Page 1
مقدمة
نحمدك اللهم ونستهديك، ونستعين بك ونتوكل عليك، ونصلي ونسلم صلاة طيبة زاكية مباركة على من ختمت به الشرائع، وأرسلته رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى اله الطيبين وصحبه الذين اصطفيتهم من خلقك، وائتمنتهم على تبليغ شرعك الشريف إلى الناس كافة.! اللهم صلِّ على محمد وال محمد، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.!
أما بعد:
فهناك تحديات كبيرة تواجهها الأمَّتان: العربية والإسلامية، تبغي استئصال وحدة كلٍ منهما. وكان لإسرائيل الدور الكبير في إثارة الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي-ومنه العراق- لإضعاف وتشتيت قوة الأمة. ووقفت البلاد العربية عاجزةً عن مقاومة مشاريع التجزئة التي قام –ويقوم- بها العالم الغربي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كان احتلال العراق من قبل الغزاة بزعامة أمريكا جريمة كبرى من جرائم التاريخ، ولم يقع ذلك الغزو إلا بعد تخطيط دقيق ومبرمج ومدروس من قبل أمريكا وإسرائيل. وليس صواباً ما يتناقله الإعلام من أن أمريكا خُدعت بالتقارير التي قُدمت لها عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل فأقدمت على غزوها؛ لأن الغزو كان قد أعد له مسبقا لمصلحة أمريكا وإسرائيل معاً، وهو خطوة من خطوات تجزئة الوطنين العربي والإسلامي..!
لقد خُطط لتجزئة البلاد العربية والإسلامية منذ زمن ليس بالقريب، وكان مشروع التجزئة يعمل عمله في هذا البلد وذاك، وبعد احتلال العراق ازداد نشاط تلك المشاريع، وظهرت –مرة أخرى- إلى الوجود مصطلحات (الأقاليم) و (الفدرالية) و (الكونفدرالية) و... وقد كثر النقاش والجدال في أمر (الأقاليم) و (الفدراليات) التي تدعو اليها محافظات عديدة في العراق، وحجتها في ذلك: تقصير الحكومة المركزية في إعطائها ما تستحقه أولا، وتدخلها في المحافظات بأمور ليس من حقها التدخل فيها: كالإعتقالات التي تقوم بها قوات عسكرية مرسلة من المركز أو من غيره تطول أعدادا من الناس.. تنفذ القوات العسكرية تلك الإعتقالات من غير أن تُعلِم تلك الجهات المحافظين بما ستقوم به من اعتقالات، وغير ذلك كثير ما يطول شرحه...! وكل من يدعو إلى (الأقاليم) أو (الفدراليات) يقول: إنّ هذا السلوك الذي تسلكه الحكومة المركزية فيه ما فيه من الظلم والإفتئات وهو الذي حمل هذه المحافظة أو تلك على سلوك هذا النهج في المطالبة بالأقاليم أو الفدراليات، ولسان حال كل محافظة من تلك المحافظات ما قاله شاعرنا القديم:
Page 2
فلولا المزعجات من الليالي لما ترك القطا طيب المنامويقوم المنادون بالأقاليم والفدراليات باقناع أنفسهم أنهم لم يزالوا مع وحدة العراق، ولا يريدون تفتيته ولا تقسيمه، وتشترك في مثل هذا الكلام طوائف من الشيعة والسنة والعرب وكثير من الأكراد، بل إن هذه الدعوات يقولها حتى الذين خططوا لتقسيم العراق من الغربيين أنفسهم.!!
لقد كانت بداية الدعوة إلى تقسيم العراق حاملة اسم التقسيم صراحة، وكان هذا الاسم بغيضاً إلى النفوس فلم يُلاقِ القبولَ من الشعب العراقي فعملوا على تحوير المصطلح وتجميله وتلميعه بغية أن يتقبله الناس فنادوا بالفدراليات.
والفدراليات حتى لو لم يُرد بها التقسيم، فإنها –ولاشك- خطوة من الخطوات إلى التقسيم.
لقد ظل العالم الغربي –وبخاصة أمريكا- يفكر ويقدّر؛ ليفتت العالم العربي والإسلامي؛ لأن مصلحته تقتضي ذلك أولا، ومصلحة اسرائيل تقتضيها كذلك، وقد قال( كيسنجر) وزير خارجية أمريكا السابق:
(إن ما هو جيد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو جيد لإسرائيل، ومصالح اسرائيل والولايات المتحدة تتناسب مع بعضها البعض؛ لأن وجود اسرائيل قوية هو لصالح المصالح الأمريكية).
وقال (مناحيم بيكن):
إن المصالح بين إسرائيل وأمريكا مشتركة، وقد قامت اسرائيل بتقديم أعظم الخدمات للمصالح الأمريكية)(1).
إنّ القارئ لمخططات تقسيم العراق والعالم العربي، يرى لإسرائيل فيهما مساهمة كبيرة مع الغرب. فقد اتخذت وسائل عديدة من أجل الوصول إلى ذلك الهدف. فهذا (ناحوم كولدمان) رئيس المؤتمر اليهودي، صرّح لجمع من الصحفيين في باريس قائلا:
(إذا أردنا لإسرائيل البقاء والإستمرار، فعلينا أن نساهم في تمزيق الوطن العربي إلى دويلات طائفية وعنصرية، يكون لإسرائيل فيها الدور القيادي والطليعي: دويلة درزية على الحدود السورية، ودويلة مارونية في لبنان، ودويلة كردية في شمال العراق)(2).
لقد كان هذا التصريح سنة 1974م، أما بعد ذلك، فقد اتخذت اسرائيل والغرب خطوات أكثر في تمزيق الوطن العربي.
Page 3
ولا بد لنا أن نذكر ما يقوله دعاة الفدرالية في هذا الأمر، إنهم يقولون: لم نذهب إلى ما ذهبنا إليه إلا بعد أن سدّت أبواب الإصلاح كلها في وجوهنا، فقد صرنا لا نتوقع أيّ إصلاح كان، ويقيمون الدليل بعد الدليل على الظلم الذي أصابهم –وما زال يصيبهم كذلك- ويأتون بأمثلة كثيرة على ذلك أيضا، حتى إن من السامعين لهم من يعطيهم الحق في الدعوة إلى ما يريدون، وكأن هؤلاء يقولون لكل من ينكر عليهم الدعوة الفدرالية: لا تلومونا على ما أقدمنا عليه، فقد بلغ السيل الزبا، وجاوز الحزام الطبيين، ولم يبق للصبر مكان في النفوس، وهذه علة الكثرة الكاثرة التي تدعو إلى الفدرالية.
أما هذا البحث المتواضع فهو مقتطفات من قسم من المخططات لتقسيم العراق والعالم العربي، كتبتها ليطلع عليها العراقيون خاصة، فيدركوا حقيقة تلك المؤامرات التي حيكت وتحاك ضد أمتنا في الليالي الليلاء وقد نجحوا في ذلك وآثرتُ أن يكون البحث مختصرا؛ ليطلع عليه عدد كثير من الناس. والحقت البحث بمقال كنت قد نشرته في موقع (مفكرة الإسلام) بتاريخ 27/12/2010
ولا بدَّ لي أن اشير هنا إلى أن هذا البحث من الأبحاث الحساسة التي تختلف فيه وجهات النظر: فهناك من يؤيده، وهناك من ينتقده. وحسبي أني ذكرت ما ينبغي أن يعرفه كل عراقي وعربي ومسلم وغير مسلم في المرحلة الحاضرة مما خطط لهذه الأمة.
ولا يفوتني أن أُنوه بكتاب مهم يحتوي على عدد كثير من الوثائق المهمة في أمر تجزئة الوطن العربي، وقد أفدت منه، وأنصح بقراءته وهو بعنوان (دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي) تأليف الأستاذ الدكتور أحمد سعيد نوفل. والله أسأل أن يبصرنا بما ينفعنا، ويدفع عنا عادية الأعادي وكيد الكائدين. والله يقول الحق، ومنه –وحده- الهداية والسداد.
عملت قوى الإستعمار الغربي التي كانت جاثمة على صدر الوطن العربي على تجزئة هذا الوطن، وذلك بالحدود التي رسمتها اتفاقية (سايكس بيكو) سنة 1916. ولم تكتف بهذا، بل قامت بانشاء كيان لليهود في قلب الوطن العربي، وعملت –ولا تزال تعمل كذلك- على تقسيم المقسَّم، وتجزئة المجزَّأ، فخططت لتقسيم العراق وسوريا والأردن ومصر والسودان وغير هذه الدول. ومن تلك المخططات ما اقترحه (برنارد لويس)(3) من تقسيم الشرق الأوسط على اثنتين وثلاثين دويلة عرقية وطائفية ودينية؛ لتصبح البلاد العربية 88 دويلة، بعد أن كانت 56 دولة واستباحة ثروات البلاد العربية ومواردها وتحويلها الى المجتمع الغربي. كل ذلك من أجل مصلحة أمريكا وإسرائيل، وقد أقرّ هذا المخطط الكونكرس الأمريكي في عام 1983، ونشرتها جريدة الأهرام في 7/8/1987 في مقال كتبه إبراهيم نافع بعنوان (أحداث الهرم الأخير... الهدف والمخطط والنذير)، ونُشر –أيضا- في جريدة الأخبار المصرية في 26/2/1998 الطبعة الأولى فقط، ونشرتها جريدة (الوفد) في 28/2/1998 بقلم عبد الهادي بكار.
Page 4
ويتحدث عن هذه المؤامرة السيد إبراهيم بسيوني في كتابه (المؤامرة الكبرى) فيقول:
(لم ننتبه إلى تصريحات غربية متعددة بعد الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، ومنها ما أوضحه ( بريجنسكي) مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق للأمن القومي قال: إن المشكلة الحقيقية التي ستواجهها الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب العراق –إيران، هي ضرورة وجود حرب أخرى على هامشها لتصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية (سايكس بيكو) عام 1916، ومقررات ( مؤتمر فرساي) في نهاية الحرب العالمية الأولى، ثمّ جاء صراخ (كلينتون) الرئيس الأمريكي السابق في نهاية عهده، محذرا ان العرب ينتظرهم مستقبل مظلم قادم، وكان الديمقراطيون قد تعمدوا تأجيل السيناريوهات الدموية، وفضلوا ديمقراطية التعاون والعمل المشترك. إن الخرائط الأمريكية لا تكتفي بالعراق وحده، وإنما تقدم تقسيما للدول المجاورة لها، فمثلا تقسم إيران إلى سبع دويلات، ولبنان إلى ثماني دويلات، والسودان إلى خمس دويلات)(4).
وهنا نذكر مقتطفات من ذلك المخطط الذي وضعه (برنارد لويس) وأقرها الكونكرس الأمريكي عام 1983:
تقسيم العراق إلى ثلاث دول: أ- دولة كردية في الشمال ب- دولة سنية عربية في الوسط جـ- دولة شيعية في الجنوب.
تقسيم سوريا إلى ثلاث دول: أ- دولة درزية ب- دولة عربية جـ- دولة سنية.
تقسيم الأردن إلى كيانين أ- احدهما للبدو ب- والآخر للفلسطينيين.
تقسيم المملكة العربية السعودية إلى عدة دويلات وإمارات، وتصبح كبقية إمارات ودول الخليج العربي، وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل إنشاء المملكة عام 1933.
تقسيم لبنان إلى أ- دويلة مسيحية ب- دويلة شيعية جـ- دويلة سنية د- دويلة درزية هـ- دويلة علوية.
تقسيم مصر إلى دولتين على الأقل أ- واحدة إسلامية ب- والثانية قبطية.
Page 5
فصل جنوب السودان عن شماله لتقام فيه أ- دولة زنجية مستقلة في الجنوب ب- دولة عربية في الشمال، وقد تم ذلك.
تقسيم موريتانيا إلى دولتين أ- دولة عربية ب- دولة زنجية (5).
(ويعترف (برنارد لويس) بأنّ هذا المخطط سوف يخدم الإسرائيليين؛ لأن تلك الدويلات والكيانات [لن تكون فقط غير قادرة على أن تتحد، بل سوف تشلها خلافات لا انتهاء لها على مسائل الحدود والطرقات والمياه والنفط ووراثة الحكم ...الخ، ونظراً لأن كل كيان من هذه الكيانات سيكون أضعف من اسرائيل، فإن هذه ستضمن تفوقها لمدة نصف قرن على الأقل)(6).
(وما يحدث في العراق له علاقة مباشرة بالمخططات الأمريكية الإسرائيلية في تجزئة الأقطار العربية؛ خدمة لمصالحهما المشتركة؛ لأن الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تتعامل مع الوطن العربي على أساس أنه لا يشكل وحدة واحدة في انتماءاته وحضارته وعروبته، ولا بد من العمل الدائم لتفتيته وتجزئته)(7).
والذي نريد ذكره هنا: تصريحات قادة أمريكا بضرورة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات؛ ليطلع على ذلك من لم يطلع عليها، ولا يتسع المجال لذكرها جميعا، ونقتصر هنا على ما أكد عليه (ليزلي غلب) الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية في الكونكرس الأمريكي في مقالة له نشرها في صحيفة (نيويورك تايمز) بعنوان (الحل القائم على ثلاث دول). تتحدث المقالة عن مستقبل العراق وتقسيمه على ثلاث دويلات: الأولى للأكراد في الشمال، والثانية للسنة في الوسط، والثالثة للشيعة في الجنوب. وبين (غلب) الهدف من ذلك فقال:
(إن الهدف من ذلك: هو دعم الأكراد والشيعة، وإضعاف السنة. وإن على أمريكا أن تمنح معظم الأموال إلى الطرفين: الكردي والشيعي).
وفي هذا المعنى ما قاله (غلب) متوعدا السنة في العراق:
(الدولة السنية –يقصد بعد التقسيم- بلا نفط وبلا عائدات، فلا بد أن يعتدلوا، وإلا يعانوا العواقب.. الفكرة هي تقوية الشيعة والأكراد وإضعاف السنة، وإن الخطوة الأولى تكون من خلال الحكم الذاتي للجنوب والشمال وننتظر النتائج)(8).
Page 6
ويعترف (غلب) بأن تجزئة العراق سوف تؤدي إلى الفوضى والخطورة، ولكنه يطالب حكومته باجراء تعديلات في إقامة المواطنين العراقيين، وأن يتم توزيعهم ونقلهم من مكان لآخر، حسب توزيعهم الأثني والمذهبي، حتى لو تطلب ذلك استعمال القوة من أجل التقسيم والتجزئة في العراق)(9).
ويذهب (جوزيف بايدن) نائب بوش للولايات المتحدة إلى أن هذا التقسيم حين يتم، فلا بد أن تبقى بغداد عاصمة فدرالية، معللا ذلك بعدم نجاح الولايات المتحدة في رأب الصدع بين الشيعة والسنة.
وورد في المخطط:
(الإتيان بقيادة عراقية ستؤدي إلى حدوث حرب أهلية بين السنة والشيعة والأكراد. وهذا يتطلب فرض الحل الأمريكي الإسرائيلي بتجزئة العراق، ويضع في اعتباره عدة احتمالات منها: إمكانية استقلال الأكراد في دولة لهم، على الرغم مما تسببه من تخوفات لحليفتها تركيا، وإقامة دولة شيعية في الجنوب وما يسبب ذلك من حساسية لبعض دول الخليج العربي...)(10).
أما (رامسفلد) وزير الدفاع الأمريكي السابق، فقد رفع مذكرة إلى الرئيس الأمريكي قبل يومين من استقالته أي في 6/11/2006 طالبا التسريع بخطة الفدرالية، والتحركباتجاه انشاء ثلاث دول منفصلة: كردية وشيعية وسنية؛ لأن ذلك أحد الخيارات المطروحة للخروج الأمريكي من العراق بأقل الخسائر(11).
لقد انضوى تحت مصطلح (الفدرالية) كثير من السياسيين الغربيين والعرب على حد سواء، فهم يتحدثون عن التقسيم وفوائده بزعمهم، لكنهم يختمون أحاديثهم بقولهم: نحن نرفض التقسيم ونؤيد الفدرالية، حتى أن (جوزيف بايدن) وهو من أشد الناس تحمسا لتقسيم العراق كان يقول عن مشروعه في التقسيم:
(القرار لا يسعى إلى تقسيم العراق، بل نقل السلطات إلى حكومات المناطق مع وجود حكومة مركزية محدودة، مسؤولة عن حماية الحدود العراقية وتوزيع الثروة النفطية)(12).
Page 7
ومما يدعو إلى الأسى والأسف أن نجد من بعض قيادات العراق من يدعو إلى ما دعت اليه أمريكا واسرائيل من تقسيم العراق إلى فدراليات: فقد وجد من تلك القيادات من دعا إلى اقليم فدرالي للشيعة، وإقليم فدرالي آخر للأكراد في شمال العراق.! وهذا كله خطوة أولى ليتم تقسيم العراق بعد ذلك. ولقد ألف (بيتر جالبريث)(13) كتابا بعنوان (نهاية العراق) تبنى فيه فكرة تقسيم العراق من بوابة (الحتمية) مقررا أن العراق الموحد ذهب إلى غير رجعة وأن تجميعه مرة ثانية في صورة دولة موحدة لا يمكن أن يكون، وأن أمريكا قد كتبت شهادة وفاته، وأن تقسيمه يكون على ثلاث دويلات: دويلة كردية في الشمال موالية للغرب، ودويلة شيعية في الجنوب موالية لإيران، ودويلة سنيَّة في الوسط بلا هوية تعمها الفوضى(14).
إن هذا التقسيم يراه (جالبريث) حقيقة فلا حاجة للجدل في هذا الأمر فيقول:
(يجب أن نكف عن الجدل حول ما إذا كنا نريد تقسيما أو فدرالية في العراق، وأن نبدأ بدلا من ذلك في التفكير في الكيفية التي يمكننا بها تحقيق الآثار التي ستترتب على التفكيك الحتمي لذلك البلد)(15).
ويعدد (جالبريث) مشكلات اجرائية في طريق التقسيم فيقول:
(ستكون هناك حاجة في هذا السياق بالطبع إلى عقد استفتاءات، كما يستلزم الدستور العراقي من أجل تعيين الحدود النهائية للمناطق الثلاث، وسيستلزم الأمر أيضا التوصل إلى صفقة بشأن تقاسم أموال النفط ترضي الشيعة والأكراد، وتضمن للسنة في الوقت نفسه تدفقا ثابتا من العائدات، إلى أن يتم تطوير موارد النفط غير المستغلة حتى الآن والواقعة في مناطقهم، كما يستلزم الأمر كذلك التوصل إلى صيغة لتقسيم بغداد، وعلى المستوى الإقليمي فسيتحتم إقناع جيران العراق بالقبول بجغرافيا سياسية جديدة)(16).
هكذا فعلت سياسة أمريكا في العراق، لقد مزقته إربا إربا، وصار من العسير أن يعود كما كان بلدا موحدا، ويخشى على البلد أن تقع فيه حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس إلى أن يتم التقسيم.
Page 8
مساهمة إسرائيل مع الغرب في تقسيم الوطن العربي
نظر قادة اسرائيل إلى مستقبل دولتهم، فوجدوها قليلة العدد بالنسبة إلى الدول العربية التي تحيط بها، وقلقها من فصائل المقاومة الفلسطينية وبخاصة حماس والجهاد الإسلامي، ولا ريب أن هذا يشكل تهديدا حقيقيا لها، فلا بد من التخطيط لتكون آمنة مطمئنة، وبعد الحوار بين قادتها وذوي الرأي فيها رأوا أن ما قدمه (شمعون بيريز) أفضل ما يكون لتحقيق مستقبل الأمن في إسرائيل ويتلخص رأيه فيما يأتي:
(ليس أفضل من إحالة المنطقة إلى دويلات صغيرة، أو كيانات هشة محدودة الفعالية، ثمّ إلهاء هذه الدويلات بصراعات دائمة حول الحدود والثروات...)(17).
وفي هذا المعنى ما قاله (ديفيد بن غوريون):
(نحن شعب صغير، وإمكانياتنا ومواردنا محدودة، ولا بدّ من العمل على علاج هذه الثغرة في تعاملنا مع أعدائنا من الدول العربية، من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها، وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات العرقية والطائفية، بحيث نسهم في تفخيم وتعظيم هذه النقاط؛ لتتحول في النهاية إلى معضلات يصعب حلها أو احتواؤها)(18).
وبهذه الطريقة تزداد إسرائيل قوة، وتزداد الدول العربية المقسمة ضعفا فلا تفكر في محاربة إسرائيل بل ولا في تعكير صفو حياتها. وتقسيم المقسَّم وتجزئة المجزّأ: هو ما كان يطالب به كيسنجر.
وهذا ما أشارت اليه المنظمة الصهيونية العالمية في أمر تقسيم البلاد العربية ومن ذلك: تفتيت العراق وسوريا وتدمير القوة العسكرية للعراق وسوريا، وتفكيك العراق أكثر أهمية من تفكيك سوريا؛ لأن العراق يمثل على الأجل القصير أخطر تهديد لإسرائيل(19).
ولقد نشرت مجلة (كيفونيم) اليهودية التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية في القدس في العدد 14/2/1982 تقريرا بعنوان (استراتيجية اسرائيلية للثمانينيات) جاء فيه بعد أن تحدث التقرير عن تفتيت سوريا:
(.. إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سورية، وذلك لأن العراق أقوى من سورية، إن في قوة العراق خطورة على إسرائيل في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أي دولة أخرى، وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية... وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات –أو أكثر- حول المدن العراقية..)(20).
Page 9
وسائل إسرائيل في إضعاف الدول العربية
وضعت اسرائيل في استراتيجيتها للوصول إلى أهدافها في إضعاف الدول العربية وسائل كثيرة، أهمها ما يأتي:
1- تفتيت الدول العربية من خلال إثارة النعرات الطائفية، أو تغذيتها داخل كل دولة عربية بما يحقق الأمن القومي لإسرائيل.
2- العمل على توسيع الخلافات بين الأقطار العربية، لكي تبدد قوتها العسكرية في الصراعات الإقليمية التي تسهم هي في خلقها ودعمها.
3- العمل على منع قيام وحدة بين الأقطار العربية؛ والسعي إلى تمزيق المنطقة وتجزئتها بتحويلها إلى كيانات ضعيفة متقاتلة.
4- إنشاء حركات مؤيدة لإسرائيل، تهدف إلى تفتيت الروابط الإجتماعية والقومية في المجتمعات العربية، وخلق صراعات دينية بين المسلمين وبقية الطوائف، من أجل تفتيت الشعب الواحد وتقسيمه.
5- تمزيق الدول العربية إلى مناطق مستقلة، تسيطر عليها الطوائف المختلفة.
6- تجزئة وتقسيم وتدمير الأقطار العربية هو واجب وهدف اسرائيل الأول.
7- على إسرائيل ان تقيم علاقات جيدة مع الأقليات الدينية (المسيحيين) والعرقية (الأكراد) والأثنية (البربر)، وتحريضها للعمل معها ضد العرب، حتى تصل إلى حد الإنفصال وتشكيل كيانات منفصلة.
8- من أجل القضاء على التفوق السكاني العربي والقوة العربية، لا بدّ من تفتيت الأقطار العربية لإضعافها وإبقائها عاجزة عن مقاومة الوجود الإسرائيلي.
9- التركيز الإسرائيلي على أن منطقة الشرق الأوسط لا تضم شعبا واحدا، بل عدة شعوب مختلفة، والتأكيد على هوية الشرق أوسطية بديلا عن الهوية العربية لشعوبالشرق الأوسط(21).
Page 10
وقد أكدوا هذا الأمر مرات عديدة فقالوا:
(يجب إيجاد لغة مشتركة، وطريقة عمل واحدة مع الأكراد في العراق، والدروز في سوريا، والزنوج في السودان، والموارنة في لبنان، والأقباط في مصر، وسائر ابناء الشعوب والديانات التي تحارب سوية من أجل التحرير والإستقلال)(22).
ومن الأمور التي تبعث على الحزن والأسى أن نجد كثيرا من تلك الوسائل تأخذ طريقها إلى النجاح. وأول نجاح تحقق الآن هو انفصال جنوب السودان عن شماله، وقيام اسرائيل ببناء قاعدة لها في الجنوب المنفصل.
وإذا كانت دول الإستعمار وأمريكا قد عملت على تجزئة الوطن العربي في هذا العصر، فإن عملها هذا قد سبقه عمل آخر قديما، فقد تحالفت على القيام به دولتا الإستعمار الإنكليزي والفرنسي، من أجل تمزيق الوطن العربي واستنزاف قدراته، وذلك للحيلولة دون قيام وحدة بين الدول العربية؛ إذ إنّ اسرائيل لا يمكن أن يكتب لها البقاء إذا اجتمع شمل البلاد العربية. ونقلب صفحات التاريخ الحديث فنجد الحركة الصهيونية منذ أواخر الثلاثينات من القرن العشرين وإلى اليوم قد عملت وتعمل للوصول إلى هذا المبتغى.
فهذا ( ارييل شارون) كان قد اهتم بتفتيت الوطن العربي قبل قيامه باحتلال لبنان، وقد صرح في مقابلة له مع صحيفة (معاريف) قائلا:
(إن الظروف مواتية لتحقيق مشروع تفتيت الدول العربية، وبسط الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة. وتحدث عن الصراع المحتمل حدوثه بين الشيعة والسنة والأكراد داخل العراق...)(23).
ولقد وقع ما كان توقعه (شارون) من مجازر دموية، حصدت أرواح عشرات الآلاف من الطرفين، ويُخشى أن تقع مجازر أخرى في الأيام القليلة القابلة بين العرب والأكراد بعد أن قام الأكراد بالإستيلاء على اراضٍ عربية ليست لهم، وبسطوا نفوذهم فيها، وهيمنوا على مرافقها ومؤسساتها هيمنة تامة. وكان من عقلاء الناس من اسدى لهم بالنصيحة لعلهم يدركون حقيقة المؤامرة على العرب والأكراد معا، فلا يندفعون وراء تشجيع الأمريكان ومن يدور في فلكهم في هذا الأمر؛ لأن المحتلين يرحلون حاملين معهم ما اقترفوه من جرائم سودت صفحات من تاريخهم، فوق صفحاتهم المليئة بالسواد.! أما الأخوَّة بين العرب والأكراد، فتظل قائمة إن شاء الله كما كانت من قبل.