Page 1
الكرد في التاريخ العربي
بعد الفتح العربي شارك الكرد الذين كانوا منتشرين في مختلف أصقاع الخلافة، خلال الحكم الإسلامي، في جميع الأحداث ذات الطابع المحلي. وتجدر الإشارة قبل كل شيء إلى مشاركة الكرد في حركات الخوارج وحركة بابك الخرمي وغيرها من الحركات في مناطق الموصل وفي الجزيرة والجبال[1] وغيرها. وكان لهذه الحركات التي نشأت تحت شعارات دينية، هدفها، وهو إقامة مساواة مادية واجتماعية، وموجهة في الوقت نفسه ضد الأنظمة الإقطاعية وأمراء المناطق.
بعد الفتوحات الإسلامية وخصوصاً في القرنين التاسع والعاشر كانت تحركات القبائل الكردية النشيطة من وقت إلى آخر مدعاة قلق للخلفاء، وكان هذا، إلى حد ما، بسبب الضعف التدريجي لسلطة الخليفة السياسية، والانتفاضات العاصفة التي كانت تقوم بها الشعوب الإيرانية ضد السلطة العربية.
لقد بدأت القبائل الكردية في خلال النصف الثاني من القرن الثامن تقريباً ولأسباب مختلفة، بالهجرة إلى مختلف مناطق الخلافة الإسلامية، حيث بلغت هذه الحركة أوجها في القرن العاشر، عندما اعتنق زعماء القبائل الكردية الإسلام، فاستخدموا تلك الهجرة في سبيل مصالحهم السياسية والاقتصادية.
لم يكن تاريخ الأكراد في فترة الخلافة الإسلامية (من القرن السابع حتى القرن الثالث عشر) موضوع بحث خاص في علم الاستشراق، ومن المفيد الإشارة إلى أن المؤلفات المتوافرة تتطرق بشكل رئيسي إلى مسائل التاريخ الحديث للكرد، أما فترة العصور الوسطى ككل، فإنها حتى يومنا هذا، تعتبر في الواقع من الفترات التي لم تجر دراستها بشكل كاف. ويفسر هذا، إلى حد بعيد، بكون المصادر الأولية الهامة حول تاريخ الكرد لم تدرس ولم تدخل مجال البحث العلمي حتى الآن، وقد لوحظ في السنوات الأخيرة تقدم في هذا الاتجاه ولكنه بطيء جداً[2].
لذلك، نرى بأن محاولة البحث الخاص في تاريخ القبائل الكردية ومسألة أصلهم في العصور الوسطى استناداً إلى مصادر المؤلفين العرب تمتاز بأهمية كبرى، حيث أننا نطمح إلى سد الفراغ الناشئ في دراسة بعض قضايا تاريخ الكرد، آخذين في الاعتبار المتطلبات الحديثة لعلم التاريخ ومعتمدين في الوقت نفسه على ما توصلنا إليه من مصادر عن تلك الفترة، مستقصين ـ بما وسعنا من جهد ـ المصادر العربية في القرون الوسطى، كالمؤلفات التاريخية والجغرافية وكتب السيرة وغيرها من المصادر بلغتها الأصلية.
إن فترة القرون الوسطى من تاريخ الكرد، لم تجد تقريباً انعكاساً لها في المدونات التاريخية عند الكرد. وتكفي الإشارة إلى أن مدونة «شرف نامة» التي خطها شرف خان البدليسي في القرن السادس عشر، تتحدث عن تاريخ الإمارات الكردية بدءاً من النصف الثاني للقرن العاشر، ومن الضروري أن نضيف إلى هذا، أننا لم نجد في المصادر الأرمنية والسريانية والفارسية التي تعود إلى القرون الوسطى، شيئاً عن الكرد فيما يخص موضوع البحث. ويتيح لنا تحليل المراجع الأصلية التي تعود إلى القرون الوسطى من وجهة النظر هذه، الاستنتاج بكل دقة أن أكثر المعلومات القيمة عن الكرد موجودة بشكل رئيسي في المؤلفات المكتوبة باللغة العربية خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين. كما تحتل المؤلفات المكتوبة باللغة العربية مكاناً لائقاً بين مؤلفات العصور الوسطى، وتتميز من بين المراجع العلمية كمجموعة متكاملة من المراجع الأصلية، بأنها تتيح في استعراض تاريخ الشعوب الواقعة تحت سيطرة الخلافة الإسلامية[3]. ومن المعروف أن اللغة العربية في الفترة ما بين القرنين الثامن والتاسع خرجت عن كونها لغة البلاط وأصبحت بشكل رئيسي، اللغة الرسمية للعالم الإسلامي[4] وكتبت بها المؤلفات التي ساهمت إلى حد كبير في تطوير الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى ليس بالنسبة إلى العرب فحسب، بل إلى الشعوب الخاضعة لهم.
بعد الفتح العربي شارك الكرد الذين كانوا منتشرين في مختلف أصقاع الخلافة، خلال الحكم الإسلامي، في جميع الأحداث ذات الطابع المحلي. وتجدر الإشارة قبل كل شيء إلى مشاركة الكرد في حركات الخوارج وحركة بابك الخرمي وغيرها من الحركات في مناطق الموصل وفي الجزيرة والجبال[1] وغيرها. وكان لهذه الحركات التي نشأت تحت شعارات دينية، هدفها، وهو إقامة مساواة مادية واجتماعية، وموجهة في الوقت نفسه ضد الأنظمة الإقطاعية وأمراء المناطق.
بعد الفتوحات الإسلامية وخصوصاً في القرنين التاسع والعاشر كانت تحركات القبائل الكردية النشيطة من وقت إلى آخر مدعاة قلق للخلفاء، وكان هذا، إلى حد ما، بسبب الضعف التدريجي لسلطة الخليفة السياسية، والانتفاضات العاصفة التي كانت تقوم بها الشعوب الإيرانية ضد السلطة العربية.
لقد بدأت القبائل الكردية في خلال النصف الثاني من القرن الثامن تقريباً ولأسباب مختلفة، بالهجرة إلى مختلف مناطق الخلافة الإسلامية، حيث بلغت هذه الحركة أوجها في القرن العاشر، عندما اعتنق زعماء القبائل الكردية الإسلام، فاستخدموا تلك الهجرة في سبيل مصالحهم السياسية والاقتصادية.
لم يكن تاريخ الأكراد في فترة الخلافة الإسلامية (من القرن السابع حتى القرن الثالث عشر) موضوع بحث خاص في علم الاستشراق، ومن المفيد الإشارة إلى أن المؤلفات المتوافرة تتطرق بشكل رئيسي إلى مسائل التاريخ الحديث للكرد، أما فترة العصور الوسطى ككل، فإنها حتى يومنا هذا، تعتبر في الواقع من الفترات التي لم تجر دراستها بشكل كاف. ويفسر هذا، إلى حد بعيد، بكون المصادر الأولية الهامة حول تاريخ الكرد لم تدرس ولم تدخل مجال البحث العلمي حتى الآن، وقد لوحظ في السنوات الأخيرة تقدم في هذا الاتجاه ولكنه بطيء جداً[2].
لذلك، نرى بأن محاولة البحث الخاص في تاريخ القبائل الكردية ومسألة أصلهم في العصور الوسطى استناداً إلى مصادر المؤلفين العرب تمتاز بأهمية كبرى، حيث أننا نطمح إلى سد الفراغ الناشئ في دراسة بعض قضايا تاريخ الكرد، آخذين في الاعتبار المتطلبات الحديثة لعلم التاريخ ومعتمدين في الوقت نفسه على ما توصلنا إليه من مصادر عن تلك الفترة، مستقصين ـ بما وسعنا من جهد ـ المصادر العربية في القرون الوسطى، كالمؤلفات التاريخية والجغرافية وكتب السيرة وغيرها من المصادر بلغتها الأصلية.
إن فترة القرون الوسطى من تاريخ الكرد، لم تجد تقريباً انعكاساً لها في المدونات التاريخية عند الكرد. وتكفي الإشارة إلى أن مدونة «شرف نامة» التي خطها شرف خان البدليسي في القرن السادس عشر، تتحدث عن تاريخ الإمارات الكردية بدءاً من النصف الثاني للقرن العاشر، ومن الضروري أن نضيف إلى هذا، أننا لم نجد في المصادر الأرمنية والسريانية والفارسية التي تعود إلى القرون الوسطى، شيئاً عن الكرد فيما يخص موضوع البحث. ويتيح لنا تحليل المراجع الأصلية التي تعود إلى القرون الوسطى من وجهة النظر هذه، الاستنتاج بكل دقة أن أكثر المعلومات القيمة عن الكرد موجودة بشكل رئيسي في المؤلفات المكتوبة باللغة العربية خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين. كما تحتل المؤلفات المكتوبة باللغة العربية مكاناً لائقاً بين مؤلفات العصور الوسطى، وتتميز من بين المراجع العلمية كمجموعة متكاملة من المراجع الأصلية، بأنها تتيح في استعراض تاريخ الشعوب الواقعة تحت سيطرة الخلافة الإسلامية[3]. ومن المعروف أن اللغة العربية في الفترة ما بين القرنين الثامن والتاسع خرجت عن كونها لغة البلاط وأصبحت بشكل رئيسي، اللغة الرسمية للعالم الإسلامي[4] وكتبت بها المؤلفات التي ساهمت إلى حد كبير في تطوير الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى ليس بالنسبة إلى العرب فحسب، بل إلى الشعوب الخاضعة لهم.
Page 2
وقد أولي علم التاريخ والجغرافيا أهمية كبرى في مناطق الخلافة، وذلك لأسباب عسكرية وسياسية واقتصادية[5]. فقد كتبت عشرات المؤلفات باللغة العربية عن التاريخ والجغرافيا، يصف فيها مؤلفها بالتفصيل الفتوحات الإسلامية والأحداث السياسية والخارجية منها والداخلية للخلافة، وحياتها الاجتماعية والاقتصادية، كما أعطوا أيضاً معلومات قيمة عن الشعوب التي تعيش في كنفها وفي البلدان المجاورة، وكذلك حول مختلف مناطق الخلافة ونظام تقسيماتها الإدارية. بهذا الصدد، فإن المصادر المكتوبة باللغة العربية تثير اهتماماً كبيراً لما تمتاز به من حيث كميتها أو من حيث قيمتها ومعلوماتها الوفيرة المتنوعة.
إن للمصادر العربية خصوصاً في الفترة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر، أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة إلى دراسة تاريخ الكرد وبحث مسألة النشوء العرقي للكرد كذلك. وبفضل هذه المصادر فقط، نستطيع الحصول على تصور محدد عن أساليب فتح العرب للمناطق الكردية وانتشار الإسلام في أوساطهم، وحول دور العنصر الكردي في الخلافة الإسلامية وإلخ.
تنبغي الإشارة إلى أنه لم تصلنا أية معلومات عن الكرد قبل القرن التاسع، وهكذا فإن كتاب «القلاع والأكراد»[6] للمؤرخ المشهور المدائني (752-839م) يعتبر في حكم المفقود. كذلك لم تصل إلينا مؤلفات سحيم بن حفص أبي اليقظان (القرن الثامن)، والواقدي (747-823م)، وغيرهما من المؤلفين الذين أخذ عنهم في المؤلفات اللاحقة.
ويورد البلاذري (توفي عام 892م)[7]، وخليفـة بن الخيــاط (توفي عام 855م)[8]، وأحمد الكوفي (توفي حوالى عام 926م[9]، وغيرهم من المؤلفين، مقتطفات ثمينة حول التوسع العربي من الثلاثينيات في القـرن السابع. وتـدل هذه المقتطفات على أن العرب فتحوا مناطق الكرد بقوة السلاح (عنوة)، وفي حـالات أقل عن طريق توقيـع اتفاقيـات سلمية (صلحـاً). ويتحدث عـن هذا بتفصيل أكثـر المؤرخين مثل الطبري (838-923) م[10]، وابن الأثير (1160- 1333م)[11]، وابــن كثـير (1300-1372م)[12]، وابن خلدون (1332- 1406م)[13]، وغيرهم.
وتعتبر مؤلفات هؤلاء ذات قيمة بالنسبة لدراسة المسائل المتعلقة بانتفاضات الكرد في فترات الحكم الأموي والعباسي. ومن بين المؤرخين الذين ذكرناهم آنفاً، تستأثر بأعظم الاهتمام مؤلفات الطبري وابن الأثير التي تعتبر بحق من أهم المراجع الأصلية التي تبحث في تاريخ الخلافة والبلدان والشعوب التابعة لها.
يبدأ تاريخ الطبري بخلق العالم وينتهي في العام (915م)، بينما يكتب ابن الأثير، استناداً إلى تاريخ الطبري، حتى فترة الثلاثينيات من القرن الثالث عشر. بيد أنه تنبغي الإشارة إلى أن ابن الأثير كثيراً ما يورد معلومات لا توجد لدى الطبري. وهكذا، فإن معطيات الطبري وابن الأثير يكمل بعضها بعضاً إلى حد كبير، وتعتبر الأساس لدراسة تاريخ القرن الوسيط وقضايا وموضوعات تاريخ الشعوب التابعة للخلافة العربية.
وتثير مؤلفات الدينوري (توفي عام 895م)[14]، واليعقوبي (توفــي عام 897م)[15]، والمسعودي (توفي عام 956م)[16]، وغيرهم، الاهتمام بتاريخ تلك الفترة وذلك لما تحتويه من معلومات هامة. وتجد في كتاب المؤرخ ابن مسكويه (توفي عام 1030م)[17] تفاصيل أكثر مما عند ابن الأثير وابن خلدون عن الكرد، ومما له أهمية كبرى أعمال علماء الجغرافيا المكتوبة باللغة العربية التي تحتوي في كثير من الأحيان على معلومات ذات طابع تاريخي. وتنطوي على قيمة ثمينة مؤلفات الجغرافيين حول مناطق توزع القبائل الكردية وهجراتهم، وكذلك بعض جوانب حياتهم الاجتماعية والاقتصادية؛ وبمساعدة هذه المؤلفات فقط، يمكن إعطاء صورة تقريبية عن تركيب القبائل الكردية والعلاقة بينها ونوع الأعمال التي كان يمارسها الكرد إلخ...
إن للمصادر العربية خصوصاً في الفترة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر، أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة إلى دراسة تاريخ الكرد وبحث مسألة النشوء العرقي للكرد كذلك. وبفضل هذه المصادر فقط، نستطيع الحصول على تصور محدد عن أساليب فتح العرب للمناطق الكردية وانتشار الإسلام في أوساطهم، وحول دور العنصر الكردي في الخلافة الإسلامية وإلخ.
تنبغي الإشارة إلى أنه لم تصلنا أية معلومات عن الكرد قبل القرن التاسع، وهكذا فإن كتاب «القلاع والأكراد»[6] للمؤرخ المشهور المدائني (752-839م) يعتبر في حكم المفقود. كذلك لم تصل إلينا مؤلفات سحيم بن حفص أبي اليقظان (القرن الثامن)، والواقدي (747-823م)، وغيرهما من المؤلفين الذين أخذ عنهم في المؤلفات اللاحقة.
ويورد البلاذري (توفي عام 892م)[7]، وخليفـة بن الخيــاط (توفي عام 855م)[8]، وأحمد الكوفي (توفي حوالى عام 926م[9]، وغيرهم من المؤلفين، مقتطفات ثمينة حول التوسع العربي من الثلاثينيات في القـرن السابع. وتـدل هذه المقتطفات على أن العرب فتحوا مناطق الكرد بقوة السلاح (عنوة)، وفي حـالات أقل عن طريق توقيـع اتفاقيـات سلمية (صلحـاً). ويتحدث عـن هذا بتفصيل أكثـر المؤرخين مثل الطبري (838-923) م[10]، وابن الأثير (1160- 1333م)[11]، وابــن كثـير (1300-1372م)[12]، وابن خلدون (1332- 1406م)[13]، وغيرهم.
وتعتبر مؤلفات هؤلاء ذات قيمة بالنسبة لدراسة المسائل المتعلقة بانتفاضات الكرد في فترات الحكم الأموي والعباسي. ومن بين المؤرخين الذين ذكرناهم آنفاً، تستأثر بأعظم الاهتمام مؤلفات الطبري وابن الأثير التي تعتبر بحق من أهم المراجع الأصلية التي تبحث في تاريخ الخلافة والبلدان والشعوب التابعة لها.
يبدأ تاريخ الطبري بخلق العالم وينتهي في العام (915م)، بينما يكتب ابن الأثير، استناداً إلى تاريخ الطبري، حتى فترة الثلاثينيات من القرن الثالث عشر. بيد أنه تنبغي الإشارة إلى أن ابن الأثير كثيراً ما يورد معلومات لا توجد لدى الطبري. وهكذا، فإن معطيات الطبري وابن الأثير يكمل بعضها بعضاً إلى حد كبير، وتعتبر الأساس لدراسة تاريخ القرن الوسيط وقضايا وموضوعات تاريخ الشعوب التابعة للخلافة العربية.
وتثير مؤلفات الدينوري (توفي عام 895م)[14]، واليعقوبي (توفــي عام 897م)[15]، والمسعودي (توفي عام 956م)[16]، وغيرهم، الاهتمام بتاريخ تلك الفترة وذلك لما تحتويه من معلومات هامة. وتجد في كتاب المؤرخ ابن مسكويه (توفي عام 1030م)[17] تفاصيل أكثر مما عند ابن الأثير وابن خلدون عن الكرد، ومما له أهمية كبرى أعمال علماء الجغرافيا المكتوبة باللغة العربية التي تحتوي في كثير من الأحيان على معلومات ذات طابع تاريخي. وتنطوي على قيمة ثمينة مؤلفات الجغرافيين حول مناطق توزع القبائل الكردية وهجراتهم، وكذلك بعض جوانب حياتهم الاجتماعية والاقتصادية؛ وبمساعدة هذه المؤلفات فقط، يمكن إعطاء صورة تقريبية عن تركيب القبائل الكردية والعلاقة بينها ونوع الأعمال التي كان يمارسها الكرد إلخ...
Page 3
ويتيح وصف السياسة الضريبية في أرجاء الخلافة الواردة في مؤلفات علماء الجغرافيا الصادرة باللغة العربية، تبيان عملية دخول الكرد في الإسلام، كما تبين عقائدهم قبل الإسلام. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، وردت معلومات قيمة لدى ابن خرداذبة (توفـي عام 913م)[18]، واليعقوبــي[19]، وابن الفقيــه (توفــي عام 902م)[20]، وأبي دلف (توفي عام 942م)[21]، والأصطخري (توفي عام 951م)[22]، والمسعودي[23]، وابن حوقل (توفي عام 977م)[24]، والمقدســـي (توفي عام 985م)[25]، والإدريسي (توفي عام 1165م)[26]، ومؤلف المعجم الجغرافي المعروف ياقوت الحموي (1179-1229م)[27]، وآخرين. ومما يثير الاهتمام أن المؤرخين وعلماء الجغرافيا، كثيراً ما يصفون نفس الحادثة والظاهرة والموقع الجغرافي ولكن بتفصيل أكثر لدى هذا وبشكل مختصر لدى ذاك، وبالعودة إلى المعلومات التي تكمل بعضها البعض يمكن تكوين لوحة أكثر دقة عن الكرد في فترة الخلافة الإسلامية.
ليس هناك في المراجع اليونانية واللاتينية والأرمنية والسريانية ولا في غيرها من اللغات، أي شيء عن الكرد في مرحلة ما قبل الفتح العربي. كما أن المعلومات التي تتداولها الأوساط العلمية المتعلقة أساساً بمسألة البحث في أصل الكرد وبمصطلح (كرد) وما شابهه من المصطلحات، فإن جميع هذه المعلومات متناقضة وموضع جدل.
واستناداً إلى المعلومات التي وصلت إلينا من المراجع الأصلية التي تعود إلى العصور الوسطى، يمكن الافتراض أنه في خلال السنوات الثلاثين من بداية القرن السابع، أي في الفترة التي سبقت عهد الفتوحات الإسلامية، كانت القبائل الكردية تعيش تقريباً في المنطقة التي نسميها الآن (منطقة كردستان العراقية وكردستان الإيرانية)، وبعض المناطق الإيرانية.
وكانت الحروب المستمرة بين الساسانيين في إيران والإمبراطورية البيزنطية قد جلبت ضرراً كبيراً إلى تلك المناطق التي يعيش فيها الكرد. وقد عانى الكرد الذين كانوا يعيشون في منطقة ما بين النهرين وفي شهرزور وقرب المنابع الشمالية الشرقية لنهر دجلة، آثار تلك الحروب، لأن هذه المناطق أصبحت أحد المسارح الرئيسية للحرب الدائرة بين أقوى دولتين في ذلك الزمان . وما هو معروف، فمنذ بداية القرن السابع بدأ يبرز تفوق إيران العسكري على بيزنطة، واحتل الساسانيون خلال عدة سنوات (602-628م) القسم الأكبر من مناطق العدو (بين النهرين، سورية وأرمينيا ومصر، وغيرها). ولكن في العام (622م) شنت بيزنطة هجوماً معاكساً. وقد قهر الإمبراطور هرقل (610-641م) قوات خسرو الثاني وتقدم حتى وصل إلى عاصمة الساسانيين كتيسيفون (المدائن). لكن الأرستقراطية الفارسية التي لم تكن راضية عن تطور الأحداث، أطـاحت في العــام 628م خسرو الثاني. وبغية تعزيز مركزه، فقد عقد ابنه قادوا صلحاً مع الأمبراطور هرقل سحب بموجبه القوات الفارسية من المناطق التي كانت خاضعة للحكم البيزنطي (سورية، أرمينيا، مصر، وغيرها من المناطق الغربية). ونتيجة للفتوحات العربية في غربي آسيا ونجاحها في احتلال إيران في نهاية الثلاثينيات من القرن السابع، فقد وضع حد للصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، وذلك لأسباب رئيسية تعود إلى التطورات الداخلية التي كانت تجري آنذاك في كلتا الدولتين. وكان من إحدى النتائج المترتبة على فتح إيران دخول المناطق التي يسكنها الكرد والتي كانت جزءاً من الإمبراطورية الساسانية، في عداد مناطق الخلافة الإسلامية المترامية الأطراف[28].
ليس هناك في المراجع اليونانية واللاتينية والأرمنية والسريانية ولا في غيرها من اللغات، أي شيء عن الكرد في مرحلة ما قبل الفتح العربي. كما أن المعلومات التي تتداولها الأوساط العلمية المتعلقة أساساً بمسألة البحث في أصل الكرد وبمصطلح (كرد) وما شابهه من المصطلحات، فإن جميع هذه المعلومات متناقضة وموضع جدل.
واستناداً إلى المعلومات التي وصلت إلينا من المراجع الأصلية التي تعود إلى العصور الوسطى، يمكن الافتراض أنه في خلال السنوات الثلاثين من بداية القرن السابع، أي في الفترة التي سبقت عهد الفتوحات الإسلامية، كانت القبائل الكردية تعيش تقريباً في المنطقة التي نسميها الآن (منطقة كردستان العراقية وكردستان الإيرانية)، وبعض المناطق الإيرانية.
وكانت الحروب المستمرة بين الساسانيين في إيران والإمبراطورية البيزنطية قد جلبت ضرراً كبيراً إلى تلك المناطق التي يعيش فيها الكرد. وقد عانى الكرد الذين كانوا يعيشون في منطقة ما بين النهرين وفي شهرزور وقرب المنابع الشمالية الشرقية لنهر دجلة، آثار تلك الحروب، لأن هذه المناطق أصبحت أحد المسارح الرئيسية للحرب الدائرة بين أقوى دولتين في ذلك الزمان . وما هو معروف، فمنذ بداية القرن السابع بدأ يبرز تفوق إيران العسكري على بيزنطة، واحتل الساسانيون خلال عدة سنوات (602-628م) القسم الأكبر من مناطق العدو (بين النهرين، سورية وأرمينيا ومصر، وغيرها). ولكن في العام (622م) شنت بيزنطة هجوماً معاكساً. وقد قهر الإمبراطور هرقل (610-641م) قوات خسرو الثاني وتقدم حتى وصل إلى عاصمة الساسانيين كتيسيفون (المدائن). لكن الأرستقراطية الفارسية التي لم تكن راضية عن تطور الأحداث، أطـاحت في العــام 628م خسرو الثاني. وبغية تعزيز مركزه، فقد عقد ابنه قادوا صلحاً مع الأمبراطور هرقل سحب بموجبه القوات الفارسية من المناطق التي كانت خاضعة للحكم البيزنطي (سورية، أرمينيا، مصر، وغيرها من المناطق الغربية). ونتيجة للفتوحات العربية في غربي آسيا ونجاحها في احتلال إيران في نهاية الثلاثينيات من القرن السابع، فقد وضع حد للصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، وذلك لأسباب رئيسية تعود إلى التطورات الداخلية التي كانت تجري آنذاك في كلتا الدولتين. وكان من إحدى النتائج المترتبة على فتح إيران دخول المناطق التي يسكنها الكرد والتي كانت جزءاً من الإمبراطورية الساسانية، في عداد مناطق الخلافة الإسلامية المترامية الأطراف[28].
Page 4
مصطلح «كرد» - «أكراد» في المصادر العربية
إن مصطلح (الأكراد) أو (الكرد) الوارد في المصادر التاريخية والجغرافية العربية في العصر الوسيط، نصادفه في الروايات ذات الطابع التاريخي والأسطوري. ففي فترة الحكم الأموي والعباسي، بدأ المؤلفون الذين كتبوا باللغة العربية، يستخدمون بانتظام مصطلح (الكرد) الذي أسبغوه على الشعوب الإيرانية التي كانت تقطن في مختلف مناطق الخلافة، حيث كانوا يستخدمون في أغلب الأحيــان صيغــة ( الأكراد) و(الكردي) أما صيغة (الكرد) فنادراً ما استخدمت.
منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأت تتكون في مؤلفات المستشرقين وجهة نظر مفادها، أن مصطلح (الكرد) في المصادر المكتوبـة باللغة العربية، يعني أيضاً القبائـل البدويـة التي تعيش فـي الجبـال وتتكلم اللغـة الإيرانية. ويتجلى هـذا الرأي في أبحـاث ت. نولدكه[29]، وف.ف. بارتولد[30]، وف. مينورسكـــي[31]، وو. ب. ويلتشيفسكــي[32]، وي. ليمبتــون[33]، وغ. ب. آكوبــوف[34]، وي. فاسيليفيــا[35] وغيرهم.
وبهذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أن الدراسة الجادة، لما وصل إلينا من مراجع عربية تتيح لنا الاستنتاج بأن استخدام مصطلح (كردي)، كان يحمل معنى محدداً، منها مثلاً على أنه (بدوي راعٍ)، حيث نجدهــا واردة بهذا المعنـى في مؤلفــات الجاحظ[36] والدينوري[37] والطبري[38] وابن الأثير[39] وغيرهم.
ذكر المؤلفون العرب تسمية «كرد» (الجمع «أكراد») لأول مرة لدى التطرق إلى الأحداث التاريخية المتعلقة بالقرن الثاني الميلادي ولكن نطاق استعمال هذه التسمية اتسع بعد القرن السابع الميلادي. أما أقدم شهادة مدونة تذكر «الكرد» فهي في كتاب «كاره نامه آرداشير باباكان»[40] وهو كتاب حول مآثر أردشير بن بابك المدون في القرن السادس وهو عبارة عن مجموع حكايات تاريخية وأسطورية مكتوبة باللغة البهلوية في العصور الوسطى عن أول الملوك الساسانيين، حيث ورد ذكرهم تحت اسم «كورتان» يفترض المستشرق الألماني ثيودور نيكولاكيه أن الاسمين العربي «كرد» والفارسي «كورت» للتسمية يرجعان إلى الاسم الأولي المذكور أصلاً في المصادر اليونانية ـ الرومانية (كورتي). والكورتيون قبائل جبلية رعوية ووفق المعلومات المتوافرة كانوا يسكنون في منطقة «كورجايك» (المناطق الجنوبية ـ الغربية من أرمينيا التاريخية). ولنذكر فوراً بأن ذلك أمر طبيعي حيث أن أكثر أسماء الشعوب غير قابلة للتفسير. والغريب أن هذه المسألة لا تؤرق بال المستشرقين، وذلك لأن ما يهمهم هو أن يتمكنوا من توضيح ما المقصود لدى ذكر التسمية في المصادر التي ترد فيها.
وهنا يجب القول بأنه إذا كانت تسمية «الكرد» المستعملة من قبل المؤلفين العرب في عصور أكثر حداثة تشير إلى شعب ما محدد فإن التسمية ذاتها كانت تعني «رعاة، جبليين» في عصور سابقة. فعلى سبيل المثال يتطرق المؤرخ الشهير الطبري إلى رسالة بعثها مؤسس السلالة الساسانية أردشير إلى الملك البارثي أردوان مستهلاً بالنداء التالي «أيها الكردي، المربى في خيام الأكراد، من سمح لك بالتاج...؟». وبعد ثلاثة قرون ولدى تطرقه إلى الرسالة ذاتها يذكر ابن الأثير كلمتين فقط من مستهل الرسالة وهما «أيها الكردي». من الواضح هنا أن تعابير «كرد» و«المربى في خيام الأكراد» لا تشير في الحقيقة إلى أصل كردي لأردشير الساساني وإنما إلى سكان إيران الزرادشتيين الرحل وإلى نظرة الازدراء التي كانت تبديها الطبقة النبيلة تجاه تلك الفئة الاجتماعية الدنيا. ويستشهد الطبري بأن الطبقة الإيرانية النبيلة قد استعملت تعبير «المربى في خيام الأكراد» بغية التشهير والإذلال وهذا ما ينفي استعماله كتسمية دالة على الانتماء القومي (الإثني).
إن مصطلح (الأكراد) أو (الكرد) الوارد في المصادر التاريخية والجغرافية العربية في العصر الوسيط، نصادفه في الروايات ذات الطابع التاريخي والأسطوري. ففي فترة الحكم الأموي والعباسي، بدأ المؤلفون الذين كتبوا باللغة العربية، يستخدمون بانتظام مصطلح (الكرد) الذي أسبغوه على الشعوب الإيرانية التي كانت تقطن في مختلف مناطق الخلافة، حيث كانوا يستخدمون في أغلب الأحيــان صيغــة ( الأكراد) و(الكردي) أما صيغة (الكرد) فنادراً ما استخدمت.
منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأت تتكون في مؤلفات المستشرقين وجهة نظر مفادها، أن مصطلح (الكرد) في المصادر المكتوبـة باللغة العربية، يعني أيضاً القبائـل البدويـة التي تعيش فـي الجبـال وتتكلم اللغـة الإيرانية. ويتجلى هـذا الرأي في أبحـاث ت. نولدكه[29]، وف.ف. بارتولد[30]، وف. مينورسكـــي[31]، وو. ب. ويلتشيفسكــي[32]، وي. ليمبتــون[33]، وغ. ب. آكوبــوف[34]، وي. فاسيليفيــا[35] وغيرهم.
وبهذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أن الدراسة الجادة، لما وصل إلينا من مراجع عربية تتيح لنا الاستنتاج بأن استخدام مصطلح (كردي)، كان يحمل معنى محدداً، منها مثلاً على أنه (بدوي راعٍ)، حيث نجدهــا واردة بهذا المعنـى في مؤلفــات الجاحظ[36] والدينوري[37] والطبري[38] وابن الأثير[39] وغيرهم.
ذكر المؤلفون العرب تسمية «كرد» (الجمع «أكراد») لأول مرة لدى التطرق إلى الأحداث التاريخية المتعلقة بالقرن الثاني الميلادي ولكن نطاق استعمال هذه التسمية اتسع بعد القرن السابع الميلادي. أما أقدم شهادة مدونة تذكر «الكرد» فهي في كتاب «كاره نامه آرداشير باباكان»[40] وهو كتاب حول مآثر أردشير بن بابك المدون في القرن السادس وهو عبارة عن مجموع حكايات تاريخية وأسطورية مكتوبة باللغة البهلوية في العصور الوسطى عن أول الملوك الساسانيين، حيث ورد ذكرهم تحت اسم «كورتان» يفترض المستشرق الألماني ثيودور نيكولاكيه أن الاسمين العربي «كرد» والفارسي «كورت» للتسمية يرجعان إلى الاسم الأولي المذكور أصلاً في المصادر اليونانية ـ الرومانية (كورتي). والكورتيون قبائل جبلية رعوية ووفق المعلومات المتوافرة كانوا يسكنون في منطقة «كورجايك» (المناطق الجنوبية ـ الغربية من أرمينيا التاريخية). ولنذكر فوراً بأن ذلك أمر طبيعي حيث أن أكثر أسماء الشعوب غير قابلة للتفسير. والغريب أن هذه المسألة لا تؤرق بال المستشرقين، وذلك لأن ما يهمهم هو أن يتمكنوا من توضيح ما المقصود لدى ذكر التسمية في المصادر التي ترد فيها.
وهنا يجب القول بأنه إذا كانت تسمية «الكرد» المستعملة من قبل المؤلفين العرب في عصور أكثر حداثة تشير إلى شعب ما محدد فإن التسمية ذاتها كانت تعني «رعاة، جبليين» في عصور سابقة. فعلى سبيل المثال يتطرق المؤرخ الشهير الطبري إلى رسالة بعثها مؤسس السلالة الساسانية أردشير إلى الملك البارثي أردوان مستهلاً بالنداء التالي «أيها الكردي، المربى في خيام الأكراد، من سمح لك بالتاج...؟». وبعد ثلاثة قرون ولدى تطرقه إلى الرسالة ذاتها يذكر ابن الأثير كلمتين فقط من مستهل الرسالة وهما «أيها الكردي». من الواضح هنا أن تعابير «كرد» و«المربى في خيام الأكراد» لا تشير في الحقيقة إلى أصل كردي لأردشير الساساني وإنما إلى سكان إيران الزرادشتيين الرحل وإلى نظرة الازدراء التي كانت تبديها الطبقة النبيلة تجاه تلك الفئة الاجتماعية الدنيا. ويستشهد الطبري بأن الطبقة الإيرانية النبيلة قد استعملت تعبير «المربى في خيام الأكراد» بغية التشهير والإذلال وهذا ما ينفي استعماله كتسمية دالة على الانتماء القومي (الإثني).