقلت صحيفة "عكاظ" السعودية، الثلاثاء 2-12-2008.

وأقرت الزوجة بفعلتها أمام القاضي، لتسمع طلاقها بأذنها صادرا من قاضي المحكمة .

Page 4

وقد اكتشف الصينيون بالزمن الحاضر ، أن بالحمار منافع طبية، وأكدوا ذلك في دراسات علمية تم تحويلها إلى مشروعات اقتصادية وصناعية تحصد الصين من ورائها الملايين ، وذكرت صحيفة " الأخبار" المصرية أن أول هذه المشروعات يتمثل في استغلال جلود الحمير ، حيث تستورد الصين كميات كبيرة من مصر وبعض دول العالم، ليس لإنتاج الأحذية والمصنوعات الجلدية الفاخرة ، وللاستخلاص عقاقير ومنشطات جنسية أكدت الدراسات أنها بلا أي آثار جانبية.

وقد صرح حامد سماحة رئيس هيئة الخدمات البيطرية أن إحدى الشركات المصرية بالتعاون مع شركة صينية متخصصة تقدمت بعرض لإقامة مزرعة للحمير ومسلخ خاص ،ومصنع لإنتاج معلبات طعام للقطط والكلاب الأليفة من لحم الحمير ، فضلا عن معمل لاستغلال ألبان الحمير الغنية بمضادات حيوية نادرة تستخدم في إنتاج الأدوية .

وأوضح ممدوح مكي عضو المجلس التصديري للجلود ورئيس غرفة دباغة الجلود السابق أن الحمير التي يصدر جلدها تستخدم لإطعام السباع والنمور والحيوانات الجارحة في حديقة الحيوان.

والحمار يشبه بشكله العام الحصان لكنه أصغر حجماً وأقرب إلى البغل " الناتج عن تزاوج ذكر الحمار وأنثى الخيل الفرس " وله رأس كبير وذيل قصير ينتهي بخصلة شعر، وحوافره صغيرة وأذناه طويلتان.

وتسمى أنثى الحمار " أتان أو أتانا " ، والصغير من ولده جحشاً . كما تختلف الحمير بأحجامها، رغم أن حمار الماموث أطول، وقد يصل طول الحمار الحساوي الشهير بشرق جزيرة العرب الي 1.6م " نسبة الي منطقة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية ، والذي تم نقل أعداد هائلة منه الي ملوك ورؤساء العالم ، أيام الدولة العثمانية ، كما فعل حكام بلاد هجر وارسلوا عدة قوافل من الحمير الي بلاد اليمن ومصر والأندلس والسودان والهند وزنجبار لتحسين فصائلهم ، وقد عرفت تلك الفصيلة بضخامة أجسادها وبياض لونها ، وقوة ثباتها عند وقوفها ومشيها ، وله أذنان أكبر من غيرها في جنس الأخيلة ، وظهر كبير وعيون واسعة ولماعة وصفت بالجمال ، وقوة سمع حادة ، إذ يمكنه سماع صوت ونداء صاحبه من عدة كيلومترات ، ولهذا السبب طلبت تلك الفصيلة بالحروب والغزوات لمواصفاتها المفيدة ،

ففي سياسة الحروب ، ، كانت تحمل الغنائم على قافلة من حمير ويقودها حمار أصلي يعرف طريق العودة ، فيرجع الي مربط معين حدد له ، حتى لمئات الأميال ، وتربط عادة بعض الخيول خلف تلك القافلة التي يجرها حمار واحد .

هنالك أيضا جمعية الحمير الكردية والمصرية ذات البعد الحقوقي والإنساني ، وقد ذاع صيتها اعلاميا ، وقد شهدت دولة الكيان الصهيوني حديثا جدلا حول استعمال كلمة الحمير من طرف المتدينين على العلمانيين الصهاينة مؤسسي الدولة، عبارة شومورو شال المشيا (حمار المسيح) استعملها رابي أفرام كوك، كنوع من المهمة التي أمر بها الله علماني اليهود بخلق وطن، لكن قدر الدولة هو وقوعها في يد المتدينين، ولا يبقى العلمانيون سوى الحمير التي ركبها المتدينون، من كتاب سيفي ريشليفسكي، 1998.

في حين يرفض المجتمع لدينا تقبل فكرة تحديد يوم إجازة للخدم والسائقين، قامت مدينة (بلاكبول الساحلية شمال غربي إنجلترا) بتطبيق قواعد صارمة للحفاظ على الحمير إحداها ألا تتجاوز أيام عمل الحمار ستة أيام في الأسبوع ما بين العاشرة صباحا وحتى السابعة مساء تتخللها ساعة راحة يومياً لتناول وجبة الغداء، علاوة على إجراء اختبارات صحية إلزامية قبل بدء موسم الصيف [.

يعتبر بيع لحوم الحمير جرما يعاقب عليه فاعله في الدول العربية، فقد قضت محكمة مصرية بحبس وتغريم 3 جزارين أدينوا بالاتجار في لحوم الحمير والخيول النافقة، بعد تحقيقات استمرت نحو 3 شهور عقب القبض عليهم. وفي سابقة هي الأولى من نوعها، ألزمت المحكمة المدانين بنشر الحكم في صحيفتين يوميتين، وتعليق الحكم على باب محل الجزارة لمدة 5 سنوات، بعد إغلاقه لمدة سنة ونصف .

الحمار هو شعار الحزب الديمقراطي الأمريكي كناية عن الصبر والتحمل ، وشعارهم " أجلد من حمار "

منذ عدة سنوات اثارت سيدة اجنبية الجدل في شمال أفريقيا حينما ثارت عند رؤيتها لعربجي يضرب حمارا مستخدما عصا حديدية. تأثرت جدا بهذا المشهد وأعلنت رحيلها النهائي من أفريقيا وعدم الرجوع إليها بسبب الاساءة إلى الحمير وللحيوانات بصفة عامة. تباينت ردود الجماهير ووسائل الإعلام فتباين الرأي العام بين مستنكرا لما فعلته هذه السيدة ورأى في أن ما حدث لا يستحق رد الفعل هذا، ومنهم من حسد الحمار على وجود من اهتم لحقوقه. وكان موضع اهتمام وسخرية في العديد من وسائل الإعلام لفترة . وفي التقويم الجمهوري الفرنسي، يعتبر يوم 6 أكتوبر من كل عام هو يوم الحمار للفرنسيين .

والمشهور عند الفلاحين العرب إن الحمار يعرف طريق مزرعته لوحده ، ولقد أخبر بعضهم ، إن الحمار يعود بالظهيرة الي بيت صاحبه ، فتضع الأم طعام الغداء ، فيعود الي المزرعة محملاً بالطعام وربما ركبته بعض النسوة اللاتي لايعرفن الطريق ، ومن الطريف إن الحمار يبتعد ان حفرة تعرقل طريقه ، فينزاح عنها ،وإذا وقع صدفة بحفرة ، فإنه يحفظ مكانها ولايعود لنفس الطريق ، وهذا كله بدون " عقل يدرك "

أما الإنسان صاحب العقل يخطئ ويقع بنفس الخطأ كل يوم ، وهو يمارس الحمورية" الغباء "بحذافيرها وأنواعها ، وكذلك يفعل بمعاملاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالذات ، والأخيرة هي أكثرها تطبيقاً للحمورية والأستحمارية الوجودية لكي يضمن طعامه وبقائه وخاصة مناصبه ، حتى لو دفعته حموريته لقتل شركائه وبني جلدته وسلخهم وتقطيعهم كما يحصل بالوقت الحاضر بأرجاء المعمورة . وكأنه حقق جواب الأنبياء " أتخلق فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .

إذا الغباء عكس الذكاء، وليس مسمى الحمار الحيوان ، وبكل إنسان نسبة غباء " كونه غير معصوم " ، وهي متفاوتة ونسبية ، فكما نقول إن " بكل فئة مئة ريال ، بداخلها ، فئة خمسون أو عشرة " ، أي أن بكل إنسان أي بداخل ذكائه " فئة غباء متفاوتة " وإن انعدمت أصبح معصوماً ، فعدم وجود الغباء " عصمة "، والنسيان نقص وغباء .

عرفاً ومع التاريخ ، وبحسب صداقة الأنسان للحمار ، وإنه رفيق دربه ، أطلق على كل من يخطئ لقب الحمار ، لأنه أقرب مخلوق يعيش معه ويصطحبه ، فاستعملت ودرجت كلمة الحمار بالشياع ، والأستحمار والحمورية بديلة لكلمة " الغباء " .

إذا الأستحمار والحمورية مجرد قناع أطلق على صفة " الغباء " ويلبسه الإنسان من يخطئ ويعيد نفس الخطأ ، والحقيقة ان هذه التهمة ليست من طباع الحمار ، فهو بالعكس ، ذكي !! ولايقع بنفس الحفرة ، ويتحاشاها عند مروره بها ، وهو لايملك العقل ! بينما الإنسان صاحب العقل يقع بالحفرة كل يوم مع وجود العقل العظيم .

بالنتيجة الإنسان هو صاحب الإستحمار الحقيقي "صفة الغباء" ، ويستهويه ذلك ويسعد به ، لأنه متطبع على الحمورية منذ الأزل ، ومتكيف مع الوضع ، والحمار الحيوان بريء من الغباء الحموري براءة الذئب من دم يوسف .

كم من جدار يخفي خلفه إنسان حموري غبي وظاهره " ذكي " ، وكم من جدار يستر على أستحمار حقيقي وبثياب جميلة وهندام جذاب !! وكم من إنسان يعلف من تعب غيره حتى يبلغ أشده ، وفي الواقع هو " حمار غبي " لايهش ولاينش إلا لصنع الشر والمشاكل والسلبيات، ولايزال بعقله أعلى درجات الأستحمار الحقيقي ، وكم من إنسان تعلمه وتلقنه ليل بنهار بحقن النصيحة ، لكن لايزال بعقله الغباء مستحمر كالمستعمر وحتى النخاع ، وهو لا يريد أن يعرف أنه الحمار الحقيقي ، ولايريد أنه يعرف أنه يعرف أو لايعرف حموريته ، ويبقى خلف الجدار بقمة الأستحمار .

سيجد القارئ الكريم بهذا الكتاب فرقعات وحقن " تذكيرية " من مداد عقلي الصغير ترجمها قلمي المتواضع لأخطاء وهفوات وزلات الإنسان " الحموري الغبي " ، لمعرفة الفرق بينه وبين الإنسان " الذكي النبيه " ، وللتوضيح : نحن لانريد أن يكون كل إنسان نابغة وعبقري زمانه ، لكن يؤسفنا أن يكون الإنسان " المستحمر " بمكان وزمان ليس له ، أو بموقع سرقه من أنسان نبيه وذكي بسبب ظروف وقوانين أوجدها البشر ، فيستسلم له من حوله بحموريته " أمراً " وحموريتهم " طاعة" ، لذا سنضرب هنا عدة موارد للكلم ، من أمثلة وعبر وقصص ومواعض من الحياة ، ومن عدة أمكنة وأزمنة مختلفة ومتفاوتة ، لتبقى فكرة ونصيحة للإنسان العاقل الحقيقي ، لكي ينجو ويكون " بريء " ولا تقع عليه تهمة غبي خلف الجدار بعالم " الحمورية والأٍستحمار " .

فوزي صادق

Page 5

البـقـر والحـمار!

على الطريق البري ، لمحت شاحنة بها قطيع من البقر الضخام ، وفي وسطها يقبع حمار صغير " جُحيّـش " وكل من يعبر بجانب الشاحنة لا يعيرها اهتماما ، فاقتربت منها ، وسلطت النظر ، ثم اتخذت قراراً ، أن أقلل من سرعة سيارتي ، وبقيت أسير خلف القطيع وأنا في عمق التفكير ، وزوجتي مستغربة من تصرفي ، وتسأل ماذا حدث ؟ لماذا تقود ببطء ، فـقذفـتـني بالجنون عندما عرفت السبب ، فبطل العجب ، فأكدت لها أني أفكر في هؤلاء ، وأنا إليهم أشير، فاستمريت في ملاحقتهم ، حتى دخلت الشاحنة محطة بنزين ، وأنا خلفها ، فتوقفنا معاً ، وبقيت أتأمل وأفكر وأدوّن النتائج ، فسألت السائق : هل هكذا هم وأنت تسوق ؟ هل يتعاركون ويتخاصمون ؟ هل واجهت فوضى من قبل ؟ وهو ينفي دائماً .

لقد أخذني عقلي إلي عدة التفاتات عم يجري هنا ! فالهدوء والصمت والقناعة هي الطاغية في الموقف ، والكل متكيـّـف مع الوضع ، والغريب إن البقر فصيلة مختلفة عن الحمير كلياً ، ولو ألقيت نظرة على الحمير البرية ، لشككت بالأمر ، لكن مايجري هنا مختلف البتة ، وربما هو الطبيعي ، وأنا الجاهل الذي لايعرف ، وعقلي هو الغريب ! ومع ذلك ، فقد وصلت إلي نتيجة ، وهي : أما إن البقر تعتقد إن الحمار قائدهم وعليهم احترامه ، وعليهم التزام السكون والهدوء بوجوده ، وهم متكيفون مع الوضع ، ومقتنعون بهذا ، وهكذا تستمر الحياة .. أو إن الحمار يعتقد أنه ينتمي لهؤلاء ، وهو جزء لا يتجزأ منهم حتى وإن أختلف شكله وصوته ، وقد تكيف مع الوضع هو أيضاً ، وهو مقتنع بذلك ، وكما يقال بالعامية " عايش مع العايشين " ، وحتى وإن وقع صراخ هنا أو هناك ، سيعود الأمر إلي طبيعته ، ولا تسأل كثيراً .

أحياناً ، نحن نحتاج أن نكون مثل البقر والحمار في طريقة تعاملاتنا مع من حولنا ، وهو قانون اجتماعي قديم ، وقد أسميته " التنازل للتوازن " فأما نكون مع البقر أو نأخذ موقع الحمار " بالتنازل " وهذا ينطبق على حياتنا اليومية مع الزوجة أو الأبناء أو الجيران أو الأقارب ، أو مع رئيس العمل ، وحتى أثناء التعامل مع الكهنوتيين والمسؤولين ، وهذه نقطة مهمة وحساسة ، ولهذه الفلسفة نصيب الأسد أثناء البحث بمحاضرتي " الذكاء الاجتماعي " فالذكاء الاجتماعي لا يوجب أستخدام العقل في كل الأوقات ، فأحيانا ، ومن العقل والرجاحة والذكاء أن لا تستخدم عقلك ، وأن يبقى متجمداً أو مخدراً ، ولو حدث العكس ، ستحدث مشكلة وخلل بالتركيبة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالمجتمع ، وخاصة إذا أقحمناه في بعض المواقف الغير مدروسة أو محمودة العواقب ، والقصد ، أن نوقف العقل من التكفير أو نلزمه الصمت أمام عقول " لا تعرف ماتريد ، ولا تريد أن تعرف " ، وهذا ضروري كي نعيش معهم ، فأحياناً هو أبن لك ، أو شريك بالعمل ، أو صديق أو جار أو قريب ، بحيث نعطل العقل ليرقى إلي مستوى البقر والحمير ، وتستمر الحياة .

سيقول البعض ، إنك تعرقل عقولنا وتعطلها ، فكيف بنا نسير خلف القطيع دون تفكير وتدبير، الجواب أحبتي : بعض الناس لايريد إستخدام عقله ، ومقتنع بما لديه وبما بين يديه ، ويقول لك " هذا أنا وهكذا أنا " وهذا يراه معظمنا من حالات شخصية أمامنا تعيش معنا ونحن ملزمون بالعيش معهم ، والتكيف والتفكير بطريقتهم ، فأعلم أنهم يرون أنفسهم طبيعيون وهذا هو الصحيح ، وأن قراراتهم صائبة ، وفي أعلى القمة ، فلا تعكر صفو حياتهم ، وأقتنع بمجاورة عقولهم . ففي مثل هذه الحالات نضطر أن نتعايش معهم بقانون " البقر والحمار " ونتنازل ونجمد عقولنا ، ولنبسطها أكثر بمثال : يذهب هدف بعضهم في الحياة إلي مستوى راتب بسيط ليشتري به فتات لمعدته وجوال ، وقيمة إيجار شقة متواضعة وسيارة فقيرة أمام الباب ، ويعيش بالسلف والدين منك ومن غيرك ، وهو راض عن حياته حتى يشيخ ويهرم ، ولن تستطيع أن تؤثر فيه حتى لو بدلت عقله ، أو جلدت ظهره ، وعايش مع العايشين ، ويقول بقناعة " الحمد لله " ، والمصيبة ان الفرص كانت متوفرة أمامه ببداية المشوار ، وقد عاصر أخطاء غيره ، وفي الأخير يقول : هكذا أنا !

أما النوع الآخر من البشر ، والذي يعيش كإنسان ، ويفكر كإنسان ، ويتكلم كإنسان ، وحتى علاقته مع الله ، هي علاقة رب خالق مع عبده الإنسان ، ويضحك ويبكي كإنسان ، وهذا هو الطبيعي ، وهو مريح لنفسه ولغيره ، ولا تتعب بالعيش معه ، ولن يرضي بالعيشة الضنكة ، حتى وإن تخرج من بيت فقير، لأن طموحه وعقله تأبيان إلا أن ترقيا دون العلا والكمال ، العلمي والأخلاقي والمادي ، وقد تمثل بـ " من طلب العلا سهر الليالي " ، لأنه إنسان ذو عقل .

عوداً على قطيع البقر والحمار، قالت زوجتي بعد أن أتهمتني بالجنون : ألا تعتقد إن سائق الشاحنة قد وضع للقطيع نوع من المخدر بالماء أو بالعلف ؟ لهذا هم خامدون ومطمئنون طيلة الطريق ! فكانت إجابتي ابتسامة إعجاب فقط ! .. وللمعلومية ، هذه القصة موجودة بكتابي الذي ينتظر قرار الطباعة " حمار خلف كل جدار " .

Page 6

أنا في الجنة وأنت في النار!

كان يرمق الركاب بنظرات خاطفة من موقعه بمؤخرة الطائرة قبيل أن تغادر البوينج الضخمة إحدى مطارات أوروبا ، والمتجهة إلي جنوب شرق آسيا ، في رحلة تستغرق نصف يوم على الأقل ، وما إن استوت وسط الأفـق ، حتى خرجن المضيفات الحسناوات من مخادعهن ، وقدمن المشروبات الروحية والوجبات الشرقية ، فأخرج صاحبنا العربي القرآن الكريم ، وبدأ يقرأ بعض السور الكريمة ، وبينما هو مسترسل ، قاطعه تجشأ الراكب الذي يجلس خلفه ، فنظر إليه بحركة التفافية سريعة ، فطأطأ رأسه متمتماً ، وهو يكلم نفسه ومتوعداً بالنار والعذاب والهلاك لكم يا كفار ! كلكم إلي مزبلة جهنم ، وكلما وقعت عيناه على راكب ، قال هذا في الجنة أو النار، وبعد انقضاء نصف الرحلة تقريباً ، شعر الركاب بمطبات هوائية لم يشهدوها من قبل ، وبأصوات شعر بها كل الركاب ، هي شبيهة بضرب وتصافع بين الواح حديد مصدرها جناحي الطائرة ، فأعلن قائد الطائرة بكل صراحة ، وبصوت جهوري تعرض الجناح الأيسر إلي عطب يمنعهم من الدوران أو الالتفاف ، وإنهم الأن معلقون بين الأرض والسماء على ارتفاع يزيد على أربعة وعشرين ألف قدم ، فأضطر أن يتجه بسرعة إلي أقرب مطار كي يتم الهبوط ولقد أخبرت الجهات المعنية بذلك ، وإن سبب المطبات القوية ، هي المنطقة الجبيلة التي يمرون بها الأن ، فأصاب الهلع والخوف كل الركاب ، الكبير قبل الصغير ، وبدأت النسوة بالبكاء والصراخ ، وجلست المضيفات وأرجعت العربات ، وطلب من الجميع التزام الصمت ، واحتضان الوسائد الصغيرة ، فأصبحت المصيبة أكبر ، فهي مزيج بين المطبات الهوائية ، والأصوات التي تخرج من الأجنحة ، وهي محاولة من الطيار أن تستعيد الأجنحة موقعها الطبيعي ، والطائرة في هبوط منحدر ، فبكى الرجال ، وصرخت النسوة ، فالطائرة مليئة بعدد كبير من الركاب ، ومن كل الجنسيات ، والأديان ، فتباكى صاحبنا الملتزم ، ثم بكى حقيقة بحرقة وصراخ وهو يطلب الله ويدعوه وينذر له أن ينجيهم من مصيبتهم .

لقد تعالت الأصوات ، واختلطت الصرخات ، وتعانقت الصلوات ، فسمع وشاهد صاحبنا صلاة ودعاء معظم الركاب ، وكلاً بما يؤمن ويعتقد ، فظهرت الأديان بكل اشكالها ومذاهبها ، وكشف كل راكب عن ما يضمر من إيمان ويحفظ من كلمات ، وطلب كل متديّن ومعتقد حسب فكره ودينه ما يعبده أن ينجيه ، ولأعلى درجات وكلمات التوسل ، ولم لا ! فإنها ساعة الصفر! ومسألة حياة أو موت ! والبحث جارٍ عن أي سبب لإنقاذهم ، فالقشة أمل الغريق ومطلبه ، وهم في صراع بين كفتي الوقت والموت ، والطائرة بحالة هبوط مائل نحو الأرض التي ستبتلعهم .

من الصعب وصف تلك اللحظات ، أو ترجمة إحساس الخوف بكلمات ، إلا بوجود القارئ معهم في الطائرة ، فقد نسي كل غني ماله ، ونسي كل حسن وجميلة صفاته ، ونسي كل راكب جنسيته ولون جوازه ، ونسوا أشكال بيوتهم ، وفخامة سياراتهم ، ونوع أجهزة جوالاهم ، فسمع صاحبنا المسيحيون يصلوّن بأسم الأب ويسوع وأمه أن ينقذوهم وينجوهم ، وسمع من بعيد مناجات عائلة عراقية ، وهم يصرخون ويطلبون الله بحق وجاه محمد وآل محمد أن يكشف عنهم الله السوء ، وسمع يهودي يدعوا الله بنور موسى وجاه داوود ، وبقراطيع التلموذ وبركاته ، إلا ما نجاهم ، وسمع جالية هندوسية تدعوا وتصلي لكريشنا وأخرى لساي بابا ، وسمع عدد كبير من البوذيين يدعون الإله بوذا وبقواته وخوارقه وهيمنته الأربع ، إلا ما أوصلهم إلي بر الأمان .

في الأثناء ، أخرج بعضهم ورقة لكتابة وصيته ، وسجل بعضهم صوته بالجوال ، وأصوات التشهد وذكر الله تسمع هنا وهناك ، والطائرة ضجت بالصراخ ، وكل ما ذكرناه من وصف يتكرر ويزداد مع سماعهم صوت الجناح وهو يتصافـق وكأنه سينكسر وستسقط الطائرة برمتها. لكن اكتشفتنا إنهم مشتركون بطلب واحد ، وهو ( طلب النجاة وحلاوة الروح ) ووصلنا إلي نتيجة إنهم بشر، وتأتيهم لحظات ضعف يعودون فيها إلي إنسانيتهم وتكوينهم ، وإنهم فقراء ومحتاجون إلي غيرهم ، وهو الرب الذي يعطي ويمنع .

هبطت الطائرة بعد جهد جهيد في إحدى المطارات القريبة ، وهي مقاطعة أسيوية فقيرة هندوسية ، إذ وضعت بالمدرج المتواضع رغوة كثيفة ، فنزلت عليها الطائرة ومعها نزلت أرواح الركاب من الخوف ! والحمد لله تزحلق الجميع على سلم الطوارئ البالونية ، وأستقبلهم أهالي القرية بالتصفيق الحار، والماء والأحضان والدموع ، وتعانق كل الركاب وهم يبكون غير مصدقين أنهم أحياء، فرفعوا الكابتن فوق الأكتاف ، وقبلوا رأسه ويديه ، وحينها تمثلت مكارم الأخلاق في الإنسانية والابتسامة والدمعة ، وصاحبنا بطل القصة مازال يقبل الكابتن ويحمد الله ، وفي النهاية رجع كل راكب إلي وطنه وأهله ، وهو يؤمن ويعتقد إن الذي أنقذهم هو ربه الذي دعاه ، وعلم صاحبنا وتيقن إنه ليس بوكيل الله على عباده، وأنه ليس المسؤول عن الخلق ، وأن الجنة والنار ليستا ملكه وهو يعطيها من يشاء.

شرد ذهني ونسيت إخباركم إن قائد الطائرة من دول أمريكا الجنوبية ، ويؤمن بأن الأديان من صنع الإنسان ، وأن الطبيعة صنعت نفسها صدفة ، وقد تطورت بفعل التعرية الزمنية ، ومازال قائد الطائرة مرفوعاً على الرؤوس.

Page 7

مطلوب راقصة سعودية !

عزيزي القارئ الكريم .. هل أثيرت حفيظتك بمجرد قراءة عنوان المقال ؟ هل أشتغل عندك موتور الغيرة والحس الوطني ؟

أم هو مجرد ( زوبعة ) بداخلك كثوران علبة البيبسي ثم ناخت كما تنوخ الإبل ؟ وهل كل ماذكـرت يحدث لك عندما ترى سعودية لاتعمل وتتسكع هنا وهناك ؟ هل يدخلك الحزن عندما يهزم نسائنا جنود الشيطان (بقـتل الفراغ وبالعمـل بكرامة ) ؟

الدنيا قامت ولم تـقـعـد عندما سمعنا ورأينا إعلاناً يقول : ( مطلوب كاشيرة سعودية ) ، أي بائعة لبعض شركات السوبر ماركت الكبرى بالمملكة ، ومع الأسف إن مصدر تلك المزامير الغيورة مع ( احترامي لرفضهم الفكرة ) أناس أكاديميين محسوبين على العقول المتعلمة المتدينة ، فكذبت نفسي وقلت ربما خانهم التفكير والتعبير وصرحوا ( بما لا يعلموا ) أو لا يعـلموا أنهم ( لا يعلموا ) .. لكن أخي وأختي معشر العقال من مصطلح ( يفكرون ) ، لو فكرنا في الأمر بروية وعقلانية ، إننا لم نرى أي جديد ( سلبي ) يهين أو يعيق أو يمس كرامة المرأة السعودية ، أو يخالف ويعاند العادات والتقاليد .. والأهم في الأمر ، والسؤال الذي يرفع رأسه : هل يعتقد أي مواطن أو مقيم ، ومهما كان منصبه وتصنيف وظيفته ، أن حكومتنا الرشيدة ستعطي الضوء الأخضر بعمل النساء ( ككاشيرات ) جزافاً ؟ وأن اتخاذ القرار تم بطريقة العشوائية التجريبية !

بل العكس سادتي ، فالأمر مدروس لامحالة ، وقد عرفت نتائجه من قبل، وماهو إلا تحصيل حاصل لأمر موجود أصلاً، وعادة ورثناها من أجداد أجدادنا .. فهل عمل المرأة حرام إذا كان لايقع في دائرة المحرمات ؟ فالنساء سادتي : عملن ولازلن يعملن على الأرض بنظام ( البسطات ) منذ ُخلقنا على تراب هذا الوطن الكريم ، وإذا ألقينا بأبصارنا ابتداءً بالمنطقة الشرقية في الإحساء ومروراً بالدمام وحتى القطيف ، ثم عرجنا إلي العاصمة الرياض والمدن من حولها، ثم اعتلينا إلي المنطقة الغربية مروراً بجدة ومكة والطائف، ومن ثم توجهنا إلي مدن الشمال الحبيبة ، وأخيراً أوقفنا راحلتنا عند أهل الكرم مدن الجنوب الخضراء ، فالكل سادتي سيرى بأم عينيه ، كيف يعمل ( أخواتنا وأمهاتنا على الأرض منذ مئات وربما ألاف السنين ) .. إذا فقط العملية هي ( تطوير ) ووضعهن خلف طاولة محاسبة ! ومنطقياً هي ( أي العاملة ) مازالت تواجه الناس .. بل العكس ، فقد أصبحن في مكان نظيف ومكيـّف، وتعمل بنظام مقنن ببنود تحميها ، ولها حقوق ومعاش تقاعد وتأمين طبي والكثير من الحوافز التي لاتتوفر في مهنة الشوارع مع أحترامي لهن ..على الأقل سيعرف أقاربها أين موقعها من ( جملة منظومة العمل ) .

ومن يريد أن يحسبها بطريقة أخرى نحن فقط عملنا عملية ( شقلبة للوضع ) ، فبدل أن تكون المرأة ( زبونة ) واقفة في طابور الزبائن ( بين ) و(أمام ) و( خلف ) الرجال ، بدلناها كـ ( محاسبة ) ووضعناها خلف الكاشيير ومحاصرة بطاولة من حديد !

لقد قرأت رقماً يقول إنه يوجد أكثر من نصف مليون جهاز كاشيير بنفس الفكرة قابل للسعـودة النسائية ، وبرواتب مقبولة ، وحوافز جيدة ، وهي أفضل بكثير من الجلوس في البيت ، أو مد اليد لفلان وعلان والهامزين واللامزين واللبيب بالإشارة يفهم.. ومن يقول إنه يغير على بنت جلدته ، فليمنعها من دخول السوق أساساً ! لأنها ستحاصر من قبل آدم ، سواء في طابور المحاسبة أو في المحلات والدكاكين ، أو في مشيها في السوق أو نزولها من الشارع أو ركوبها الليموزين مع أجنبي ، أو دخولها ملاهي الأطفال ، أو في حتى سفرها وحجها وعمرتها ، لأن قدمي أدم ستحل أينما ذهبت .

أخي معارض الأطروحة : هل أنت معارض لفكرة عمل المرأة في الأصل ، وأن تبقى هي فقط سجينة الدارين ؟

أو تعارض نوعية العمل ؟ أو أنك تريد أن تعارض لتكون من المعارضين !

فإذا كنت ممن يعارض امرأة تكد من عرق جبينها بالحلال ، وتسد أفواهاً جائعة تهيم حولها قد تقع في المحضور.. فأنا سيدي أخيرك بين أمرين : فأما تعوض كل امرأة معوزة براتب شهري يحول من حسابك إلي حسابها ، أو تتركها تلجأ إلي طرق ملتوية ، قد ترميها نحو الشبهات وخطوات الشياطين .. وإذا لم يعجبك الأمر برمته حتى نهايته ولا تريد التفاهم فأنا لك من الناصحين : (لنأخذ كل بنات حواء ونضعهم في كبسولة ونرسلهم إلي الشمس ، ويا باب ما دخـلك شر)

Page 8

الخازوق العصري !

الخازوق هي أبشع وأشنع أداة تعذيب في تاريخ البشرية ، وهي كالرمح أو العصى برأس مدبب ، وتستهدف إختراق جسد الإنسان من الأسفل إلى الأعلى ، خروجاً من كتفه الأيمن , ليموت ببطئ في عذاب قد يستمر لثلاثة أيام أو أكثر ، بحيث لايخترق الأعضاء الحيوية كالقلب والرئيتين .. والجلاد المتفنن " يكافأ " من يمد أيام العذاب لفترة زمنية أطول ، وكانت عقاباً للمجرمين وقطاع الطرق والجواسيس .

في يومنا هذا " عصر الكمبيوتر " ظهرت خوازيق عصرية مؤلمة ومحببة في نفس الوقت ! ، وقد تصل مدة عذابها إلي شهور أو سنوات ، أو لطول الدهر ، و متوفرة حالياً بأشكال وطرق وأساليب مختلفة حسب طلب وهوى كل شخص ، وكلها تتفق في خلق الألم بالضحية " المخوزق " ، وللمدة التي يرغب بها أو لم يرغب .

تختلف خوازيق عصرنا عن سابقتها بشئ واحد ، وهو إن المخوزق والجلاد حالياً هو الشخص نفسه .. وقد أطلقت علىه أسم : " جلخوق " ، والغريب إن الجلخوق هو من يضع نفسه على الخازوق مراراً وبرضاه ، وأمام مرآى الناس ، ومع ذلك يستأنس بالألم ويأنس به ! وحتى لو تأثر يوماً بالنزف والوجع لحافة الموت ، سيعود يوماً آخر وهو بكامل قواه العقلية والجسدية ليقف على الخازوق العصري مرة أخرى .. ولأكون أكثر وضوحاً ، سنضرب أمثلة عن الخازوق العصري ، وكم نوع من الجلاخيق " جمع جلخوق " يعيشون بيننا.

أخبرني أحدهم " جلخوق " إنه معجب بخازوق الأسهم " البورصة " إلي درجة الشبق ، إذ عذبه منذ أن وقف عليه قبل ثمانية عشر سنة ، وإنه جرب خازوق أسهم أجنبي وآخر عربي ، ومازال يتألم ، ومازال الدم مازال ينزف ، ومع ذلك ، هو يأنس به وبألمه ، لأنه تكيـّف عليه .. كذلك علمت من " جلخوق " آخر ، إنه معجب بخازوق الديّن والسلف والشكاوي والمحاكم ، ولا يأنس إلا بدخول الشرطة كل شهر مرة ، وإنه يحب هذا النوع من الخوازيق التي سالت ماء وجهه ، وأيضاً علمت من صديق ، إنه يوجد عدة أنواع من الخوازيق الأجتماعية ، ومنها خازوق العظمة ، إذ يقضي الشخص " جلخوق " على نفسه ، ويصبح منبوذاً من عائلته ومجتمعه ، لأنه عظيم ولايخطئ ، مع إنه يتلقى عدة تحذيرات وصفعات ممن حوله ، بإنه سيتألم لو وقف على خازوقه ، لكن لايتعظ ،ويعيد الكرة ويقف على نفس الخازوق .

المشكلة مع خوازيق عصرنا ، إنها تكيّفت العيش معنا ، والعكس صحيح ، وأصبحت جزءاً من عالمنا وحياتنا ، وأنا هنا أقصد البعض ، وليس الكل ، ولايمكن لبعض الجلاخيق العيش بدونها ، ولو وضعته بعزلة في جزيرة ، سيصنع لنفسه خازوقاً من لاشئ !

الحقيقة التي تخجل حتى الشيطان ، كما قال أرسطو ، إن الحيوان عادة يتعلم من أول خازوق يخزقه ، كالحمار مثلاً ، فإن وقع في حفرة في طريقه ، ستجده يتحاشاها بالمرة الثانية ، حتى لو أغلقت عينيه .. أما الإنسان مع الأسف ، لايرده أي خازوق ، ولايتعلم من الخوازيق السابقة ، ولا من خوازيق خزقت غيره ، وخلاصة القول : السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اعتبر بنفسه

Page 9

الاختلاط يطيل العـمـر !

في إحدى زياراتي لإجراء بعض الفحوصات في المستشفى.. فاجئني الدكتور والذي أعرفه ويعرفني جيداً، بمعلومة سُتتهم وُترمى بأنها ( علمانية المنشأ والهدف ) و ( لإشاعة الانفتاح والإنسلاخ نحو التحرر الغـربي ) ، وهي جملة مكونة من ثلاث كلمات ، وأولها كلمة شائعة ودارجة هذه الأيام : ( الاختلاط يطيل العمر ! ) ، بدوري ، سألته كيف هذا دكتور ؟ ، فأجابني بما يلي :

دخل علي يوما ما إحدى مرضاي بعد انقطاع دام أكثر من سنة ، وهو يعمل في شركة حكـومية ، وقد بدا هذا المريض مختلف تماما ًعن ذي قبل ! فقد نقص عشرين سنة من عمره ! وتغير شكله البتة ! ولم يعد مريضي السابق ، فمظهره وحيويته تغيرا بشكل ملحوظ ، وحتى كلامه وشكل شعره وكل شئ فيه قد تغير ، ( سبحان الله من رأسيه حتى أخمص قدميه ) . تصدق أستاذ فوزي ، عندما دخل علي حسبته شخص آخر ، مع أنه زارني أكثر من سبع مرات ( وذاكرتي لا تخونني ) ، لقد كان يشكو ارتفاع الكولسترول ... فسألته ( الدكتور يسأل المريض ) : كيف فعلت كل هذا ؟ ومنذ متى ؟ ( هل أنت متأكد إنك أنت أنت ! ) فضحك من كلامي ، ولم يعطيني إجابة وافية ، فقط أبتسم وقال لي وهو يخرج ( الاختلاط يطيل العمر ) .... فانتابني الفضول ( أنا الكاتب ) ، كي أعرف أكثر عن هذا المريض ؟ فطلبت من الدكتور رقم موبايله ، لكنه رفض ( أي الدكتور ) وقال هذا من أسرار المهنة ، ولكن ( أعدك ) إنه وفي المرة القادمة ، بشرط إن زارني ، سأحصل على كل التفاصيل التي تريدها . وافقت على عرضه وأعطيته كرتي الخاص مع ورقة بها بعض الأسئلة ، وقلت له ، إذا ممكن تعطيه لمريضك كي يتصل بي .

مضت أكثر من ستة أشهر ولم يتصل ، وأنا نسيت و ( تناسيت ) القصة برمتها ، وعند زيارتي للدكتور في رمضان الحالي، أخبرني برفض المريض أخذ بطاقتي الخاصة ! لكنه وافق أن أعرض قصته في مقال ، اعتقادا منه أني صحفي وسأستغلها في الصحيفة التي أعمل بها ، وأعطى الدكتور رسالة لي يقول في عنوانها : يمكنك أخي الصحفي الاستمتاع بإيراد قصتي ، ولا أريد عمولة ! .. والقصة التالية مكتوبة على الورقة وبشحمة لسانه ، ولكن أجريت عليها بعض التعديلات الأدبية :

كنت أعمل كمهندس صيانة ( مخطط ) في ( الشركة الكبرى ) بمنطقة تبعد عشرات الكيلومترات عن سكني بمدينة الدمام ، وكنت أصل إلي بيتي الساعة الخامسة عصراً ، أي إحدى عشر ساعة متواصلة خارج المنزل ! ، كنت كأي إنسان عادي يصل منهكاً ومتعباً قادماً من عمله ، مثلي مثل العشرات من الناس ..( سلبياتي ) كان لي كرش متوسط ، وشعر مسترسل وأسنان صفراء مع فقد أحدهم ( ضرس ) ، أما سيارتي ( صالون ) وليست بالسيئة ، المهم تم نقلي فجأة إلي إدارة الظهران ، وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها : ( العمل مع خلط من بنات حواء ! ) ، ( إنه الاختلاط بشحمه ولحمه ) ، ( وأنا رجل محافظ ) ،فقلت لنفسي يافلان لاعليك منهن ، أنت قم بعملك على أكمل وجه وأرجع إلي بيتك آخر النهار . المهم أنقضت خمسة أشهر ، وإذا بي أجد نفسي ومن دون شعور مني ، قد أصبحت إنسان آخر ! حتى زوجتي لاحظت ذلك ( مع فرحة ومباركة منها ) ، وزني نقص تدريجيا كوني قللت من الأكل الزائد ومارست رياضة المشي ، فترك ذلك أثراً على ملابسي، حيث ( القمصان والبنطلونات قد تغير مقاسها ) ، لقد هجرت المحلات الشعبية وأصبحت أشتري ( ماركة ) ، والحزام الذي لم أغيره منذ خمسة عشر سنة استبدلته بحزام جلد أصلي !، أما أسناني ، فقصة أخرى ! حيث عملت عملية تنظيف وركبت سن دائم بدلاً عن المفقود ! ، وشعري أصبح طويلاً وذو قصة أعدلها كل أسبوعين تقريباً مع وضع بعض الجل ، ورميت كل أحذيتي القديمة ، ولبست أحذية ماركة جديدة ، وحتى في لباسي الوطني ، ( الثوب والشماغ ) ، أصبحت أشتري نفس مايشتريه أخي طالب الجامعة ... فاخبرني الدكتور أني وبممارستي رياضة ( المشي ) أسبوعياً ، قد أنقصت ( الكوليسترول الضار ) ، وأزداد لدي هرمون ( الأندروفين ) الذي تحـفز أوتوماتيكيا ! ، وأزداد تدفقه بجسمي ، ويسمونه هرمون السعادة ، فهربت معه التجاعيد وشعوري بالحيوية والنشاط قد أزاداد ! وكأني أصغر بعشرين سنة ! فتغيرت نفسيتي ، وأحمرت أوداجي ، ولاحظ ذلك كلاً من : زوجتي وإخواني وأصدقائي ، وحتى أمي وأبي ، وأخرهم أنت يادكتور ! ، لكن لا أعرف ؟ هل السبب ( الاختلاط ) ووجودي وسط بنات حواء ، مع أني ملتزم وأحافظ على الصلاة ، ولم أقم أي علاقة معهن ، حتى أني لم أحاول أن أحصل على أرقامهن ، فأكثرهن متزوجات و محتشمات ويؤدين عملهن على أكمل وجه !

Page 10

أنكحتك نفسي ! قصة حقيقية

تم إستدعاء المأذون الشرعي إلي بيت العروس ، ومجلس الرجال يعج بوجهاء العائلتين المتصاهرتين، وما إن توسطهم الشيخ المأذون ، بدأت مراسم عقد النكاح مع إحتساء القهوة العربية وشرب الشاي ، فنطق المأذون :

أين والد العروس ؟ ( أنا والدها ) ، هل نأخذ موافقتها ، أنا على عجلة من أمري ، ولدي عقدين بعدكم ، والمواصلات زحمة والوقت لايسمح بالإطالة ، فأرجوك أأذن لي كي أسمع موافقة البنت .

أخذ المأذون موافقة العروس ، ورجع إلي مجلس الرجال ، فسأل عن العريس ، فوقف أحدهم وقال أنا والده ، فقال له الشيخ ، أين ابنك؟.. فإذا بالرجل يرفع جهاز ريموت كونترول ، وبضغطة على الزرار ، وإذا بشاشة كبيرة ذات خمسين بوصة معلقة امام الجميع قد أضاءت وبدأت تعمل ، وتفاجأ الشيخ بظهور شاب يلبس ملابس داخلية ويترنح أمام الشاشة من شدة النعاس ! فقال الأب : ( هذا هو أبني العريس ياشيخ ! ) ، والأن نحن نكلمه ببرنانج سكايـبي على الهواء مباشرة صوت وصورة.. أنظر بنفسك ياشيخ بالأسفل .. يوجد كمبيوتر متصل بشاشة كبيرة وجهاز صوت سينمائي لوضوح الصوت ، و كذلك توجد فوق الشاشة كاميرا تصورنا الأن ، وهو ينظر إلينا ونحن نشاهده ، أليس كذلك بني ؟ نعم أبي .. فأرجوك ياشيخ تفضل وأبدأ مراسيم العقد .. فقال الشيخ وفي عينيه علامة تعجب بحجم أم رأسه : كيف ! كيف ! لم أفهم ؟ ماهذه الهرطقات العصرية !

ياشيخ ! الله يرضى عليك سهل الأمور ، فإبننا مبتعث بأمريكا ، ونريد أن نحصنه بالزواج كي لايلعب بذيله هنا أو هناك ، تعرف هذه الأيام أنتشرت إشاعة إن المبتعثين يشربون أم الكبائر ، وإذا عادوا إلي بلادنا وفي دمهم الحرام ، سكتون فضيحة ، ونحن خائفون على أبنائنا من الوقوع في الشبهات وإتباع خطوات الشياطين ، فقلنا نزوجه من بعد على أي فتاة ونرسلها له .. فقال لهم الشيخ : طيب دعوه يعود بالإجازة ثم زوجوه !

والده : هو لايستطيع العودة إلي الوطن ياشيخ ، ولماذا لايستطيع ؟ إنه من النوع الذي لايحتمل مقاطعة الأفكار بعد مذاكرة الأسحار! فإذا رجع سينسى المواد التي درسها ، وسيضيع مستقبله ، وإضافة على ذلك ، أردنا أن يحصل على مكافأة المتزوجين من الدولة، وبعد عقد القران سنرسل العروس إليه ، وبذلك يزداد دخله الشهري ، ويجد من يعينه ويعـتـني به في الغربة .

( هذه زوجة أم سيارة ؟ ) .. لا لا ! فأعتذر الشيخ ، وقال : هذه أول حالة تمر علي ، فحاول الموجودون جهداً أن يقنعوه ، بإن الحياة العصرية لها قانونها الخاص ، والدنيا أصبحت إلكترونية وكل شئ بضغطة زرار ، فهدأ الشيخ وسأل العريس : حسناً حسناً : هل رأيت العروس يابني ؟ فأجاب الشاب بعد أن مدد يديه للخلف وتثاءب أمامهم دون أن يكترث لأحد ، وقد ملأ صوت فرقعة أصابع يده السماعات الكبيرة : ياشيخ ، أمي وأخواتي ذهبن إلي بيت إبن عمي أبي الغني ، وأتصلوا بي إن الفتاة أمامهم ، فعملوا مسح للفتاة من رأسها حتى أخمص قدميها بجوال الجلاكسي ، فسألوني هل تصلح : فقلت أوكي الراي رأيكم وعيونكم أصدق .

فجن جنون الشيخ ، وقال : لا لا !! هذا لايجوز البتة ، خطوبة بالجلاكسي ، وعقد قران بالسكاي بي .. أنا أعتذر ياجماعة وسأخرج ، والخمسمائة ريال التي سأحصل عليها لا أريدها .. فأجتمعوا عليه ، وطلبوا منه أن يعقد القران ، فقال أحد الضيوف للشيخ : أنا زرت إبن عمي المنوم بالمستشفى بالأيفون ، لأني بمدينة وهو بأخرى .. فأقترب منه والد العريس وهمس بأذنه : ياشيخ ، لقد كلفني العشاء لهذه الليلة خمسة الاف ريال ، هذا غير أجرتك ، فأرجوك ، وأرجوك واطلبك بالله ، أن ترفع السد ، وتجعل المياه تجري ، ولا تحرجني أمامهم ..هي فقط كلمتين ( أنكحتك وزوجتك نفسي ، ثم قلبت ) ، وأعدك إنك ستحصل على رز مع ربع الذبيحة لأولادك !

فصرخ الشيخ بأعلى صوته : أنتم مجانين أو أنا مجنون ! الدنيا أنقلبت وأصبح عاليها سافلها ، كل شئ أصبح بالشاشة والكمبيوتر ، حرام عليكم ،الزواج أعظم وأعز مشروع إنساني ، تخطبون وتزوجون بالجلاكسي ، الحديث بين العائلة بالجلاكسي ، الطبخ بالجالكسي ، زيارة الوالدين بالأيفون .. طيب فرضاً تم مسح فتاة على أنها العروس ، وتم العقد على أخرى ، كيف سيتحجج الشاب ، وكيف سيثبت إنها الفتاة التي وافق عليها ، فكم فتاة تم تبديلها بعد رؤيتها بالعين المجردة ، فما بالكم بالأيفون وغيره ، فقاطعه أحدهم ، يعمل لها صورة بجواله أثناء النظرة الشرعية ، ويطالب بها .. فوقف الشيخ وقال : أنا أعتذر وهنيئا لكم العشاء فرن جوال والد العريس ( الأيفون ) وإذا بإبنه الكبير يظهر أمامه بالشاشة ، ويقول له : ابي أنا أكملك من المطعم ، أنظر إلي الطبخة ، أعتقد إنها غيرالمواصفات التي طلبناها .. نحن طلبنا مظبي ، وهذا الذي أمامك بالصورة مندي !