لكم الدولة
إلى هناء شلبي ورفاقها في يوم الأرض
لكم الدولةُ
لكم الريحُ الفتية
زرقةُ البحر بين أهداب اليابسة
رائحةُ الشمس في شَفة الصباح
خطوطُ العرض وخطوطُ الطول
هذا الجسدُ الممتلئ بالخوف والشهوات
وارتجافةُ القلب كلَّ حين.
لكم انتظارُ الوردة للعاشق
يدُ الله اذ تخفُّ حين
ترفع أمٌّ رأسَها نحو السماء
أنينُ العتمة اذا طالَ الليل
حفيفُ الروح اذا اندلعَ القتال
وللآخرين الطارئين أن ينتظروا
قليلاً أو طويلاً
أن يُفّْسدوا هواء الأحلام
أن ينتشروا كالجراد الوحشي
في مطاف دمكم
أن يقتلوا نجمةً في مهدها
لكن الليلَ لن يغمضَ جفنَه للأبد
كواكبُ قتلاكم
لن تتأخر عن مواقيتها
ستولدُ نجمةٌ أخرى في أحشاء التراب
ينهض القتيل من دمه
وينشطر هذا الظلام
في حلكة الصمت
(تعثرون على) بذرة الضوء
أنتم حرّاثُ الزمان
كتبَ الله وجوهَكم
وشماً على جبين البلاد.
إذن، لكم الدولة
ملحُ هذا البحر
رفرفةُ كل جناحين
النسيمُ الحرُّ في مسامع الأشجار
طراوةُ المياه في جوف الحجر
لكم الأمسُ والهمسُ وأعلى النشيد
لكم الآن والغدُ الأكيد
لكم شرفةُ الصبح، حسرةُ الدمع،
وشمسٌ طالعة
من جوف الجراح
لكم غناءُ البلابل في الحقول
وصمتُ الظهيرة الكسول
حبةُ القمح اذ تصيرُ سنبلةً (أو قنبلة)
ونهاراتٌ ناصعةٌ مثل فرح الأولاد
لكم تغنّي الأرضُ الحزينة
لا الخوفُ يكتمُ صوتَها ولا الجلاد.
لكم فرحةُ كل حبيبين
أغاني العشّاق في الكتب العتيقة
تفَتُّحُ القبلات على صخر المواعيد
عناقيدُ الشوق المشمسة
وتغريدةُ كلّ طفل في صباح عليل.
ما أجملكم، ما أجملكم
من هلال الأسى تضيئون
شمسَ غدكم
حبي لكم، حبري لكم
غضبي الكامنُ في مجرى النَفَس
صوتي العالقُ في حنجرة الزمن
تقول امرأتي:
خُذْ جديلتي أرجوحةً لنوم أطفالكم
خُذْ صلاتي بساطَ ريح
خُذْ أحلامي الصبية
عساها تليقُ بأعراس قتلاكم
ثم تهدهدُ صغيرها:
"هدّي با بحر هدّي، طالت والله غيبتنا
ودّي سلامي ودّي، للأرض اللي حبّتنا".
لكم الحداءُ والغناءُ
والمواويلُ الغافية بين الأهداب
لكم موسيقى الانتظار
بُحّة الناي في سفوح الأشواق
لكم كلُّ نوتة مستلقية على جفن
كلُّ نجمة مشعة في جوف الألم/ الأمل.
هل قلتُ سأعود لكم
مترعاً بدجلة والفرات
بطفولة الليطاني في أرجاء البرتقال
برايات حُبّ ترفرف بين العينين
وبشارة نصر في خطوط الكفين
إني أصطفيكم شعباً ووطناً وأهلاً
أموت بينهم نَعَساً
أعلّق صوركم على شرفات الحنين
ما أجملني معكم، ما أجملني بكم
قمرُ رام الله
برتقالُ الكرمل
مجوسيٌّ يشهد أن لا وطن لكم
سوى هذا المسيّج بصبر الأمهات
عاشقٌ ينذر وردته لناصرية تغنّي:
"وين ع رام الله، وين ع رام الله..."
ومن هذا الجنوب المتمادي في الجهات
أطلق صوتي كنارياً
نحو الشمس والليمون
بقبضة عشق أنزعُ أسلاكَ المستحيل
كأني مسيح الخطايا
على كتفيَّ صليبُ المتعَبين
في راحتيَّ مساميرُ الغياب.
لكم جلجلةُ هذه الأرض
وجعُ الشعوب
والصخرةُ لا بدَّ متدحرجة
لكم قيامةُ الله
صحوةُ الأنبياء
أناشيدُ الملائكة الطيبين
وعاشقةٌ على شرفة القلب تُدندن:
أحبُّ حبّكم
أحبُّ حزنكم
أحبُّ غباراً عانقَ أقدامَ الشهداء
ومتعاً صغيرةً تختلسونها
من أشداق الحياة
أفرحُ بكم فرحَ طفل بعطلة صيفية
أو غيمة بسماء صافية.
سأعود يوماً اليكم
محملاً بحسرات الغائبين
بنشوة التين وشقاوة الرمان
لكم ينشطرُ القلبُ تفاحةً
من غوايات أولى
لكم الأرضُ ولكم جنّتُها
لكم الشمسُ ولكم ذهبُ المعصمين
لكم كلُّ ما كان،
كلُّ ما سوف يكون
لكم الدولة، لكم الدولة.
صيحةُ النهر(1)
...لي أخوةٌ لا أعرفهم
نبتوا مثلي على ضفة الألم
لي أبناءُ الأرض المحتلة
برهانُ الحق / شكلُ الحقيقة
حُجّةُ الأرض على السماء
صفعةُ القهر على خدّ الأمم
صيحةُ النهر في صمت اليابسة
طعنةُ الفجر في عنق الظلام.
لي أفقٌ رحبُ بين طفلين وامرأة
غدٌ موعودٌ بالفرح والرايات اليانعة
ابنةٌ خضراء تغنّي:
لا أملَ لكم عندنا، لا هواء
لا ماء ليجري في عروقكم،
لا دماء
لا أرضَ لكم هنا، لا بحر،
لا فضاء
لا بيتَ لكم عندنا
لا ربَّ، لا أنبياء
لا كتب عتيقة
لا ذاكرة، لا ذكريات
لا حجرَ لتكتبوا أسماء موتاكم
أو لتنقشوا تواريخَ حروبكم
لكم صقيعُ المعدن ولنا نسيمُ البلاد
لكم هدير الخوف
ولنا حداءُ الأمهات
عودوا حيث جئتم
لا ليلَ لأحلامنا معاً
لا شمسَ لنهارين
لا أمسَ لكم هنا
ولا غدَ أكيداً...
أقلام محمود درويش
صعبٌ عليَّ الغناءُ وحيداً
صعبٌ عليَّ البكاء
دمعتي حجرٌ
وجهي سَقطُ مَتاع
لكنّ الوردَ في لغتي
كذلك العُشّاق
أستعيرُ من قصيدتي قمراً
من امرأتي طرحةً ومواعيد
لأزفّكَ لغدِكَ
وما أدراني بما أدراك
سوى أنني مثلكَ
ابن زيتونةٍ
شاء لها الذي شاء
أن تكون امرأةً لسبعين ونيّفاً
قبل عودتها تراباً
أو نسمةً عابرةً في صلاة.
أقمتُ طويلاً بين السنابل،
وبين السنابل
اكتشفتُ أوّل الحُبّ
وتعاقبَ الفصولِ في جسدي.
لمّا بلغتُ فصلَ الأغاني
رقصتْ لي امرأةٌ على حبل الوريد
درّبني الغيمُ على التشكّل
من جديد
مرّ ظبيٌ جريحٌ في دمي
وعشّشتْ سنونوةٌ في طين أغنيتي.
لندع الريحَ جانباً
والزنابقَ التي أسميتها ناعمةً
كالإناث
لنعلّقَ الشمسَ على مِشجَب
ونتركَ كوّةً في هذا الليل لبصيص أنثى
كلانا يزهّرُهُ الحُبّ
تكسرُهُ فراشة صارتْ وشماً بين نهدين
لكنّ موتكَ – كما توقعتَ –
زادكَ وسامة
وزادني انحناء.
يكتبُ الغيابُ أغنيتي ويكتبني
فهل أكتبُكَ الآن أم أكتبني؟
وأنتَ مَن أجّل الغيبَ مرّتين
أوقفَ الموتَ مُطرقاً عند العتبة
في الثالثة قال له:
خُذني،
لتعلّق نجمة على كتف الملاك
ويصدّق الآخرون أنني مُتّ
ليقيموا مراثيهم بالأبجديّةِ نفسِها
التي اصطادوني بها غزالاً أخضرَ
في لغة يباب
لكنّي مرّنتُ قلبي
على مراوغة الأبديّة
"عارياً من الاسم من الانتماء"
رأيتُ المُدُنَ كما أريدُها
بالفِطنةِ عشّبتُ صداقاتي
واتّخذتُ لنفسي شجراً
مُمْعناً في الصمت،
في الظلال.
ماذا كنتَ لتفعل لولا المجاز
كيف كنتَ لتُرضي
عاشقةً في مصر
وأخرى في الحجاز
ماذا لو لم تكن شاعراً
أكنتَ عرّافَ نفسِكَ
قارئَ كفّكَ وكفّ البلاد
لمن تكتبُ الآن استعاراتِكَ
وكلّ ما نحن فيه استعارة
لولا قليلٌ من الحُبّ والخبز
بين حربين ذابلتين وأخرى آتية
لولا قبلةٌ فعليّةٌ في جملةٍ اسميّةٍ
تستبدلُ بالماضي المضارع
لولا زرقة "الأبيض المتوسّط"
في أنوثة الماء
لولا عصفورٌ يغرّدُ على الشجرة
لا في القصيدة
وامرأة تتعرّى في مرآتها لا في الخيال.
صعبٌ عليّ، في هذا المساء الخُلّبيّ،
الغناء
أقلامُكَ معي، أخذتُها من أحمد
قمصانُكَ في الخزانة
مطويّة معلّقة
كمن يطوي أمسَهُ ويعلّقُ غدَهُ
وهو، بين الأمس والغد،
يقطّرُ من يومه رحيقَ الأمل
كتبُ الأصدقاء على المنضدة
موسيقاكَ زرقاء في المزهرية
بيضاء غامقة
مثل دفاتر العُشّاق
في الرحلات المدرسيّة
قصيدتكَ خضراء فتيّة
مثل طعنة نجلاء في خاصرة الأبدية
حبرُكَ في التراب، في الأغاني
في قمرٍ مُراهِقٍ يختلسُ النظرَ من
ثقوب الغيم
يقترضُ منكَ مرآةً لاكتمالهِ
حبرُكَ أغاني التراب، ترابُ الأغاني
الهواءُ الحرّ الذي تركَ لونهُ للغابات،
وقلبَهُ للعاشقات.
الآن أو بعده، ربما قبله
يغنّون لكْ
في الأكواخ الفقيرة
في بيوت التنك
في المُخيّمات المعلّقة
على وتر الرجوع
في دمعٍ تركتْهُ أمّكَ
عُشباً على السور
في الملابس الشتويّة
في الحانات الرخيصة
في لغة الشباب والأنخاب الصريحة
في الوردة الجَمْرة
في الوردة القُبلة
في الرصاصات العنيدة
في حجر الحقّ والحقيقة
في الطرُقات السريعة
مررتَ ناعماً غامضاً كالمنام
فائضاً عن استطاعة القلب
والكلام.
الأطفالُ الذين سبقوا أعمارَهم
وسبقهم الرصاص
يغنّون لكْ
وأنتَ في الغيب والغياب
تلاعبُ الأبديةَ بأقلامٍ خضراءَ ملوّنة
تخافُ ألاّ تكتبَ السطرَ الأخيرَ
من القصيدة
وأخافُ ألاّ أشتهي تفّاحةً أخرى
قلبي يقيني
وكلّ ما عداهُ قابلٌ للتأويل
صمتُ بحيرةٍ أشدّ بلاغةً
من ثرثرة نهر
حذرُ دوريّ أكثرُ نباهةً
من طمأنينة اليمام
كلّ شيءٍ حيٌّ حتى الحجر
مفتاحُ البيت صليبٌ على الكتفين
والقيامة مؤجّلة
وأنتَ في الغيب والغياب
تبثّ في البال ما تبقّى
من نسيمٍ وفَراش.
أعِنّي إذن على القصيدة
أعِنّي على الغناء
الأرضُ عطشى والنشيدُ جفاف
لا متّسع لفراشةٍ تلقّحُ الهواءَ بالرّقّة
لا طفل يذهبُ آمناً إلى صفّهِ
حبرُكَ مَشاعُ شعبكَ
ونحن نرتّبُ حياتنا بين حربين
كما ينبغي لأسرةٍ تحبّ الحياة
نختلسُ من الغد
بعضَ ما يُخفيه عنا
نستلفُ من ماضينا
بعضَ ما يسترُ عوراتِنا
كأنّ الذي فينا لا يكفينا
كأنّ الذي يقولُهُ الحدْسُ أشدّ هولاً
نخشى مُجاهرة السماء:
ما الذي صنعهُ أسلافُنا
لنستحقّ كلّ هذا؟!
طفلٌ شقيٌّ ذكيٌّ وسيمٌ كنيسان
يتعثرُ بصوتِ جدّته ويسألكَ:
أيكرهُنا الربُّ ويحبّ شعوباً أخرى؟
تقول: لا،
لكننا حفظنا المُنشدين
وقتلنا النشيد
ليفترضْ مَن يشاء ما يشاء
لتنتحلِ السماءُ ما طاب لها
من أسماء
ليأتِ نبيٌّ صبيٌّ
يُقنعنا بأننا نستحقّ عقاباً
فاض عن حدّه وحدّنا،
وجعلنا نشكّ في
غده لا في غدنا!؟
لكننا نروّضُ شهواتِنا ونزواتنا
نروّضُ بداهة حقنا البديهيّ
في الحياة
ونكتفي أحياناً بما قلّ ودلّ
نصبرُ على يومنا وأشواكه
نداوي الحُمّى بالبخور، بالتمائم
نبذرُ في تربة الغد جسومَنا المالحة
وكلّما سقط واحدٌ منا
كتبنا قصيدة ورفعنا الغناء
لكنّ الغناءَ صعبٌ عليّ
/ وأنا وحدي/
صعبٌ عليّ الغناء.