eKtab
EN ع
حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي ـ المسيحي
Read free sample

حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي ـ المسيحي

by يواكيم مبارك

Page 1

تمهيد

يسرني أن أضع بين يديْ القارئ العربي بعض الدراسات من بين العديد منها ومن الكتب القيِّمة للأب يواكيم مبارك ( 1924 - 1995 )، وهو ذاك العلامة بكل معنى الكلمة الذي تجاهله وطنه رغم غنى التراث الفكري والثقافي والتاريخي الذي تركه لنا.

صحيح أنَّ عدداً كبيراً من أعماله الفكرية قد كُتِبَت باللغة الفرنسية نظراً لإقامته في فرنسا مدة طويلة ولحيازته على ثلاث شهادات دكتوراه من جامعة باريس، تدور حول تاريخ العلاقات المسيحية والإسلامية منذ نشوء الديانة الإسلامية.

وما يميِّز أعمال هذه الشخصية الفذة من الناحية الفكرية كما من الناحية الإنسانية، هو هذه النظرة الشاملة المنفتحة والثاقبة ذات الآفاق الحاضرة والمستقبلية البنّاءة والمتفائلة لتأمين الانسجام والمودة ليس بين أبناء لبنان فقط، بلْ أيضاً بين العرب أنفسهم.

إنَّ مقاربة يواكيم مبارك لتاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية هي مقاربة موضوعية بشكل لافت وإنْ كان متجذِّراً في المسيحية ويؤمن بها إيماناً ساطعاً مفتوحاً على أبناء الديانات الأخرى. وهو بحث باستمرار عن القواسم المشتركة، وليس عمّا يتناوله بشكل مكثف العديد من المفكرين والباحثين من الحواجز وشعور التعصّب والانعزال عن الآخر أو كرهه.

وقد اشتُهر الأب يواكيم مبارك في العالم الفرانكفوني بتعليمه الجامعي حول الديانة الإسلامية ومبادئها وعقيدتها، وذلك في كلٍّ من جامعتَيْ السوربون في باريس وجامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا. وكذلك اشتُهر بمساعدته للطلاب اللبنانيين والعرب في باريس بالإشراف على أطروحات دكتوراه عديدة في مواضيع هامة لبنانية وعربية.

واللافت للنظر أنّه بقدر ما يفهم جذور العقيدة الإسلامية ويفسّرها، يدين الموقف السلبي للكنيسة الكاثوليكية على مر العصور تجاه النبي العربي، إنّما يبقى أشد كلامه وتنديده لما أصاب الديانة اليهودية من جرّاء نشأة الصهيونية السياسية وإنشاء كيان إسرائيل الغاصب، وكأنَّ الديانة اليهودية اختُصِرَت في إبراز «صك ملكية عقارية في أراضي فلسطين» حسب تعبيره.

ومن هذا المنطلق، رأى الأب مبارك أنَّه لا بدَّ من تكاتف اللبنانيين والفلسطينيين معاً لمجابهة الظاهرة الصهيونية الفتاكة. ذلك أنَّ تأسيس الكيان الصهيوني يهدد الوجودَيْن الفلسطيني واللبناني معاً. الوجود الفلسطيني لأنَّ أطماع إسرائيل في الأرض المطهَّرة من سكانها الأصليين هي واضحة للعيان، لا لبس فيه، والوجود اللبناني لأنَّ التداخل بين الطوائف الدينية اللبنانية والعيش المشترك فيما بينها دون مشاكل تُذْكر على مر العصور قبل عهد الاستعمار الاوروبي، هو المثال المعاكس للكيان الصهيوني الإقصائي لغير اليهود.

وقد بذل الأب مبارك قصارى جهده خلال الحرب اللبنانية للتوسط والتوفيق بين الجبهة اللبنانية من جهة، والزعماء الفلسطينيين القاطنين في لبنان حينذاك وحلفائهم من التنظيمات اليسارية اللبنانية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار الحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى.

وقد ناضل الأب مبارك أيضاً فكرياً وعملياً لنهضة الكنائس الشرقية وعلى رأسها الكنيسة المارونية التي كان ينتمي إليها. وقد تجسَّد هذا النضال في دراسات تاريخية معمَّقة حيث يُظهر القواسم المشتركة بين الكنائس الشرقية بتراثها الإنطاكي، إذ لإنَّ كل تلك الكنائس التي تأسَّست ظهرت أصلاً في مدينة إنطاكية، ولذلك يحمل معظم بطاركة الشرق العربي في لقبهم إشارة مباشرة إلى الجذور الإنطاكية.

Page 2

وضمن إطار ولائه الكامل لكنيسة روما، فإنَّه كان يحثها باستمرار على الانفتاح على سائر الكنائس الشرقية، كما وعلى المسلمين. وكان حريصاً على الحفاظ على التقاليد الشرقية الخاصة الإنطاكية الجذور، أمام كنيسة روما. وقد كرَّس العقد الأخير من حياته إلى إقناع كلٍّ من كنيسة روما والبطريركية المارونية بضرورة انعقاد مجمع ماروني ينظر في كل القضايا والتحديات التي تواجهها الكنيسة المارونية في العصر الحديث، خصوصاً بعد أن انقضى قرنان ونصف منذ آخر مجمع للكنيسة المارونية الذي انعقد في اللويْزة عام 1736 . وهو المجمع الذي دبَّ فيه الخلاف بين أنصار لتْيَنة ( latinisation ) الكنيسة (أيْ جعل طقوس الكنيسة متشابهة تماماً مع طقوس الكنيسة الرومانية) و أنصار التمسك بالطقوس على الطريقة السريانية.

وقد كان الأب مبارك يتألَّم من تدهور أوضاع الكنيسة المارونية ومن فقدانها الدور المعنوي والأخلاقي والروحي الذي تميَّزت به في عصورها الذهبية، والتي كانت عنصراً من عناصر مجد تاريخ جبل لبنان. ولقد كان يصرّ على أن ينعقد مثل هذا المجمع لترتيب البيت قبل أن تبادر كنيسة روما إلى عقد سينودس للموارنة في روما. وقد تعب الأب مبارك وأنهك صحته عندما أتى إلى لبنان وعمل في البطريركية المارونية لتحضير هذا المجمع. وقد أصابته خيبة أمل كبيرة عندما تأخر انعقاد المجمع الماروني في لبنان لسبب إعطاء الأولوية إلى انعقاد سينودس ماروني في روما. فعاد حينئذٍ إلى فرنسا حيث توفي بعد سنين معدودة، ولم يشهد مداولات المجمع الماروني الذي انعقد في لبنان بين عاميْ 2003 و 2005 بعد انعقاد السينودس الماروني في روما عام 1997 . وقد كان للأعمال التحضيرية لهذا المجمع التي قام بها الأب مبارك أثر كبير على مداولات المجمع وبعض أوراقه.

إنَّ هذا الكتاب، كما ذكرت، لا يجمع إلا القليل من فكر الأب مبارك (1) لكيْ يتمكَّن القارئ اللبناني وكذلك العربي من بدء التعرّف على غنى فكره وأبحاثه ونظرته الممتلئة بالحب والتعاطف للشرق العربي وللعُرْبة (2) وللبنان وفلسطين والطموح في نهضة هذه المجتمعات التي لعبت دوراً هاماً في التاريخ الإنساني.

إنَّ الأب مبارك حقاً معلّم وموسوعي، إذ إنَّ جميع دراساته وأبحاثه تجمع بين علم اللاهوت وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم السياسة. لذلك فإنَّ هذا الفكر يصيب دائماً في وصفه الدقيق لحقيقة المشاكل التي تفجِّر النزاعات الحديثة في الشرق الأوسط وتوظَّف أديانه فيها، كما هو فكر تفكيكي لكل المواقف المتصلِّبة والمتعصِّبة والمنافية لمبادئ الأخلاق الوضعية وطوائفه ومذاهبه الدينية في آنٍ معاً.

إننا نأمل مستقبلاً أن تتمّ ترجمة المزيد من نصوص الأب مبارك وربما جمع النصوص المكتوبة أصلاً باللغة العربية.

ولا بدّ هنا من شكر السيدة سلام دياب، مديرة تعليم اللغة العربية في مدينة ليون التي تطوَّعت في ترجمة النصوص التي اختيرَت في هذا الكتاب.

Page 3

توطئة (3) سرّ الاتحاد

منذ حوالي قرنين من الزمن، شاء الدهر أن تُملي الصبية الحلبية «هندية (4) » على الأب جرمانوس دياب نص «سر الاتحاد» بجسد السيد المسيح المعذّب. واليوم لمرة أخرى يختار الدهر أفرادًا آخرين من آل دياب لترجمة أعمال مختارة من كتاب ضخم لقداسة الأب يواكيم مبارك.

ولئن كان هذا الخيار شرفًا لا يعادله شرف، تبقى المهمة عسيرة جدًّا، إذ تصعب ترجمة كتاب كُرِّس للتعريف بأعمال رجل اشتهر بنبوغه الحاد وبفكر ثاقب أخّاذ وبسعة إحاطته في أغوار العلوم الدينية والفلسفية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية؛ فالرجل سلسلة فكرية أنتروبولجية ذات أبعاد متشعّبة.

رجل دين وراهب خالد طُبع في أعماقه ببرهان آلام السيد المسيح؛ يواكيم مبارك كان رجلاً مُشغفًا بالعدالة ومحبة الله وخليقته، فأبدى بعدًا إنسانيًّا شموليًّا يُعادي، دون هوادة، كل شكل من أشكال الظلم أيًّا كانت أسبابه ومصادره وأماكنه.

هكذا، أصبح خلاص الإنسان عقيدة متجذّرة في صلب إيمانه ومنطلقًا رئيساً لكل صنيع من صنائعه. لهذا كان الأب الجليل ، يواكيم مبارك، مؤمنًا بالدور الذي يمكن أن تتخذه الكنيسة في سبيل هذه العقيدة. كان يؤمن أن على الكنيسة أن تتجاوز خلافاتها العقائدية والرعوية لاستعادة وحدتها الأصلية. وفي السياق نفسه، كان يؤمن أن هذا الزخم الكنسي المسكوني لا يمكن له أن يتمّ من دون الرجوع إلى أصول الكنيسة الأولى، باتّباع طريق الزهد والنسك الذي تبعه سيدنا يسوع المسيح. كتب يقول إن مَن يحقق الوحدة بين البشر هم أولئك الذين يجهدون في التقرب إلى الله والاتحاد به [...] إذ إنهم واحدٌ أمام الواحد الأحد وأمام الوجود الإفخارستي.

ففي رأيه، إن جوهر رسالة الكنيسة الإنطاكية هو في صلة الوصل بين الكنيسة اللاتينية (التي يرى أنها كنيسة الابن المُجسَّد، نظرًا إلى التزامه الأزلي تجاه مصير البشرية) والكنيسة البيزنطية (كنيسة الأب، نظرًا إلى جهدها الطقسي تجاه عالم الملكوت الآتي). فقال إن التاريخ فرض على الكنيسة الإنطاكية فريضة اليوم الآخر في سعيها النسكي وفريضة الدنيا في تخضُّعها.

هكذا تصبح الكنيسة الإنطاكية في رأيه كنيسة السريرة التي هي الروح القدس. وفي حضن هذه الكنيسة، تكون الكنيسة المارونية الشاهد على هذه الرسالة الإنطاكية تجاه الروح القدس. لذلك فإن الدور المسكوني للكنيسة الإنطاكية مُتوقِّف على استعداد الموارنة والأرثوذكس معًا للسير في طريق الاتحاد. ولذلك أيضًا على الكنيسة المارونية أن تستعيد هويتها الأولى التي فقدتها في المجلس اللبناني عام 1736 الذي أسفر عن انحلال الهوية واختزال التراث وفقدان الاستقلال الإداري.

كانت هذه المعركة ذات أهمية قصوى بالنسبة إليع، إذ تمثل نقطة الانطلاق ومنصة الوثب لتحرير لبنان ومن ثم تحرير الشرق العربي من نير العنف والبؤس والشقاء. فاللبننة جسّدت في الماضي طموحات المارونية، كما تُجسّد في الوقت الحاضر مصير المسيحية المقترن بمصير الإسلام في محنة العالم العربي اليوم. لا بل إنه الشرط الذي لا مندوحة منه للخروج من الانغلاق العقائدي المعروف باسم « التراث اليهودي المسيحي»، والتوصل أخيرًا لأن «ننطلق من كلمة الله، من النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، فيؤلف سيمفونية تُؤجج فيها الروحُ القدس إيقاع كل صوت بشري، وتُناغم صوت البشرية ابتهاجاً وغبطة».

تلك هي، وبطريقة مقتضبة جدًّا، أهم نقاط كتاب جورج قرم الذي كرّسه للأب والمرجع الجليل يواكيم مبارك. لكن نظرًا لتشعّب العمل وللسياق الجيوسياسي لهذه الفترة بما في ذلك من صراع داخل الدين الإسلامي، ارتأينا أن نترجم الفصول التي تبرز أساس فكر الراهب الجليل، أي روح الانفتاح والمصالحة والتسامح في إطار احترام حقوق الإنسان الأساسية.

توماس وسلام دياب

Page 4

تنبيه تمهيدي في نقطتين (6)

1 . لقد أدرجت تأملاتي النهائية في الاقتراحات التي أقدمها في ختام هذه الندوة ، لذا أريد الإشارة إلى أن الاقتراحات والتأملات التي تكتسيها لا ت ُ لزم غيري ، وبالتالي فهي لا تتسم بأي طابع رسمي أو أكاديمي . وعلى منوال ما ق ُ د ّ م خلال الأيام التي عقدت فيها هذه الندوة ، فإنّ اقتراحاتي مفتوحة للنقاش الحر .

2 . يرجى الانتباه إلى أن تأملاتي قد أ ُ عد ّ ت للمدى الطويل وإن كنت قد اقترحت بعضها للمدى القصير . يا أيها المسيحيون في الشرق ، إن أغلبكم يشعر أن المنافذ قد س ُ د ّ ت عليكم كي لا أقول إن الخناق قد ضاق . فيما يخصني ، أنا لا أشاطركم هذا الشعور لأن رؤيتي للوضع تختلف عما يغذي لدى الكثير من المسيحيين من مشاعر خوف ٍ وقلق . لكن رؤيتي هذه لا تمنعني من المؤازرة والتعاضد مع من يشعر من أبناء طائفتي بالقلق وغياب الطمأنينة ، حتى وإن كان دافعه التصرف المتهور والمجرم لمسيحيين آخرين . لكن ما من حافز يسعفني ويقدم يد المساعدة لأبناء طائفتي سوى حافز المدى الطويل . لقد تطلب وضعنا دوما ً أن نلوذ بالصبر وطول الأناة ، لذا لن أقترح ما يخرجنا من طريقنا المضطرب التي أصبحت خبزنا المعتاد منذ عهد قديم . فما أصبو إليه ، في إطار إخلاصي التام لأبناء طائفتي ولتاريخنا المجيد ، هو أن أخفف مرارة دموعهم بمذاق عطر الجنة التي يهبها الرب لنا في لحظات جد نادرة عندما يقاسمنا ، إلى جانب خبز آلامه ، كأس آلام الرب ونشوتها .

بعد هذا التنبيه ، سأكرس تفكيري واقتراحاتي لمواضيع ثلاثة بالإجابة على السؤال التالي : أيها المسيحيون في العالم العربي ، بم َ يوحي لنا الوضع الحالي في الآلام التي تضنينا منذ فترة طويلة؟

أجيب بمساع ثلاثة :

1 . العودة إلى الكنيسة الإنطاكية.

2 . إعادة بناء لبنان.

3 . إحياء النهضة العربية.

Page 5

1 . العودة إلى الكنيسة الإنطاكية

ماذا تعني العودة إلى الكنيسة الإنطاكية؟

1 . 1 هي أولا ً المطالبة ضمن الكنيسة العالمية برسالتنا كمسيحيين أرومة أقوام مختلفة تحررت من اليهودية وشريعتها . وهي أيضا ً، في نطاق نبذ الختان وحرفية الكتاب المقدس ، المطالبة بالمعنى الروحي لهذه الرسالة وبكلمة الحرية التي نفختها الروح القدس ، من خلال يسوع المسيح ، في كل شعب بلسانه الخاص به ، وعبرت عنه حسب ثقافته الخاصة . مما يعني أن نجعل ما أسماه آباؤنا التنظيم الخاص بالأسرار المقدسة بديلا ً عن اللاهوت المعروف باسم «تاريخ الخلاص» والمنغلق على «التقاليد اليهودية المسيحية» كضحية على سرير بروكست (7) . أي أن ننطلق من كلمة الله ، من «النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيا ً إلى العالم» (8) ، والذي أمر الر ُ سل بعدم رصف الشعوب بجموعها على وتيرة شعب واحد ، حتى وإن تحقق ذلك في نطاق إجماع عالمي ، وإنما أن تؤلف سيمفونية ت ُ ؤجج فيها الروح القدس إيقاع كل صوت بشري وت ُ ناغم صوت البشرية ابتهاجا ً وغبطة .

1 . 2 إن العودة إلى الكنيسة الإنطاكية تتطلب استعادة وضعنا المشترك الذي شهدناه في الألفية الأولى حيث كنا نشكل في الصلاة كنيسة واحدة على الرغم من نزاعاتنا . بمعنى آخر أن نرفض ، دون خشونة أو عنف لكن ببصيرة نافذة ، الاحتلال الذي خضعنا له في الألفية الثانية من قبل كنائس الإمبراطوريات الكبرى إثر الحروب الصليبية البيزنطية ثم اللاتينية . لكن دون أن ننكر الص ِ لات الروحية التي أثرت فينا والتي يتوجب تفريقها عن ولاءات غير طبيعية ، ن ُ علن عدم مشاركتنا في الصراعات القروسطية التي أثارت المسيحيين بعضهم ضد بعض لغاية الفترة المعاصرة . أي أن ننادي َ بمسكونية إنطاكية ترفض أن تضل ّ الطريق في متاهات الكنائس اللاتينية والبيزنطية والبروتستانتية ، بل تقوم ، انطلاقا ً من وضعها المهين ، لتتحدى بقوة كبريات المساومات الكنسية المسكونية عبر وحدة إنطاكية فعلية .

1 . 3 لكن هذا التحدي بوحدة إنطاكية فعلية لا يجد صدقيته إلا في العودة إلى رسالتنا الأولى القائمة على الانزواء الن ُ سكي والطقسي من خلال حركة التخلي عن الذات التي نهجها يسوع المتألم . أو كما يقول البعض: في اصطفاف جماعي خلف قديس ناسك ي ُ قتدى به، أو في الانضمام إلى جماعة مقوماتها الزهد والمقاومة والتأمل . وهذا هو حقيقة ً الأهم في عودتنا إلى الكنيسة الإنطاكية ، أي على غرار الإحياء الذي حصل في الإسكندرية بين الأنبا شنودة ومتى المسكين (9) . وخير مثال يؤتى به للموارنة هو مثال القديس شربل والقديسة رفقا .

1 . 4 لكن التحدي الإنطاكي بوحدة فعلية ، الذي نواجهه لا يمكن له أن يتم دون الاستجابة ، في الحياة الزمنية ، لما حبلت به، لمدة طويلة جدا ً ، حركة انزوائنا التنس ّ كي الناتجة من إخلاء الذات ، وأنجبته في مخاض عسير . ففي الوقت الذي كانت فيه كنيستنا على طول امتداد الألف الثاني مشتتة بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية ، بانتظار مجيء البروتستانتية بمللها ونحلها ، وجدنا أنفسنا ، مع هذا ، في وئام تام مع مصيرنا المشترك من خلال تعريبنا التدريجي الذي حصل بين مرحلة عصره الذهبي ونهضته . إن التحدي الإنطاكي بوحدة فعلية لن ينضم إلى حركة الكنيسة العالمية طالما أنها لم تتأثر كليا ً بعشقنا للشرق ، وتناصر ولاءنا الأصيل لقيمها الإنسانية التي تتوق إلى التحرر .

1 . 5 هكذا تتجلى رسالتنا الإنطاكية شبيهة كل الشبه برسالة مسيحيي أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا السوداء وآسيا . فبالتعاضد مع جميع إخواننا الذين يكابدون الاضطهاد من أجل إرساء العدالة ، اضطهاد يعزز في قلوبهم حب تحرير شعوبهم ، فإنَّ العودة إلى الكنيسة الإنطاكية تعني أن نتيح للكنيسة العالمية الظروف لكي تشاركنا في شغفنا بحرية الإنسان العربي .

Page 6

2 . إعادة بناء لبنان

ولتحرير الإنسان العربي ، كان لا بد من إيجاد نموذج ي ُ حتذى به ومختبر، فوقع الاختيار على لبنان .

2 . 1 إن إعادة بناء لبنان تعني قبل كل شيء أن نقر َّ خيارنا الذي لا رجعة َ فيه بالدولة الأمة، والذي يتعارض مع مفهوم الإمبراطورية والكيانات المختلفة الألوان والشعارات الهادفة إلى هيمنة إمبريالية الطابع .

2 . 2 أن نقرّ في الوقت نفسه معارضتنا الصلبة لكل نظام يد َّ عي تجسيد القدسية ، قديما ً كان أم جديدا ً، يحكمه إمبراطور أو قيصر ، خليفة أو سلطان ، وسواء كان اسمه جمهورية إسلامية أو دولة يهودية أو معقلا ً مسيحيا ً.

2 . 3 إن إعادة بناء لبنان هي التأكيد على إرادتنا في خلق فضاء ت ُ صان فيه حرية وازدهار كل فرد أو جماعة بشرية تشعر خطأ ً أو صوابا ً أن سلامتها مهددة أو كرامتها منتهكة . إن إعادة بناء لبنان هي في الوقت نفسه ألا نسمح لأي كان ، فردا ً كان أو جماعة ، بالتقوقع داخل خصوصيته . وهي أيضا ً أن نحو ّ ل خصوصياتنا إلى تراث مشترك، ونجعل من فوارقنا مجرد ملاه ٍ فولكلورية ت ُ زهر حديقتنا الوطنية .

2 . 4 إن إعادة بناء لبنان هي تحرير القدرات اللبنانية في العيش المشترك المطمئن والسعيد من صراعات الشرق الأوسط، وإرساء السلام الإسرائيلي الفلسطيني على أساس هذه القدرات المستردة . فإعادة البناء هذه تعني أن نعلن أنه من غير العدل أن نجعل من هذا البلد حلبة مسو ّ رة لصراعات الآخرين ، وأن ّ سلام لبنان هو الحجر الأساسي لسلام الشرق الأوسط .

2 . 5 إن إعادة بناء لبنان هي أن نراهن على أن مستقبل الشرق ، بين النموذج الإسلامي والنموذج الصهيوني ، ليس أكثر ضمانة على يد سوريا أو إسرائيل ، وأن مستقبل الشرق مفتوح في لبنان على تضافر تحرري خلاق لجهود كل العرب الذين اختاروا بملء إرادتهم في المغرب والمشرق الحداثة والديمقراطية . إن مستقبل الشرق يرتبط بشكل أساسي بحملة شعار السلام والتقدم من لبنانيين وفلسطينيين وإسرائيليين . فهؤلاء جميعا ً الذين اعتبرهم لبنانيين مختارين ، إن ساد الاتفاق والوئام بينهم ، هم خير الأكفاء لإنشاء نهضة جديدة .

Page 7

3 . إحياء النهضة العربية

3 . 1 إن إحياء النهضة العربية هو أولا ً تعزيز ، ما بين الخليج والمحيط ، استمرارية لا حدود لها للغة والثقافة العربية تمتد من امرئ القيس إلى جبران خليل جبران ، أي ْ بمعنى آخر من «الجاهلية» إلى الحداثة العربية الإسلامية .

3 . 2 وبناء ً على تعزيز هذه الاستمرارية الطويلة المدى ، فإن إحياء النهضة العربية هو أن ننكر للإسلام أن يكون أصل العروبة أو أن يمارس عليها حق الهيمنة . ولكن لأن الإسلام ظهر باللغة العربية ووهبها أسمى عباراتها ونشرها لدى الشعوب غير العربية التي اعتنقت الإسلام ، فإن إحياء النهضة العربية هو أن نسل ّ م بأن المسيحيين الذين كانوا طرفا ً في هذا التحول قد دخلوا بكل ثبات في التيار الإسلامي للعروبة وأصبحت ثقافتهم ، حسب أمنية كمال جنبلاط ، مؤسلمة . فقدموا بهذا دليلا ً فريدا ً عن حرية الكنيسة المسيحية وسط الأديان والثقافات الأخرى .

3 . 3 وبناء ً على تحديد وتعزيز وحدة واستمرارية اللغة العربية وثقافتها ، فإن إحياء النهضة لا يمكن له أن يتم في إطار المطالبة بمعايير الحداثة الأوروبية التي ينادي بها خير العناصر العربية والإسلامية إضافة إلى المسيحيين ، مطالبة تزداد عزما ً وتصميما ً في ضوء انبثاق مختلف أنواع الأصوليات الدينية المتشددة . إن الهدف المنشود هو أن ن ُ خضع التراث العربي بمجمله للنقد الكامل ، سواء في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي ، وذلك ليس لرد بعض منه وإنما «لإضفاء معان أكثر نقاء على كلمات القبيلة» (10) .

3 . 4 إن إحياء النهضة العربية هو أن نقر ّ في نطاق هذه المراجعة الجذرية أن ما من ثقافة عربية جديرة بهذا الاسم دون تقدير للمساهمات التي سبقت هذه الثقافة ، خصوصاً تلك التي جاءت عن طريق اليونانية والسريانية . وهو أن نؤكد أن ما من ثقافة عربية في أيامنا هذه دون تفاعل مع مجالات الحداثة الجيوثقافية التي تحتل فيها الفرانكفونية بالنسبة إلى العروبة مكانا ً مميزا ً.

3 . 5 وبما أن لبنان ملتقى التراث ومنبعه المتأثر بلهيب الحداثة ، فإن إحياء النهضة العربية هو أن نمتنع عن القول بأن للبنان وجها ً عربيا ً، بل لنقل إن العروبة تبقى منزوعة الوجه طالما أن لبنان ليس وجه العروبة .

Page 8

4 . جملة اقتراحات

كما ترون ، لقد وفيت بوعدي . إن تركت جانبا ً أحيانا ً عمق المدى التاريخي لاعتبارات الأوضاع الراهنة ، فإني لم أقم بها إلا على شكل اقتراحات طوباوية الطابع لا بد ّ للبعض أنه سيتكر َّ م بالقول بأنها م ُ بهمة بقدر ما هي سامية نبيلة .

ولكن مع هذا ، إن ألح البعض علي ّ بتنفيذ المساعي الثلاثة التي وضعت ُ صيغها الأولية، وأن أضع اليوطوبيا على محك التجربة اليومية ، فإني أ ُ ذعن لهذا الطلب بكل رغبة وطيبة خاطر تاركا ً على الهيئة المنظ ِّ مة لهذا اللقاء مشاريع ثلاثة قيد الإعداد ، إضافة إلى مشروع رابع لم ينته ِ كليا ً أهديه بشكل خاص إلى أصدقائي الفرنسيين الحاضرين بيننا .

4 . 1 فيما يتعلق بالعودة إلى الكنيسة الإنطاكية ، لقد أسهمت في إطلاق المطالبة بإقامة مجمع إحياء تحديثي للكنيسة المارونية . إلا أني أرى حاليا ً ضرورة تنظيم مجمع إنطاكي يلب ّ ي أمنية غبطة البطريرك أغناطيوس هزيم التي أعرب عنها منذ حوالى عقدين . لقد تشاورنا حديثا ً، موارنة وأرثوذكس ، بشأن هذا الموضوع ، واجتمعنا سويا ً مع سيادة المطران جورج خضر بضيافة السيد غسان التويني . خلال هذا الاجتماع ، أ ُ تيح لي أن أعرض فكرة عقد مجمع رعوي إنطاكي عند الدخول في العام 2000 . وأقصد بالمجمع الرعوي مجمعا ً لا يكون عقائديا ً ولا كنسيا ً، بل يطرح تعليما ً دينيا ً مشتركا ً قائما ً على أساس الاهتداء الروحي العميق ، ويصوغ صلاة مشتركة ومصالح ت ُ لزمنا العمل سوية على تحرير الإنسان في ديارنا وتأمين تقدمه .

4 . 2 أما فيما يتعلق بإعادة بناء لبنان ، منكم من يعرف أني أوصي بعقد مؤتمر لبناني للسلام في باريس ، مع العلم أنني سأكون أول من يبتهج لرؤية مؤتمر وطني ينعقد في لبنان . ولكن حتى لو حصل ، لا أثق في أن ينعقد المؤتمر في ظروف توفر حرية واستقلالية جميع اللبنانيين الذين يريدون سوية بناء لبنان . وإني لا أزال أظن أن مؤتمرا ً لبنانيا ً للسلام ، يتقدم مؤتمرا ً عن الشرق الأوسط ويمه ّ د له دون أن يرتبط به ، لن يتمكن ، في حال انعقاده في غير مدينة باريس ، من بلورة إجماع وطني على نطاق واسع ، ومن جعل هذا الإجماع يحظى بدعم دولي يحتاج إليه على المستوى الدبلوماسي والإعلامي .

4 . 3 أخيرا ً، فيما يتعلق بإحياء النهضة العربية ، فإني أظن أن باريس هي مرة جديدة أنسب مكان لاستقطاب أعمال مؤسسة ( Fondation ) ت ُ كرس من أجل التنمية العربية للثقافة ، وتأخذ في الاعتبار التراث الإنطاكي بكل أهميته بهدف إحيائه . لكن أيا ً كان مقر هذه المؤسسة ، فإنه في باريس قد سبق واتخذ العرب والمسيحيون والمسلمون مبادرات عديدة في مجال الصحافة والنشر . فهي إذا ً ، محور استقطاب مميز يجمع حوله كل من يريد إعادة النظر في النهضة العربية وإعطاءها وسائل تنعشها يوم تزول ح ُ مي ّ ات التعصب . من ناحية أخرى ، مع كل التقدير الذي أكنه لمؤسسات مثل مكتب الجامعة العربية ومعهد العالم العربي ومؤسسات أخرى على غرار اليونسكو أو وكالة التعاون ، فإنه من البديهي أن المؤسسة التي أتطلع إليها لا بد ّ من أن تكون مؤسسة مستقلة كل الاستقلال عن الدول ، تكفل مستواها مكانة المراجع الدينية والأخلاقية التي قد تقدم على رعايتها ، ونزاهة الأشخاص الذين قد يقبلون على تمويلها ، ومنزلة النخبة المثقفة التي تسهر على وضعها قيد العمل والتنفيذ .

Page 9

خاتمة

لقد سمع الأصدقاء الفرنسيون الحاضرون في هذه الندوة ندائي الذي وجهته لهم سواء بخصوص إحياء النهضة العربية أو إعادة بناء لبنان ، حيث إني أجعل من باريس محور هذين المشروعين . هل من داع أن أضيف أنه ، عندما أقيم الصلة بين مشروع العودة إلى الكنيسة الإنطاكية وازدهار المسيحية الفرنسية ، حسبي أن أستعيد في ذاكرتي هذين الإنطاكيي ْ ن المختاري ْ ن اللذين أسسا جمعية الأدباء المؤمنين والناطقين بالفرنسية ، وهما أوليفيه كليمان ورينيه حبشي؟ هل من داع أيضا ً أن أذك ّ ر أن العروبة هي دون شك مصير الكنيسة الإنطاكية ، وعلى رأسها الكنيستان المارونية والأرثوذكسية ، وذلك سواء في المهجر أو في قواعدها البطريركية ، وأن كنيستنا ، بفضل وجود الشهود على النزيل الإلهي والكلمة والروح القدس ، لها طابع فرانكوفوني في مسكونيته؟

لأجل كل هذه الاعتبارات ، أعتقد أن اقتراحاتي هذه وغيرها من الاقتراحات ، إن ْ كان لا بد لها أن تنشأ في الشرق وتتحقق ، فإنها في فرنسا قد تجلب المساعدات الحاسمة .

ولكن اسمحوا لي أن أقوم بربط أنواع تعاضدنا انطلاقاً من مقاربة أخيرة بين الرهانات التي تستجدي انتباهنا أو تهددننا أحيانا ً.

لويس ماسينيون الذي كان يعتبر كغيره أن فرنسا هي «بنت الكنيسة البكر» لم يتوان عن الحديث عن «رسالة فرنسا الإسلامية» . أرى أن هذه الرسالة تخضع اليوم لاختبار عسير، وأنها تتعرض لعواقب قد تكون وخيمة كما قد تكون مدعاة إلى التفاؤل . لقد استقرت روح العداء العميقة بين السكان المسلمين واليهود في فرنسا ، المنتمين جميعهم إلى أصل واحد ، الأصل المغربي بشكل رئيسي . هذا العداء هو في الحقيقة صراع إسرائيلي عربي يكمن في ما وراء البحر الأبيض المتوسط وفي قلب الأمة الفرنسية ، صراع يعجز كليا ً عن تفكيك نسيج هذه الأمة ، لكن في مقدوره أن يشوهها ويعوق ، بالنسبة إلى الجيل الحالي ، أن تكون ، في وسط العالم المعاصر ، الملتقى والينبوع لمجتمع جديد منبثق عن حركات الهجرة واختلاط الأعراق .

فبين مشروع العودة إلى الكنيسة الإنطاكية وإحياء النهضة العربية ، دافعت أمامكم عن سلام إسرائيلي عربي قائم على النموذج اللبناني للعيش المشترك الأنيس . إن هذا السلام يعنيكم بشكل خاص ، لأنه إن لم يتحقق في لبنان وإن لم ت ُ نصف فلسطين ، لن يتأذى سلامكم الوطني بالرغم من الأعمال الإرهابية ، إلا أن رسالتكم العالمية ستصبح عاجزة عن بلوغ غايتها .

لقد دافعت عن كنيستي وبلدي وثقافة مسقط رأسي . ثقوا بأني قمت بهذا لأني أعلق أيضا ً الأمل على هذه القيم الإنسانية الجديدة التي جاءت بها الأمة الفرنسية بعد قرنين من الثورة وألف سنة من الامتحان والاختبار ، والتي أتاحت الفرصة لشعب أن يزرعها في جنان فرنسا لتتفتح بزهو ، فتتهلل نفس كل من يتعرف إلى هويته الخاصة من خلال الصورة التي كو ّ نها في مخيلته عن هذه القيم الإنسانية الجديدة .

إني أناضل من أجل أن يصبح الوجه الإنسانوي اللبناني ، في إطار طوباوي للعروبة ، مقترنا ً به كوجه طليعي . وها هو النضال عينه الذي يصبو ، في إطار مثالي لقيم إنسانوية جامعة ، إلى رؤية وجه فرنسا يبرز في الضباب الشمالي، ويتخلى عن خضوعه الأطلسي، وتعترف به شعوب البلاد المشمسة على أنه صورة حريتها وكفيل نجاحها .

باريس ، عشية عيد الصليب ، 13 ، 9 ، 1987

Page 10

تمهيد (12)

يطرح هذا الفصل المستهل به هنا عددا ً هاما ً من الأسئلة ولا سيما أنه يمس الأحداث الجارية بقدر ما يمس ّ التاريخ . لكن بدلا ً من صياغة نص جديد في إطار هذه المجموعة ، ارتأينا أنه يجوز لنا للمناسبة أن نستخدم نصا ً مكتوبا ً يشرح الأحداث الجارية من منظور التاريخ . لقد كتبنا هذا النص في حزيران/ يونيو عام 1976 ، أي في الفترة التي بلغت فيها الحرب اللبنانية آنذاك ذروتها في الفظاعة ، دون أن تفضي بعد بكل ظروفها وملابساتها حتى على المراقبين الموجودين على أرض الأحداث . لذلك آثرنا أن ندع جانبا ً ما ي ُ ستشف في هذا النص من مشاعر وانفعالات أحدثتها في نفوسنا الحرب آنذاك .

دفعت حوادث لبنان أولئك الذين لا ينظرون إلى التاريخ إلا من سطوره العريضة إلى الاعتقاد أن هذه الحوادث ليست إلا صراعا ً ثانويا ً بل هامشيا ً في العلاقات بين الشرق والغرب . لذا لم يتردد البعض منهم إلى تشبيه هذه الظاهرة المطروحة بظاهرة الأقدام السود (13) . إن الهدف المنشود في هذه الرسالة هو ربط الصراع الحاصل بحلقات الصراع السابقة ، والتذكير بالمراحل الأساسية لمسيرة طويلة بغية استخلاص بعض الثوابت وتقويم رهاناتها على ضوء مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية على جانبي ضفاف البحر الأبيض المتوسط .

غني ٌ عن البيان أنه عندما نسلط الضوء على الطائفة المارونية بشكل خاص لا نهدف إطلاقا ً إلى انتزاعها من تاريخها المشترك مع مسيحيي الشرق كافة . إلا أنها تتحمل دون أدنى شك مسؤولية خاصة في ما يجري حاليا ً. لذلك ينبغي أن نبرز السمات التي ، وإن ميزتها عن بقيّة الطوائف المسيحية ، تدنيها من بعض التصرفات للأحزاب والحركات الإسلامية .

من البديهي كذلك أن هذا العرض التاريخي يلتزم بمعطيات مقبولة عموما ً، ويقدم قراءة مطروحة كغيرها من القراءات على بساط النقاش الحر .

أخيرا ً، ليس من العبث أن ننبه القارئ، بعرضنا كمَّا ً كبيرا ً من المعطيات التي يبدو بعضها ذا قيمة عالية، إلى أن كاتب هذه السطور لن يعطي نفسه حق التعبير عن وجهة نظره الخاصة إلا في الخاتمة .