eKtab
EN ع
حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة
Read free sample

حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة

by د. باسم خلف العساف

Page 1
 
الوَصِيَّة الخاَلِدَة
 
 
 
خليفة رسول الله " أبو بكر الصديق"  رضي الله عنه،  يوصي قائد جيشه " أسامة  بن  زيد" وجنوده  قائلاً :-
 
" يا أيها الناس :  قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها  عني :  لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على أقوامٍ يأتوكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا  أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه " .
 
 
 
ابن جرير الطبري / تاريخ الرسل والملوك
 
الجزء الثالث / ص 227 .
Page 2
بسم الله الرحمن الرحيم
 
مقـدمـة
 
الحمد لله رب العالمين، ناصر الموحدين، وملاذ المستضعفين، وجاعلهم فوق من عاداهم الى يوم الدين .
 
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وشفيعنا عند الله يوم الدين، النبي الأمي الأمين سيدنا محمد بن عبدالله، آخر النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
 
تتوالى في هذه الأيام أحداث جسام، وحروب عظيمة، استُخدم فيها أبشع ما أنتجه الفكر البشري من وسائل إبادة ودمار، فوجهت هذه التكنولوجيا الشريرة إلى صدور الآمنين، لا تفرق بين طفل وشيخ، ولا بين امرأة ورضيعها، فكانت النتيجة سقوط عشرات الآلاف من هؤلاء الضحايا كما تتساقط أوراق الخريف .
 
ان ضحايا النزاعات المسلحة التي دارت وتدور في أرجاءٍ مختلفة من عالمنا هذا، هي غالبا ما تكون من الفئات غير المشاركة في هذه النزاعات، والتي أوجب القانون الدولي الإنساني حمايتها أثناء النزاعات المسلحة، فلم يسجل التاريخ المعاصر حرباً لم تكن غالبية ضحاياها من الفئات غير المشاركة فيها، ولم نسمع بأن حرباً دارت دون أن يكون العدد الأكبر من القتلى هم من الفئات المحمية بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني.
 
ولعل أهم فئة تتصدر الضحايا المتضررة من النزاعات المسلحة هي فئة المدنيين، التي دائما ما يكون لها النصيب الأكبر من الخسائر في الأرواح . وان الناظر في أسباب نشوب النزاعات المسلحة المعاصرة لا يجد – في الغالب - سندا قانونيا يدعم شن هذه الحروب، مما يضفي عليها صفة الحرب العدائية التي حرمتها المواثيق الدولية، وحرمت كذلك مجرد التهديد بشنها، وقد كُرِّس هذا المبدأ في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على ما يلي : " يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة " . 
 
إن المطامع السياسية والاقتصادية، وحب الهيمنة وإقصاء الآخرين، أصبحت من الملامح الرئيسة التي تهدد الإنسانية وخصوصاً في منطقة الشر ق الأوسط .
 
وبسبب هذه الأطماع، أصبح العالم يبتعد أكثر فأكثر عن تحقيق السلام المنشود، وعن تخفيف ويلات الحروب التي تلحق بضحايا النزاعات المسلحة، بدلاً من أن يكون هذا العالم أكثر تحضراً، وأكثر التزاماً بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني، في وقت تدعي فيه القوى المهيمنة على العالم بأنها تسعى لجعل العالم أكثر أمنا وسلاما، على الرغم من تسببها المباشر في معاناة الملايين من الآمنين نتيجة تعنتها وإصرارها على الخروج عن أحكام الشرعية الدولية.
 
إن الأحداث التي يشهدها العالم، قد أكدت وبشكل قاطع عدم التزام أطراف النزاع بالقوانين الدولية التي تحكم خوض الحرب، أو تلك التي تضفي الحماية القانونية الدولية على فئات معينة من غير المشاركين في هذه الحرب، بحيث تم تسجيل خروقات  قاسية لا تدع مجالا للشك بأنها ارتكبت عمداً مع سبق الإصرار .
 
إزاء ذلك، كان لا بد من مساءلة أطراف النزاع عن هذه الإنتهاكات، بحيث تقيد هذه المساءلة أطراف النزاع ولا تترك لهم الحبل على الغارب في قتل من يشاؤون من البشر دون أن تكون هناك مسؤولية على أعمالهم تلك. 
 
لذلك فقد أخرج المجتمع الدولي إلى الوجود فكرة المحكمة الجنائية الدولية، والتي يتم من خلالها مساءلة الأفراد المسؤولين مساءلة جنائية عما يرتكبونه من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح، وذلك في حالة ثبوت قيامهم أو ثبوت مسؤوليتهم عن هذه الانتهاكات، وذلك في محاولةٍ من المجتمع الدولي للتخفيف من ويلات الحروب أكبر قدرٍ ممكن، وحماية الفئات غير المشاركة فيها من أية انتهاكات قد توجه ضدهم في خضم هذه الحروب، والتي أصبحت لا تفرق بين مقاتلٍ وغير مقاتل، ولا بين هدفٍ عسكريٍ وهدفٍ مدني.
 
وفي غمرة هذه الأحداث تبرز من بين الفئات المحمية، وتحديداً من فئة المدنيين، طائفة تسعى دائما إلى تغطية أحداث النزاع المسلح، ونقل ما يحدث في ساحاتها إلى العالم الذي يهتم بالتواصل مع هذه الحروب أولا ً بأول، إنهم طائفة (الصحفيين) الذين أضفى عليهم القانون الدولي  الإنساني صفة المدنيين، رغم الاختلاف الجوهري بين الصحفي والمدني تجاه النزاع المسلح، حيث إن الأول يزج بنفسه في ساحة المعركة بحثا ًعن الخبر، بينما يسعى الثاني إلى الهروب من ساحة المعركة بحثاً عن النجاة .
Page 3
وكذلك تبرز أهمية حماية مقرات هؤلاء الصحفيين بصفتها أعياناً مدنية ضرورية لاستمرار ممارسة الصحفيين لمهامهم أثناء النزاعات المسلحة فالحديث عن الصحفيين، لا بد وان يطال الحديث عن مقراتهم الصحفية، على اعتبار ان كليهما يعمل كوحدة واحدة في العمل الصحفي، فالصحفي لا بد له من مقر لممارسة مهنته وكذلك فإن مقر الصحافة لا يمكن له ان ينتج دون أن يعمل الصحفيون من خلاله . من هنا كان التلازم بين الصحفيين ومقراتهم الصحفية في انجاز الأعمال الصحفية .
 
ورغم غياب النص القانوني الدولي الصريح باعتبار مقرات الصحافة أعيانا مدنية، إلا أن تعريف الأهداف العسكرية الوارد في نص المادة (52/2) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، جعل مقرات الصحافة تخرج عن مفهوم الأهداف العسكرية، وبالتالي فإن كل ما يخرج عن مفهوم الأهداف العسكرية المحدد في نص المادة المذكورة، يصبح تلقائيا عيناً مدنيةً لا يجوز مهاجمته ما دام لا يرتبط بالعمل العسكري بأي صفة، وما دام تدميره أو تعطيله لا يحقق ميزة عسكرية أكيدة (1).
 
لقد كان عام (2006) من أكثر الأعوام  دموية على الصحفيين في العالم، فحسب تقرير نشرته وسائل الإعلام على شبكة(الانترنت) وأعدته منظمة مراسلون بلا حدود، والتي تعنى بالدفاع عن الصحفيين وحرية الصحافة، أن سنة (2006) شهدت مقتل أكبر عدد من الصحفيين منذ بدء نشر إحصاءات بهذا الموضوع، وحسب تقرير المنظمة فإن (94) صحفيا قتلوا في هذا العام في مناطق نزاع دولي أو اضطرابات داخلية، وشهد العراق مقتل العدد الأكبرمن الصحفيين حيث قتل فيه(48) صحفيا،أي ضعف عدد الصحفيين الذين قضوا نحبهم.
 
في عام ( 2005)، حيث لم يؤد أي نزاع إلى سقوط هذا العدد من القتلى في صفوف المراسلين الصحفيين منذ الحرب العالمية الثانية ومنذ حرب فيتنام الثانية، مما جعل عدد القتلى من الصحفيين في العراق يصل إلى (103 ) صحفيين منذ عام (2003) أثناء تغطيتهم لأحداث العدوان الأمريكي على العراق . وذكر التقرير أن نسبة الزيادة في عدد القتلى من الصحفيين بلغت 38% مقارنة مع العام (2005) الذي قتل فيه (68) صحفيا ومراسلا ومصورا وفنيا(2).
 
ولقد أصبحت مقرات الصحافة أهدافا لنيران المدافع، وقذائف الطائرات إثناء النزاعات المسلحة، وتحت ذرائع واهية . وأحيانا كثيرة، أصبحت تقصف هذه المقرات بدون ذرائع أو مبررات تذكر، وكأن شيئا لم يحدث، فكانت النتيجة دماراً لهذه المقرات على من بداخلها ودون تحقيق أي ميزة عسكرية تذكر، على غرار ما حدث في العراق ولبنان وهو ما سيتم التعرض له في هذا الكتاب.
 
كذلك، فلقد أصبح الإفلات من العقاب على هذه الأفعال بحق مرتكبيها هو السمة الغالبة على مثل هذه الجرائم والانتهاكات، فلم نعد نسمع عن محاكمة لمرتكبي الانتهاكات بحق الصحفيين ومقرات الصحافة، رغم وضوح الانتهاك، ووضوح شخصية الفاعل في أغلب الأحيان، الأمر الذي يستدعي البحث وبشكل جدي في هذا الموضوع لوضع حد لمثل هذه الانتهاكات، والتي أصبحت تأخذ شكل العبثية وعدم الاكتراث بالإنسان في الآونة الأخيرة.
 
انطلاقاً من هذه الأسباب، وانطلاقا من هذا الواقع الملموس، ومن الحقائق الأكيدة التي تحتويها النزاعات المسلحة بهذا الشأن، نجد أن موضوع حماية الصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة، هو من المواضيع التي تستحق البحث والاهتمام، بغية توجيه الأنظار إلى ضرورة وضع آليات قانونية أكثر فاعلية لحماية هؤلاء الصحفيين ومقراتهم الصحفية أثناء النزاعات المسلحة، مع الأخذ بعين الاعتبار اتساع رقعة النزاعات المسلحة في عالمنا العربي خاصة، وسائر أنحاء العالم عامة، وكذلك بغية وضع حد لمثل هذه الانتهاكات عن طريق المساءلة الجنائية لمرتكبيها وفق أحكام قواعد المسؤولية الدولية.
 
وسنتناول الحماية القانونية الدولية للصحفي باعتباره مدنياً، ولمقرات الصحافة باعتبارها أعياناً مدنية، وذلك وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، هذه الحماية التي لم تعرفها المجتمعات إلا في العصور المتأخرة، بينما نجد انه لا بد من الاعتراف للشريعة الإسلامية الربانية، بالفضل  والأسبقية على هذه التشريعات الوضعية بما منحته من حماية للفئات غير المشاركة في النزاعات المسلحة، حيث قررت هذه الحماية منذ مئات السنين في وقتٍ لم تكن هذه الأمم المتحضرة تعرف معنى حماية ضحايا الاقتتال . 
Page 4
وحتى نتمكن من تناول موضوع هذا الكتاب بشيء من التفصيل، فقد تم تقسيمه إلى أربعة فصول، بدأت بفصل تمهيدي تضمن مدخلا نظريا، حيث تم تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث، تناول الأول منها التعريف بالقانون الدولي الإنساني من خلال بيان مفهومه ونطاق تطبيقه، وتناول المبحث الثاني ماهية الصحفيين في القانون الدولي الإنساني من خلال التعريف بالصحفيين، وبيان وضعهم كأشخاص بحاجة إلى حماية أثناء النزاعات المسلحة . أما المبحث الثالث من هذا الفصل فقد تناول ماهية النزاعات المسلحة في القانون الدول الإنساني من خلال بيان خصوصية هذه النزاعات وأثر التفرقة بين النزاعات الدولية وغير الدولية.
 
و تناول الفصل الأول الحماية القانونية الدولية للصحفيين ضد الانتهاكات التي ترتكب بحقهم أثناء النزاعات المسلحة من خلال ثلاثة مباحث،المبحث الأول منها بين الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون أثناء النزاعات المسلحة، أما المبحث الثاني فتناول مراحل تطور الحماية القانونية الدولية للصحفيين ضد هذه الانتهاكات، وفي المبحث الثالث تم التطرق  إلى مضمون هذه الحماية ومتى يفقد الصحفي هذه الحماية المقررة له قانوناً . 
 
وفي الفصل الثاني من هذا الكتاب تم التطرق الى موضوع الحماية القانونية الدولية لمقرات الصحافة ضد الانتهاكات التي تقع عليها أثناء النزاعات المسلحة وذلك من خلال ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول منها الانتهاكات التي توجه إلى مقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة، وفي المبحث الثاني تم تناول مضمون هذه الحماية، وفي المبحث الثالث تم  التعرض للاستثناءات التي تفقد فيها مقرات الصحافة هذه الحماية.
 
وقد ختم هذا الكتاب بالفصل الثالث والذي تناول موضوع المسؤولية القانونية الدولية المترتبة على الانتهاكات التي ترتكب بحق الصحفيين ومقراتهم الصحفية، حيث تم تعريف المسؤولية الدولية وأساسها القانوني، بالإضافة إلى التطرق إلى التكييف القانوني لطبيعة الانتهاكات التي توجه ضد الصحفيين ومقرات الصحافة، بين جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والتي تعطي بدورها وصفاً قانونياً لطبيعة الجريمة المقترفة ضد هذه الجهات، مما يسهل على القضاء إلزام الجهة المسؤولة بالعقوبة المناسبة، وفي نهاية هذا الفصل تم التطرق إلى الجهات التي تتحمل المسؤولية عن هذه الانتهاكات وفق أحكام القانون الدولي المقررة للمسؤولية الدولية.
 
وأخيرا ًيحدونا الأمل بأن يكون هذا الكتاب قد وضع لبنةً تصلح كأساسٍ للبناء حول هذا الموضوع، وعلى أمل أن تأتي المؤلفات اللاحقة لتسد النقص الحاصل في هذه الكتاب، كما نأمل بأن يكون هذا الكتاب قد تناول الموضوع بالشكل المطلوب قدر الإمكان، وان يكون قد أضاف ولو شيئاً يسيراً إلى المكتبة القانونية العربية .
 
وكغيره من الكتب، فلا بد أن ينتاب موضوعه شيء من النقص هنا أوهناك لأنه من نتاج البشر، وكل ابن آدم خطٌاء .  والله ولي التوفيق
 
 الدكتور
 
باسم العساف
Page 5
المدخل النظري
 
لقد لعب الصحفيون - ولا زالوا - دورا كبيرا  وبارزا في تنظيم سبل الحياة الحديثة، ولا يقتصر دورهم على العمل الاعلامي فحسب، بل يتناول الى جانب ذلك توجية السياسة العامة في كل دولة للوقوف على مواطن القصور والتشتت نظراً لما يشكله دورهم من رقابة مهمة في هذا التوجيه، وفي التقييم لكل عمل جيد ومفيد للدولة والمجتمع داخليا او خارجيا، وكذلك يلعب الصحفيون دوراً كبيراً وفعالاً في السياسة العامة بين الدول، بحيث تشكل أداة تطوير وأداة رقابة فعالة وبالوقت نفسة اداة تقييم لكل عمل يتم القيام به مع  الحفاظ في الوقت نفسه على حياديتها وشفافيتها كما سنرى لاحقا. 
 
قبل الدخول في هذه الكتاب والبحث التفصيلي في عناصره الاساسية لابد لنا من التطرق الى بعض المحاور ذات الصلة القوية بموضوعه، والتي تشكل مدخلاً لا بد منه لتحقيق الفائدة المرجوة والمنفعة المبتغاة، والتي تساعد في تحديد مفهوم الصحفي والصحافة  في ظل القانون الدولي الإنساني بوصفه احد فروع القانون الدولي العام.
 
ولهذا فإن الفصل التمهيدي كمدخل نظري يأتي تلبية لتلك الحاجات وينقسم الى ثلاثة مباحث أساسية على النحو التالي:
 
المبحث الأول: التعريف بالقانون الدولي الانساني. 
 
المبحث الثاني: ماهية الصحفيين في القانون الدولي الانساني 
 
المبحث الثالث: ماهية النزاعات المسلحة في القانون الدولي الانساني.
 
وقبل التطرق الى هذه المباحث بشكل مفصل، لا بد لنا من الوقوف على التعريف الدقيق لمفهوم القانون الدولي الانساني، والذي يشكل مصطلحاً مستحدثاً في مجال القانون الدولي العام، والذي يظهر من خلال تسمية الجانب الإنساني فيه، وأثره في العلاقات الانسانية بين الدول والافراد، وعلى المستويين الداخلي والدولي، وضرورة حماية الحد الادنى من الحقوق الاساسية للبشر بشكل عام. 
Page 6
المبحث الأول
 
تعريف القانون الدولي الإنساني
 
لقد أطلق على قواعد القانون الدولي العام التي تحمي حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة اصطلاح " القانون الدولي الإنساني "، وقد اصطلح على ذلك كأثر  لإضفاء الطابع الإنساني على قواعد القانون الدولي العام والقواعد القانونية المطبقة في  النزاعات المسلحة.
 
ويعود الفضل في استخدام هذا الاصطلاح، الى (Jean Pictet()1) الذي استخدم مصطلح القانون الدولي الإنساني في الخمسينيات من القرن الماضي ليحل محل قانون الحرب، وكذلك الى مجموعة من الجهود المبذولة من قبل اللجنة الدولية للصليب والهلال الاحمر الدوليين، والدور الكبير والفعال المبذول من قبلهما لحماية الضحايا اثناء النزاعات الدولية المسلحة والمنازعات الأخرى، والقيام بالدور الذي تفرضة الطبيعة الانسانية في تخفيف المعاناة التي تلحق بهم دون ادنى ذنب.
 
 ولتحديد مدلول القانون الدولي الانساني، سنتولى تقسيم هذا المبحث الى مطلبين:
 
المطلب الأول: مفهوم القانون الدولي الإنساني. 
 
المطلب الثاني: نطاق تطبيق القانون الدولي الإنساني. 
Page 7
المطلب الأول
 
مفهوم القانون الدولي الإنساني
 
وفي ذلك يعرف الدكتور عامر الزمالي القانون الدولي الإنساني بأنه: " فرع من فروع القانون الدولي العام تهدف قواعده العرفية والمكتوبة إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح بما انجر عن ذلك النزاع من آلام، كما تهدف إلى حماية الأموال التي ليست لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية "(1). 
 
وتعرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر القانون الدولي الإنساني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة ( 2)، بأنه عبارة عن مجموعة القواعد الدولية الاتفاقية أو العرفية التي يقصد بها خصيصاً تسوية المشكلات الإنسانية الناجمة مباشرة عن النزاعات المسلحة، دولية أكانت أم غير دولية، لأسباب إنسانية، وتهدف إلى منع كل  أطراف النزاع من استخدام ما يحلو لها من وسائل القتال وطرقه، وخاصة ذات الأثر الفتاك وأسلحة الدمار الشامل، وأسلحة الإبادة الجماعية والأسلحة المسببة لأمراض او لعاهات بشرية بدون داع عسكري،  وتحمي الأشخاص والأعيان الذين يلحق بهم الضرر، أو يتعرضون له، من جراء هذا النزاع، والذين لا علاقة لهم بالنزاع القائم سواء في النزاعات الداخلية او النزاعات الدولية (3).
 
فالقانون الدولي الإنساني هو القانون الذي ينطبق زمن النزاعات المسلحة سواء الدولية أو الداخلية وهو يتضمن من ناحية القواعد الخاصة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة أو ما يسمى " قانون جنيف "، ومن ناحية أخرى القواعد الخاصة بالأساليب ووسائل القتال أو ما يسمى " قانون لاهاي" وهما القانونان اللذان دمجا وتم تحديثهما الى حد بعيد بالبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 واللذين بدأ العمل بهما اعتباراً من عام 1978 (4).
 
ومن مجمل التعريفات السابقة المذكوره يمكن أن نستنتج بأن القانون الدولي الإنساني يشكل مجموعة من المبادىء والقواعد والأعراف الدولية والإنسانية، والتي يمليها الطابع البشري والانساني، لحماية المدنين من أثار المنازعات المسلحة وكذلك حماية الأعيان المدنية، والأموال العامة والخاصة على السواء، وأبعد من ذلك العمل على تخفيف آثار المنازعات المسلحة على العسكريين، وهو بذلك يختلف عن قواعد حقوق الإنسان، ذلك أن القانون الدولي الإنساني يطبق في المنازعات المسلحة بينما تطبق قواعد حقوق الإنسان في وقت السلم، بخصوص ما يتمتع به الأشخاص من حقوق وامتيازات وحريات أساسية في مواجهة دولته في وقت السلم، وأيضاً في وقت الحرب، وإن كان هناك بعض القيود التي تفرضها طبيعة الحرب على هذه القيود، فالفارق الأساسي يقوم حول الهدف المنظم لكل من هذة القواعد التشريعية والغاية منها. 
 
ولقد ظهر توجه يمزج بين القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، فقد تطرق الى ذلك مؤتمر طهران لحقوق الانسان المنعقد في تاريخ 13/أيار/1968، " وعندما أعلن المؤتمر المذكور أن السلم هو الشرط الأول لاحترام حقوق الإنسان احتراماً كاملاً، وأن الحرب تعد إنكارا لهذه الحقوق، فإنه قد أكد صراحة أيضاً أن المبادئ الإنسانية يجب أن ترجح وتكون لها الغلبة حتى في فترة النزاع المسلح، ففي القرار الثالث والعشرين الصادر في 12/أيار/1968 تحت عنوان " احترام حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة " حث المؤتمر على تطبيق الاتفاقيات القائمة على نحوٍ أفضل في النزاعات المسلحة، وعلى إبرام مزيد من الاتفاقيات، وأدى هذا القرار إلى بداية نشاط في الأمم المتحدة بشأن القانون الدولي الإنساني، الأمر الذي صارت تشهد عليه التقارير السنوية للأمين العام والقرارات التي تتخذها الجمعية العامة سنوياً " (5)، ولقد استجابت الجمعية العامة للأمم المتحدة لدعوة المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان السالف الذكر، حيث أصدرت التوصية رقم (2444) بتاريخ 19/كانون الأول/1968 وذلك خلال دورتها الثالثة والعشرين، حيث دعت فيها إلى أن يقوم الأمين العام بدراسة الخطوات الواجب إتباعها واتخاذها لكي يضمن المجتمع الدولي أفضل تطبيق لأحكام القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات المتعلقة بهذا الموضوع على كافة النزاعات المسلحة، وكذلك دراسة موضوع الحاجة إلى قواعد قانونية دولية جديدة سواء أكانت تكميلية لما هو موجود، أم في أي إطار آخر، وذلك في نطاق القانون الدولي الإنساني لضمان أفضل حماية لضحايا النزاعات المسلحة(6). 
 
وكذلك فقد استجابت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لهذه الدعوة، حيث عقدت مؤتمرها الدولي الحادي والعشرين في (اسطنبول) في الفترة الواقعة ما بين 3-6/أيلول/1969 وذلك في أعقاب مؤتمر طهران الدولي لحقوق الإنسان، وتوصية الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2444/23) ويعتبر هذا المؤتمر بمثابة نقطة تحول هامة في نشاطات اللجنة الدولية للصليب الأحمر على صعيد إنماء وتطوير القانون الدولي الإنساني المطبق أثناء النزاعات المسلحة. 
 
وقد شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على ضرورة تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني آخذةً بعين الاعتبار الانتشار الواسع للنزاعات المسلحة، علاوة على أن تطبيق أحكام هذا القانون يؤدي إلى إرساء قواعد السلام بين الأمم (7). 
Page 8
ويعزز هذا التوجه الرأي الاستشاري الصادر مؤخراً عن محكمة العدل الدولية في 9/تموز/2004 في مسالة جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة(8).  
 
على أن ذلك يستوجب دائما مراعاة أن القانون الدولي الإنساني يطبق في كل المنازعات المسلحة الدولية والداخلية مهما كان نوعها وطبيعتها ويشمل ذلك الحروب الداخلية والفتن والثورات الداخلية التي تلحق الضرر بالمواطنيين وأفراد الدولة والأعيان المدنية المختلفة. 
 
وعلى الرغم من أن القانون الدولي الإنساني كان يمثل الجوانب الإنسانية في قانون الحرب فقد أنفصل في الوقت الحاضر وأصبح قانوناً مستقلاً بذاته إلا انه مع ذلك يبقى ملازماً للمنازعات المسلحة، فحيثما يطبق قانون الحرب يمكن أن يتم تطبيق القانون الدولي الإنساني. ولهذا فلم يعد القانون الدولي الإنساني خاصاً بالمنازعات المسلحة بين الدول فحسب بل أنه يطبق في الحرب الأهلية التي تحدث داخل حدود الدولة الواحدة.
 
وبناء على ذلك فأننا نجد قواعد القانون الدولي الإنساني تنفرد بمجموعة من الخصائص وأهمها(9):
 
1. إن القانون الدولي الإنساني يعتبر أحد فروع القانون الدولي العام. ويستمد مصادره من العرف الدولي والمعاهدات الدولية. كما أنه يفسر بالوسائل التي يفسر فيها القانون الدولي العام.
 
2. إن القانون الدولي الإنساني ملازم لقانون الحرب فحيثما يطبق قانون الحرب يطبق القانون الدولي الإنساني. ويبدأ تطبيق القانون الدولي الإنساني قبل وفي بداية النزاع المسلح وأثناء هذا النزاع المسلح، ولا ينتهي إلا بانتهاء آثار الحرب بصورة كاملة، بحيث تزول جميع الاثار المترتبة على هذه الحروب.
 
3. إن القانون الدولي الإنساني لا يتضمن حماية المدنيين والأهداف المدنية فحسب بل أنه يتضمن أيضاً حماية بعض الأصناف من العسكريين والأهداف العسكرية، فهو يشمل مجموعة من قواعد قانون الحرب وحماية العسكريين والذي يكون لضمان الشق الإنساني وحفظ كرامة الانسان وطبيعته البشرية.
 
4. إن التطور الذي يشهده القانون الدولي الإنساني في الوقت الحاضر أخذ مجالات متعددة، منها عقد الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الحروب بين الدول أو التخفيف من ويلاتها عن طريق عقد الاتفاقيات المتعلقة بمنع استخدام الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية والأسلحة الأخرى غير التقليدية ذات التدمير الشامل أو التي تسبب آلاماً لا مبرر لها وغيرها من الأسلحة التي تهدد الإنسانية قبل حدوث منازعات عسكرية (10).
 
وكذلك منع الاعتداء على الاهداف السلمية غير العسكرية، والتجمعات السكانية والمستشفيات والمدارس، وحماية فئات من الناس مثل الصحفيين، وأفراد الصليب الأحمر، وقوات حفظ السلام وغيرها.
 
1. تتولى تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني دول  ومنظمات دولية، مثل الأمم المتحدة، عن طريق الاتفاقيات التي تعقدها بين الدول لتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، وكذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هذا على الصعيد الدولي، وعلى الصعيد الوطني. تتولى تطبيقه لجان وطنية في جميع الدول، منها لجان الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية. وتتمتع هذه اللجان بحماية دولية من آثار العمليات الدولية، لما تقوم به من عمل أمني وسلمي بعيداً عن التدخلات العسكرية.
 
2. لا يتحدد تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني في حالة المنازعات بين الدول فحسب، بل أنه يطبق في المنازعات الداخلية وخاصة الحروب الأهلية التي تنشب داخل الدول. فلا يجوز التعرض للأشخاص الذين لا يشتركون في الأعمال العسكرية والأشخاص الذين سلموا أسلحتهم ومعالجة المرضى والجرحى وتحريم أية معاملة لا إنسانية ومنع الاعتداء على الحياة والسلامة الجسمية والكرامة الإنسانية.
 
3. إن انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني تشكل مسؤولية دولية موجبة للعقاب بتهمة جرائم الحرب. وقد أنشئت محاكم جنايات دولية في الدول التي حدثت فيها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني مثل والبوسنة والهرسك وكوسوفو وسيراليون وتيمور الشرقية(11).
 
وتعتبر مصطلحات " قانون الحرب " و " قانون النزاعات المسلحة " و"القانون الدولي الإنساني " مترادفة في المعنى، فالمصطلح التقليدي الذي كان سائداً حتى إبرام ميثاق الأمم المتحدة كان " قانون الحرب "، لانه كان ينظم الحرب ووسائلها واثارها والهدنة وما يتعلق بها.
 
ولما أصبحت الحرب غير مشروعة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، إلا في حالات محددة (12)، حيث وردت كلمة " الحرب " في ديباجة الميثاق عند الإشارة إلى إنقاذ " الأجيال المقبلة من ويلات الحرب " ثم استخدم الميثاق تعبير " استخدام القوة "، ثم بعد ذلك شاع استخدام مصطلح " قانون النزاعات المسلحة "، ثم وفي بداية السبعينات تأثر هذا القانون بحركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي خاصة في أعقاب مؤتمر طهران عام 1968 وشاع استخدام مصطلح " القانون الدولي الإنساني " كمصطلح مستحدث لمصطلحات سابقة، لتصبح أوفى وأوسع مدلولاً(13). 
Page 9
هوامش المطلب الأول
 
(1) شريف عتلم، محاضرات في القانون الدولي الانساني، اللجنة الدولية للصليب الاحمر، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2004، ص  24. وكذلك: د.محمد الطراونة، القانون الدولي الإنساني النص وآليات التطبيق، ط1، مطبعة الشعب،إربد، 2003، ص18 .  
 
(2) فاني لو بولو، القانون الدولي الإنساني قانون ام مجرد قواعد أخلاقية، ندوه تحت رعاية الدكتور حسان رشيد وزير التعليم العالي بسوريه، جامعة دمشق، 27 -28-تشرين أول/ 2002، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دمشق، مطبعة الداودي، تموز 2003، ص 11. 
 
(3)  د.شريف عتلم، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص10 .
 
(4)  د.محمد الطراونة، القانون الدولي الإنساني النص وآليات التطبيق، ط1، مطبعة الشعب،إربد، 2003، ص23.  
 
(5)  نقلاً عن د. فيصل شطناوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، دار الحامد للنشر، عمان، 1999، ص198-199. -- وراجع في ذلك أيضاً: د. صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976، ص103. 
 
(6)  د. صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مرجع سابق، ص104.
 
(7) المرجع السابق، ص111-112 .
 
(8) قررت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بإجماع أعضائها الـ15 "اختصاصها في النظر في القضية". كما قررت بواقع (14) صوتا مقابل صوت معارض وهو للقاضي الأميركي توماس بورغنتال ما يلي: مطالبة إسرائيل بإنهاء الوضع غير القانوني للجدار -الذي "يعد بمثابة ضم للأراضي الفلسطينية إذا أكمل ويعوق حق الفلسطينيين في تقرير المصير"- وإزالته من كل الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس الشرقية وما حولها وتعويض المتضررين من بنائه.وطلبت المحكمة في قرارها من كل الدول ألا تعترف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار، وطالبت الدول الموقعة على اتفاقية جنيف بدعوة إسرائيل للخضوع للقانون الدولي الإنساني. كما يدعو القرار الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى النظر في إجراءات أخرى لإنهاء الوضع غير القانوني للجدار. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أحالت القضية إلى محكمة لاهاي في ديسمبر الماضي بعد فشل المجموعة العربية في استصدار قرار دولي ملزم بوقف بناء الجدار. راجع الموقع الالكتروني www.rayaam.net/int/int.htm   تاريخ11/تموز/2004.
 
(9) سهيل الفتلاوي، الوسيط في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص348 وما بعدها.
 
  - وكذلك: د.محمد الطراونة، القانون الدولي الإنساني النص وآليات التطبيق على الصعيد الوطني الأردني مرجع سابق، ص24 – 25.
 
(10)  وعن العلاقة بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان راجع:-  د. فيصل شطناوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص 195 وما بعدها .
 
(11)  د. سهيل حسن الفتلاوي، الوسيط في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص 348. 
 
(12) لقد أصبحت الحرب محرمة دولياً في ميثاق الأمم المتحدة والذي صدر بمدينة (سان فرانسيسكو) في يوم 26 حزيران/يونيه 1945 باستثناء حالات خمس وردت في الميثاق المذكور وتشمل:-
 
-   الحالة الأولى أصبحت تاريخية، وهي الحالة التي أعطى فيها الميثاق صفة المشروعية على الأعمال التي اتخذت أو رخص باستخدامها إبان الحرب العالمية الثانية إزاء دول المحور والتي ورد ذكرها في الفصل الثامن من الميثاق المذكور.
Page 10
-   الحالة الثانية وهي مشروعية اللجوء إلى القوة التي يكون الهدف منها منع سياسة العدوان من جانب دول المحور بعد الحرب العالمية الثانية وذلك لضمان عدم تجدد اعتداءات هذه الدول على باقي أعضاء الجماعة الدولية.
 
-  الحالة الثالثة وتبدو من خلال نظام الأمن الجماعي الذي أوكله الميثاق إلى مجلس الأمن للنهوض به، فقد نصت المادة (42) من الميثاق على أن لمجلس الأمن الحق في اللجوء إلى القوة المسلحة في مواجهة الدولة التي تمعن في انتهاكات الالتزامات الجوهرية للميثاق، وذلك بغية إرغام هذه الدولة على الخضوع لقرارات الأمم المتحدة، ولإعادة مقتضيات الأمن والسلم الدوليين إلى نصابهما في المجتمع الدولي.
 
-  الحالة الرابعة هي حالة ما يعرف بالدفاع الشرعي والذي أجاز الميثاق فيها استخدام القوة المسلحة لدفع الاعتداء، وهي أكثر الحالات شيوعاً في ظل العلاقات الدولية المعاصرة، وقد خص الميثاق هذه الحالة في المادة (51) منه والتي نصت على: "  ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه ".=
 
=     -  الحالة الخامسة وهي مشروعية اللجوء إلى استخدام القوة من قبل الشعوب التي تسعى إلى تقرير مصيرها ضد الاستعمار أو السيطرة الأجنبية أو التمييز العنصري، وهذا الحق كفلته الفقرة (2) من المادة (1) من الميثاق والتي نصت على: " مقاصد الأمم المتحدة 2- إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام ". راجع في ذلك: د.حازم عتلم، قانون النزاعات المسلحة-المدخل-النطاق الزماني، مرجع سابق، ص 84 وما بعدها.
 
- وكذلك فقد أضاف الدكتور جعفر عبد السلام حالات أخرى تعتبر فيها الحرب مشروعة وهي: الأخذ بالثأر، استخدام القوة في البحار العالية، حالات الكوارث الطبيعية، الرد على اختراق المجالين الجوي والبحري للدولة، راجع في ذلك: د. جعفر عبد السلام، أحكام الحرب والحياد في ضوء القانون الدولي والشريعة الإسلامية، ط1، دار محيسن، القاهرة، 2003، ص87 وما بعدها. 
 
(13) باركو ساسولي، الأصول والتطور والتحديات للقانون الدولي الانساني، ندوة علميه برعاية د.حسان رشيد جامعة دمشق 4-5 تشرين ثاني 2000،اللجنة الدولية للصليب الأحمر،دمشق، مطبعة الوادي،2001، ص 29-32. كذلك:-  د.شريف عتلم، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص10 .