eKtab
EN ع
حوارات في التدخل الديني والسياسي
Read free sample

حوارات في التدخل الديني والسياسي

by راتب الحوراني

Page 1
هذه المداخلات ما هي إلّا مساهمة متواضعة في عملية نقد وتفكيك للفكر الرجعي التراجعي الذي لا ينظر إلّا إلى الوراء بحثاً عن نموذج مدفون أو محنط في نعوش من ورق مطلي بالحبر، وكأن الحقيقة هناك في الماضي البعيد رافضاً سنّة الحياة: التطور نحو المزيد من المعرفة العلمية بحقائق الكون ونحو المزيد من حرية الكائن واغتنائه بمضامين إيجابية تملؤه فرحاً ومحبة... ومن ظواهر الفكر عامة هناك الفكر الديني الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ويعتبر الباقين في ضلال أثيم. ومن الفكر الديني ما هو قابل للتطور، يتطلع إلى الأمام بثقة وتفاؤل ويؤمن بالإنسان إيمانه بخالق عادل بريء من السادية وحب الانتقام والتعذيب. في حين أن العديد من الدول القائمة على أحكام العقل البشري قد ألغت حكم الإعدام كما ألغت كل أشكال التعذيب والعقوبات الجسدية من قوانينها، وأقلعت عن اعتبار الحب بين البشر جريمة عقابها أشنع أشكال الموت. وما زالت هناك مجتمعات، لا دول وحسب، بل مجتمعات تقبل بالتسلط على الضمائر وعلى المشاعر من حب وكراهية لتجعل منها شأناً عاماً بينما الشأن العام ما زال ملكية خاصة للحاكم وحاشيته.

الصراع محتدم بين هذين التيارين في الفكر. فلا هوادة ولا مهادنة في صراع الأفكار ولكن ضمن الاحترام المطلق لشخص الآخر، لا لرأيه، وإن كانت أفكاره على النقيض من أفكاري!!!

عشرون موضوعاً مستقل بعضها عن بعض على الرغم من أنها تتصل بشكل أو بآخر في معالجتها لمسائل متداخلة كل التداخل. ومما يجمع بين هذه المواضيع ملاحقتها للفكر المتنكر لمكانة الإنسان في هذا الكون وكأنه لم يأت إلى هذا العالم إلّا للعبودية في خدمة أسياد نصّبوا أنفسهم أصحاب سلطة مطلقة مستمدة مباشرة من كائن مطلق مفترض على صورتهم ومثالهم، وتمادوا في تسلطهم على النفوس الضعيفة المستضعفة المسلّمة أمرها لأولي الأمر. وقد عزّ هذا الأمر الواقع على النفوس العزيزة التي ترى في الإنسان، هذا الكائن الفرد الصغير المحدود في الزمان والمكان، محل الحقيقة ومصدر القيمة وتجلياً للكائن المطلق بامتياز. هذه النفوس العزيزة المعروفة بترعتها الإنسانية ترفض العبودية بكل أشكالها وتدافع عن حريتها المطلقة بكل أبعادها اللامتناهية. فالحرية الشخصية تعريفاً هي:

مسؤولية الشخص نفسه عن مصيره بنفسه وعن إنسانيته/ الإنسانية جمعاء!

رد على «نداء الحرية»

يا نداء الحرية، إنك قد أحسنت الملاحظة. أنا حذر جداً تجاه كل الإيديولوجيات.

أنا لا أخشى القومية من حيث هي انتماء الى جماعة تشدّني إليها روابط عديدة من تاريخ مشترك وثقافة مشتركة وبصورة أخص اللغة المشتركة. وأردد مع محمود درويش: «هويتي لغتي، ولدت بين قبيلتين على طريق الهند!». فأنا قومي بالفطرة إذا صح التعبير. ومن منا ليس بقومي بمشاعره وعواطفه؟ ولكن هذا الانتماء أقرب إلى المعطى الطبيعي منه الى الانتماء المبني على الاختيار الواعي.

ولكن أخشى الإيديولوجيا على اختلاف مشاربها، بما في ذلك الإيديولوجيا القومية. فالقرن العشرون كان غنياً بتجاربه التعيسة مع العقائديات القومية والأممية، عداك عن العقائدية الدينية التي سادت قروناً من الزمن بدون منازع، وما زالت تسود في عدد من البلدان، وهي تشد بها، أي بهذه البلدان إلى عصور الظلام البائدة جاهدة في زج الحياة في قوالب جاهزة تعود إلى مئات، بل آلاف السنين الغابرة، وإن كانت هذه القوالب في حينها تلبي الرؤى السائدة في ذلك العصر.

أما في عصرنا هذا، فقد أدى تطور المعارف العلمية والفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي إلى سقوط كل العقائديات أمام العلم. لا عقيدة في العلم ولا سقف للتساؤل الفلسفي؛ وفي الوقت الذي تدعو فيه الإيديولوجيا، الدينية أو غير الدينية، إلى الطاعة لنظام أو لحزب أو لزعيم، نجد العلم والفكر الفلسفي يحثّان على التساؤل والمعرفة.

بأي حق، ونتيجة لأية دراسة مقارنة يمكنني القول «إنّ قومي خير الأقوام»؟ مثل هذا التساؤل أدى ويؤدي إلى سقوط صيغة أفعل التفضيل!
Page 2
مفهوم المواطن ومبدأ المساواة

مفهوم المواطن هو واحد من هذه المفاهيم المستحدثة في اللغة والثقافة العربية، والتي ما زالت بحاجة إلى تأصيل وترسيخ في الوعي السياسي العربي.

لغةً: إن مفهوم الوطن في العربية يرتبط بالمكان الذي يقطنه المرء. وطّن نفسه على شيء ما يعني اعتاد عليه وألفه، بما في معنى الألفة من ارتباط عاطفي. ومعنى المواطنة بصيغة المفاعلة يفيد معنى المشاركة في الوطن. المواطنة هي إذن شراكة بين أبناء الوطن الواحد. ولكن الشراكة بين الشركاء تفترض معاملة الشريك للشريك معاملة الند للند، تفترض المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الموقع الذي يشغله هذا المواطن أو ذاك.

في اللغات الأجنبية كلمة مواطن (citoyen, citizen) مشتقة من كلمة لاتينية مرادفة للكلمة اليونانية التي تعني «مدينة» حيث المواطن هو عضو من مجموعة أعضاء المدينة المتمتعين بحق المدينة، أي بحقوقهم المدنية وفقاً لمبادىء الديموقراطية اليونانية الناشئة، المقتصرة على الرجال دون النساء، الأحرار دون العبيد واليونانيين دون الأجانب. لم يكن مفهوم «المواطن»، بما يعنيه من الحقوق المدنية للشخص، وارداً قبل الثورة الديموقراطية. وهو من المفاهيم الأساسية التي جاءت بها الثورة الفرنسية ليحل محل مفهوم «الرعية» (Sujet) بما يعنيه من تبعية «للراعي»، أي للملك. طبيعة العلاقة بين الراعي والرعايا تجرد الرعية من كل الحقوق لتمنحها جميعها للراعي.

ولكن هل يمكن الحديث عن المواطن والمواطنة في أي كيان سياسي اجتماعي مهما كان شكله؟ أو مهما كانت طبيعة العلاقات بين الأفراد في الهرم الاجتماعي أفقياً وعمودياً؟ أم أن مفهوم المواطن يفترض نمطاً معيناً من العلاقات بين الأفراد ومنسجماً مع شكل النظام السياسي السائد في هذا الكيان؟ هل من معنى لمفهوم المواطن والمواطنة في ظل نظام سياسي لا يقرّ في أساسه مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع من نساء ورجال بالغي سن الرشد (21 سنة، أو 18 سنة، أو 16 سنة، ولم لا؟ ألم يرد في الحديث: «إذا بلغ فتاكم السادسة عشرة وطلب الزواج فافعلوا»؟ فهذه مسؤولية كتلك!)، ويتمتعون بكامل حقوقهم المدنية والسياسية ويضطلعون بالواجبات نفسها وعلى قدم المساواة؟؟؟

قد تستخدم كلمة مواطن على لسان حاكم عربي ولكن بمضمون بعيد عما تعنيه من مساواة بين أفراد الشعب، بل بمعنى الرعية والتبعية. وكلمة تبعية نفسها تستخدم في بعض البلدان العربية في بطاقة الهوية أو في جواز السفر للدلالة على الانتماء للبلد المعين.

المشكلة ليست مشكلة مفردة أو كلمة، إنما هي مشكلة مضمون ودلالة. والمضمون المشحون في مفهوم المواطنة في هذا السياق هو مبدأ المساواة بين المواطنين.

هل يوجد حالياً في أنحاء العالم العربي قطر واحد يبني نظامه السياسي على أساس مبدأ المساواة؟ إذا ما وجد هذا النظام وجدنا فيه المواطن المتساوي في الحقوق والواجبات مع أخيه المواطن!

عندما يراقب المرء أوضاع أي بلد عربي يلاحظ أن الوعي السياسي العربي يكاد لا يتجاوز الانتماء الطائفي الديني، أو العقائدية الحزبية التي لا تقل طائفية. وغالباً ما يبقى الانتماء السياسي للإنسان العربي محصوراً ضمن نطاق القبلية والعشائرية. ما زالت العصبية القبلية هي السمة الغالبة على الوعي السياسي العربي. بينما قلّة قليلة من الأفراد هم الذين يتمردون على هذه الحدود الموروثة وكأنها حدود طبيعية، كأنها معطى طبيعي لم تدخل عليه الثقافة بعد، لا من قريب ولا من بعيد. كل هذه المستويات من الوعي السياسي تبقى دون درجة الاعتراف بالآخر كمثيل للذات على الرغم من اختلافه.

حتى هذه القلة القليلة القريبة من درجة الاعتراف بالآخر، عندما تدخل المعترك السياسي يستأثر بها هاجس الجماهيرية، وسرعان ما تجدها تركب الموجة الجماهيرية. وبدلاً من أن ترتقي هذه النخبة بالجماهير إلى مستويات أعلى في سلم الوعي السياسي، نراها تتخلى عن دورها هذا مماشاة للجماهير محاولةً تجـيير الحركة الجماهيرية إلى أغراض فئوية ضيقة إن لم تكن شخصية بحتة.

أمّا العصبية القبلية فهي غير كافية لبناء كيان إنساني سياسي اجتماعي جدير بإنتاج حضارة، وكما يلاحظ المؤرخون أن الحد الأدنى لتشكيل وحدة سياسية اجتماعية جديرة بإنتاج حضارة ما، يتمثل في اتحاد عدد من القبائل الحليفة.

ومن دون الدخول في تفاصيل مفهوم الأمّة بالمعنى المعاصر لكلمة nation والنظريات القومية المختلفة، يمكننا القول إن الغالبية العظمى للكيانات السياسية، التي أثبتت قدرتها على العيش والإبداع الحضاري، قامت أو/و ما زالت قائمة على أساس الإحساس بالانتماء إلى كيان، أو إلى جماعة واحدة تجمعها قواسم مشتركة أبرزها وأهمها اللغة المشتركة. هذا الكيان معروف تحت اسم Etat-Nation ، لنقل «الدولة القومية». ولكن فليكن واضحاً، قبل كل شيء، أن الانتماء القومي إلى قومية معينة شيء، والانتماء إلى عقيدة قومية شيء آخر. والدولة القومية هذه قد تكون عقائدية دينية أو عقائدية دنيوية (قومية أو غير قومية)، أو قد تكون حيادية عقائدياً. هذه الأخيرة هي ضالتنا المنشودة. المستوى القومي المقصود هنا هو المستوى السوسيولوجي وليس الإيديولوجي، مستوى يقع ما بين المستوى القبلي من جهة والمستوى الإقليمي (متعدد القوميات) من جهة أخرى! يبدو، كما يلاحظ المؤرخون، أنّ المستوى القومي هو الحد الأدنى لقيام دولة قادرة على العيش. دولة قومية أو متعددة القوميات، حيادية عقائدياً، هذا هو مطلب الساعة، مطلب العصر المنسجم مع مفهوم الإنسان المواطن.

أن تكون الدولة حيادية عقائدياً، يعني أن تكون الدولة بمؤسساتها وإداراتها دولة جميع المواطنين جماهيرياً هو موضوع جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار؟ إنّ حياد الدولة عقائدياً لهو الضمانة الوحيدة لحرية المعتقد، الديني وغير الديني.

أمّا المجتمعات التي وصلت إلى درجة الاعتراف بالآخر على الصعيد الداخلي للمجتمع نفسه، فقد ظلت كدول في سياساتها الخارجية تعارض «تصدير» الديموقراطية أو العلمانية إلى المستعمرات والأقاليم الخاضعة لنفوذها كما تعارض تطبيق ديموقراطية على مستوى المجتمع الدولي، حفاظاً على مصالحها الاقتصادية والستراتيجية. في العلاقات الدولية، مازال قانون الأقوى هو السائد. ما زال المجتمع الدولي المتمثل بمنظمة الأمم المتحدة بعيداً عن تشكيل نظام ديموقراطي عالمي. وإذا اعتبرنا منظمة الأمم المتحدة بمثابة حكومة عالمية، فهي ما زالت بعيدة عن التمثيل الديموقراطي للشعوب. ولا بد من برلمان عالمي يمثل الشعوب على غرار البرلمان الأوروبي. ولتحقيق المزيد من العدالة أو الحد الأدنى من العدالة في العلاقات الدولية، لا بد من تغيير ميزان القوى العالمي السائد حالياً حيث يهيمن طرف واحد على الساحة الدولية. لن يحصل هذا التغييير إلّا من خلال بروز تكتلات إقليمية قوية قادرة على فرض احترام القوانين والقرارات الدولية على كل الأطراف بما فيها القوى العظمى نفسها.

فعندما تأتي اليوم إحدى هذه الدول العظمى بجيوشها إلى بلد من البلدان وتعلن أنها تحمل الديموقراطية في صناديق الدبابات كما تحمل صناديق الاقتراع على فوهات المدافع، هل نصدق؟؟؟ يا لها من مفارقة! هل هي مفارقة فعلاً؟ أم إنها صفقة استغباء؟

وطالما أن العالم العربي يعاني من التجزئة والتشرذم والاقتتال الداخلي، سيبقى ساحة مستباحة لكل أشكال التدخل والتحكم بمصائره. فالتكتل الإقليمي، حتى لا أقول القومي، هو أيضاً مطلب الساعة، مطلب العصر. ولكن على أي أسس سيتم هذا التوحيد؟ وهنا أيضاً لا يمكن أن تقوم قائمة لأي توحيد أو تكتل إلّا انطلاقاً من المفهوم المركزي، مفهوم الإنسان المواطن، بما يتضمن من مبدأ المساواة بين المواطنين والاعتراف بالآخر كمثيل للذات. وهذا يعني نبذ مفاهيم مثل الأقلية العرقية أو الدينية أو الطائفية. أما صفة القومية أو العربية أو الإسلامية فيجب أن تؤخذ ببعدها السوسيولوجي والتاريخي، وليس الإيديولوجي أو السياسي. فلا فضل لعربي على غير عربي أو لمسلم على غير مسلم، إلّا بالكفاءة والجدارة للوظيفة العامة، وبحكم صندوق الاقتراع للتمثيل السياسي، في مباراة أو منافسة مجهول فيها الأصل أو الانتماء العرقي أو الديني أو الطائفي. وغني عن البيان أن مبدأ المساواة يتضمن المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة.
Page 3
أيّهما الصورة وأيّهما الأصل؟

وخلقه على صورته ومثاله! فأيّهما الصورة وأيّهما الأصل؟

إنّ من يتصفح الكتاب، أو الكتب المقدسة الناطقة باسم الديانات الثلاث المسماة «سماوية»، تأخذه الدهشة أمام الصفات «الإنسانية» التي يتصف بها الإله. كما هي الحال في الديانات السابقة، من السومرية إلى البابلية إلى الأشورية وغيرها. حتى في البعد «اللاإنساني» لهذه الصفات الإنسانية نلاحظ أن الإله مغرق في التشبه بالإنسان إلى درجة المزايدة عليه. فإذا مكر الإنسان فالإله أكثر مكراً! وإذا ما طغى الإنسان وتجبر فالإله يطغى ويتجبّر أكثر منه، وهو الجبار المتكبر، وهو خادع المخادعين... يقود الجيوش ويقتل ويدمر ويغضب ويفرح...

حتى ليظن المرء أن هذه الآلهة، أو هؤلاء الآلهة مرضى مصابون بأمراض السلاطين المتسلطين، بالسادية والتحريض على القتل والذبح كما في قصة إبراهيم إذ طلب منه الرب أن يذبح ابنه الوحيد قرباناً مقدساً للتكفير عن ذنب مفترض، أو لامتحان إخلاصه من عبوديته (نشير هنا إلى أن العبودية والعبادة والعبد والعابد من جذر واحد). أين وجه الذنب في أن يأكل الإنسان من ثمار شجرة تعطيه القدرة على المعرفة وتمييز الخير من الشر؟ ولماذا يُمنع المرء عن هذه المعرفة كما مُنع من أكل ثمر شجرة الخلود، بحسب الرواية التوراتية؟ وهذا المنع الأخير لم ينجح أكثر من الأول، إذ اقتحم الإنسان مملكة الخلود من بابها الواسع، من حيث هو «وعي ذات»، وعي الذات لذاتها في ذاتها وفي آخرها، أو في الآخر عموماً، متخذاً من اللغة مطية وسفينة يعبر بها القارات والمحيطات والعصور والحضارات على اختلاف لغاتها والمنفتحة بعضها على بعض بفضل الترجمة.

طبعاً لم يكن المنع، على كثرته، من أجل المنع، ولكن الغرض من هذا المنع وذاك هو اختبار الإنسان وامتحان قدرته على الطاعة، الطاعة المطلقة العمياء بدون سؤال أو تساؤل. فالسؤال محدود بحدود سقف الطاعة. ففعل الطاعة، مثلاً، في صيغة الأمر «أطيعوا...» ورد ما لا يقل عن ثلاثين مرة في النص القرآني. ولم ترد صيغة الأمر «اعرف» ولا مرة، بل ورد في الآية: «وقل رب زدني علماً». وعلى سبيل المقارنة والمثال لا الحصر، نلاحظ أن سقراط لخص تعاليمه كلها في جملة واحدة بصيغة الأمر: «اعرف نفسك بنفسك». والقول: «أطلب العلم ولو في الصين» ليس آية بل هو حديث، وما أدراك ما الحديث.

إذا ما ضرب زلزال مدينة بكاملها وأزهق عشرات الآلاف من النفوس البريئة، قالوا إن في ذلك لحكمة وعبرة لمن يعتبر! ولماذا كل هذه الآلام والأحزان والبكاء والشقاء؟ في حين أن هناك ألف وسيلة ووسيلة أقل عنفاً وأقل دماراً وأقل إيلاماً لتوصيل الحكمة والعبرة. هل من حاجة للتذكير بأن هذه الأساليب في الحكم وفي تلقين الدروس لمن بقي على قيد الحياة ليقدّر تقديراً عالياً حظه السعيد، هذه الأساليب هي المفضلة لدى حكام لا يتوانون عن التأكيد لرعاياهم مثلما كان فرعون يقول لعبيده: «أنا ربكم الأعلى».

هؤلاء الحكام ارتكبوا جرائم فظيعة ضد الإنسانية. وقد بدأ الضمير الإنساني العالمي يستيقظ من حين لآخر ويطالب بمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وليس بعيداً اليوم الذي ستنظم فيه باسم حقوق الإنسان محاكمات لشخصيات أدبية (معنوية) تحث على القتل وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. ولكن للأسف ما زال القانون الدولي والعلاقات الدولية خاضعة لاعتبار «قانون الأقوى بمثابة الأفضل». والقوة المقصودة هي القوة العسكرية والوزن الاقتصادي أكثر مما هي القوة المعنوية لمفاهيم الحق والعدالة. ذلك أن التوازن العالمي وميزان القوى العالمي ما زال مختلاً لصالح القطب الواحد، الطرف الأقوى على الساحة العالمية. ولكن هذا الوضع لن يستمر أبد الدهر! وإن استمر ردحاً من الزمن فلن يمنع الدول والحكومات من السير قدماً على طريق احترام الإنسان والاسترشاد بمبادىء حقوق الإنسان.

ونلاحظ، على سبيل المثال، أنّ الحكومات المعاصرة، باستثناء بعضها، تسعى جاهدة للحاق بتلك البلدان الطليعية منها التي ألغت من قوانينها حكم الإعدام كما ألغت كل أشكال التعذيب والعقوبات الجسدية. وإلام تنتظر هذه التي لم تلغ حكم الإعدام بعد؟ ما بال هؤلاء القوم لا يغيّرون ما بأنفسهم، هل ينتظرون أن تغير آلهتهم ما بهم؟ أو ما يشاؤون إلّا أن تشاء آلهتهم؟ وآلهتهم هذه المحنطة بثياب الأمس، ما بها؟ ألا تريد اللحاق بالركب، أم أنها لا طاقة لها على ذلك؟

وصورة الإله في نصوص الديانات «السماوية»، كما في أذهان العابدين، أقرب إلى صورة الحاكم السياسي المستبد بسلطته الفردية المطلقة التي لا يقيدها أي قيد، لا موضوعي ولا حتى ذاتي، وكأنه لا يعرف الالتزام بقانون ما، أو بمبادىء معينة صادرة عن شخصه على الأقل، إلى درجة أنه يخرق القوانين الطبيعية المطلقة التي إن مثّلت شيئاً فهي قادرة على التشكيك في عظمته وقدرته اللامتناهية!؟ وهل يعقل أن يكون هذا المطلق بحاجة إلى إنسان فرد ينطق باسمه ويقوم بدور الوسيط بينه وبين خَلقه؟ وكأن الخلق في عالم وهو في عالم آخر! وكيف يكون مطلقاً في حين أن العالم غارق في «الظلام» وفي «الفساد» بعيداً عن إرادته ومشيئته؟ فما هذا الشرك؟ وبالتالي يحتاج العالم من حين لآخر لتدخل الإله عبر وسطائه لإعادة العالم من جديد إلى الطريق القويم. ومن ثم يمتنع عن التدخل ولا يبعث الوسطاء مع أن العالم ما زال يعاني من فتنة كبرى هنا وحرب كبرى هناك! وكيف يخص بعنايته جماعة من دون غيرها؟ فأين العدل في كل ذلك؟؟؟

فهو يتصرف بكل «حرية» وكأن الحرية هي الاعتباطية! يتصرف بشكل اعتباطي، «يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء»، وهو على كل شيء قدير، يعني على الشيء ونقيضه. «هو»؟ عمن نتحدث؟ عن الحاكم أم عن الإله، أم عن الحاكم الإلهي أو عن الإله الحاكم؟ فأيهما الصورة وأيهما الأصل؟ هذا التداخل ما بين الإلهي والإنساني عرفته المجتمعات البشرية كلها في مراحل وعيها الطفولي لذاتها وللعالم حيث الإلهي يتمتع بكل الصفات الإنسانية بما في ذلك تلك الأكثر لا إنسانية. أما اليوم، وقد انعتقت غالبية هذه المجتمعات من الفرضية الغيبية، فنكاد لا نرى هذا التداخل، ما بين الإلهي والإنساني في شخص الحاكم الفرد المطلق، إلّا في هذه المنطقة التي شهدت وما زالت تشهد ولادة الصورة والمثال، الواحدة تلو الأخرى. و «الناس على أديان ملوكهم»، (لا حاجة لإضافة «ورؤسائهم» لأن هؤلاء الأخيرين ملكيون أكثر من الملوك). وقيل أيضاً: «كما تكونوا يولّ عليكم».

قال الإغريق قديماً «الإنسان هو مقياس كل شيء» .
Page 4
ويقول هايدِغر: «حقيقة الإنسان في انفتاحه على الحقيقة».

إن هو إلّا الإنسان، الكائن الفرد، الذي على الرغم من كونه محدوداً في الزمان والمكان إلّا أنه هو الكائن الوحيد القادر على إدراك اللامحدود واللانهائي، وهو محل المطلق على الرغم من محدوديته ونسبيّته. وهل للمطلق من محل غير النسبي؟ وإلّا صار النسبي مطلقاً آخر مستقلاً عن المطلق الأول، وهذا محال ويتنافى مع تعريفِ المطلق. الحقيقة تستوعب ذاتها ونقيضها، بينما الباطل لا يحيط حتى بذاته.

طالما أن إنساننا وشعبنا لم يكتشف حقيقة ذاته كمحل للحقيقة، كمصدر لكل حقيقة ولكل قيمة، فلن تقوم له قائمة. «إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً».

هذه هي الخطوة الأولى الضرورية للتحرر من كل القيود التي تكبّل الفرد بتصورات وهمية وتمنعه من أن يخطو خطوة واحدة دون الاستناد إلى قوة تقع خارج إرادته ووعيه. كما أنّ الخطوة الأولى التي لا بد منها للطفل حتى يمشي على قدميه هي في أن يستقل عن اليد القوية التي كانت تأخذ بيده. ولكن قبل أن يخطو الطفل الخطوة الأولى لا مفرّ له من محاولات عديدة، ربما بضعة أشهر، حتى يتمكن من السيطرة على حركة قدميه والسير قُدُماً. وهكذا يحقق الطفل درجة من درجات الحرية التي لم يكن منها لديه شيء البتة. فالأطفال لا تلدهم أمهاتهم أحراراً، إذ يولدون في منتهى الضعف والعجز عن الإتيان بأي حركة غير التنفس والهضم، وحتى التنفس قد يتوقف فجأة، وكأن الطفل نسي أن يتنفس ويقع الموت المفاجىء. أمّا إذا لم ينس الطفل التنفس وتوافرت له العناية اللازمة فيبدأ باكتساب حريته درجة درجة من المشي إلى الأكل والشرب، إلى تنظيم هذه الضرورات البيولوجية فيتحرر من وطأتها إذا ما تركت على سجيتها. وهكذا تتواصل مسيرة الإنسان، فرداً وجماعة، في إنتاج الوعي والمعرفة بالعالم المحيط به وبظواهره على اختلافها واكتساب المزيد من الحرية بعد أن كان عبداً لجهله المطبق. ولكن عندما كان المجتمع منقسماً إلى عبيد وأسياد عبيد كان المرء يولد عبداً في بيت العبد، أي من أبوين عبدين. أمّا إذا كان الأب والأم من طبقة الأحرار الأسياد فيولد الطفل حراً، أي منتمياً بحكم الولادة إلى طبقة الأحرار الأسياد. وهذا لا يمنع تحول السيد إلى عبد أو إلى «مولى» (منزلة بين العبيد والسيد الحر) كما قد يتحرر العبد إذا أعتقه صاحبه. في هذا السياق أطلق عمر بن الخطاب قولته الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!» .

هناك من يريد أن يحمّل هذا القول أكثر مما يحتمل وكأنه يؤسس للحرية كما نفهمها اليوم، في حين أنه لا يزيد عن كونه تكريساً للطبقية السائدة آنذاك. كما هو معروف عن عمر، الحريص على إنزال الناس (؟) منازلهم، موقفه من حجاب الأمَة إذ كان كلما رأى أمَة تضع حجاباً يضربها بعصاه وكأنها ارتكبت جريمة! وهو كذلك فهذا قانون الحجاب في عهد عمر: الحجاب للحرة وليس للأمَة!

إذن الخطوة الأولى هي في اكتشاف الذات لا كمركز للكون بل كمركز للعلاقة التي تربط ما بين الذات والعالم المحيط بها. والخطوة الثانية تتلخص في اكتشاف الذات عند الآخر، وبالتالي إقرار المساوة بين الذات والذات، أو الاعتراف بالآخر كمثيل للذات.

هذا هو المنعطف الحاسم الذي يطبع بطابعه العصور الحديثة والحداثة عموماً ويميزها عن مراحل الاستلاب على اختلاف أشكاله. عند هذا المنعطف، الأقرب إلى الثورة الكوبرنيكية، لا يكتشف الإنسان حقيقة ذاته كفرد فحسب، بل يكتشف حقيقة الآخر، مثيله في الإنسانية، من حيث هو ذات مماثلة له. فالوصول، بالوعي أولاً وفي الممارسة ثانياً، إلى درجة الاعتراف بالآخر كمثيل للذات على الرغم من الاختلاف، يشكل نقطة تحول جذري في مسيرة الوعي الفردي كما في مسيرة الوعي السياسي الاجتماعي للجماعة.

هذا التحول الذي حققته بعض المجتمعات لم يحصل بين ليلة وضحاها، بل استغرق قروناً من الزمن بكل ما رافقها من صراعات اجتماعية ومراكمة المعارف العلمية وتطبيقاتها التقنية، وكذلك الأمر في مجالات الفكر الفلسفي والاجتماعي، بما في ذلك الفكر الديني، وبصورة خاصة في التنظيم السياسي للمجتمع.

إذا كانت الأنظمة القديمة قد تميزت بتركيز سلطة فردية مطلقة في شخص الفرد الحاكم ممثل الإله على الأرض، ومنه تستمد الشرعية والسيادة، فمقابل ذلك تتميز الأنظمة الحديثة بفصل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستقلاليتها بعضها عن بعض. هذا واحد من مبادىء النظام الحديث. ومن المبادىء الأساسية للحداثة السياسية مبدأ الاقتراع العام الذي يمارسه الشعب، وهو مصدر السيادة، لانتخاب ممثليه إلى الهيئات التشريعية والتنفيذية. وكنتيجة للانتخابات تتكون أكثرية وأقلية، حكومة ومعارضة (حكومة الظل في بريطانيا) على أساس البرامج السياسية وضمن احترام حقوق الأقلية التي تتحول بدورها إلى أكثرية والأكثرية إلى أقلية في الانتخابات التالية، حتى لا تكون هناك سلطة من دون سلطة مضادة. وأكثر من ذلك فقد برزت إلى حيّز الوجود في المجتمعات الحديثة سلطة رابعة تتفاوت أهميتها من مجتمع إلى آخر، ألا وهي سلطة وسائل الإعلام، أو الرأي العام أو المجتمع المدني. هذا بدون شك اختصار سريع بل سريع جداً. وقد يقتضي الأمر فصولاً مفصلة عن:

الديموقراطية نظرية وتطبيقاً، تاريخاً وحاضراً، خصوصية وعالمية.

لنبق الآن ضمن نطاق موضوعنا المحدود بحدود التداخل الخطير ما بين الديني والسياسي. قلنا إن الحاكم في الأنظمة القديمة يتماهى مع الإله. وعندما نقول «قديمة» هنا تشمل هذه الفئة كل الأنظمة العربية القائمة حالياً بدون استثناء. فالحاكم يعتبر أن الدولة هي شيئه الخاص، ملكه الخاص، وبالتالي كل شأن من شؤون الدولة مسألة شخصية. والعلاقة الشخصية هي التي تفرض الأشخاص القريبين والمقربين على هذا المنصب أو ذاك من المسؤولية. إذن الدولة، وإن كانت جمهورية أو «جماهيرية»، ليست res publica (شأن عام) بل إنها شأن خاص. والحق يقال على لسان الشعب: «لكل دولة رجالها». وكلما تغير «صاحب الدولة» يتغير معه رجالها. وليس محك الكفاءة هي المعيار لاختيار «الرجل المناسب للمكان المناسب». بل المحك الأول والأخير والكفاءة المطلوبة كلها تتلخص في الولاء الشخصي لصاحب الدولة. بينما في الدولة الحديثة تحل محل الأشخاص والعلاقات الشخصية مفاهيم الكفاءة، القانون، المؤسسات (دولة القانون والمؤسسات) وتتوّج هذه المفاهيم بمبدأ سيادة الشعب، مصدر كل السلطات، بواسطة الانتخاب الحر لممثليه ومحاسبتهم عند الضرورة. إذن لا بد من تحقيق ثورة كوبرنيكية في النظام السياسي أولاً وبالتالي على صعيد المجتمع ككل.
Page 5
ماذا تعني الثورة الكوبرنيكية على صعيد النظام السياسي، أو الأنظمة السائدة في البلدان العربية؟

هذا يعني نزع صفة المطلق عن الحاكم والكفَّ عن اعتباره المطلق الوحيد وكأن الآخرين بالكاد بشر، بل أضلّ من الأنعام. وهذا يعني أيضاً الاعتراف بالقيمة المطلقة لكل شخص إنساني، لكل من قال: «أنا». وما هذه الأنا الفردية إلّا من تلك الأنا المطلقة. وهذا يعني المساواة بين بني البشر في الدين والدنيا، أمام المطلق وأمام القانون. وهذا يعني الإقرار بسيادة الشعب المكوّن من مجموع المواطنين بكل ما يعنيه مفهوم المواطن المسؤول عن رأيه وكأنه رأي الإنسانية جمعاء، بعيداً عن أية وصاية أو رقابة غير رقابة ضميره الشخصي. الشعب في هذا المفهوم هو مجموع أفراده من نساء ورجال بالغي سن الرشد الذين يتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية على قدم المساواة.

وهذا يعني الإقرار بأن الشعب هو مصدر كل السلطات. وبالتالي إقرار مبدأ الانتخاب العام لكل الهيئات وعلى كل المستويات، التشريعية والتنفيذية وغيرها. على أساس هذه الهيئات المنتخبة تقوم دولة القانون والمؤسسات. ودولة القانون تعني، من جملة ما تعني، أن أي تغيير في المؤسسات سيتم عبر تغيير القانون بطريقة قانونية.

إنّ أي تغيير في النظام السياسي الاجتماعي في بلداننا العربية، ليس له أي مبرر إذا لم يكن يهدف إلى تكريس الاحترام المطلق لشخص الإنسان. والغاية المعلنة، احترام الإنسان، إذا لم تكن حاضرة منذ الخطوة الأولى وفي كل خطوة، فيكون من المستحيل بلوغها... فقد ولّى الزمن الذي ساد فيه شعار «الغاية تبرر الوسيلة» وسقط هذا الشعار وأية سقطة. والأصح القول: «إن الغاية تكمن في الوسيلة». والوسيلة المعتمدة لا تؤدي إلّا إلى تكريس ذاتها وإلى الانفصال التام عن الغاية المعلنة إذا كانت هذه الأخيرة مغايرة لها من حيث الجوهر.

الإنسان هو الغاية والوسيلة في آن معاً.

والرسالات «السماوية» منها والأرضية، كلها تعترف بأنها جاءت من أجل الإنسان، لإسعاده في هذه الحياة الدنيا وفي ما وراءها. إذن إنها رسالات إنسانية في الأصل. فهي تبدأ كدعوة أخلاقية إلى الخير ونبذ الشر، تدافع عن المستضعفين والفقراء المظلومين. ولكن بمجرد أن تصبح الدعوة عقيدة رسمية لسلطة سياسية معينة تتحول إلى أداة سيطرة وقمع ضد الآخر المختلف. ينطبق هذا القول على العقائدية الدينية والعقائدية الدنيوية على حد سواء. هذا ما تؤكده التجربة التاريخية لكل الشعوب، بما في ذلك الأكثر تقدماً، وحتى الأمس القريب، وبصورة خاصة تجارب القرن العشرين. أمّا شعوب منطقتنا فما زالت ترزح تحت وطأة العقائدية على اختلاف أشكالها ومشاربها. أكانت هذه العقائدية مستوية على سدّة الحكم أو لم تكن. ولا شك أن العقائدية الدينية هي السائدة، وللأسف في صورتها الحزبية الطائفية الأكثر تعصّباً، في عدم اعترافها بالآخر، إلى درجة إلغائه كلياً، أو إباحة دمه لمجرد اختلافه مع العقيدة الرسمية في الرأي. إذا كانت بعض الفترات التاريخية قد عرفت نوعاً من التسامح في ظل حاكم مستنير فقد كان هذا التسامح مشوباً بشوائب عديدة من الإهانة والإذلال وتدابير أخرى لا نجد لها في قاموسنا اليوم تسمية أقل من «قوانين الفصل العنصري». ولكن في عصرنا هذا، عصر حقوق الإنسان، لم يبق لمفهوم «التسامح» أو «الذمة» أي اعتبار ولا أية قيمة إيجابية، بل على العكس من ذلك إن استخدام مثل هذه المفاهيم يعني الرجوع إلى الوراء عدة قرون من الزمن. فالحق في المساواة أمام القانون يأتي في المرتبة الأولى، في البند الأول من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

عندما نقرأ هنا وهناك أو نسمع هذا وذاك يقول: «من لا يعجبه فليرحل»، نقول لهؤلاء إن النماذج التي تبحثون عنها في الأوراق القديمة قد قامت بدورها التاريخي كاملاً وانتهت بالسقوط. أولها: «الدولة الدينية»، أو «دولة المدينة» إذا أمكنت التسمية، فقد سقطت في فتنة كبرى وقامت على أنقاضها دولة دنيوية تستخدم الدين كعقيدة رسمية لتبرير أفعالها. وكذلك سقط آخرها، ألا وهو النموذج الفيدرالي (الدولة العثمانية)، في حرب كبرى (الحرب العالمية الأولى) بعد أن أنهكته الأمراض المزمنة المستعصية التي جعلت من أسباب قوته سابقاً أسباب هلاكه لاحقاً بالمقارنة مع التجارب الحديثة في التنظيم السياسي للمجتمع. أما عن محاولات تقليد هذه النماذج الجارية في أيامنا هذه فهي كناية عن خليط هجين بين عناصر وهيكليات حديثة من جهة، ومضامين قديمة من جهة أخرى، خليط لا يصمد أمام هبات رياح الحداثة إلّا بقوة الحديد والنار ولكن لحين مهما طال به الزمن.

ولا نقول لكم ارحلوا، بل نقول، كما قال ابن سينا في حينه وفي سياق آخر، إن «درب الحق يتسع بروّاده»، ونضيف إن الحق يضيء نفسه كما يضيء نقيضه، بينما الباطل يضيق بنفسه ولا يضيء حتى ذاته. وبكلام آخر إن التعايش السلمي، بمعنى السلام المدني، مع الآخر ممكن وإن كان هذا الآخر يحمل أفكاراً على النقيض تماماً من أفكاري، ولكن على صعيد الفكرة، بيني وبينه حرب ضروس لا هوادة فيها ولا مهادنة.

في موضوع لاحق سنتناول مسألة الدولة في محاولة للإجابة عن السؤال التالي:

أية دولة نريد؟

رد على موضوع الدين والسياسة

لننظر بواقعية إلى ما يقوله الطرف الآخر في الحوار، بعيداً عن توزيع البطاقات الجاهزة من نوع الأصوليين المتطرفين، أو الإلحاد المتطرف، أو غير ذلك مما شاكله.
Page 6
أظن أننا نتفق على تشخيص الداء: التخلّف بأشكاله المختلفة، في كل الميادين، وبصورة خاصة في الوعي السياسي نظرية وتطبيقاً. ولكن التخلف بالنسبة لمن؟ أمر مفروغ منه!

ويبدو لي أننا متفقون أيضاً على تسجيل فشل الدكتاتوريات العقائدية أو الإيديولوجية من دينية وغير دينية وفي كل الأحوال سياسية. وقد نتفق على أن لا عقيدة أمام العقل، أي لا عقيدة (بمعنى الدوغما) في العلم ولا في الفكر العلمي بما في ذلك الفلسفة كبحث عقلي محض. أرجو أن يكون التزامنا جميعاً بالبحث العقلي الأقرب الى الواقعية.

ومن الواضح أننا نريد «الخروج من عنق الزجاجة، وبطريقة أكثر وعياً» على حد تعبير الزميل المحاور (ن)، بل وأكثر من ذلك أقول: لا مخرج من مشكلات التخلف إلّا بالوعي!

ولكن هل يقتصر الوعي على جوانب معينة من وجودنا دون جوانب أخرى؟ أم أنه يشمل كل أوجه حياتنا الاجتماعية، بما تعنيه من تنظيم الأسرة إلى تنظيم الدولة مروراً بالحلقات الوسيطة على اختلافها؟

إذا انطلقنا من هذه المسلمات لوصلنا إلى القول بضرورة إنتاج الوعي والمزيد من الوعي وفي كل الميادين. الوعي هو العلم والمعرفة العلمية، نظرية وتطبيقاً بما في ذلك التطبيقات التكنولوجية.

فهل نتفق على أننا متخلفون حتى في قراءتنا لماضينا بصفحاته المشرقة والمظلمة على السواء، لتاريخنا ولنصوصنا المؤسِّسة؟

وهل نتفق على أن الفكر الديني الاتكالي السائد في حياتنا الثقافية على امتداد قرون من الزمن، هو المسؤول عن الجمود الذهني على كل المستويات؟

لقد لاحظ علماء الاجتماع، وتحديداً ماكس ؟يبير في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، بدقة أن الأخلاق البروتستانتية شجعت روح المبادرة الرأسمالية في مجالات التجارة والصناعة والاكتشافات العلمية والجغرافية، في حين أن الأخلاق الكاثوليكية كانت تكبح جماح التجارة والصناعة والاكتشافات العلمية وكانت محاكم التفتيش تتهم العلماء بالهرطقة والإلحاد.

وجدير بالذكر أن الإصلاح البروتستانتي قد تأثر بالإسلام. نذكر بعض المسائل: إلغاء الرهبنة، وإلغاء نذر الفقر. مارتين لوثر نفسه كان راهباً كاثوليكياً، وعندما بدأ دعوته الإصلاحية تزوج من راهبة وألغى نذر الفقر بالنسبة لرجال الدين الإصلاحيين. منع الأيقونات في الكنائس. ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة الشعب، لوثر فقد ترجمه لوثر إلى الألمانية، في حين كانت الكنيسة الكاثوليكية تمنع ترجمة الكتاب إلى اللغات الشعبية «خشية تدنيسه»، وتعتبر اللغات المقدسة هي فقط: العبرية، اليونانية واللاتينية.

صحيح أن الإسلام قد طرح نفسه كإصلاح بالنسبة لليهودية والمسيحية المنتشرتين في بيئته حيث لم يكن قد مر على ظهور المسيحية أكثر من ستة قرون وربع القرن. ولكن نحن الآن في الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري. ولعل الوقت قد حان لاستيفاء ما استلفته البروتستانتية من الإسلام. بل وبمعنى أوسع من حق العرب التاريخي أن يستوفوا ما استلفه منهم الغرب عموماً في بداية نهضته من فلسفة ورياضيات وفلك وبصريات وطب وغير ذلك.

ثم لماذا هذا الخوف من الإلحاد أو من العلمنة ونحن نجهل ماهية الإلحاد مثلما نجهل ماهية العلمنة؟ وزيادة على ذلك ندعي القبول بحرية المعتقد، بحرية الرأي والتعبير عن الرأي، ونقول أيضاً بحرية التدين بهذا الدين أو ذاك، أو عدم التدين؟؟؟

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر! وما أنت عليه بوكيل!

وهل الإلحاد هو الكفر بالنعم أو بالقيم الإنسانية النبيلة؟ وهل العلمنة هي التعصب لطائفة جديدة تعادي كل الطوائف الأخرى؟ وهل الديموقراطية هي دكتاتورية جديدة لاأكثر؟ بل يمكن القول والتأكيد:

لولا الإلحاد لما تطور علم من علوم الطبيعة أو من العلوم الإنسانية! ولبقيت هذه العلوم جميعها في لوح محفوظ لا أكثر ولا أقل.

ولولا العلمنة لما انتهت الحروب الدينية بعد!

ولولا مبدأ المساواة بين بني البشر في الدين والدنيا، أي أمام الله وأمام القانون، لما قامت مجتمعات حديثة، ولما استقامت مفاهيم الحق والعدالة وكل المفاهيم الإنسانية عموماً.

هنا تكمن أهمية الثورة الكوبرنيكية وعظمتها، في تأكيدها على أن النقطة المركزية في النظام الشمسي هي الشمس نفسها. والنقطة المركزية في أي نظام إنساني هي الإنسان نفسه. الإنسان هو الغاية والوسيلة في آن معاً. ا
Page 7
الإيمان بالإنسان والإيمان بالأديان!

في تعريف الكفر والإيمان! الكفرغير الإلحاد، والإيمان غير التديّن

أظن أن مفهوم الكفر هو مفهوم أخلاقي قبل أن يستأثر به الخطاب الديني. طبعاً إنّ هذا الأمر ينطبق على اللغة عموماً. فلا بد من إعادة الاعتبار للغة بالاستقلال عن الخطاب الديني، وإذا أمكن إحياء المعنى الأصلي للكلمة وبصورة أخص تحميلها المعنى الذي نريد توصيله إلى أكبر عدد ممكن من الناطقين بهذه اللغة وخصوصاً الذين يكتبون (الكاتبين!؟) بها.

فالكفر، قبل أن يعني عدم الإيمان بهذا الدين أو ذاك، فإنه يعني نكران الجميل أو الإساءة لمن أحسن إلينا. والكفر بقيم معينة يعني عدم احترام هذه القيم التي قد تكون مقدسة بالنسبة لشخص آخر، لذلك نرى ونسمع الطوائف المختلفة تتراشق بتهمة الكفر. وكل فرقة تعتبر نفسها أنها تملك الحقيقة المطلقة والآخرون في نظرها في ضلال مبين. وغالباً ما يصل الأمر إلى الاقتتال بين أتباع الدين الواحد وباسم الإله الواحد ومن أجل الإله الواحد. عن أي حوار يمكن الحديث بين متدينين اثنين ضمن الدين الواحد والكتاب الواحد، وكل منهما يعتقد أن مذهبه هو عين الصواب والآخر هو الذي يحرّف الحقيقة؟ فالمواقف جاهزة ومعدّة من مئات السنين وتتكرر بالحرارة نفسها وكأن الفتنة الكبرى وقعت بالأمس ولم تنته بعد. وكذلك الأمر بالنسبة للحوار بين متدينين من دينين مختلفين (ما يسمى بحوار الأديان، فهو أقرب إلى حوار الطرشان وسط ابتسامات عريضة ومجاملات منمقة ولياقات مبالغ فيها، كلها مزيفة. يكاد الواحد منهم لا يسمع الآخر، كل يغني على ليلاه، وتبقى العلاقة قائمة على إلغاء الآخر وعدم الاعتراف به اعتراف الند بالند، وإن اتفقوا على نوع من توازن عشائري ـ طائفي ـ عرقي (كما هو الحال في هذه الأيام في العراق وفي لبنان بحثاً عن التوازن «الأمثل»). لذلك، لا يمكن أن يكون أي توازن على هذه الأسس إلّا مهزوزاً، مؤقتاً، وغير ثابت!

ماذا يلاحظ المراقب من الخارج؟ نلاحظ أن كلاً من الأديان الثلاثة في المنطقة يتمثل في مؤسسة أو مؤسسات لها مصالحها مثل أي مؤسسة أخرى. العلاقة بين هذه المؤسسات تناحرية أكثر مما هي بين الأفراد. ذلك أن ممثلي الدين السباق زمنياً لا يمكنهم أن يعترفوا بالدين اللاحق لأن مثل هذا الاعتراف يعني إلغاء مؤسستهم والالتحاق بالمؤسسة الجديدة. هذا ينطبق على اليهودية تجاه المسيحية والمسيحية تجاه الإسلام واليهودية تجاه الإسلام. وبالاتجاه الآخر، الدين اللاحق يستمد شرعيته من الانتماء إلى الدين السابق ويبرر وجوده بضرورة التغيير، أو الإصلاح أو إكمال مكارم الأخلاق، الذي يقترحه. هذه الرغبة في التغيير أو إرادة التغيير هي بمثابة اتهام للدين السابق بأنه ناقص، أو بالأحرى اتهام المؤسسة والقائمين عليها ولا فرق بين الدين والمتدين بهذا الدين بل إن الدين بالنسبة للمراقب من خارجه هو ما يمثله المتدينون بهذا الدين. وهكذا يبدأ العداء ويشتد كلما اشتدت سواعد الدعوة الجديدة، وقد يلتحق أفراد أو مجموعات من أتباع الدين السابق، لسبب أو لآخر، بالدين الجديد، ولكن تبقى المؤسسة بكل مقومات وجودها واستمرارها، وتبني حولها الأسوار والقلاع دفاعاً عن حق طبيعي غريزي، حق البقاء.

وكذلك بالنسبة لمفهوم الإلحاد والملحد. فالملحد يؤمن بالإنسان وبقدرة العقل على معرفة القوانين الطبيعية الإلهية. وقد يؤمن الملحد بإله معين ولكنه لا يؤمن بالإله الذي يصوره هذا الدين أو ذاك.

والإلحاد هو موقف فلسفي لا ينتقل بالوراثة، إنما هو خيار حر يستند إلى اقتناع شخصي لا يمكن فرضه على طفل، بالترهيب والترغيب أو بأية وسيلة أخرى، لمجرد أنه وُلد في عائلة من أب وأم ملحدين. فإذا كان من الصعب فرض خيار المعتقد الفلسفي على الأطفال فهو من المستحيل أن يفرض على الكبار بالغي سن الرشد. وهل يحاول الملحد فرض معتقده على الآخرين؟ كل ما يطلبه الملحدون يتلخص في مطلب واحد، حرية الكلمة.

تصور حجم القمع والتخويف والوعد المعسول والوعيد الشديد الذي يتلقاه الطفل خلال تربيته الدينية في البيت وخصوصاً التربية على كراهية الآخرين (أحياناً أولاد الجيران) لأنهم من طائفة أخرى وفي ضلال وإلى النار وبئس المصير.

وتصور مدى الجهد الذي يحتاجه هذا الشاب أو هذه الشابة في الشغل على النفس ليستعيد إنسانيته، وليصل إلى محبة الآخرين على الرغم من الاختلاف في الطائفة أو غيرها من الاختلافات.

وتجدر الإشارة إلى أن الإلحاد قد ساهم في دفع حركة الإبداع في كل مجالات النشاط الإنساني. بل بفضل الإلحاد ظهرت العلوم العقلية (الطبيعية والإنسانية) وتطبيقاتها، وتطورت انطلاقاً من الإيمان بقدرة العقل البشري على المعرفة.

أما المؤمن المتدين بدين يعِدُه بكل الملذات وبكل السعادة في ما وراء هذه الحياة فلا يشجعه إيمانه على التساؤل والبحث، وفي حالات عديدة يمنعه من البحث باعتبار أن الحقائق والعلوم اللازمة له محفوظة في الكتاب. هذا الأمر لا يقتصر على الإسلام من دون غيره، فالكاثوليكية لم تشجع بل حاربت البحث العلمي والعلماء، بينما البروتستانتية شجعت روح المبادرة والاكتشاف والاختراع وتطبيقاتها الصناعية (انظر بهذا الخصوص ماكس ؟يبر Max Weber ، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، 1947). والتاريخ العربي الإسلامي قد عرف مراحل شجع فيها بعض الخلفاء على البحث والترجمة وبصورة خاصة في عهد المأمون. ولكن لم يدم هذا التشجيع طويلاً، فسرعان ما انقلب الوضع لصالح الحنبلية مع إعادة الاعتبار لابن حنبل ضد المعتزلة الذين كانوا السبب في محنته مع المأمون على أرضية خلاف عقائدي (مسألة خلق القرآن أو قدمه).

ومفهوم الإيمان... والكفر

من حق الملحد أيضاً تكفير الذين لا يؤمنون بالإنسان كقيمة مطلقة ومقدسة، وقد يقتضي الأمر يوماً أن تنظم محاكمات باسم حقوق الإنسان لكل مرتكبي الجرائم ضد الإنسان باسم الدين أو باسم أية «حقيقة مطلقة» أخرى، محاكمة الأشخاص ومحاكمة الشخصيات الأدبية (المعنوية) والنصوص التي تحرض على انتهاك الكرامة الإنسانية.

مفهوم الإيمان يعني التصديق القائم على الثقة بالشخص الذي ينقل إليك خبراً قد تصدقه أو لا تصدقه. فالخبر من شأنه أن يحتمل الاحتمالين. وليس كالمشاهدة الحسية أو كاليقين البرهاني الذي يطمئن إليه العقل (قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)، القلب هو محل العقل في لغة العصر آنذاك: «فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون». أو «على قلوبهم أقفالها» أو «وتعمى القلوب التي في الصدور». يُفهم من ذلك أن الإيمان هو أدنى درجات التصديق، أما اطمئنان القلب فيأتي بعد التجربة الحسية، أو بعد البرهان العقلي أو الحجة الدامغة القاطعة المانعة..

الإيمان الديني هو تصديق الأبناء لما ينقله لهم الآباء نقلاً عن الأجداد وهكذا دواليك وصولاً إلى شاهد عيان. عملية النقل هذه تشبه عملية الاستنساخ عن الأصل ثم عن صورة الأصل ثم عن صورة الصورة... إلخ والحالة هذه لا بد أن تكون النسخة رقم (كذا) بعد أربعة عشر قرناً من الزمن باهتة إذا ما لم تدخل عليها تعديلات يومياً بالاستناد إلى التجربة الإنسانية.

ولو قلنا بالعودة إلى الأصل، فالعودة تلك غير ممكنة لأن الظروف الموضوعية التي وجد فيها الأصل غير متوافرة. والشخصيات الفاعلة، مهما حاولت التماهي مع الأصل، تعرف حق المعرفة أن هذه العودة أمر مستحيل. ولكن هذه هي مقتضيات الدعاية السياسية والتعبئة الجماهيرية بشعارات جذابة طنانة رنانة من دون أي مضمون إيجابي. وهل يكفي الاسم مضموناً؟ أو هل يكفي الشعار «هذا هو الحل» حتى يحضر الحل؟ (كذا).
Page 8
المعقول والمنقول

إله العقل: دعوة إلى المعرفة بلا حدود! إله الأديان دعوة إلى الطاعة بلا سؤال!

إله العقل هو إله الفلسفة، هو إله الإنسان المنفتح على كل إنسان وعلى الكائن ككل!! إله الأديان عنصري وطائفي وانتقامي وسادي...

إله العقل، علاقته مباشرة مع كل الكائنات لا يحتاج إلى وسيط، فرداً كان أو مؤسسة، فهو جوهر هذا الكون، إنه القلب النابض لكل موجود وليس خارج العالم، بل إنه للعالم بمثابة الروح للجسد. بينما الإله الذي تصوره الأديان يتعالى على مخلوقاته ولا يتنازل لإقامة علاقة مباشرة معها بل يبعث بالوسيط تلو الوسيط، ومن حين لآخر وإذا شاء فيضع حداً لهذه الوساطة ويقفل باب السماء في وجه مخلوقاته بانتظار يوم الحساب حيث البكاء وصرير الأسنان والعذاب الأليم كعقوبات مؤبدة على خطايا ارتكبها بنو آدم قبل أن تلدهم أمهاتهم، عقوبات مكتوبة منذ الأزل في لوح محفوظ.

الإله الحق هو إله العلوم الدقيقة، الإله المطلق الذي يتجلى في القوانين المطلقة التي تنظم الوجود والموجودات بدقة متناهية نقترب منها باستمرار أكثر فأكثر. الإله الحق هو القانون الأشمل في هذا الكون. والإرادة الإلهية التي لا رد لها هي عينها قوانين الطبيعة المطلقة، من قوانين الفيزياء على مستوى الظواهر الفيزيائية، إلى قوانين الكيمياء على المستوى الكيميائي وقوانين البيولوجيا على المستوى البيولوجي.

أمّا في المجتمع الإنساني والتاريخ البشري فوعي الإنسان لذاته كوعي يلعب الدور الحاسم. هذا لا يعني أن الوعي مستقل عن قوانين الطبيعة أو خارج الإرادة الإلهية. فالإله الحق لا يكون مطلقاً حقاً إلّا إذا شمل مفهومه وإرادته الكائنات كل الكائنات بدون استثناء بما في ذلك في قلب شريعة الغاب. ولو بقي حيِّز خارج نطاق الإرادة الإلهية المطلقة مهما كان، فلا يكون هذا الإله مطلقاً حقاً. إن من يعتقد أن الإله له مملكته الخاصة به في عالمه الخاص به، ومخلوقاته في عالم آخر خاص بها، فهو يخطىء كل الخطأ ويشرك كل الشرك، أي ينتقص من مطلقية الإله.

قد يقول قائل: أين حرية الإنسان إذا كانت الإرادة الإلهية تشمل كل الكائنات؟ الرد على هذا السؤال هو أن لا وجود لحريتين في آن معاً. إن هي إلّا حرية واحدة. إنها الحرية الإلهية المتجلية في حرية الإنسان على قدر استعداد كل فرد للاضطلاع بهذه المسؤولية عن مصيره كفرد وكإنسانية جمعاء. فالإنسان هو الطليعة الإلهية لهذه المسيرة الكونية نحو المزيد من الحرية ـ المسؤولية ونحو المزيد من وعي الذات لذاتها في آخرها كما في ذاتها. إذ أن آخر الذات ما هو إلّا الذات نفسها على درجة أو مستوى آخر في المسيرة نفسها.

فالإله الحق هو عقل وعاقل ومعقول ولا يمكن أن يصدر عنه تناقض مع ذاته، لا يصدر عنه أشياء تتناقض مع العقل والمعقول. والإله الحق لا يمكن أن يوصف بصفات لا يقبلها العقل مثل أن يسمح بخرق قوانينه المطلقة في الطبيعة، أو أن يخرقها بنفسه إرضاء لطفل مدلل بحاجة لمعجزة ليصدق أن الشمس تشرق من الشرق وتغيب إلى الغرب!!؟؟

باختصار، الإله الحق هو الكائن المطلق، هو وعي ومعرفة وحرية ومحبة ولا تشوبه شائبة من الصفات البشرية اللاإنسانية. بينما إله الدين وتحديداً إله الأديان الثلاثة المسماة سماوية هو صورة عن إنسان العصر الذي ظهر فيه هذا الدين أو ذاك. يقول سبينوزا إن إله التوراة هو ملك اليهود، والإله الحق لا يتدخل في السياسة لنصرة قوم ضد قوم، فكل الأقوام مخلوقات الله. وطالب سبينوزا، ولعله أول من طالب، بإبعاد رجال الدين عن السياسة لأن تدخلهم في السياسة لا يجلب إلّا الكوارث والحروب. ولذلك استحق هذا الفيلسوف، المولود في عائلة يهودية متزمتة كانت تريد أن تجعل منه رجل دين، استحق الطرد من الجماعة اليهودية التي حاولت اغتياله وفشلت.

الإله الديني هو صورة تقريبية عن الإله الحق، صورة أو رؤية تستند إلى معارف العصر والبيئة التي ظهر فيها هذا الدين، فهي بالتالي تاريخية مشروطة بحدودها التاريخية ونسبية مثل كل رؤية بشرية مشروطة بزمان ومكان، وخاطئة من منظار عصرنا الراهن ومشوهة لأنها تضفي على الإله صفات لا يقبلها أي عقل فكيف بالأحرى العقل العلمي الدقيق المغتني بمعارف واكتشافات وعلوم تطورت خلال خمسة عشر قرناً من الزمن.

هذا لا يمنع أن النصوص الدينية الأصيلة فيها تلخيص لحكمة شعب، بل شعوب، وتصيب كَبِد الحقيقة في بعض ما تقوله، ولها جماليتها الفنية الأدبية كما لها دلالات رمزية تحتمل التأويل باتجاه المعاني الروحية. فالقراءة الصوفية والتأويل الصوفي للنص الديني المؤسس يفتحان النص على النصوص الأخرى الدينية وغير الدينية، وبالتالي على الإنسانية جمعاء. فإذا أردت التدين عليك بالتصوف. ولكن قبل أن تتصوف خذ بنصيحة أبي حامد الغزالي في عهده الصوفي إلى المتصوفة بتهيئة النفس بمعرفة العلوم العقلية قبل مباشرة علوم المكاشفة.

الإله الديني يتجلى في لحظة تاريخية معينة دون غيرها لقوم دون غيرهم من الأقوام وبشخص دون غيره من الأشخاص ثم يجعلهم شعبه المختار... أو خير أمة، وبعد حين يتخلّى عنهم ويوصد أبواب السماء في وجوههم... إلخ فأين العدل في كل هذا؟؟؟

والأحكام التي يصدرها الإله الديني تجعل منه حاكماً طاغية مستبداً وسادياً في التعذيب وانتقامياً، شرائعه أقرب إلى شرائع حمورابي وبابل وسومر، وتتعارض مع أبسط حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً في مطلع القرن الحادي والعشرين أو في الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري.

وحيث نرى أن الإله الحق حي قيوم لا يتعارض مع المسيرة التاريخية التي يخلقها ويقودها عبر النشاطات الإنسانية الإبداعية، نرى الإله الديني وقد انسحب من التاريخ واستقر في صومعته العاجية بالنسبة لبعض عبيده، أما بعضهم الآخر فقد حوّله إلى مومياء محنطة بين الحبر والورق في نوع من عبادة وثنية، عبادة الحرف والصوت بعيداً عن الكلمة والمعنى، بعيداً عن الروح الحي المستمد من قلب الحياة النابض!

أمّا عن الاندهاش أمام نظام الكون والكائنات فهو بداية التساؤل الفلسفي كما يقول أرسطو. بل إن هذا النظام الدقيق في الكون والكائنات هو حجة لصالح الإله العقل وليست لصالح الإله الديني الذي يذهب بعيداً في تدنيس الطبيعة أو في تقديسها.

في الواقع، في الطبيعة لا مجال للحديث عن أية عدالة أو عن غائية معينة. ذلك أن هذه مفاهيم إنسانية لا وجود لها خارج وعي الإنسان، وهي دائماً نسبية تغتني باستمرار من التجربة الإنسانية. فما هي الحكمة في شريعة الغاب في أن يأكل القوي الضعيف؟ وما هي الحكمة من الكوارث الطبيعية التي تزهق الأرواح وتسبب الآلام لملايين من الكائنات الحية؟

ما هي إلّا أفعال القوانين الطبيعية ـ الإلهية لا لمعاقبة إنسان ما أو شعب من الشعوب ولا لمكافأة شيطان ما على بطولات قام بها لإبعاد الناس عن طاعة الإله. وهل من المعقول أن الإله الحق بحاجة ليطلب الطاعة من مخلوقاته؟ هل من وجود لكائن، مهما كان، خارج القوانين الإلهية = الطبيعية؟ وهل من طاعة بعد هذه الطاعة؟ وما حاجة الإله الحق إلى طاعة أكثر من هذه الطاعة؟ أما الإله الديني فيردد أكثر من ثلاثين مرة خلال عشرين سنة: أطيعوني، أطيعوني... وفي كل مرة لا ينسى أن يجيّر هذه الطاعة لصالح وكلائه على الأرض، أولي الأمر من أولهم إلى آخرهم.

وهل من حاجة للإله الحق، وهو المطلق، في أن يؤكد أكثر من مئة مرة أن لا شيء يتم من دون مشيئته؟ وهل من المعقول أن توجد مشيئة أخرى إلى جانب مشيئته المتمثلة بقوانينه المطلقة؟ أمّا الإله الديني فيضع مشيئته في خدمة أولي الأمر من الحكام المتسلطين، أصحاب السلطة المطلقة لتبرير أي فعل يفعلون، وإن كان ذلك فعل الشيء ونقيضه بسبب أو بدون سبب، وفي كل الأحوال بدون حرج والسؤال ممنوع: نفذ ولا تعترض!

الصراع الأبدي بين الطاعة والمعرفة من حكاية آدم في التوراة عندما فضل المعرفة على الطاعة إلى يومنا هذا. الإله الديني يحث على الطاعة ويمنع المعرفة لصالح أولي الأمر لتدعيم سلطة المتسلطين. في حين أن الإله الحق هو معرفة ويحث على المعرفة، وهو وعي ويحث على المزيد من المعرفة والوعي. أما موضوع الطاعة فهو محسوم كما ورد أعلاه. الإله الحق أكبر من أن يحتاج إلى طاعة من كائن ما! والكائنات الأخرى أقل وأصغر من أن تخالف القوانين الطبيعية الإلهية المطلقة. ورد على ذلك أن حرية الإنسان تغتني بمعرفته لهذه القوانين وكيفية التعامل معها.

الإله الحق هذا هو أقرب إلى إله الفلاسفة منه إلى الإله الديني. بالنسبة للفلسفة القديمة، لأرسطو مثلاً، الإله هو عقل يعقل ذاته كعقل، وهو المحرك الأول الذي لا يتحرك ولا يتغير لأنه كامل لا ينقصه شيء وغني عن العالمين. وبالنسبة للفارابي هو عقل يفيض عقلاً في عملية خلق الكائنات الأخرى، وهو واجب الوجود بذاته لا بغيره. بينما الكائنات الأخرى واجبة الوجود بغيرها وبه في نهاية المطاف.

أما الفلسفة الحديثة، فهي تتجه نحو أنسنة الإله أكثر فأكثر وفق التقليد الفلسفي الصوفي «من عرف نفسه عرف ربه». كانت بداية الفلسفة مع سقراط بمقولته الشهيرة: «إعرف نفسك». سبينوزا يساوي بين الطبيعة والإله، والطبيعة هي الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة، ويعتبر أن النور الطبيعي هو عين النور الإلهي، هو العقل الإنساني القادر على معرفة القوانين الطبيعية ـ الإلهية، والحب الإلهي في نظر سبينوزا هو معرفة عقلية توحد بين العارف والمعروف في فعل المعرفة حيث السعادة الإنسانية الحق. وعند هيجل المفاهيم مثل الكائن المطلق، الروح المطلق، العقل، الفكرة، المفهوم والله، كلها مفاهيم ذات مضمون واحد: الكائن المطلق المتجلي في كل مفهوم من المفاهيم على كل المستويات في حركة ذهنية لها تاريخيتها المفهومية الخاصة بها وبالموازاة مع تاريخ الفلسفة والتاريخ البشري ككل. والوعي الفلسفي للذات الواعية لذاتها في توحدها مع ذاتها في آخرها كما في ذاتها هو أرقى درجات الوعي التي تتحقق عندها السعادة الإنسانية التي ما بعدها سعادة!!!

الإله الفلسفي: دعوة إلى المعرفة بلا حدود! الإله الديني دعوة إلى الطاعة بلا سؤال!
Page 9
الأشقاء ـ الأعداء

من لا يعرف حقيقة ذاته، كيف يعترف بالآخر؟

الديانات الثلاث المعروفة بديانات الكتاب أو بنزعتها التوحيدية، هل ساعدها كتابها على قراءة كتاب الآخر أم أن كتاب الواحدة منها يلغي ما جاء بعده من كتب أو ينسخ كل ما جاء قبله؟ ونزعتها التوحيدية، لماذا هذا التوحيد لا يوحّد بل يفرّق شر تفرقة ويدفع إلى الاقتتال؟

وقبل أن ننظر في الأديان الثلاثة يجب توضيح مسألة ما هو الدين. هل يُقصد بالدين النص المؤسس؟ أم سيرة المؤسس؟ أم نصوص التفسير والتأويل وأي نصوص منها وهي متباينة عن بعضها بعضاً؟ هل نعني بالدين المؤسسة التي تحمل اسم الدين المعين والمتمثلة برجال الدين الناطقين باسمه، ومع تعدد الطوائف تعددت المؤسسات وكل مؤسسة تعتبر أنها وحدها تمثل الحق وغيرها الباطل؟ أم أنّ المقصود مجموع المتدينين بهذا الدين وهم أكثر من سبعين فرقة، وكل فرقة تعتبر نفسها هي وحدها الفرقة الناجية، والآخرون كلهم في الضلال يعمهون؟ فما هو الدين؟

هناك من يقول إن «الدين هو المعاملة»، الدين هو الأخلاق، ومنهم من يعتبر أن الدين هو نمط حياة يشمل كل جوانب حياة الفرد المتدين بالعلاقة مع الخالق كما يتصوره هذا الفرد، ومنهم من يرى في الدين إطاراً لتنظيم حياة الجماعة الدينية، ومنهم من يذهب أبعد من ذلك ويعتبر الدين الذي يعتنقه دون غيره من الأديان هو النظام الاجتماعي السياسي الأمثل للبشرية جمعاء ولكل العصور. ولكن كيف؟ بلا كيف! وأين؟ ومتى؟ وكم؟ وهو بذلك يتجاوز إرادة الإله الذي لم يشأ أن يجعل الناس كلهم أمة واحدة.

فالدين يُعرف بالمتدينين به، الأحياء الفاعلين باسمه، وليس بنصوص تقرأ أو ترتل أو تحفظ عن ظهر قلب، وتأخذنا بسحر البيان، فنهمل المعنى المراد منها والسياق الذي ظهرت فيه والمشكلة التي ترد عليها. والتمييز بين الدين والفكر الديني يعني التمييز بين النص الأصلي والنصوص التابعة له من تفسير وشرح وتأويل. ولكن كل قراءة للنص الأصلي هي تأويل أيضاً وتندرج في باب ما يسمى بالفكر الديني.

المقصود إذن بالدين هنا لا النص الديني ولا نصوص التفسير والتأويل لأن كل ما هو مكتوب بالحبر على الورق لا يحمل أي معنى بحد ذاته، فالمعنى ليس شيئاً مادياً قائماً خارج الذهن! المعنى قائم في الذهن. القراءة الذهنية هي التي تعطي المعنى للنص المكتوب. فكل ما هو مكتوب قابل للقراءة. وكل قراءة هي إعادة تأليف للنص، وكأنها عملية خلق جديد للنص على صورة القارىء ومثاله.

وبتعبير آخر إنّ القراءة المتمعنة، غير القراءة الصوتية وغير التلاوة أو الترتيل، القراءة بتمعن، القراءة الهادفة لفهم النص، الهادفة لبلوغ المعنى، هي عملية إنتاج معنى أو معان في ذهن القارىء بعد التفاعل مع النص. فذهن القارىء هو بمثابة مصنع أو مطبخ لإنتاج المعنى. والمواد الأولية المستخدمة في عملية الإنتاج هذه تشمل كل ما اختزنه هذا القارىء في ذاكرته من ثقافات وتجارب ومعارف على امتداد عمره. هذا المخزون المعرفي والثقافي يخلتف كماً ونوعاً من شخص إلى آخر، وبالتالي تتعدد القراءات بعدد القراء تقريباً. وهذا ما هو واقع. تعدد القراءات يعني تعدد الفرق والطوائف والأحزاب انطلاقاً من كتاب واحد. هذا الواقع المتنوع والمتعدد ليس بالضرورة دليل انحطاط أو تخلف أو تدهور، بل قد يكون دليل صحة وازدهار وإثراء للجميع معاً إذا كان كل طرف من الأطراف يعترف بحق الطرف الآخر بالتساوي مع حقه في الفهم والاقتناع والتعبير بحرية عن أفكاره وقناعاته، حتى لا يُضطر إلى النفاق والتخفي وبالتالي الوقوع في مرض السكيزوفرانيا السائد في المجتمعات التي يحكمها نظام العقيدة الواحدة المفروضة على الجميع بقوة الحديد والنار.

وقد يكون هذا التعدد مصدر تمزق واقتتال لأن كل طرف يدعي أنه هو الحق والآخرون الباطل المطلوب إزهاقه. هذه الحالة الأخيرة نشهدها يومياً في الواقع الذي تعيشه معظم مجتمعاتنا العربية إلى أجل غير مسمى.

بصرف النظر عن مسألة التدين بهذا الدين أو ذاك أو عدم التدين بأي دين، وبعيداً عن أي ارتباط عاطفي بأي دين من الأديان الثلاثة أو غيرها، ماذا يلاحظ المراقب الخارجي الذي تفصله مسافات شاسعة لا في الزمكان الفيزيائي (ما لا يقل عن 14 قرناً) وحسب، ولكن خصوصاً على المستوى التاريخاني، أي الزمكاني الذهني، الوعيي أو المعنوي؟

يلاحظ المراقب الموضوعي أنّ السابق لا يعترف باللاحق، بكل بساطة لأن اعترافه بالدعوة الجديدة يعني اللحاق بهذه الدعوة وإلغاء المؤسسة السابقة. قد يحصل مثل هذا التخلي عن دين أو مذهب من جانب فرد أو جماعة ليدخلوا أفواجاً أفواجاً في الدعوة الجديدة، وخاصة بعد أن صارت حركة قوية إمّا عن اقتناع شخصي أو بسبب نفاق أو اضطرار في حال لم يُترك له الخيار على طريقة «أسلِم تسلم»، كما كانت حال الأعراب تجاه الإسلام: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا...». أمّا بالنسبة للجماعة المتمثلة في مؤسسة بأفرادها المحترفين على الأقل فهي مسألة حياة أو موت، ولذلك يتشبث القائمون عليها بما شبوا عليه وشابوا هم وآباؤهم وأجدادهم وجداتهم ويعتبرون صاحب الدعوة الجديدة، وهو منهم، مرتكب الخيانة العظمى أو مرتداً، والارتداد في منزلة الخيانة العظمى، وفي الحالتين العقوبة هي العقوبة القصوى. فلا يتوانون عن محاربته بشتى الوسائل بما في ذلك قتله إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وقد استطاعت طغمة رجال الدين اليهود سبيلاً إلى قتل يسوع بتهمة ادعائه أنه المسيح (المخلص) ملك اليهود المنتظر من سلالة الملك داود كما جاء في كتبهم، على الرغم من رده لهذه التهمة بقوله «إنّ مملكتي ليست في هذا العالم». فالدعوة التي مات من أجلها يسوع ابن مريم (وإن لم يقتلوه بل شبه لهم فالنتيجة واحدة) ازدادت قوة وانتشاراً باستشهاده في سبيلها.

وكذلك في بداية الدعوة المحمدية حاول أسياد مكة آنذاك أن يقضوا على الدعوة الجديدة وهي ما زالت في المهد، الأمر الذي اضطر محمداً وأصحابه إلى الهجرة إلى يثرب.
Page 10
فاليهودية لا تعترف بالمسيحية ولا تعترف بالإسلام محافظة على بقائها كمؤسسة لها جماعتها ومصالحها المادية والمعنوية.

وكذلك المسيحية كمؤسسة لا تعترف بالإسلام للأسباب نفسها.

ولكن ماذا عن علاقة اللاحق بالسابق؟ هل يعترف اللاحق بالسابق؟

للوهلة الأولى، أو عند القراءة الأولى، يلاحظ القارىء الموضوعي، المراقب من الخارج، أن اللاحق يستمد شرعيته من السابق ويطرح نفسه كمصلح ومكمل للسابق، لأنه يرى في السابق نواقص وثغرات ومشكلات ويأخذ على عاتقه مهمة الرد على هذه الأمور. فالقطيعة بين اللاحق والسابق ليست مطلقة، إنها قطيعة ضمن الاستمرارية. وهكذا إنّ اللاحق يعترف بالسابق ولكن بالصورة التي يريدها له ولا يعترف به على حاله التي يتمسك بها السابق نفسه.

في المثال الذي نحن بصدده، المسيحية كانت بمثابة ثورة داخل اليهودية. ومن أهم التغييرات التي أدخلتها المسيحية على اليهودية الصورة اليهودية عن الإله التي تجعل منه ملكاً لليهود يقود جيوشهم ليحارب أعداءهم ويقتل ويدمر ويغضب. هذه الصورة عدّلت فيها المسيحية فجعلت من الإله إله الجميع (أمماً وأفراداً) من دون استثناء ومن دون مفاضلة بين قوم وقوم، إله المحبة والرأفة بالجميع. وألغى المسيح الكثير من الممنوعات في اليهودية مثل أكل لحم الخنزير والجمع بين الألبان واللحوم، وألغى عقوبة الرجم، كما ألغى الختان كعلامة فارقة تميز «شعب الله المختار»، وهل من الصعب أن يعرف الله من هو شعبه المختار؟ وهل له شعب واحد دون غيره من الناس وكأن الآخرين ليسوا من مخلوقات الله؟ لم يرض يسوع بهذا التمييز العنصري المنسوب إلى الله.

ولكن المؤسسة الكنسية هي التي أقامت تمييزاً من نوع جديد، إذ أعلنت أن لا خلاص إلّا بالكنيسة. وسمحت لنفسها بممارسات أقل ما يقال فيها إنها تتعارض مع تعاليم المسيح. فمنذ أن اعتنقت روما الديانة المسيحية وجعلتها عقيدة رسمية للدولة، راحت المؤسسة الكنسية تتدخل في شؤون الناس وحتى في ضمائرهم. وأنشأت محاكم التفتيش سيئة الصيت بسبب ما ارتكبته من فظاعات في محاولاتها التحكم بضمائر الناس وعقولهم ولم تسعفها مقولة المسيح «ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، هذه المقولة التي حمّلوها أكثر مما تحمل بكثير وكأنها تقوم في أساس الفصل بين رجال الدين كمؤسسة تمثل فئة من الناس والدولة باعتبارها تمثل جميع الناس. المسألة ليست مسألة عبارة أو مقولة سحرية صار لها فعلها بعد مرور مئات السنين دون أن توحي بشيء من هذا القبيل. وكم من آية في الكتاب الكريم توصي بأن لا إكراه في الدين أو: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فهل تكفي هذه العبارات والمقولات لاحترام حقوق الكافر بالتساوي مع حقوق المؤمن؟ أم أنها مسألة تطور تاريخي، تطور في الوعي السياسي على كل المستويات وصولاً إلى الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف الى جانب حقه في المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات؛ المسألة مسألة نضج في الوعي الفردي والجماعي إلى درجة الاعتراف بشخص الآخر لذاته ولا لصفاته. وقد استغرق الأخذ والرد في موضوع العلاقة ما بين المؤسسة الدينية من جهة والدولة من جهة أخرى، في فرنسا مثلاً، حوالى قرنين من الزمن قبل أن يستتب الأمر على ما هو عليه الآن حيث تلتزم الدولة بالحياد العقائدي التزامها بحماية حرية المعتقد الديني وغير الديني لجميع مواطنيها وحرية التعبير عن المعتقد للجميع.

وكذلك الإسلام فهو يقدم نفسه مصلحاً لليهودية والمسيحية، ويعترف بنبوة المسيح لا كما يراها المسيحيون ويعترف بنبوة موسى ولكن لا كما يراها اليهود، إذ يعتبر الإسلام أن اليهود والمسيحيين قد حرّفوا في الكتاب، وبالتالي يتعين عليهم أن يعتمدوا النص الأخير الناسخ للنصين السابقين لتنفتح لهم أبواب ملكوت السماوات والأرض.

ويلاحظ في الإسلام عودة جدلية الى اليهودية في عدد من الأمور ودمجها بعناصر من المسيحية وصهر الجميع في كتاب واحد، نسخة عربية عن الكتاب الأصل المحفوظ في لوح.

باختصار يمكن القول إنّ السابق لا يعترف باللاحق، واللاحق لا يعترف بالسابق. فلا نستغرب إذا رأينا القائمين على الأديان الأشقاء الثلاثة ينمّي كل واحد منهم لدى جماعته الشعور بأنه هو صاحب الحق والآخر على ضلال. وهذا ليس اقتناعاً منهم بقدر ما هو انتهاز للمكانة وللثقة التي يتمتع بها هؤلاء من جانب المؤمنين البسطاء الذين سلموا أمرهم لأولي الأمر. وإذا كانت هذه هي حال العلاقة بين الأديان الثلاثة فالعلاقة بين الطوائف والفرق ضمن الدين الواحد ليست بأفضل من ذلك. والحالة هذه فمن المستحيل بناء مجتمع إنساني يتطلع إلى مُثُل العدل والإنصاف والمساواة على أساس ديني أو طائفي أو أية عقائدية أخرى. وإذا اعتبرنا أن الانتماء الطائفي أو الديني قد مثل في حينه بعض الارتقاء بالنسبة للانتماء العشائري القبلي الذي لم يلغه، ولكنه في أيامنا هذه يبدو أقرب إلى حالة بدائية، أقرب إلى شريعة الغاب منه إلى أي حالة حضارية ثقافية يشيّدها الإنسان بوعيه ويُغنيها بوعيه باستمرار حتى لا يقع في مستنقع الركود والتقليد الأعمى لما هو سائد أو لما هو موروث.

وإن كان الميل الطبيعي أو الغريزي للجماعة الدينية في تمسكها بما هي عليه وبما يمليه عليها «قانون الخمول» الطبيعي طالما أن لا أحد يعكر عليها صفو قيلولتها، فقد آن الأوان للصحو ولليقظة. أفلا تكفي هذه القرون من السبات العميق؟

صحيح أنّ هناك روابط عديدة تشد الجماعة بعضها إلى بعض؛ هذه الروابط هي سياسية (ضد العدو الخارجي)، اقتصادية (العيش المشترك) وثقافية، حيث اللغة المشتركة تلعب دوراً أساسياً في إنتاج الهُوية والثقافة وحفظها ونقلها من جيل إلى جيل شفهياً قبل اختراع الكتابة على أيدي السومريين. وبعدها جرى تدوين ما أمكن تدوينه ونقل ما أمكن نقله من السومرية إلى الأكادية والبابلية واللغات القديمة الأخرى. ومن هذه الروابط رابط الدين أيضاً، ولا شك في ذلك. (يُذكر هنا أن كلمة «الدين» في عدد من اللغات ذات الأصل اللاتيني تعني «الرابط». ولفظة «دين» بالعربية تعني من جملة ما تعنيه الطاعة والعبودية). فالعنصر الأساسي في تحديد الهوية هو اللغة بما تحمله من ثقافة، والدين هو ظاهرة ثقافية محمولة على اللغة كغيرها من الظواهر الثقافية ولكن الجانب الديني أو الرابط الديني مهما بلغت أهميته فهو لا يشكل الحقيقة الأولى والأخيرة للإنسان، ولا يمكن اختزال الهوية إلى الجانب الديني وحسب. فهناك حياة ما قبل الدين وما بعد الدين كما يتضح من تاريخ الأديان وتاريخ الحضارات. وما الدين إلّا مرحلة، حقبة معيّنة، من مراحل تطور الوعي الإنساني للوجود ولموقع الإنسان في هذا الوجود، مرحلة أقرب ما تكون إلى مرحلة الطفولة حيث يختلط في ذهن الطفل الخيالي بالواقعي والأسطوري بالتاريخي، خصوصاً وأن المعرفة العلمية الدقيقة لم تكن موجودة أو لم ترسخ بعد في ذهن الطفل ولا في ذهن البشرية الطفلة. وحتى إلى يومنا هذا، وبين الذين تجاوزوا سن الطفولة، كثيرون هم الذين يحتفظون ببراءة الأطفال وحريصون على استمرارها.

بإمكانك أن ترى الملايين بل مئات الملايين من البشر يمارسون شتى أنواع العبادة من شمس أو قمر، من حجر أو صنم أو بقر، أو غير ذلك. فالمثل الشعبي يقول: «كل شيء عادة حتى العبادة» ولا تقلّ صنميةً عن هذه العبادات عبادة ظاهر النص المادي الحسي من دون المعنى الروحي المتضمن في النص. نوع من وثنية جديدة تكرس عبادة الحرف والصوت والصيغ الجاهزة منذ مئات السنين وطقوسية موروثة من عهود ما قبل التاريخ.