eKtab
EN ع
هواجس أسير
Read free sample

هواجس أسير

by كفاح طافش

Page 1
هاجس الهواجس
 
 
 
في غمرة من الحيرة والتأمل يكمن ما لم تقدر أن تحدد شكله، عنوانه، أسلوبه. إرادة حقيقية تجرّك باتجاه معلوم مأمول لا غير، وأنت تسير تخط هنا كلمة وهناك أمنية، تسيجك الظروف وكل المكان سيكون حاضرا حتما، كشجرة عمياء تثمر دون إرادة منها، فتصبح هدف الشهوة والرغبة، أما خياراتك طريق السير للهروب مما أنت فيه، فكل الأسوار وكل الجدران، والقضبان من حولك لن تزيد من عزلة واقعك وانحناء الوقت لديك نحو ما لم تكن تتوقعه.
 
هكذا كنت دائما أرتب نفسي في حضور طقس فريد من كل شيء؛ فكل شيء يجمعه في حدود اللاشيء هنا، تتعود الرتابة التي تذبح عواطفك باتجاهات متناقضة، الصدق كذب، الحب كره، الصداقة عداوة، التافه قيم وأنت... أنت من دون عمر سكبته في ثنايا الاسمنت هنا، عزاؤك الوحيد عهد الوطن المؤجل برسم الشهداء على شمس غد قادم، أدور حول ما أريد هنا على هذه الصفحات، أستخرج سؤالا لا تستطيع تقديم الإجابات عنه دون عرض كل ما تخاف منه وتعتقده.
 
السجن هو سؤالي المحير على البيضات المتناثرة بين الأزرق الممتد، بحيرة ودهاء، السجن مكان سكني الحالي الذي قررت جاهدًا وبعد مخاض عسير أن أعيد ترتيبه في داخلي لكي استطيع أن أساوم عليه من يريد أن يساوم! فالأساطير وحدها هي ما سمعته عن السجن وما فيه قبل الولوج إلى عالم الاسمنت هذا، في كل يوم يمضي هنا تتكسر قيم لتحل مكانها أخرى، أحاول أن ألجم هذه التغيير باتجاه واحد، لكن المكان هذا له منطقته وإسقاطاته، جموحه هيجان يذوب ما لم تكن تستطيع أن تصهره خارجًا، ويبني أمامك ذوات وحيوات عدة إما نزقًا أو ترفًا، لا تقدر أن تصنع من أيامك غير مفكرة تعدد مدى التغيرات التي تعلق بك، وبعد فترة من الزمن تحصيها وإذ أنت غيرك، فتكون أنت غيرك الفارغ توًا من ذاتك.
 
فراغك هنا قاتل برسم وجودك، لا أظن أن من قرر وضعك في السجن كان عبثيًا كساعاتك العبثية هنا، أهدافه لا أستطيع أن أقدرها أو أحددها، لو كنت خبيرًا نفسيًا أو باحثًا اجتماعيًا لاستطعت أن أحدد أي تفصيل أراده، لكنني مقتنع أن السبب في عقلية هذا الشرطي... السجان... القاضي... الاحتلال، راسخة برسوخ قناعاتي بالحرية دائمًا وأبدًا، لكن متى؟ أنا سيكون موعدي مع هذه الأماكن، ثماني سنوات لا غير. آخرون اختاروا العيش برهن الحلم السائر بين براثن الأيام لتغدو الأيام حاجز الأمل والإحباط معًا، وهي ذاتها وعد الغد القادم الذي يحمل الفرح حتمًا كذلك، هي- آه- من هي، تفتك بك، تخلع منك سكونك....ألفتك وكذلك شكلك، تمر يوميًاعلى المرآة لكن من دون التعرف إلى مدى تأثيرها فيك، ما بين ذاكرة وأخرى يمكن أن تلتقط صورة لك أمامها، لا داعي للشرح، أنت غيرك وغيرك آخر... إلى أن تعرف أن هناك أناسًا ما زالوا يقبعون هنا وتجاوزوا عامهم الرابع والثلاثين دون معرفة يوم الإفراج.
Page 2
من بين الألم هنا وجوه الواقع المؤلم، أفضل أن أقتات وجباتي منه بانتظام ورتابة لأحاول ترتيب هذه السطور، فكرت كثيرًا وكثيرًا: كيف يمكن أن أقدم هذه الواقع لإنسان لم يعشه؟ كيف أستطيع أن أتجاوز أسطرة الحياة هنا؟ كيف سيقتنع الناس هناك أن السجن ليس مكانًا مقدسًا والناس هنا ليسوا أنبياء؟ كيف أستطيع منع وقوع الصدمة التي هزت كياني حين دخلت السجن لغيري؟ وكيف أحمل هذا الواقع هناك دون تهويل وأرقام صماء؟ كيف ألتقط الصور كما هي هنا لتكون ألبومًا هناك وكيف... وكيف.؟
 
أسئلة كثيرة اجتاحتني، ومع كتابة هذه الكلمات هنا قررت أن أقفز من مدرجات المشاهدين لخشبة المسرح، لأعيد رسم حكايتي هنا لتكون منبرًا لهذا الواقع دون ابتذال؛ فالسجن حكاية شعبية سمعتها مرارًا وتكرارًا على شفاه نساء الوطن، كتبتها جداتنا على أبواب بيوتهن حيث قررن الخروج عام 1948، فالتقطها هذا العدو عنوة  من على جدران منازلنا، ليعيد فك طلاسم الحكاية، وبسادية أكثر ليعيد نبش ما لم ينبش، وليفرك على ذاك الفانوس ليوقظ هذا العملاق الذي ما زال جاثمًا على حياتنا بأبوابه وزنازينه وسجانيه وجنازيره وقيوده.
 
أخاف أنا من كل شيء حتى من الصمت والسكون، خوفي هذا هاجسي الأزلي هنا، كيف سأعود هناك؟ كيف سأخرج من هنا دون بثور؟ هل سأتجاوز وحدتي؟ هل هناك من حبّ آخر لأضيعه أو يضيعني؟ كيف أستطيع العودة لجامعتي؟ إلى تلك الأنثى التي أفتقدها في عالم الذكور هنا فأصبحت عاهتي المستديمة؟... وهل.... آلاف الهلوسات هذه تهجس بي يوميًا. تسيطر على عقلي وتفكيري، مع أنني حافظت على نصيحة أحد الرفاق قالها لي منذ دخولي السجن، وهي –بالمناسبة- للشاعر ناظم حكمت : "عش في السجن ولا تدع السجن يعيش فيك، اسكن السجن ولا تدع السجن يسكن فيك".
 
هذا كان شعاري الدائم، لكنني سئمت من التصنع والرياء؛ فقد عاش السجن بي، ها هو اليوم يتفجر على شكل هواجس ألملمها لكم –هنا- على هذه الأوراق علّني أشفى منها؛ لقد قرأت في إحدى الروايات "أننا نكتب الحدث لكي ننساه ونحذفه من ذاكرتنا"، وهي محاولة لإخراج السجن من داخلي إذًا... ألقيه بعيدًا بعد أن أضاع الكثير من البراءة والعفة لديّ، أدّعي في كل شيء حتى أصبحت أرى شخصًا آخر في المرآة كل يوم، أخرج إذًا أيها اللعين، فسأصاب بك مرة أخرى لكن لا بدّ من العلاج لإعادة المتعة الأولى، فهم يقولون: "المتعة الأولى كنز الذاكرة الأزلي". إن المتعة الأولى في كل شيء أول مرة، لذلك ستبقى أزليًا في كل شيء حتى في طريقة دخولي الحمام!!
 
كما أن هذا السياق قد يخدع منطقي، سأبقى حافظًا لكل ما شاهدته وعايشته،؛ لأن مجتمع الحديد والاسمنت لا يقدر على استخراج غير الوحش والتوجس،؛ ففي كل مرة تقرر فيها أن تنتفض على نفسك تعود بخيبة أخرى دون طائل المحاولة،. هذا ما لم يوافقني عليه كثيرون من رفاق المعاناة هنا،؛ لأن غالبيتهم يتقن الادعاء والكذب، وهو مُصرّ على أن يكون السجن صفحة مشرفة من صفحات نضال شعبنا –لا ضير- لكن الحقيقة هي الهدي الأكيد التي تؤسس إلى إعادة ترتيب ذواتنا أولاً، ومن ثم احتمالات وجودنا الجماعي، لذلك لا بد أن يكون السجن برأي الأغلبية موقف المنطق المبتور "مكان الرجال"، كما سمعت الكثير الكثير يقول "السجن للرجال". من قال هذا؟ آه! أريد أن أتعرف إليه بكل كذبه وادعائه لأقف أمامه بعاهاتي وأواجهه بالحقيقة: أنا هنا وأنا أشك برجولتي!!
Page 3
إن كان مفهوم الرجولة كما يريدون فحولتك وقدرتك الجنسية، فلا أعتقد أن السجن يمسّها بشكل عام، فأنت هنا تصاب بجوع جنسي لدرجة التوحش، وهذا هاجس سأطرح به هنا، فالرجولة أن تحافظ على إنسانيتك أكثر من أي شيء آخر! وهنا من يستطيع؟.
 
في استمرار النقاش لما لا يصح نقاشه من شعارات ضقت بها وبسماعها، شعار الرئيس الراحل أبو عمار حين قال "إن خيرة أبناء شعبي في السجون". لو أنك تعاد لتبعث حيًّا من جديد على هذه البقعة المعزولة عن الحقائق بزيفها، ستكتشف أن كلامك منافٍ للحقائق، وأن هناك الكثير من أبناء شعبك الموجودين في السجن حثالة هذا المجتمع  بل أرذله،. في حالتنا العربية النضال يعطي - فقط - شهادة أخلاق وبراءة ذمة عن الوساخة والوضاعة؛ إن السارق حين يسجن يبقى سارقًا، والمنحرف أخلاقيًا وجنسيًا كذلك والعميل- أيضًا- والكذاب... وكلّ هذه الأنواع من البشر لن تتغير لمجرد رخصة الوطن التي يصكها الاحتلال لمجرد آنَ اعتقال أحدهم. لذلك، سيبقى السجن مكانًا مجتمعيًا يحمل في ثناياه آلاف البشر من الفئات كلها. أعرف أن هذا الكلام لن يعجب الكثيرين هنا، لكن في لحظة من اللحظات تقرر الاعتراف، ولا أريد أن ينتابني أي ندم لذلك بدأت الكتابة.
 
للإنصاف- أيضًا- لا بد من الإشارة أن هذا الواقع المأساوي يحمل كذلك قصصا ومناضلين يخطون التضحية والمعاناة ملاحم تستحق أن نسجلها ونؤرخها، لكي لا يقال عني بأنني سلبي وسوداوي، مع قناعتي أن كل ما سجل من واقع هنا هو المشرق والمشرف فقط، ولم يتطرق أحد لسواد السواد هنا، سمعت في إحدى الفضائيات تعليقًا عابرًا أن السجون الإسرائيلية فنادق! سأعتبر أن الجهل فتك بمن عبّر عن ذلك؛ فلو تبرع للوطن بيوم واحد، وعاش هنا 24 ساعة سيعرف أن هذه الفنادق أوهام تأكلها أدمغة التافهين الذين يعرفون الوطن من خلال نشرات الأخبار، وكل ارتباطهم به عبارة عن شعور حزن عابر لمشهد من الشهداء سقطوا بفعل آلة القتل الصهيونية، أسوأهم يتعرف على المواطن عبر تأشيرات البنك الشهرية التي تؤشر دائما لزيادة رصيده، وكل زيادة للرصيد المالي تقلل رصيد الانتماء لديه، الملايين المشردون في أصقاع العالم لاجئون، نازحون...أيّ اسم يتفق عليه بفعل الإنسانية المبتورة في العالم.
 
أمّا السجن فهو يحمل صفحة أخرى لواقع رسمٍ بتضحيات الشهداء ودمائهم وجوع الآلاف في معارك "الأمعاء الخاوية" لكي يحققوا ولو جزءًا بسيطًا من إنسانيتهم عبر انتزاع حقوقهم التي كفلتها الشرعية الدولية، قد يقول قائل: أيّ عقول هذه تضع التلفاز أو سخان الماء وحتى السرير والفرشة والملابس في ميزان الجوع والحياة... ؟إنها تفاهة ووضاعة لدرجة عدم احترام إنسانيتهم، اسمحوا لي أن أعيد ضبط شعور من يقولون ذلك إنسانيًا، إن التلفاز والسخان... الخ ليست المعادل للحياة ولكنها معادل الكرامة؛ فإن خيرتنا بين الكرامة والحياة... سنختار الكرامة، مع أن هذا الخيار خيار الأغلبية في السجون، لكنه ليس خيار الجميع؛ فهناك من يساوم على كرامته بالحياة والأكل والشراب، فأصبح هذا الواقع أقرب إلى لخردة عفت عليها حكايات المجد والصمود الأسطوري، فسيطرت هذه الفئة على مقاليد الأمور هنا، وأصبحنا نشعر- هذه الأيام- أن الكرامة شعور برجوازي في السجون ، لكن هذه الحالة ليست مؤبدًا نرزح تحته دون إمكاناتٍ للتغيير.
 
سيقودني هذا الاعتراف بالحقائق كما هي إلى متاعب كثيرة أهمها أننا مجتمع يحترف قلب هزائمه انتصارات، فنغدو باحثين عن الوهم في الوهم دون محاولة  قول لقول الحقائق، من يجرؤ على ذلك يكن عميلاً للامبريالية العالمية، متواطئًا مع الاحتلال وفي أدنى التهم مهزوم من الداخل.
 
اعذروني هنا،! لقد قررت مسبقًا عدم ترك السياق الزماني والمكاني يسوق تجربتي هذه، عفوية ما كان يختلج النفس من كل هواجسي ألقيها دفعة واحدة،؛ قد يحدث عطب هنا وآخر هناك، وقد تتنازع وجهات نظر عن مُكْنة العلاج بهذه الطريقة لكنني أبشركم بأنكم ستجدون السجن هنا بين ظهراني هذه الصفحات بطريقة جديدة، تمدّون أيديكم وتتلمسون المعاناة والأعطاب الإنسانية دون أرقام ودون تهويل وكذب... فقط ستلملمون شظايا إنسانيتي من كلّ هذا وإن حاولتم إعادة ترتيبها... أشكركم مسبقًا، لكن أعتقد بأن أشباه الإنسان الذي يخط هذه الكلمات قد فقد الكثير ليعود هو... هو؛ فالهزائم هي بمثابة عودعلى بدء دون مراجعات ولا حتى استخلاصات للعبر، أنا للأسف مصر على هزائمي وهواجسي هذه... فالوطن محراب وجودي في هذه الحياة. وإلى هذه اللحظة لا أعتقد أنني جاهز لأغير نمط عبارتي الوثنية، ليكون هذا هاجس هواجسي الأسيرة.
Page 4
 هاجس الحرية
 
يا لمعنى هذه الكلمة في السجن! تطير بك كلحن سريع إلى أعلى قمم نشوتك المحفوفة بالرغبة المكبوتة، تدنو منك تدغدغ مكانًا مظلمًا في أعماق جسدك المطلوب بإيقاظ الشموع إعلانًا منه لبدء طقس فريد من طقوس العبادة الوثنية، أقلّب دفاتر هذه الكلمات بروح البحث الأرجوانية عن كل ما أريد، أجد أنه بقي لدي الكثير من العمر في انتظار مزيد من الوقت، أي جسارة هذه التي تطيح بك من على قمة شجرة التين الخالدة في ذلك الوادي المنسي، تمر وتمر لا يبقى منك سواك! 
 
أعيد البحث عن وصف ما أريد، أجد أن كثيرًا مما أريد ما زال رهن اللاوعي لديّ، أقيد بعض الجمل بسلاسل وعيي محاولاً اقتيادها، تعود ترفّ تلك القطعة الصغيرة بيد ماهر في العزف على أوتار الفؤاد، أضحي قتيلاً بريشة آخر الرسامين، لما تبحث عن بعض الكلمات ما دمت عاجزًا هنا؟ إنه الشعور بالترف أحيانًا... الكفر أكثر، عودي يا طفلتي الأولى؛ فأنا ما زلت أشاهد الكلمات تطير في فضاء الأبجدية تحرث أماكنها ذهابًا وإيابًا، أشعر أحيانًا بأنها تقصد البقاء هكذا، أودع حيرتي على هذه المساحة، فقد اخترت ما كان بقي من شعور فريد لفترة هي بالأصل معجزة... إنها أنا وهو... كل هؤلاء القابعين برسم الوعد هنا... الحرية.
 
كلمة تسقط عليك من علياء ترانيم الخلود، أمدّ يدي محاولاً التقاط تلابيب حرفها الأول، فالحاء هي مكمن السرّ ووجع الشهوة بعد وصول نشوة الجسد للمراد القاتل، حاء تلفح كيان الخيال فيغدو مدرسة تبادر كل صباح للذهاب إليها بأفضل الثياب عكس عادة أي طفل ينتزع من مكانه "عالمه الخاص" ليضعه في العام.
 
فهل سأل أحدنا لماذا يبكي الأطفال في أولّ يوم يذهبون به إلى المدرسة؟ أعتقد أن المجهول والحيرة هما هاجسه في تلك اللحظات، أمّا هنا فلا داعي للاكتراث كثيرًا، فشجرة اللوز ما زالت تصر على مفارقة الحياة دون طرح عطائها الأخير، أحاول استقدام صرفٍ آخر من تلك الكلمة. إذًا تأتيك عاتيةً وتهيج سكونك وهدوءك النسبي، الراء مبعث الرهج من حولك، صاخب بعد عودة راعي اللغة من آخر قصيدة أرهقته أنغامها ما بين استعارة وتشبيه ووصف، لا تؤسس على هذا الوقوع المفاجئ بين أحداث الإثارة والهيجان، فالياء كأنهار نبحث عنها جيدًا بين موجودات الطبيعة لنعيد استخدام حنانها لسحق الطيوب، فهي تكدس بسطحها الأملس روائح كلّ ما يسحق بها، تعيدك إلى نقطة بدايتك التي تحاول دائمًا أن تغادر وجعها، فرفضك الدائم هو أنك مللت من كل شيء حولك، فالرتابة قاتلة تحيك لك حاجزًا برزخيًا بين حياتين مختلفتين، تقطع المسافة بينهما تفكيرًا بحرف التاء المربوطة، لتصير هي كلمة الحلم أو حلم الكلمة لديك، فيرتفع مؤجلك نحو الاستحالة أحيانًا، وأحيانًا تسأل نفسك بأمل: هل موعدك من استكشاف حقائق هذه الكلمة قد أزف؟..... إذن هي الحرية.
Page 5
عادة يكون أيّ نقاش يدور بين أي أسيرين هو بالمجمل اهتمامات عامة ومنها خاصة، لكن، إنْ بحثت جيدًا بين ثنايا هذا الحديث ستجد ضالتنا "الحرية" كامنة في كل تفاصيله إن لم تكن هي محرضته ومحركته الأبدية. مع هذا، علينا أن نعيد ترتيب ذواتنا بحيث نحذف هذه الكلمة من أيّ حوار يومي، فهي بالأمل ومقيتة في انتظارها، تود لو أنك تحمل ريشة لتعيد رسم الحكاية من بدايتها حتى نهايتها التي لم تحن بعدُ، فقط من أجل استبانة حقيقة هذه الكلمة. لذلك، تهرع بالسؤال لأيّ أسير له تجربته بالاعتقال مسبقًا...
 
- ماذا شعرت عند خروجك من السجن؟
 
- يعني قصدك الحرية شو شعورها؟
 
- نعم بالضبط...
 
يتأخر جوابه باحثًا في ثنايا ذاكرته عن ذاك الشعور. أخاف جدًا! ترتعش كلّ أنحاء الحياة في جسدي، هل  أمعقول أن حلمًا كهذا تضيعه آخر حافة التجأت إليها بعد أن غرر بي البقاء هنا؛ لا يعقل أن يتحول حلمي إلى ذاكرة عابرة... أحتاج إلى وقت طويل لأعيد ترتيبها جملاً محاولاً ستر العيوب العالقة ببراءة الحلم. إن كلّ مَنْ وجّهت لهم هذا السؤال تصرفوا التصرف نفسه، حيرة وصمتًا حتى يأتي الغيم ليعيد فتح أبواب الأمل، كفلاح استبشر خيرًا، يرتدّ إلى أعقابه خائبًا، شحّ الغيث وكأن الغيوم تداعب شهوتي في الانتظار.
 
- والله رجعتني لتلك اللحظة، فعلاً لحظة لا توصف...!
 
أيّ حلم هذا الذي لا يوصف؟ أرفع الاستفهام ليختاط لي سؤال يضربني كعاصفة هوجاء، أذهب بعيدًا خلف خلفي لا أجد غير سؤال آخر، كأن هذه اللحظة باتت بين فريسة تهرول باحثة عن الأمان من مفترس قرر استيضاح حقائق الأمور؛ شمس تطوي شعاعها رسائل أبدية لوجود عابر، تمر عليك السنوات وأنت ترتب حلمك بلطف وأناة، أعيد فتح شهيتي للسؤال عند كل تأمل، لا، لن يكون غير هذا الواقف أمامي بكل حقائقه، لذلك، أعتقد أحيانًا أن الحرية هي المؤجل دائمًا، وشعور للترف أحيانًا أخرى.
 
يطرأ عليك هاجس الحرية في كل لحظة تقرر حزم متاع الذاكرة والذهاب في رحلة لم تعد تتحكم بنمط سيرها... تأتيك حلمًا في ليلة لا تختارها، تعيدك حيث أنت هم لا غيرهم بين ثنايا الحكاية، تعزلك بعيدًا خلف الواقع المؤلم في كل مرة تعود تعبًا مرهقًا لاهثًا من هذه الرحلة، ما يفتك بك سؤال واحد لا غير "الحرية"؟، خوفك المجهول الذي يقودك إلى المجهول غيره تعلمه علم اليقين أنْ نحن الآن في السجن... تغادر إليه تكتشف أن عوالمك هي ذاتها، قد تختلف التفاصيل لكن فراغك واحد، تعده لا بل يعد لك دائمًا فراغًا جاهزًا تحشره بكل تفاصيل سؤالك المجهول، إذًا، هي كلمة بحجم أكبر الكتب وأعظمها قدرًا، تقدر أحيانًا على استباحته لتعالج هدوءك وصمتك هنا.