eKtab
EN ع
هناك في سمرقند
Read free sample

هناك في سمرقند

by أسعد الأسعد

Page 1
الفصل الأول
 
على مقعد من خشب الفستق الفارسي القديم، يتحدث العامة في حواري سمرقند، إنَّ الأمير تيمور، كان أحضره معه من ضواحي مدينة الموصل، حيث ضريح النبي دانيال، ويردد أهل سمرقند إنَّ النبي دانيال كان يستريح عليه، ويجلس هناك ساعات طويلة للتأمل والتهجّد.
 
ألقى "علي شير" بجسده المنهك من عناء سفر طويل، متأملاً عمامة خضراء لا يمسّها إلا خادم الضريح "بختيار" من حين لآخر، ينفض الغبار عنها، ويعيدها إلى مكانها في الزاوية الجنوبية المقابلة لرأس الضريح، أما الضريح نفسه، فقد لف بقماش أخضر من حرير كان يعتني به أحد أشهر الخياطين في سوق الحرير، المحاذي لسور المدينة، قرب زقاق الهال، ليس بعيدًا عن مقبرة شاه زند المتراصّة الأضرحة والقبور، تزينها غابة من القباب الزرقاء، حيث بُني أول ضريح بعد عشر سنوات من دخول المسلمين مدينة سمرقند، حين دخل قتيبة بن مسلم وادي فرغانة، وأخضع خوارزم، وقشقدرياه، وقرشيه، والمنطقة بأسرها لحكم الخليفة العباسي سنة (751) ميلادية.
 
بدأ زوَّار الضريح يقبّلونه وينسحبون، حتى كاد المكان يخلو من الزوّار إلا القليل. أما "إليشير"، وهو الاسم الذي اعتاد أهل سمرقند مناداته به، منذ استقر في المدينة، فقد لزم مقعده، وجلس منتظرًا خلوّ المكان من الزائرين.
 
تقدم "أليشير" من الضريح. التفت حوله، كأنما يتأكد من أنَّ أحدًا لم يعد في المكان. اقترب من عمامة النبي دانيال، وراح يهمس:
 
- جئتك من بلاد الرافدين، بل من أقصى شمال العراق، من الموصل يا مولاي. ذهبت إلى "شوش" في أقصى شمال غرب بلاد فارس، التي يسمونها اليوم إيران، لكنهم أرسلوني إلى الرملة في فلسطين، غير أنَّ أهل قرية دانيال قرب الرملة أرسلوني إليك، هنا في سمرقند. أعرف أنك راغب في السؤال عن سبب ترحالي، وسؤالي عنك في كل البلدان، وعن سرّ اهتمامي بأمرك. سأقول لك يا مولاي، سأقول...
 
جال ببصره المكان. مدَّ يده إلى جيبه حين تأكد من خلو المكان من الزائرين، وأخرج ورقة صغيرة، كأنها حجاب أو تعويذة، أو جزء من ورقة من كتاب قديم. كل ذلك وغيره لم يعد يهمه. جل ما يريده فك لغز هذه الورقة.
 
- مولاي، إنْ كان ما وجدته في الموصل صحيحًا، فإني أسألك: كيف طاوعك قلبك أن تسمح للأمير تيمور بدخول بغداد، واستباحة حواريها؟ حين جاءك ليلاً متخفيًّا بزي عربي، وتسلل إلى ضريحك في الموصل مستأذنًا بدخول بغداد، كما أشار عليه بعض معاونيه ومستشاريه، وحذروه من دخول بغداد من دون أن تأذن له.
 
كيف فعل تيمور ذلك، وهو الذي كان يعلم بما فعله التتار من قبله ببغداد ودمشق، وسائر بلاد المسلمين. كيف استجدى إذنًا من رجل مات قبل مئات السنين، يرقد لا حول له ولا قوة؟
 
تقول الأسطورة: إنَّ الأمير تيمور خبّأ الرقيّة في شق قريب، ودفعها إلى آخر الشق حتى لا يلحظها أحد فيلتقطها، وتقول الأسطورة أيضًا: إنَّ الأمير تيمور، تنكّر بزي عربي، وتسلل ليلاً إلى الضريح يستخيره لدخول بغداد، بعد أن حذره بعض معاونيه بألا يدخل بغداد دون طلب الأذن من دانيال. تردد في البداية، لكن ضعف الإنسان أدخل الرعب إلى قلبه، فجاءه، وكان ما كان، ولو لم يفعل ذلك، كانت نهاية جيشه على أسوار بغداد ولم يدخلها أبدًا. أرعبته الفكرة. استأذن دانيال، فأذن له.
 
- كيف طاوعك قلبك وفعلتها، لماذا أذنت له؟
 
- لو كانت بغداد بأيدٍ أمينة ما كان لتيمور أن يدخلها. أنت تعرف حال بغداد قبل دخول تيمور، أيها العربي، فلماذا تلوم دانيال؟
 
التفت "أليشير" إلى ناحية الصوت. اعتدل في وقفته حين وقع نظره على خادم الضريح "بختيار" متقدمًا نحوه.
 
- أثرت اهتمامي منذ أن رأيتك جالسًا أمام الضريح. لم تبرح مكانك ساعات طويلة. قلت في نفسي: غريب أمر هذا الرجل. أنت لست سمرقنديًّا، وملامحك غريبة عن الوادي، فمن أين أنت أيها الفتى؟
 
- أنا من بلاد الرافدين يا سيدي.
Page 2
- وما الذي أتى بك إلى ديارنا؟
 
- جئت باحثًا عن هذا الراقد هنا.
 
أشار إلى الضريح، وقد بدأ الدم يجري في عروقه، وترتفع نبرات صوته.
 
- وما لك عنده؟
 
- لي عنده جواب لسؤال، أظنك سمعتني أسأله.
 
تحرك "بختيار" نحو قدمي الضريح فلم يعد "أليشير" يسمعه. حدّق في الضريح الممتد على مسافة طويلة، وسأله "بختيار":
 
- وهل كان دانيال طويل القامة إلى هذا الحد؟
 
- تلك قصة طويلة.
 
- أُحب سماعها.
 
اعتدل "بختيار" في وقفته، تقدم نحو "إليشير"، وراح يقص عليه حكاية دانيال، التي اعتاد على سردها، حتى حفظها عن ظهر قلب.
 
كان ذلك في نهاية المائة السادسة قبل الميلاد، حين هاجم الملك الأشوري "نبوخذ نصر" مدينة القدس، فدمرّها، وأحرق كل ما فيها، ثم أخذ ساكنيها من اليهود سبايا إلى عاصمة بابل، وأخذ فيما أخذ، صبيًّا لم يتجاوز الرابعة من عمره، قيل إنَّ اسمه "دانيال"، وكان من عادة أهل بابل التسلّي بأسراهم، بأن يلقوا بهم في حفرة فيها أسد ولبؤة، وهذا ما فعلوه بـ"دانيال"، وقد فوجئ البابليون حين رأوا الأسدين يلعبان مع "دانيال"، ويتمسحان به، دون أن يمسّاه بأذى، فعرفوا أنه مقدّس. أخرجوه من الحفرة، وعاملوه باحترام وقدسيّة، وحين توفي دفن في الموصل، لكنَّ جثته لم تتحلل، وبقيت على حالها، حتى نقلها الفرس إلى مدينة "شوش"، وقد بقيت جثته هناك ثلاثمائة سنة لم تدفن، حيث كان أهل "شوش"، الواقعة شمال بلاد فارس قريبًا من بحر قزوين، يتبرّكون به، بل ويستمطرون السماء بالجثة، التي إن أدخلوها توقف المطر، وإن عرضوها للشمس والهواء أمطرت، فاحتفظوا بها في قصر "هرمزان" قرب "تبريز"، وبقيت هناك (300) سنة إلى أن جاء رجل من بلاد فارس يدعى "حرقوس"، وأعلم بدوره أحد قادة المسلمين، الذي فتح تلك المنطقة من شمال العراق وبلاد فارس، وهو أبو موسى الأشعري، الذي استشار الخليفة عمر بن الخطاب، فأمر بدفن الجثة، لكن أبا موسى الأشعري، حفر (13) قبرًا، وأمر بدفن الجثة ليلاً في أحدها، حتى لا يعثر عليه أحد، وقد وجدوا فيما بعد إلى جوارها صفيحة من ذهب، ومخطوطة كُتبت بالآرامية القديمة، أما المخطوطة، فقد اختلف المؤمنون بأمرها، حيث نسبها كل إليه، لكنهم اتفقوا ثلاثتهم، على تقديسه، واستمر ذلك حتى اليوم.
 
هذا ما يفسر طول قبر دانيال في سمرقند، حيث أراد الأمير تيمور أن يكون قبر دانيال بطول ثلاثة عشر قبرًا، مثلما هو في الأصل، وقد درج أهل سمرقند على دفن موتاهم في قبور متعرجة وغير مستقيمة حتى اليوم، كي لا تصلها الوحوش والحيوانات الضالة المفترسة، أما خاتم دانيال، فقد أخذه أبو موسى الأشعري، حيث ورثه عنه ابنه أبو بردة، ويقال، أيضًا، إنَّ تيمور وجد الخاتم في قبر دانيال حين نبشه، وحمله معه إلى سمرقند، وما زال في يده حتى مات، ويقال، أيضًا، أنَّه أمر بأن يدفن الخاتم معه، وحين جاءت بعثة حكومية بلشفية من موسكو، ونبشوا قبر تيمور محاولين نقله إلى موسكو، أصابهم الذعر، ولم يتمكنوا من انتزاع الخاتم من أصبع الأمير تيمور، لكنهم ذكَروا في تقاريرهم أنَّ الخاتم مصنوع من الفضة، وقد نقش عليه صورة رجل يحمل على كتفيه أسدين.
 
- من هو دانيال هذا؟ وما الذي أتى به إلى العراق؟ سأل العربي بختيار.
 
- كان ذلك قبل ميلاد السيد المسيح، وقبل الإسلام بألف سنة وأكثر.
Page 3
- هل كان يهوديًّا، أم نصرانيًّا، أم مسلمًا؟
 
- كان رجلاً صالحًا، ولذا اعتبره كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين منهم، وأظنك رأيت الجميع هنا عند الضريح، كلهم جاؤوا يقدسونه، ويستخيرونه. اختلطت دعواتهم، وتمنياتهم، حتى أنك لم تعد تعرف من هذا، ومن ذاك.
 
- ما يهمني من كل ذلك يا سيدي، هذه الورقة التي وجدتها بين حجارة ضريح النبي دانيال في الموصل، وحين ذكر لي أحد الحجاج العائدين من مكة إلى ديارهم في خوارزم، أنَّ ضريح النبي دانيال موجود في ظاهر سمرقند، وجدتها فرصة طيبة لمرافقتهم إلى هذه الديار، لعلّي أقضي مرادي، وأحقق غايتي...
 
- وما مرادك أيها العربي؟
 
- قلت لك، يا سيدي.
 
- أوَ تريدني أن أصدق أنك قطعت آلاف الأميال من أجل أن تسأل رجلاً قضى منذ آلاف السنين؟ قل لي أين تقيم؟
 
- اتخذت من أحد الأضرحة المنتشرة في مقبرة "شاه زند" ملاذاً ومسكنًا، بعيدًا عن عيون المتطفلين.
 
- بني، لقد فعلها تيمور، وانتهى الأمر.
 
- ودانيال؟ لماذا فعلها دانيال؟! وإن كان فعلها، وأذن لتيمور بدخول بغداد، فهو شريك له في ما حلَّ ببغداد وبلاد الرافدين.
 
- سمعت الجواب، فإن لم يكن لديك ما تسعى إليه في هذه البلاد، أنصحك بالرحيل، فأهل سمرقند لا يحبون الغرباء، منذ أن جاءها الإسكندر المقدوني غازيًا، لكنَّ مقاومة مملكتَي "الصغد" و"بكتيريا"، القريبتين من سمرقند، دفعته إلى السعي للزواج من "روكسانا"، ابنة ملك بكتيريا، المنحدرة من أصول فارسية، فانقلب البكتيريون، وتحالفوا مع الإسكندر، صهرهم الجديد، ما أدى إلى غلبتهم وانتصارهم على الصغديين، وما زال أهل سمرقند يتحدثون عن "روكسانا"، وجمالها، وعن عجز الإسكندر، وعدم قدرته على معاشرتها، وبأنه لم يكن ينفع النساء، وكيف اندفع بجيشه، بعد ذلك، إلى "خوجاند" جنوبًا عبر وادي فرغانه، وحين حاول عبور جبال الهملايا من أطرافها الغربية نحو الهند، بدأت قواه تنهار، وجيشه يتفكك، وخيله بالنفوق، فاضطر إلى التراجع والانسحاب غربًا نحو الإسكندرية، ومن هناك إلى موطنه مقدونيا، لكنه مات في الطريق، وانهارت إمبراطوريته بعد أن أقعده المرض.
 
أما تيمور، فقصته لا تزال على لسان كل سمرقندي، بل على ألسنة أهل آسيا الوسطى، يرددونها، ويتناقلونها، وكلما أخذتنا السنون بعيدًا، تبدلت حكاياتنا، وانحرفت مساراتها، حتى اختلطت عليهم نهاياتها، وتشعبت تفاصيلها، وضاعت أصولها، ولا يزال أهل سمرقند يرددون حكايات لا يعرفون مصدرها، عن بعثة جاءت إلى مدينتهم لنبش قبر الأمير تيمور، بعد سيطرة البلاشفة على سمرقند، لكنهم لم ينجحوا، وعادوا من حيث أتوا، وحين قرر "ستالين" نبش قبر الأمير تيمور، ونقله إلى موسكو في العام (1941م)، أشار عليه بعض معاونيه إلى أن لا يفعل ذلك، إذ إنَّ حربًا عظمى سوف تنشب في اليوم التالي إذا فعل ذلك. لم يأخذ ستالين بنصيحتهم، وأرسل بعثة إلى سمرقند، نقلت رفات الأمير تيمور يوم (21/6/1941م)، فاندلعت الحرب ضد الاتحاد السوفيتتي في اليوم التالي (22/6/1941م)، وقد بقي الرفات في موسكو ستة شهور، إلى أن أشار عليه بعض معاونيه إلى إعادة الرفات إلى سمرقند، وقد دارت به الطائرة، التي حملته في أجواء موسكو، قبل أن تتوجه إلى سمرقند، وما أن ابتعدت الطائرة حتى بدأ جيش النازيين بالتقهقر والتراجع عن حصار موسكو.
 
وأما أهل سمرقند، فما زالوا يتداولون أسطورة تتحدث عن جنكيز خان، جد الأمير تيمور، كيف أمر بدفن جثمانه في حفرة عميقة مع حصانه الذي مات معه، وأن يسيّروا ألف حصان فوق القبر حتى لا يتركوا أثرًا يُستدل به على مكانه، وقد فعل المغول ما طلبه جنكيز خان، بل إنَّ أهل سمرقند ما زالوا يؤمنون بأنَّ القيامة سوف تقوم، إذا عثر أحدهم على قبر جنكيز خان، ومعروف أنَّ أحدًا لم يعثر عليه حتى اليوم.
 
- لكلٍّ قيامته يا مولاي، فإن مات أحدهم جاء أجله، أو قل قامت قيامته.. قال علي شير.
Page 4
- ألا تؤمن بالقيامة؟
 
- بلى، لكنني قد أختلف عنك، وعن الكثيرين غيرك، في تفسير شكلها.
 
- وما علاقة تيمور بالمغول وبجنكيز خان؟ فالأمير تيمور عاش في سمرقند، بينما عاش جنكيز خان في بلاد المغول.
 
- صحيح، لكن المغول وصلوا إلى بلاد الشام، وأقام جنكيز خان في دمشق، حيث انطلقت جيوشه من هناك لغزو بلاد المسلمين، وحين قرر غزو مصر، وكان حاكمها آنذاك المملوكي الظاهر بيبرس، استنهض المسلمين، وحشد جيشًا كبيرًا سار به نحو الشام لملاقاة جنكيز خان وجيشه، والتقى الجيشان عند موقع يدعى عين جالوت في ظاهر طبريا، حيث ألحق بيبرس الهزيمة بالمغول، كما أوقف زحف جنكيز خان، الذي اضطر إلى الهرب والتراجع نحو الشام، ومن هناك إلى بلاد المغول عبر أسيا الوسطى، وقد هربت معه القبائل المغولية التي كانت أقامت في البلاد التي خضعت للمغول، حيث استقر بعضها في المدن الواقعة على الطريق إلى منغوليا، وكان أن استقرت قبيلة تيمور في ظاهر سمرقند، وأقامت هناك في موقع يدعوه أهل سمرقند "أفروسياب". هناك ولد تيمور لعائلة مغولية فقيرة، وقد عُرِفَ بأنه كان أحد أحفاد المغول، حيث انشغل بالماشية ورعي الأغنام والعناية بها، كما عرف بفروسيته، وقاد العديد من الغزوات على القبائل الأخرى، حتى صارت تهابه القبائل، وتحسب له ألف حساب، لكن فقر عائلته، لم يساعده في تبوّء قيادة وزعامة قبيلته، فقرر الزواج بامرأة ذات شأن، وعائلتها أكبر نفوذًا من عائلته، حتى وإن كانت أكبر منه سنًّا، فتزوج "بيبي خانم" الغنية والأكبر منه سنًّا، لكنها كانت تتمتع بذكاء وفطنة، ساعدته على التقدم، وشق طريقه نحو حروبه، وتوسيع مملكته، والتغلب على كل أعدائه، ومن شدة ذكائها، وحرصها عليه، اختارت له زوجاته، واهتمت بتربية أولاده، ورعايتهم، فقد كانت عاقرًا، ولم تنجب له أولادًا، لكنها ظلت الملكة، وصاحبة القرار في قصر تيمور، حتى أنها من دون زوجاته، كانت تخرج لاستقباله عند بوابة "أفروسياب" في ظاهر سمرقند، ترابط هناك أيامًا إلى حين عودته، حتى إذا انقشع غبار الخيل، وتبين لها تيمور، تقدمت نحو موكبه، لتكون أول المرحّبين بعودته، وهكذا بعد كل غزوة من غزواته، حتى لوّحتها الشمس فبدت كأنها "مولطية" الجذور والأصول.
 
- وأنت، ماذا تفعل هنا؟
 
- كبرت، فوجدت والدي هنا، وقد حدثني بأنَّ جدي، ومن قبله أجداده، كانوا هنا، إذ إنَّ الأمير تيمور أَوكل مهمة خدمة الضريح لعائلتنا، فتوارثناها أبًا عن جد منذ ذلك اليوم.
 
- رأيت النَّاس يتزاحمون أمام الضريح، فما سرّ ذلك؟
 
- النَّاس يا بني يبحثون عن مقدسات يلجؤون إليها عند ضعفهم، لعلها تمدّهم بالقوة، وتعينهم على مصائبهم، وما يحل بهم من ويلات.
 
- رأيت المؤمنين، على اختلاف مشاربهم، يتقاطرون على الضريح، فكيف اتفقوا على مقدس واحد؟
 
- النَّاس يخلقون أساطيرهم، ويلتفون حولها.
 
- وهل تؤمن بها وتصدقها؟
 
- إن كانت تُعين النَّاس على الخير، فسوف أكرس حياتي لخدمتها، إذ لا ضير في ذلك.
 
- أنت رجل صالح، يا سيدي.
 
- وأنت بذرة طيبة يا بني. اسمعْ نصيحتي، وعد من حيث أتيت. نبش القبور لا يخرج الأحياء.
 
- أنا لا أنبش القبور، وليس في نيتي أن أفعل، لكنني أبحث عن أسرارها.
 
- يرحل النَّاس ومعهم أسرارهم.
 
- بعضها لا يموت، يا سيدي.
 
- هل لي أن أسألك عن حيّ العرب في سمرقند؟
 
- ليس بعيدًا عن شاه زند. خذْ يمينك قبل أن تصل إلى "زقاق الأمير"، ستجد نفسك وسط الحيّ، لكنني أود أن أسألك عن سرّ اهتمامك بالعرب وحيّهم؟
Page 5
- أبحث عن امرأة التقيتها في الموصل. أخبروني أنها من عرب سمرقند. جاء أهلها مع جيوش المسلمين الذين جاؤوا إلى المدينة فاتحين قبل مئات السنين، ومن ثم استوطنوها، وصاروا جزءًا من نسيج أهلها.
 
- وما اسم تلك الفتاة التي خطفت قلبك؟
 
- اسمها "ثريا" يا سيدي، ولو رأيتها لعذرتني...
 
- إذا دخلت حيّ العرب، وسألت عن ثريا، لن تعود من هناك حيًّا.
 
- أعرف ذلك، يا سيدي، ولهذا سألتك لعلك تساعدني في الوصول إليها.
 
- إنها ابنة شهبندر التجار، وأمّها "مليكة"، ابنة أمير بخارى. هرب والدها من بطش البلاشفة، عقب احتلالهم للمدينة، وقيل إنه أخذ معه عشرة جمال محملة بالذهب، وحصانه الأشهب، وعشرين من خَدمه وحاشيته، ونساءَه الثلاث، أما "مليكة"، فقد اختفت هي وأمها، وقيل إنَّ عربيًّا من الحيّ أخذها وخبّأها في الخابية أيامًا، حيث عاشت في كنف العائلة، ثم ما لبث أن زوّجها لابنه، وقيل إنها كانت تخبئ صفيحة من ذهب، فكانت عونًا لزوجها، وسرّ نجاح تجارته وازدهارها حتى أصبح كبير التجار، بل وأهمهم، ليس في سمرقند وحسب، بل في بخارى، وقشقدرياه، وبلاد ما وراء النهرين "سيحون وجيحون"، أو كما يسميهما أهل تلك البلاد "أمردريا وسردريا"، حيث ينبع الأول من جبال ترمذ على حدود أفغانستان جنوبًا، بينما ينبع الثاني من جبال خوارزم، ينطلقان شمالاً، كلٌّ يحاول الوصول قبل الآخر، لكنهما يلتقيان ليصبا معًا في بحر الآرال شمالاً، وقد ذاع صيته حتى عمَّ تلك المناطق الشاسعة من بحر الآرال شمالاً حتى ترمذ جنوبًا.
 
عاشت ثريّا في كنف عائلتها، طفلة مدللة، يحيطها الجميع بالرعاية والاهتمام، فقد كانت وحيدة، إذ لم ترزق مليكة بغيرها، على الرغم من لجوئها إلى كل العلاجات والوصفات، حتى إنها لجأت إلى دانيال، لكنه خذلها، ولم تشفع لها كل العطايا والمكرمات التي دأبت على توزيعها لفقراء المدينة والمحتاجين، أما ثريا، فقد عاشت حياتها تنتظر الفرج، لعله يأتي ذات يوم، يخطفها على حصان أبيض، إلى بلاد بعيدة لا تعرفها، ولم تسمع بها من قبل، ولا تزال تنتظر فارسها، وأظن أنَّ انتظارها سيطول...
 
أطبق الليل، وانتشرت العتمة في المكان، لولا ضوء مصباح في الركن، وآخر على الضريح، وانعكاس ضوء القمر المتسلل خجلاً عبر باب المكان المشرع. التفت الرجل كأنما أدرك أنَّ الوقت أدركهما، وأنَّ عليهما الانصراف قبل أن ينشر الفجر ضياءه.
 
تقدم بختيار من الباب ينظر إلى الباحة، لكنه توقف حين لم يجد أحدًا في المكان، قبل أن يتقدم نحو شجرة الفستق، التي يردد أهل سمرقند أنَّ الأمير تيمور أحضرها معه يوم عاد إلى عاصمته سمرقند، بعد أن انتهى من غزو بلاد فارس والرافدين، مصطحبًا معه بعضًا من عظام دانيال، حيث بنى قبرًا بطول (18) مترًا، وأخفى العظام في جانب منه، وحرص على أن لا يراه أحد، كما زرع شجرة الفستق أمام الضريح، وهي التي لا تزال حتى اليوم منتصبة أمام الضريح، تتدلى من أغصانها القليلة مناديل المستجيرين بها، لعل أمنياتهم تتحقق، وأمنياتهم تجد طريقها إلى الخلاص.
 
مدَّ علي شير يده إلى جيبه. سحب منديله، وتوجه نحو شجرة الفستق. مسح عرقه المتصبب، وراح يبحث عن مكان لمنديله وسط زحمة المناديل، التي كادت تغطي أغصان الشجرة، بعد أن اختلطت بأوراقها القليلة الباقية.
 
وقف "أليشير" أمام غصن رآه مناسبًا لربط منديله. عقد منديله، وشدّه حتى كاد ينقطع، كأنما يخشى عليه من السقوط، فتسقط تمنياته معه، وتذهب أحلامه أدراج الرياح.
 
- ماذا تمنيت أيها العربي؟
 
- كان والدي يردّد حديثًا لا أزال أحفظه: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان...
 
هزَّ بختيار رأسه وهو يردد:
 
- فهمت.. فهمت.. تعال أيها العربي نجلس في الخلاء.. لم يبق لصلاة الفجر إلا القليل.
Page 6
الفصل الثاني
 
كانت العتمة تلمّ سترها، وقد غلبها ضياء الفجر المتسلل عبر الأودية المحيطة بالمدينة، حين تراجع الليل، وقد أدركه الصباح أو كاد. استأذن الفتى العربي علي شير مضيفه بختيار، وقد أحس بالتعب والنعاس، لكنَّ الشيخ أشار إليه بيده فيما توجه إلى الضريح وعاد بعد قليل حاملاً عصاه. رمى عباءته على كتفه، بينما وقف علي شير منتظرًا ما سيقوله بختيار.
 
- اسمع يا بني، ليس بعيدًا من هنا، سوف أصحبك إلى حفل أوزبكي، نأكل "البلوف"، لا يختلف كثيرًا عن الطعام العربي، بل يشبهه إلى حد كبير.
 
- عرفت "البلوف" فقد تناولته في مقبرة "شاه زند" حيث أقيم هناك، في أحد الأضرحة وقد أخبرتك بذلك.
 
- لكن "البلوف" الذي ستأكله مختلف عن الذي تعرفه، أرز ولحم أكثر، ودهن أقل، إضافة إلى الكثير من المكسرات (الجوز واللوز والبهارات الخاصة) والجزر، إنها الأكلة الأكثر شعبية في أوزبكستان، بل في أسيا الوسطى، ولكل منطقة "بلوفها" الخاص بها، كما يمكن التعرف إلى وضع صاحب الدعوة الاجتماعي والاقتصادي من مكونات "البلوف" وتوابعه، لذلك تختلف الموائد من طبقة لأخرى، ومن مضيف لآخر.
 
- لا بأس، يا مولاي، سوف أبدأ يومي بالبلوف الذي تعودت على تناوله في الصباح، كما يفعل أهل هذه البلاد في مناسباته.
 
- سوف لن تندم.
 
- لن أندم، يا سيدي، فمنذ أن جئتكم، لم أعرف غير البلوف و"الصمصة"؛ مرة باللحمة المفرومة، ومرة أخرى بالبطاطا. نحن نعرفها أيضًا.
 
- دعوتي لك ليس للأكل فقط، وإنما لغايات أخرى.
 
- وما هي، يا مولاي؟
 
- سوف تعرفها هناك.
 
أشار بختيار برأسه منطلقًا نحو المنحدر المؤدي إلى عين الماء، التي شرب منها الأمير تيمور، وكان يحلو له الاسترخاء عندها، وغسل قدميه بالبركة الصغيرة، حيث يتجمع الماء قبل أن يصب في النهر الصغير، القريب من عين الماء.
 
وقف علي شير يراقب بعض النسوة يحملن دلاءً صغيرة، وقبل أن يملأنها، يتبركن بمياه العين، ويمسحن وجوههن بها، كأنما يبعدن الشر عنهن، ويقرأن ما تيسر من القرآن، أو كتب مقدسة أخرى، أملاً في نيل البركة، واستجابة دعواتهن وتمنياتهن.
 
الطريق إلى "ريغستان" تحتاج إلى وقت ليس قصيرًا. أوقف بختيار سيارة روسية من نوع "لادا" قديمة، لا تزال تعمل على الرغم من مرور أكثر من عشرين سنة على صنعها.
 
أخرج بختيار من محفظته ألفي "سوم"، وأعطاها للسائق العجوز، على الرغم من أنَّ هذا طلب ألفي "روبل"، ما دفع علي شير إلى سؤاله مستغربًا:
 
- أما زلتم تتعاملون بالروبل حتى بعد استقلالكم عن روسيا؟
 
- لا يا بني، نحن نتعامل بعملتنا "السوم"، لكن كثيرًا من النَّاس ما زالوا يطلقون عليها "روبل"، بحكم العادة ليس إلا.
Page 7
- إلى أين نحن ذاهبون، يا مولاي، في هذا الصباح الباكر؟
 
- ليتك تكفّ عن السؤال أيها العربي. كل شيء في أوانه، فلا تتعجل نصيبك. ها قد وصلنا. اتبعني، ولا تكثر من الكلام.
 
ترجل بختيار من السيارة، وتبعه علي شير. المكان مزدحم بالمدعوين، فيما اصطف عدد من الرجال أمام المدخل يستقبلون الضيوف، يرشدونهم إلى أماكنهم في الساحة الكبيرة التي ازدحمت جنباتها على اتساعها، ولولا أن هبَّ أحد المضيفين لاستقبالهما، ما كان لهما أن يجدا مكانًا وسط ذلك الزحام.
 
أشار بختيار بيده للفتى العربي فتبعه، وهو لا يزال معلق النظرات:
 
- لا تبتعد عني. أخشى عليك من الضياع في الزحمة، فيصعب علي أن ألقاك.
 
- لا تخشَ عليّ، سوف أبقى ملازمًا لك، ولن أبتعد عنك، لكن ما يحيرني؛ من أين لهم ما يكفي لكل هؤلاء؟
 
- لن يخرج أحد دون أن يأكل. لا تقلق يا بني. الطعام كثير.
 
- يبدو أنَّ صاحب الوليمة أحد أعيان المدينة.
 
- وربما أكثرهم غنىً.
 
- واضح.. واضح.
 
- كفّ عن التعليق واتبعني.
 
جال الشيخ بنظره أرجاء المكان، لعله يجد مكانًا يتجه إليه، حتى كاد يفقد الأمل، لولا أنَّه رأى أحدهم يسرع نحوه، مشيرًا بيده، يدعوه إلى حيث طاولة المضيف.
 
- التزم الصمت واتبعني. قال بختيار مخاطبًا علي شير.
 
ما أن وقع نظره على المضيف، حتى تقدم نحوه مصافحًا، فيما تقدم الرجل نحو بختيار، بحركة تنمّ عن احترام كبير، وأجلسه إلى جواره.
 
كأنَّ عراكًا حدث في ركن القاعة؛ فجأة تراكض النَّاس، فلم يعد يرى مرافقه علي شير وسط الزحام، لكن ذلك لم يطل، حيث هدأ المكان، وتراجع النَّاس إلى أماكنهم، لكن علي شير لم يظهر، فيما راح بختيار يتفقد الحضور من بعيد، يحدّق في وجوه النَّاس، واحدًا تلو الآخر، وقد بدا القلق والخوف عليه، حتى أنَّ مضيفه لاحظه، فسأله عن سبب قلقه، فلم يجد بدًّا من إخباره بقصة الفتى العربي، لكنه لم يبح بكل ما لديه، فقد أمَّنه علي شير على سرٍّ لا يجدر البوح به.
 
استمع الحاج عبد الرحمن لقصة الفتى علي شير مشدودًا إلى تفاصيلها، وقد بدا غير مقتنع بما يسمع، إذ إن رواية بختيار لم تكن مترابطة في بعض مفاصلها، لكنه آثر الاستماع، وعدم الدخول في تفاصيل قصة الفتى العربي، وسط انشغاله بضيوفه الذين تزاحموا لتناول أطباق "البلوف"، وانتظار خلو مكان غادره أحدهم للتو بعد أن انتهى من تناول طعامه، فيما انشغل المضيف بوداع أحدهم والترحيب بآخر، حيث لم يجد بدًّا من الانسحاب، وقطْع الحديث مع بختيار.
 
- لا بأس.. لا تقلق.. سوف نجده. قال ذلك كأنما يريد أن ينهي الحديث.
 
تقاطر المدعوون يغادرون القاعة الكبيرة، فيما أدرك بختيار أنَّ أمرًا ما حدث، حال دون علي شير، ومنعه من الوصول إليه. كاد المكان يخلو من المدعوّين، ما دفعه إلى التقدم نحو المضيف، شاكرًا دعوته، وداعيًا بالعافية له ولأهل بيته.
 
انطلق بختيار نحو باب القاعة. وقف هناك. جال ببصره الجهات كلها، وسأل ما استطاع من الحضور، لكنَّ أحدًا لم يخبره شيئًا. لم يره أحد. غادر بختيار المكان وهو في حيرة من أمر الفتى؛ لم يلتقِ أحدًا إلا وسأله عنه. ضاع الفتى.. قال محدثاً نفسه. ابتعد عن المكان، لكنَّ صورة الفتى لم تغادره. يلوم نفسه تارةً، ويختلق الأعذار للفتى تارةً أخرى؛ ربما عاد إلى حيث يقيم في مقبرة شاه زند، وربما هامَ على وجهه في أزقة سمرقند. ربما وربما. آهٍ.. ربما لم يستطع الدخول فهام في المدينة، وربما تعرض لحادث...
 
أحس بختيار بتعب شديد، فقرر العودة إلى ضريح دانيال، لعله يستعيد بعض راحته، التي افتقدها منذ فارقه علي شير، وضاع وسط الزحام.
Page 8
كان بختيار يحفظ الطريق إلى الضريح عن ظهر قلب، ويحفظ وجوه أهل الحيّ، وربما أسماءهم أيضًا، رجالهم ونساءهم، يبادلهم السلام والتحيات، بل إنَّ بعض النساء يستوقفنه للسؤال عن رؤيا، أو تفسير لحلم، وما أكثر أحلام نساء سمرقند؛ بعضها كان حقيقيًّا، ومعظمها أحلام يقظة، تختلط بالتمنيات، حتى أنَّ بختيار كاد يحفظها، وقد أتقن التعامل معها، وامتلك القدرة على تفسيرها، بما يرضي الحالمات من نساء سمرقند، اللواتي يلجأن إليه.
 
- السلام عليك، يا مولاي...
 
أفاق من شروده على صوت نسائي:
 
- وعليكم السلام...
 
ردَّ التحية، لكنَّه لم يتوقف، وتابع سيره نحو الضريح، فقد تعوّد سماع ذلك من أهل سمرقند، الذين يعرفهم، والذين لا يعرفهم، لكن الصوت خاطبه من جديد:
 
- أراك مهمومًا، يا سيدي الشيخ..
 
توقّف، وقد همَّ بصعود الدرج المتهالك، المؤدي إلى الضريح، وردَّ حين وقع بصره على صاحبة الصوت:
 
- جئت من وليمة الحاج عبد الرحمن ماشيًا، وقد أخذتني الطريق، فأتعبتني مسالكها.
 
- لكنك شارد الذهن على غير عادتك.
 
- وهل تعرفيني حتى تقولي ذلك؟
 
- نعم، يا سيدي الشيخ، أنا أعرفك، وأنت تعرفني جيدًا.
 
- إذًا أميطي اللثام عن وجهك، لعلّي أعرفك.
 
اقتربتْ من الشيخ بختيار وهي تميط اللثام عن وجهها.
 
- لا أريد أن يراني أحد هنا.
 
ما أن رآها بختيار حتى شهق وراح يدور حول نفسه، وحين تأكد من خلو المكان خاطبها، وقد بدا عليه الارتباك والقلق:
 
- ضعي اللثام.. ضعيه، واتبعيني...
 
- لا داعي لذلك، جئتك للسؤال عن الشاب الذي كان برفقتك هذا الصباح.
 
- وأين رأيتنا؟!
 
- كنت أقف قريبًا من نافذة المطبخ حين مررتُما...
 
- وهل عرفته؟
 
- نعم.. إنه ذاك الفتى العربي، الذي التقيناه في الموصل، واسمه مالك.
 
- لقد اختار لنفسه اسم علي شير.
 
- وما الذي جاء به إلى سمرقند؟
 
- جاء يبحث عن ثريا، عنك يا ابنتي.
 
- مجنون!
 
- هناك ما يستحق الجنون.
Page 9
مدت يدها إلى اللثام كأنما تتأكد من أنه يغطي وجهها خجلاً، وسألت الشيخ:
 
- وأين هو الآن؟
 
- ضاع في زحمة وليمة والدك. بحثت عنه، ولم أجده، وأنا قلق عليه.
 
- لماذا لا تسأل الشرطة عنه؟ ربما احتجزوه لأمرٍ ما.
 
- لا يزال الوقت مبكرًا، سوف انتظر اليوم، فإن لم يظهر، أسأل عنه الشرطة.
 
- حسن.. هل لك أن تخبرني إذا عرفت شيئًا عنه؟
 
ابتسم بختيار، فيما كانت ثريا ترد اللثام على وجهها استعدادًا لمغادرة المكان.
 
- احذري يا ابنتي؛ إذا علم الحاج عبد الرحمن بالأمر، سوف تكون العواقب وخيمة علينا جميعًا.
 
- لا أحد يعلم بالأمر، إلا أنا وأنت.
 
- سرّكما في بئر. اطمئني...
 
أحس بختيار بأنَّ عليه أن يجد علي شير. صعد الدرج المؤدي إلى الضريح، وألقى بجسده المنهك على المقعد الخشبي، فيما أحاطت به النسوة يتدافعن أمامه، وعلى لسان كل واحدة قصة، وحكاية للشيخ ترويها، وتمنيات بجواب، أو تفسير، يشفي غليلها، لكن قلب الشيخ غادر مع ثريا، وتركه معلقًا يتأرجح، تارة عند علي شير، وأخرى عند ثريا.. ماذا عساه أن يفعل؟
 
أحس بثقل الهمّ الذي ألزم نفسه به، لكنه قرر أن يمضي قدمًا في تحمل مسؤوليته مهما كلفه الأمر.
 
أسرع إلى خلوته المجاورة للضريح، وراح يستقبلهن واحدة تلو الأخرى، محاولاً الاختصار ما أمكن، وعدم الإطالة ما استطاع.
 
تنفّس بختيار الصعداء وهو يودّع آخر زبائنه من النساء، وقبل أن تأتيه امرأة أخرى، أسرع إلى إغلاق مكتبه، وهرول مبتعدًا عن الضريح، باحثًا عن سيارة أجرة تحمِله إلى مركز المدينة قريبًا من ريغستان، ليس بعيدًا عن المنارة، حيث القاعة الكبيرة، التي ضيع علي شير فيها، وليس بعيداً عن المكان ذاته، الذي كان فيه صباح ذلك اليوم الخريفي. طلب من السائق التوقف عند شجرة البتول التي بدأت تتعرى، منذ أن بدأ الخريف يضرب أوراق الشجر، ويعرّي أغصانها، كأنها تستعد للمطر القادم بعد قليل، وقد تأخر هذا العام، ربما انتظارًا لسقوط ما تبقّى من أوراقها، تنفض عنها الغبار الذي يهب من التلال المحيطة بالمدينة.
 
توقف بختيار، وراح يحدّق في الساحة الممتدة أمامه، حيث تقاطرت مجموعة من السائحين أمام مدخل المدرسة؛ بعضهم كان يهمّ بالدخول، والبعض الآخر يفاوض باعة التحف التذكارية في عرائشهم المنصوبة أمام المدخل، وعدد من الصبية، فتيانًا وفتيات، يلحّون على السائحين لشراء بضاعتهم، فيما انتشر عدد من رجال الأمن والشرطة، غير المسلحين، في مشهد مألوف، لا يضجر أحدًا، ولا يعكر صفو الحياة ورتابتها، في مدينة لا يزال التاريخ أحد أهم عناصر تكوينها المديني. أفاق من شروده على صوت امرأة تمسك بيد طفل يصرخ. حدَّق بها وبالطفل الذي كان يحاول الإفلات منها:
 
- ماذا تريدين؟
 
- إنه يصرخ من الجوع. أعطني ما يكفي لشراء طعام...
 
كان الطفل يصرخ، والمرأة تشدّه بقسوة حتى يواصل صراخه. نقّدها ما تيسر من السومات، وهو لا يزال شاردًا يجول بناظريه أنحاء الساحة.
Page 10
ابتعدت الغجرية، فيما كف الطفل عن الصراخ. أفاق بختيار من شروده على صوت رجل يلومه على فعلته، فشوارع المدينة ملأى بالغجر المتسولين بطرق شتى؛ إنهم مجموعات، وكل عصابة تتبع مختارًا، أو كما يسمونه "ملك النّورِ"، يدير أعمالهم، ويوجههم، بل ويجترح طرقًا للتسول، لا تخطر ببال أحد؛ في صباح كل يوم، يحضرون أطفالاً بأعمار مختلفة، ويوزعونهم عليهن على أنهم أبناءهن، أما الفتيان فيختارون لهم عاهة يتقنون تصنعها، بشكل يصعب على الناظر اكتشاف زيفها.
 
- كل امرئ ونصيبه يا بني. قال بختيار وهو ينظر إلى الرجل مبتسمًا، ولسان حاله يقول: ليست أول مرة، ولن تكون الأخيرة، فرزق النَّاس على النَّاس، فلا تكن من قاطعي الأرزاق..
 
أحس بختيار بالوقت يمضي، وأنَّ عليه اللجوء إلى وسيلة أخرى في البحث عن علي شير. قرر مواصلة طريقه، لكنه فوجئ بشرطي يعترض طريقه:
 
- السلام عليك،م يا مولاي.
 
- وعلى الحكومة السلام.
 
- رأيتك تقف حائرًا، فهل من خطبٍ ما؟ إن كنت بحاجة إلى مساعدة، فهل لي أن أساعدك؟
 
نظر بختيار إلى الشرطي، مادًّا يده مصافحًا. ضرب رأسه برأس الشيخ يمينًا وشمالاً، كعادة أهل تلك البلاد عند السلام.
 
- أي بني، أنا بحاجة إلى مساعدتك. أمس صباحًا، حضرت مع ضيف عربي، اسمه علي شير، تلبية لدعوة الحاج عبد الرحمن، لكنني أضعته في زحمة المدعوين، الذين ضاقت بهم القاعة، وربما انشغالي بالسلام على مضيفنا الحاج، حال دون وصوله إلي. بحثت عنه منذ انتهى الحفل، ولم أعثر على أثر له في المدينة، فهل تساعدني بالبحث عنه لدى الشرطة، إذ ربما كان لديهم ما يفيدوننا به.
 
- سمعت أنَّ الشرطة اعتقلت بعض الشباب، بعد شجار أعقبه فوضى وعراك قرب باب القاعة، أدى إلى جرح عدد من الحاضرين، وقد أخبرني بعض زملائي من الشرطة، أنَّ سيارات الإسعاف نقلت بعضهم إلى المشافي القريبة.
 
- اسأل الشرطة يا بني، أما أنا، فسوف أسأل عنه في المشافي.
 
- رحمات.. شكرًا يا بني.. شكرًا.
 
انطلق بختيار إلى المشفى الرئيس والأكبر في المدينة، فيما توجه الشرطي إلى المخفر القريب، غير البعيد عن ساحة ريغستان، والمحاذية للبازار الكبير "شهرستان".
 
منذ (1873م)، انتشرت في المدينة عيادات محلية، أمر مندوب القيصر في حينه "كوفمان" بفتحها، واستقدم عشرات الممرضين والممرضات الروس، فقام هؤلاء بتعليم عدد كبير من الطلبة فنون الطب، وأسرار المهنة، وظل يطلق على هذه العيادات الاسم الروسي "غوسبيتال"، وكانت هذه العيادات والمشافي، تقام في أول الأمر داخل معسكرات الجيش القيصري، لأسباب أمنية، واستمرت كذلك بعد الثورة البلشفية، ولا تزال بعض هذه المشافي موجودة حتى اليوم، تقدم خدماتها للجمهور على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم الإثنية، وخصوصًا في المدن الكبيرة، حيثما كانت تتواجد ثكنات عسكرية، وتجمعات صناعية "برومزونه"، حيث كان البلاشفة يقيمون وحدات سكنية للعمال وعائلاتهم، قرب هذه التجمعات الصناعية، ويقيمون معها ما يلزم من المنشآت والمؤسسات الصحية والرياضية وغيرها... وانتشرت، ليس بعيدًا منها، الكولخوزات (القرى الزراعية التعاونية)، وكذلك "السوفخوزات" وهي قرى زراعية حكومية.
 
كان بختيار يتنقل من رصيف لآخر، متجنبُا الحفر، التي كانت تكثر كلما ابتعد عن الشارع الرئيس، إذ إن هذه الأزقة لا تزال على حالها منذ رحل البلاشفة العام (1991م)، وربما قبل ذلك بسنوات عديدة، رحل البلاشفة بعد سبعة عقود، وبعد أن استنفذوا كل ما لديهم من وسائل لبناء دولة العدل والمساواة، دون أن يحققوا حلمهم الأفلاطوني.
 
هنا في سمرقند، يمكن أن تمر بأحياء لم يجر عليها أي تغيير منذ مئات السنين، كأنهم أهل الكهف، أفاقوا بعد نوم طويل، وها هم يتلمسون طريقهم نحو المدنية والحضارة، وقد فعلوا الشيء الكثير، وحققوا في سنوات قليلة، ما لم يتحقق في عقود من حكم البلاشفة.