في حديقة أرضيتها من الباطون، فيها جدار باطوني عليه ساعة. بقايا شجرة. المقعد من الحديد.
أ و ب في الأربعينيات من عمرهما. ب ممتلئ وأكبر بالسن قليلاً من أ ذو البنية النحيلة والذي توحي معالم وجهه بأنه أكبر مما هو عليه.
أ : (ببرود وكأنه لا يصدق) تريد أن تقنعني بأنك لا تذكر مكانه؟
ب : بالضبط.
أ : لماذا لا تبحث إذن؟
ب : بحثت و ــ
أ : (يقاطعه) وماذا؟
ب : تعبت. من المستحيل البحث في كل هذا المكان.
أ : صحيح، أنا أكره البحث أيضاً.
ب : عن ماذا تبحث؟
أ : بالعموم.
ب : لابد أنك تبحث عن شيء ما، أليس كذلك؟
(أ لا يعنيه السؤال).
ب : لم تجبني بعد، منذ متى وأنت هنا؟
أ : منذ نصف ساعة.
ب : أنا قابلتك هنا منذ أكثر من ساعة!
أ : حقاً!
ب : أنا متأكد!
أ : فلنقل إذاً منذ أكثر من نصف ساعة.
ب : انظر... يمكنك ألا تخبرني، إن كنت لا تريد، طالما أنه يمكنك أن تؤكد لي أنك ــ
أ : (يقاطعه) حقاً! لماذا تسألني إذن؟
ب : كي أطمئن.
أ : وهل أنت مطمئن الآن؟
(ينظر إليه أ منتظراً التتمة).
ب : (وقد انتبه أن عليه أن يشرح ) كي أطمئن أنك لم تسمع ــ
أ : كن مطمئناً، حتى وإن سمعتُ فلن يغير ذلك من الأمر شيئاَ.
ب : لمَ؟
أ : (بينما يتحدث أ، ب يركّز كأنه يحاول أن يلتقط منه شيئاً ليفهم) إن سمعتُ، لن أقولَ. وإن قلتُ فإنك لن تفهم. وإن فهمتَ فهذا يعني أنه قد فات الأوان لتسمعني.
( ب لا يجيب وهو يعاود ترتيب ما قاله أ ).
أ : أرأيت!
ب : (بخدر) رأيت.
أ : ماذا رأيت؟
ب : مجرد كلمة.
أ : حول ماذا؟
ب : ما كنا نتحدث عنه للتو.
أ : وعن ماذا كنا نتحدث؟ أنا أفضّل الدقة في الحوار، وخاصة بعد الأقاويل المنتشرة في الجرائد والكتب هنا وهناك عن سوء الفهم... وتعدد القراءات.
ب : وماذا قالوا؟ لو سمحت طبعاً، فأنا قد أكون ــ أو قد أبدو لك ــ وكأنني أمتحنك.
أ : بماذا؟
ب : في ما كنت... لو كنت... آه غير مهم حقاً! هذا صحيح، لماذا كنت أمتحنك! أنا آسف. يبدو أنني بدأت أتعب.
أ : أما أنا فلا.
ب : أنت كذلك أيضاً. يمكنني أن ألاحظ الفرق..لم تكن هكذا عندما قابلتك ( يشير ب إلى أصابع أ، ثم يشير ب إلى كتفه بدلاً من كتف أ ) وانظر هنا.. أبيض...كله.
أ : مظاهر معتادة.
ب : إنك تتغير... حتى إنني أستطيع أن أؤكد لك ذلك. انظر حولك مثلاً.. ماذا ترى؟
أ : لا شيء... أشجاراً وعائلات ومقاعد.
(ب تأخذه مراقبة الأشجار والعائلات والمقاعد).
أ : أرأيت؟
(وقفة. يمر طفل صغير تمسكه صبية من يده. يراقبهما ب باهتمام ).
ب : (وهو لا يشيح النظر) هل تحب الأطفال؟
أ : فقط عندما يكبرون.
ب : كيف هذا؟ الأطفال هم صغار الذين يكبرون.
أ : أعرف هذا، لكنهم ليسوا كذلك دوماً.
ب : فإذن؟
(أ لا يجيب، يخرج سندويشة يبدو أن بعضها قد أُكل في وقت سابق، ب يتابعه بنظرات اهتمام حقيقي. أ يلتفت إليه، ينتبه لنظراته، يقدم له السندويشة بطريقة فاحصة. يأخذها ب دون تردد ويأكل. أ ينظر إليه وكأنه قد تأكد من صحّة ظنّه. ثم يعود و ينظر إلى الأمام ).
ب : (وهو يأكل) حسناً. فهمت، هذا يعني أنك لم تسمع شيئاً.
أ : (متأففاً) هذا هو تماماً ما يدعى بسوء الفهم! أنا لم أقل ذلك.
ب : لكنك لو سمعتَ لكنت قد قلتَ، أليس كذلك؟
أ : ربما... لا.. لماذا أنت متأكد؟
ب : ( ببعض الهياج ) ولماذا هذا التكتم؟ هذا مكان عام تقال فيه الأشياء التي تحدث. إنها ليست أسراراً شخصية. لا أسرار في الحدائق العامة. فعندما يقع الحارس في الماء وهو يلاحق البط بإمكانك أن تخبرني بذلك.
أ : هل وقع بالفعل؟
ب : لا إنني أفترض وحسب.
أ : على فكرة هذه طريقة مثالية في الشرح، لدرجة أنني اعتقدت أنه قد وقع فعلاً.
(نسمع صوت صراخ رجل وضحك وصوت ارتطام بماء).
أ : أكمل!
ب : ماذا كنت أقول؟
أ : للتصحيح؛ أنت لم تكن تقول وإنما كنت تفترض.
ب : أجل وبناءً على هذا الافتراض، فإن ما حدث في الحديقة ــ إن حدث ــ يعتبر أمراً مشاعاً.
أ : ولهذا تعتبر سندويشتي لك إذن؟
ب : (يعيدها ولم يتبق منها الكثير) آسف.
(يأخذها أ ويرميها في السلة الملاصقة للمقعد).
ب : إذن ما حدث هنا، وما قد يحدث، ملكٌ للجميع.
أ : لماذا؟
ب : لقد قلت لك للتو!
أ : لكنك لم تقنعني، هل من ضرر في الإعادة أو المحاولة مجدداً؟
ب : حسناً. لأن المسألة مسألة وقت فحسب.
(يخرج من جيبه منديلاً يمسح فمه ويتابع الحديث).
ب : مما يعني أنني لو وصلتُ إلى الحديقة أبكر بقليل لكان ما حدث وقتها قد حدث أمام ناظري، أي أنني كنت أملك الجواب أيضاً. ولذلك فليس الأمر بهذه الخصوصية.
أ : وأين كنتَ وقتها؟ كثيرة هي القضايا التي لم يصل أصحابها في الوقت المناسب... ببساطة هكذا كُتب التاريخ.
ب : وها أنا أسألك عنه!
أ : وهل يكفيك أن تكون ممن يسألون عنه وحسب؟
ب : لا مفر من ذلك.
أ : بلى... أن تأتي... لماذا لم تأت؟
ب : لقد تأخرت.
(أ ينتظر التتمة).
ب : لقد تأخرت لأنني كنت... لظروف ــ
أ : (مقاطعاً) لا يمكنك الإفصاح عنها؟ لأنها لم تحدث في الحديقة؟! ظروف شخصية؟
ب : (قلقاً) لكن هل تأخرتُ حقاً؟
أ : لكنك... هل تقصد أنه لو كان بإمكاني أن أكون في كل... لا... لا... أنت لا تقصد أن الأمور الشخصية عامة هي مسألة وقت لا غير؟!
ب : بالطبع! إنه التوقيت... حتى أكثر الأمور شخصية... ما هي أكثر الأمور شخصية بالنسبة لك مثلاً؟
(صمت ينتظر فيه ب إجابة أ ).
أ : أنت لا تنتظر مني أن أقول لك ما هي أكثر الأمور شخصية بالنسبة لي، أليس كذك؟
ب : حسناً... فكّر بالحب مثلاً... إنه ببساطة قصة توقيت مناسب أو غير مناسب.
أ : وهل هذا التوقيت مناسب لهذا الحديث؟
(صمت. يبدو أن أ يفكر بكلام ب).
ب : أرأيت!
أ : لكن قل لي كيف يمكن للمرء أن يتأخر في القدوم إلى حديقة عامة؟ (مستغرباً، يتابع أ وكأنه يتحدث إلى نفسه) لا يتأخر المرء في القدوم إلى حديقة ــ
ب : عندما تتدخل النساء...
أ : (بحزم) ــ عندما يكون وحده.
(وقفة).
ب : أليس من الغريب أننا رجلان (ينظر إليه أ بدهشة) ولم نتحدث عن النساء منذ ما يقارب الساعة. ألا تحب النساء؟
(وقفة).
أ : لا... أحب منهن من تحبني. ولأكن صريحاً معك، ليس كل من أحببنني أيضاً.
ب : ألا تود معاكستهن؟ فالحديقة مليئة بهن.
أ : لا أعاكس النساء.
ب : (بتلميح) وإنما؟
أ : رجال الأمن.
ب : (ينظر إليه بتفحص) صرعة جديدة؟!
أ : لا. منذ أن بلغت.
ب : وهل لهذا الأمر علاقة بالموضوع؟
أ : أتوقع، لكنني لا زلت أبحث عن ــ
ب : (مقاطعاً) ها! إذن فقد بحثتَ يوماً!
أ : (لاينفعل بهذا الانتصار) أنا أبحث في رأسي فقط... لا أنزل ــ
ب : (مقاطعاً) لماذا تعاكسهم؟
أ : لم يعد الأمر بيدي. بدأ كفعل أو ربما كردّ فعل فطري وإذ بي لا أستطيع التوقف عنه والتفرغ للنساء.
ب : ألم تقتنع بعدم جدواه بعد؟ فمعاكسة النساء قد تودي إلى أمر ما، أما هم...
أ : لا يهمني إلى ماذا سيودي... هذا ما يسمى بالاهتمام الحقيقي. ثم إنني لا أستطيع الانسحاب الآن.
ب : إذن فقد شعروا هم بذلك؟ كيف؟
أ : تقصد الذين أعاكسهم؟ (ب ينظر متحفزاً في اتجاه آخر إذ سمع بعض الأصوات الغريبة) إنهم يقرأونه في العيون، في الأكتاف، في طريقة السير...
ب : (ينتبه لكلام أ) ولكن عفواً، كيف تسير؟
(يقف أ. يتجه إلى طرف الخشبة باتزان، يبدأ بالسير العادي المنتصب والفخور بالاتجاه الآخر، ثم يعود إلى مكانه. ب يراقبه).
ب : يا للجمال! أوَهكذا تمشي أمامهم؟ إنه أمر مستفز للغاية يا رجل. إنه مستفز حتى للنساء!
(أ يعرف خطأه).
ب : ولكن لأكن صادقاً معك، لا أجد في طريقة مشيتك ما يميزك أيضاً؛ إنه أمر بديهي أن يمشي الإنسان على قدميه، وأن ينظر إلى الأمام وحيث يضع قدمه. وأنت لم تفعل ما يثير أي قلق. حتى وكأنك تسير على حبل.
أ : لا شيء مقلق!
ب : ولمزيد من الصراحة أنا لم أحب تلك النظرة، لو سمحت سأطلق عليها نظرة الـ... (يبحث ب عن المفردة لكنه لا يجدها فيتابع وكأنه لم يكن يبحث عنها) وكذلك فإن لأكتافك انحناءة للخلف، إذ تبدو لي مستقيماً للغاية وأنت تمشي. حتى تكاد تسقط للخلف، ألا تظن ذلك؟ ألا تظن أنك تبالغ في مشيتك بعض الشيء؟ لا يسير المرء على هذه الشاكلة، ماذا تركت لأبطال الحروب إذن؟
أ : وهل تعلم ماذا تركوا هم لنا؟ يبدو أنك لازلت تظن بأننا ربحنا تلك الحرب، أليس كذلك؟ على كل حال... حاولت تعديل أكتافي ورأسي لكنني لم أستطع... لست موهوباً بهذه الثنية الخفيفة للأمام على مايبدو.
ب : أرجو المعذرة على المبالغة.
أ : لم تبالغ.
ب : المشكلة أنك أنت تبالغ.
أ : في مشيتي؟
ب : في الاهتمام بها. على المرء أن يمشي على راحته تماماً، إنه واحد من تلك الأفعال اللاإرادية إذ لا رسائل يبغي إيصالها لمن حوله. المرء يمشي وحسب، يفتح باب منزله ويبدأ المشي.
(ينصت أ وهو يراقب ب بطريقة فاحصة).
ب : أجل إنها الحقيقة، أما أنت... فكأنك تمشي باتجاه شيء ما... أو فوق شيء ما... أو من مكان إلى مكان... لا يا رجل. امش وحسب!
أ : وسأصل؟
ب : آه لقد ذكرتني، لم تقل لي متى وصلت إلى هنا بالضبط؟ أريد جواباً دقيقاً هذه المرة لو تفضلت.
أ : لا أذكر، أودّ لو أستطيع مساعدتك لكنني (يحاول التذكر) وصلت قبلك ــ
ب : (مقاطعاً) هذا مؤكد.
أ : ووصلت قبل أن يقع حارس الحديقة في الماء.
ب : هل وقع؟
أ : لا لا، أنا فقط أحقق الافتراض.
ب : وبعد؟
أ : وقبل أن تحدث تلك الجلبة عند الـ....
ب : (قلقاً) جلبة؟ ماذا؟ أعد من فضلك!
أ : لقد سمعتَ للتو.
ب : أرجوك أعد.
أ : جـ لـ ب ـة.
ب : (بانفعال) لماذا لم تقل منذ البداية، هيا هيا... أين ومتى؟
أ : هدئ من روعك.. ما بك؟... ثم أنا لا أستطيع أن أتذكر الآن، لكنها أثارت غباراَ.
(ينفعل ب جداً، يجلس القرفصاء عند قدمي أ دون أن يلمسه).
ب : هيا، تذكر أرجوك.
أ : أليس من المحتمل أن الحارس كان يلاحق بطةً ما؟
ب : هيا يا رجل، هذا ليس وقت مزاح!
أ : ولماذا أنت منفعل إلى هذا الحد؟ لو كنتُ مهتماً بأمر ما ـ كما تبدو أنت الآن ــ لكنتُ أتيت في الوقت المناسب ولم أتأخر. أهذا تصرف بالغين؟ (ينتبه) طبعاً الأستاذ بالغ؟
(ينزعج ب من ممطالة أ بالإجابة).
أ : أتعاكس رجال الأمن أنت أيضاً؟ أيعاكسونك؟
ب : (يصحو فجأة) من هم؟
(يحسّ ب أنه فقد الأمل بهذه الطريقة، يعود للجلوس في مكانه).
ب : ما الذي حدث في الحديقة قبل أن أصل؟
أ : مرت طائرة هيلوكوبتر صغيرة ؟
ب : (الأمر لا يعنيه) وبعد؟
أ : ألا تريد أن تعرف تفاصيل هذا الأمر؟
ب : لاحقاً.
أ : إذن فأنت تدعو لسوء الفهم! يا سيد، إن لم تهتم بأمر طائرة تطير فوق حديقة عامة وقت السلم فما الذي يهمّك حقاً؟... لقد أحسستُ منذ البداية بأنك شخص مريب و ــ
ب : (مقاطعاً وقد ضاق ذرعاً) حسناً، قل لي باختصار!
أ : وماذا لو قلت لك أن للأمر علاقة بالجلبة؟
ب : (يفكر ملياً) لا أعتقد. ليس بهذه السرعة على الأقل. وإلا لكان...
أ : قل لي أنت إذن! يبدو أنك تعرف أكثر مني رغم أنك لم تكن موجوداً... أم أنك تكذب؟
ب : أنا لا أكذب. كنت أقصد... أنني لا أعتقد، أنا فقط أنتظر.
أ : وتبحث وتفترض (ساخراً وهو يعدّ على أصابعه) يارجل إنك لا تكفّ عن الفعل.
(ب يعترف صامتاً بذلك).
أ : بداية طيبة.
ب : حسناً، ما قصة الطائرة؟
أ : لم تكن طائرة بالمعنى التقليدي.
ب : طائرة... ذبابة... غير مهم.
أ : أوافقك الرأي في هذا التشبيه.
ب : الحمد لله!
أ : هل أنت مؤمن؟
ب : طبعاً (يتردد قليلاً ثم يتابع) لكن كلمات كهذه تقال بسبب العادة على قولها وليس بسبب معناها، وليس من الضروري أن تلاحقني بها.
أ : هل أنت متأكد أنها فارغة من أي معنى؟
ب : لم أقل هذا (يستعوذ هامساً). لقد قلت إنها... إنها قد لا تقدّم ولا تؤخّر بالنسبة للـ... أي أنها مجرد كلمات يعتاد المرء على قولها.
أ : إذن لماذا تستخدمها؟
ب : هل من الممكن أن تكمل؟
أ : وكيف تعتاد على أمر كهذا؟ الأمر يحتاج إلى الكثير من التفكير... أو اللا مبالاة. هل ممكن أن تساعدني كي أعتاد؟
ب : هل من الممكن أن تكمل؟
أ : ولكن ماذا ستعطيني بالمقابل؟ هل بإمكانك أن تساعدني كي أعتاد؟
ب : تريدني أن أعطيك شيئاً مقابل أنك ستحكي لي أمراً قد حدث أمام الجميع؟ وعلى مرأى من أعينهم؟
أ : لماذا تدفع ثمن الكتب، كتب التاريخ مثلاً؟ طبعاً إن كنت تفعل ذلك! فمعظمها يقول لك ما قد حصل يوماً.
(وقفة. ب لا يجيب).
أ : فهمت! أنت مستاء! أليس كذلك؟... إذن يمكنك أن تسأل غيري.
(أ يشير لـ ب بمغادرة المقعد. يتنهد ب. يحاول أن يتدارك الموقف).
ب : لكن مالذي ستخسره إن قلت لي وحسب. يا إله! كم أنت همٌّ ثقيل.
أ : «يا إله»! وها أنت تتدرب على عاداتك وتستغلني أيضاً! ألا يكفي أنني خسرت سندويتشي في البداية؟
ب : سأشتري لك واحدة أخرى.
أ : لن تفعل. أنت لا تفي بالوعود التي تقطع.
ب : وكيف تعرف؟
أ : لأنك تعتاد على قول كلمات دون معنى.
(ب يصمت وقد شعر بالحصار. وقفة).
أ : (يتابع وقد تعلم ب الدرس) كان السكون الذي يعمّ الحديقة مزيفاً... يبعث على الترقب ويثير الشكوك. ذاك المتقاعد هناك (يشير) كان قد طوى الرسالة التي بيده ووضعها في الزبالة بعصبية منعتْ بائع القهوة المتسول ذاك (يشير) لحظتها من الاقتراب منه؛ خطة محكمة. عامل البلدية ذاك... هناك (يشير) الذي يدخن.. كان لازال يبحث عن السيجارة، ثم... طارت الطائرة الصغيرة الأشبه بالضفدع فوق الحديقة. جاءت من اليسار، وقد أصدرت ضجيجاً حتى قبل أن تأتي مما اضطر ثلاث عجائز ــ كن يتحدثن عن رسوب حفيد إحداهن في الجامعة ــ إلى مغادرة الحديقة متجهات إلى ذلك الباب (يشير). عند الباب سقطت إحداهن في بركة صغيرة كانت قد تركتها المياه المتدفقة من الصنبور الذي لم يغلقه ذلك الطفل (يشير) الذي طلبت إليه أمه بصوت منخفض أن يغسل يديه بعد أن كان يضع إصبعه في -
ب : (يصرخ) إيـــــــــــه... فلنعد للطائرة!
أ : كان يضع إصبعه في الطائرة (يقف لحظة) كيف هذا؟ (يفكر).
ب : الطائرة التي كانت تطير من اليسار...
أ : وماذا؟
ب : (ينظر بحدة) لقد وعدت أن أشتري لك سندويشة، أم أنك نسيت؟
أ : لم تعدني ولم أنسَ! لكنني سأكمل... تروق لي مراقبتك وأنت تنصت... هل تعلم، تبدو لي الآن بهاتين العينين وهذا الفم ممن يمكن أن يُقادوا بالكلام!
(هذا الكلام يستفز ب).
أ : وهذا ما كان لينفرني ويخيفني منك في الوقت ذاته.
ب : تخاف مني!
أ : ألا تخاف مني؟
ب : فكرت في الأمر في البداية فقط.
أ : هذا ما عليك أن تفكر به منذ البداية حتى النهاية.
ب : هل تنوي فعل شيء؟
(صمت يبدأ أ بعده بالابتسام... ثم يضحك بطريقته).
ب : الحق معك... الحق عليّ.
أ : ... و بينما هي تطير فوق هذه الحديقة الآمنة ــ لمن يظنها كذلك ــ بدأت تبصق علينا جميعاً.
ب : كانت تمطر؟!
أ : أنا متأكد أنها لم تكن تمطر، لقد كانت الطائرة تبصق علينا أوراقاً أيها المحترم... المذبذب...عديم التفكير.
ب : إنني أتحملك، وفوق طاقتي، لهدف معين. أرجوك لا تصعّب المهمة علي.
أ : لأقل لك أمراً، وأنا أيضاً.
(وقفة.. في هذه الأثناء ينفخ أ بهدوء على ورقة صغيرة لونها أصفر باهت موجودة على الأرض أو في مكان ما قريب منه فقط، كأنه يبعدها. ب لا يرى الورقة).
ب : وأنا أيضاً أقلعت مجدداً عن التدخين.
أ : كان لابد من ذلك نهاية المطاف.
ب : لابد أن الأمر يوتّرك... ستعتاد عليه.
(يهزّ أ رأسه ساخراً).
ب : منذ متى وأنت تدخن؟
أ : لم أدخن.
ب : كيف أقلعت عن التدخين إذن؟
أ : عندما قررت أن أدخن.. قررت أن أقلع.
ب : أنت لم تدخن؟
أ : عملياً... لا.
ب : لماذا؟
أ : لأنني لا أستطيع أن أقلع.
(وقفة).
ب : كنت سأشتري لك سجائر لتكمل الحكاية!
أ : مازال يمكنك ذلك.
ب : لكنك لا تدخن!
أ : لا، إنني لا أدخن، لكنني أحب عادات السجناء.
ب : بل يبدو أنك تحب كل ما يمكنك الحصول عليه... هكذا... التجميع!
(أ ينظر إليه وإلى السندويشة في الزبالة وكأنه يذكره بأمرها. وقفة).
أ : (يتابع وحده) اقتربَتْ من الأرض بهدوء وبدأت تتغوط أوراقاً صغيرة ملونة. أصابني القرف وحاولت التملص من هذه الأوراق... لكني ــ وكما رأيتَ ــ لي مشية خاصة لا تسمح لي مع ضيق الوقت أن أهرب من خراء الطائرة. على كل حال عندما تخرى علينا الطائرات فلا مجال للهرب، لقد حاولت ذلك مرات عدة ولم أفلح. لذلك جلست، أخرجت سندويشتي وبدأت تجاهل ما يدور حولي، وكأن قرفي دفعني للطعام بشكل ما. لم يطل الأمر حتى وصلت الأوراق الملونة إلي. عندها كان القرف لا يحتمل... فتوقفت عن الطعام. صار الناس كأشجار عيد الميلاد القديمة. لقد كانت الألوان باهتة جداً.
ب : فلنترك هذا الجزء جانباً وأعدك بأن أجلس لأستمع إلى كل هذا لاحقاً. لكن الآن لنحاول أن نتذكر الجلبة ــ
أ : نتذكر؟ تقول نتذكر؟ هل تتذكر؟ هل يمكنك أن تتذكر شيئاً لم تشهده؟
( ب يهز رأسه بهدوء نافياً ومحاصراً ).
أ : لا تخف! أنا فعلاً أسألك بدافع الفضول... فالبعض يفعل هذا. لقد قابلت الكثير منهم يتذكرون مالم يشهدوا. على كل حال إن كانت لديك الموهبة يمكنك أن تتدرب على ذلك. لا تخجل.
ب : شكراً لأنك لم تسخر مني.
أ : بالعكس. (وقفة يتابع بعدها الحكاية) لقد كنت متفاجئاً، كان الغثيان باهراً... بدأت بأكل الأوراق حتى أنني مضغت عدة أوراق سوية. أذكر واحدة زرقاء باهتة والثانية خضراء... والأخضر باهت بالتعريف.
ب : (بعفوية) بالعكس. أكمل! آسف.
أ : بكى بعض الأطفال. وفرح البالغون. وفرح بعض الأطفال البالغين أيضاً. ثم أمسكتُ بإحدى الأوراق بقرف وقرأت.
ب : أيمكنك الاستغناء عن هذا الجزء؟
أ : يمكنني الاستغناء عن كل شيء إن أردت.
(أ يصمت ويغمض عينيه وكأنه يسمع موسيقى في البعيد).
ب : أكمل!
أ : (يفتح عينيه رويداً رويداً) عيد شجرة مبارك 2000. عيد شجرة مبارك 1995. هنيئاً لكم بعيد الشجرة 1982. احتفالات شعبنا بعيد الشجرة 1986. العيد السادس عشر للشجرة 1991. عيد الشجرة الثاني والعشرون والأخير.
ب : كيف هذا؟
أ : يقصدون الأخير في ذلك القرن.
ب : يا لخفة دمهم... لكن لا، ليس هذا ما قصدته. ثم ألم تجد ولا ورقة بتاريخ هذا العام؟! على كل حال، قمتَ بثنيها ورميها في سلة القمامة. فلنكمل!
أ : لا..لا، لقد كانت كذلك؛ مثناة وحدها. لقد اعتدت خلال أيام دراستي أن أجمعها مع زملائي كجزء من درس العلوم... أو القراءة... أو أي درس يصادف ــ
ب : (مقاطعاً) آسف. لكن ها أنت تعرف ما هو مكتوب عليها، لماذا كنت متفاجئاً إذاً؟
أ : (يبتسم) الأمر معقد. الجهل. لا يمكنك أن تفهم... أيضاً وأيضاً، بدائية وسذاجة فكرتهم عني وما يطلبونه مني. لازال بإمكانهم أن يفاجئوني.
(وقفة).
أ : أمّا هذه المرة فقد بلعتها كلها.
ب : كل ماذا؟
أ : كل ورقة كانت قريبة مني.
(تتغير ملامح وجه ب فهو قد بدأ يشك بصحة أ العقلية).
أ : كل ورقة مهما كان لونها أو تاريخها. لا أحد يفكر بالتلاميذ حين يتوجب عليهم جمعها مرة تلو الأخرى.
ب : (على وشك الضحك) تخفف عن تلاميذ المستقبل مهمة جمعها؟
أ (بجدية) لا. كنت آمل أنهم لن يصنعوا غيرها. يمكنك أن تقول إنني كنت أحاول قطع الدائرة: تلاميذ ــ أوراق ــ تلاميذ... كنت أريد أن أنتهي منها كلها... وإلى الأبد.
ب : يمكنني وصف هذا بالبطولي، أو الانتحاري.
أ : لا.. الآن اكتشفت أنني كنت أسرقهم واقع الأمر. أنني كنت أسرق منهم ذكريات كان لابد أن يحتفظوا بها ليكتمل حقدهم الواعي. لكن أكل الأوراق أفقدني شهيتي، فلم أستطع إكمال طعامي.
(لازال ب ينظر إليه بريبة).
أ : لكنك أنت استطعت وببساطة، وأنا لا أستغرب.
ب : لكن لنعد للجلبة والجمهرة و الـ ــ