eKtab
EN ع
حورية الماء وبناتها
Read free sample

حورية الماء وبناتها

by سليم بركات

Page 1
شخوصٌ ومَعَالِم
 
 
 
* كَاليس: حوريةُ الماء·
 
* بناتُ كاليس الخمس·
 
* آتِيْما: فتاة في الثالثة عشرة·
 
* بَارُو: رسام·
 
* سِيْدَارو: أم الرسام بارو·
 
* هِيْزْ: شاعر·
 
* جُوْرَاك: موسيقيٌّ·
 
* سِيْمْيَال: أخو الموسيقيِّ جوراك·
 
* سِيْنِيْكُوْس: روائي·
 
* نَاؤمي: مصمِّمة أزياء·
 
* لِيْمْسَا: مصممة أزياء·
 
* سَاكُوْن: ممثلة·
 
* أُوْلاَك: ممثل· زوج ساكون·
 
* رَامُوْنا: ممثلة· ابنة أولاك وساكون·
 
* تِيْرِيْن: ممثلة· ابنة أولاك وساكون·
 
* مَلْكاه: قزم· مُسْتَنبِطُ أجناس من الزهر في مشاتله·
 
* دِيْغَار: تاجر أسلحة·
 
* لُوْتْيَانو: معماري·
 
* رَايْدِيْن: عسكري سابق· قائد معارك في مكانٍ مَّا من أوروبا·
 
* لِيَالُو: بَغيٌّ ـ بنتُ هوى، مُستأجَرة·
 
* هِيْغُوْر: قبطان السفينة·
 
* نَايُوْرَا: معلِّم براعاتٍ في الشطرنج·
 
* الأعمى ومترجمتُه الصامتة·
 
* سِيْنُون: كبير طهاة السفينة·
 
* خدَّام سفينة هيغور·
 
* تلاميذ نايورا·
 
* سفينة سياحية بأثاثٍ حديدٍ·
 
* بحر تْرِيْتُوْنْفَال ـ بحرُ الشمال النهائي·
 
* بحر هِيْلاكْرِيْتُوثِيْنِيْس ـ بحرُ العقل المياه··
 
* مضيق جُوْرِيْد ـ مضيقُ أرواح الحوريات·
 
* مدينة لِيْهُوْلْم· 
Page 2
(Dendrophyllia Ramea)
 
  فقاعاتٌ متواصلةُ القذفِ تداخلت زوابعَ رقيقةً بلَّوراتٍ من الأجساد الستة للحوريات، في الدوران إحداهنَّ من حول الأخرى، متلامساتٍ صَفْعاً ناعماً بزعانف أذيالهنَّ الطويلة· تقاربت وجوهُ خمسٍ منهن زُرْقِ الجلود· تبادلنَ نفْخاً بالفقاعات الصغيرة خيوطاً متعرِّجة في خروجها من الأفواه، فيما راقبتهنَّ السادسةُ الشديدة البياض وجهاً، مبتسمةً في تَحْنانٍ· تلوَّتْ زعنفةُ ذيلها البرتقالية، العريضة، خفْقاً قويًّا، فاندفعتْ جسداً زيتاً في ماء الأعماق، المرتَّقِ الفتوقِ بشعاعاتٍ ميساءَ من ذاكرة الشمس المائية· لحقتِ الأجسادُ الخمسة الأخرى بها في حركاتٍ زيتٍ من زعانفهن·  
 
هي الأمُّ كاليْسْ، البيضاء، المرقَّطة بحراشف رمادية على كل جلدها إلاَّ الكتفين والصدر، ساقتْ بناتها، ذلك اليوم من مطلع أيلول، من مضيق بحر هِيْلاكرِيْتُوثِيْنِيْسْ إلى بحر تْرِيْتُونْفال، كعادتها كلَّ عام: رحلةُ لهوٍ بين الصدوع الحجرِ الأشدِّ ضيْقاً، في الأعماق هناك، وبين أعمدة البراكين متجمِّدةً بعد مَسيْل مصهور· رحلةُ استذكارٍ للموضع الأول اختمرتْ فيه الخليةُ الأولى لنوع كاليس الحورية، في صَدَفة الوجودِ منطبقةً على خيالِ البقاء نَسَقاً صُلْحاً أبرمتْهُ المصادفاتُ، وهدنةً من الضرورة تمتحن بها تردُّدَ العَدَمِ في تقدير المعقول· رغبةُ كُلِّ حورية، من نوع كاليس، تكفيها كي تحبل بخمس إناثٍ مثلها، من تلقاءِ رحمها بلا ذَكرٍ يُسافِدُها، وأن تلد في أيما مكانٍ من أقاليم المياه، ثم تصحَبَ نسلَها، بالحنين الموصوف للخلية المائية في طبعِ المائيين، إلى الموضع الأول لانبثاق النوعِ الحورياتِ؛ الموضعِ الثغرةِ الدائرية في عُرْضِ بحر تريتونفال، الظاهرة من سطح المياه طوقاً أصفرَ بالأنفاسِ اللونِ من بستان شقائق البحر البرتقالية، والمرجان الأصفر، أسفلَ، في الوَهْدَةِ العميقة أحدَثَها صَدْمُ نيزك للأرضِ أو أحدثتْها اللوعةُ قعَّرتِ المكانَ، هناك، بثقلٍ من خيبة الأرض أن يتخيَّرَها الوجودُ لقياسِ اتِّزانه·
 
من الكهف، أسفلَ الصخرة المستوية على الشاطئ انتصبَ عليها ثلاثةُ تماثيل بعيونٍ مَعْدَنٍ على أفق المياه، في مضيق بحر هيلاكريتوثينيس ـ المضيق الأوحد عبوراً صوب بحار الشمال، قادت كاليس بناتها الخمس، ذوات الشعور الصُّفر، إلى الغمر الأعظم في الشمال النهائي الأعظم· برزت جباههُنَّ حتى الأنوف من سطح الماء، قبل انطلاقتهن· ألقينَ نظرة من عيونهن ذوات الحدقات البرتقالية، والصفر، على التماثيلِ الثلاثة ـ المرأةِ البرونزِ، والرَّجُلين النحاسِ، التي اعتدْنَ سماعَ همسها، مرةً واحدةً كلَّ اكتمالٍ للقمر في شباط: هَمْسٌ مُخْتَلَسُ النَّبْر على ألسنتها المعدنِ كنداء حصاةٍ في سقوطها خافتاً على حصاة· كاليس، وبناتها، لم يفهمن الدَّالةَ من الهمس ذاك، لكنهنَّ دأبْنَ في الإصغاء إليه كلَّ اكتمالٍ للقمر بشباطَ· دأبْنَ في تأويل ذلك· دأبْنَ في تقليب ذلك بموجباتٍ من عللِ الخصائص المفقودة، وشوق الملغز إلى الملغز· ألقيْنَ نظرةً على التماثيل يوادعْنَها من مكامن عيونهن فوق شقِّ الجرحِ المائيِّ· غطسْنَ ثانيةً· تلامسْنَ بأذيالهنَّ الطويلة، وانطلقن غوْصاً متعرِّجاً باندفاعات أجسادهن السهامِ الزيت، في الأعماق·
Page 3
كاليس البيضاء، المرقطة الجلد بحراشف رمادية، لم تكن تشبه بناتها بحظوظ الألوان من تكوينها حوريةً بزعنفة برتقالية، عريضة، في نهاية الذيل، وزعنفة خضراء، مخطَّطة بحزوزٍ سودٍ وقرمزيةٍ على طول ظهرها، من أصل عنقها بين الكتفين حتى العَجُز· عيناها بيضاوان بحدقتين برتقاليتين· بناتها زرقاواتُ الحراشف؛ زرقاوات الجلود الظاهرةِ برُقطٍ بيْضٍ· زعانفهن الذيلية، وزعانف ظهورهن، رمادية· عيونهنَّ سُوْدٌ بلا بياضٍ، تنتصِفها حدقاتٌ صُفْرٌ· وهنَّ لم يبلغن، بعدُ، طول أمهنَّ الأربعة الأمتار أو أقلَّ شبراً ربما· لكنهن ينزلقن في الماء تجذيفاً بزعانفهن مِثالَ أمهنَّ انزلاقاً، تتفتَّح لانسيابهنَّ الأعماقُ أغماداً طَوْعَ الزَّلْقِ فيها، طيِّعَةً إنْ تأوَّدْنَ سَبْحاً أو سرَّعْنَهُ· وهنَّ، كنوعهن الحوريات، يَغْتذيْنَ أعشابَ البحر ـ خسَّه الريحانيَّ، وجرجيرَه المحترق خُضرةً، وكذلك بعضَ محاره المُسهَّم من دون سائر مخلوقات البحر الأخرى أسماكاً، أو أصدافاً، أو رخوياتٍ نابتةً بجذورٍ كأخواتها السَّوابح بالتثنِّي انتقالاً كحركة الديدان·
 
مطلع أيلول، من كل عام، يحضُرُ كاليْسَ نازعُها النداءُ اللامدفوعُ إلى رحلتها، من مضيقِ بحرِ العقلِ المياهِ هيلاكريتوثينيس إلى بحر غَمْرِ الشمال النهائيِّ الأعظم تريتونفال· أيلولُ شهرِ المياهِ متأملةً ماضي يقينها، وحاضرَ شكِّها، وآتي وَحْيها المُلْهِم· لا أقدارَ للمياه في أيلول: نظامٌ طِبْقُ الظلال الأكثر ارتداداً إلى سِرِّها المُعْتَصَرِ من ثمرات النقائض· ايلولُ المياهِ إذِ المياهُ خادِرةٌ فَلَكٌ في فِيْلَجَتها قبل أن تنخرق الفِيْلَجَةُ عن فراشة الأبراج الزمنية، والأبراج الساكنة في الإهليلجِ العريقِ اللاَّزمنيِّ· المياهُ انخفاضٌ، في أيلول، عن مستوى معناها اشباراً فلا تُؤَّلُ احوالُها إلاَّ بانقضاء أيلول· والحوريةُ كاليس تتخيَّر هذا الشهرَ الحيرةَ بقَدَمٍ في ماضي الصيف، وقدم في آتي الخريف، لرحلتها إلى الثغرة الدائرية، ذات الطوق الأصفر ظاهراً في الغمر الكبير كقِلادةٍ ماءٍ· وهناك، وسط الثغرة المائية في الغَمْر المائيِّ، ستؤدي، وبناتها، رقصتهنَّ المُدرَّبةَ الفتنة بإلهامٍ من حنين الأصل اللاموصوف، لدقيقتين لا أكثر، تمام الساعة الثانية عشرة ظُهراً وأربع دقائق، المُصَادِفَةِ اليومَ الرابع والعشرين من الشهر المتشقِّق القدمين من غبار الصيف، وغيوم الخريف المتزلِّفة·
 
توقفت كاليس عن اندفاعتها الرشيقة· استدارت، منتصبةً، إلى بناتها المائسات الأجساد· حدَّقت إليهنَّ، راضيةً، من وجهها المتطاول، الشديد البياض، تُخاتلُهُ ذؤاباتٌ من شعرها الأزرق الكثيف متلوِّيةً من نفخ الماء عليها بأفواهه الثمانية· لم تتوقف بناتُها إذْ حاذيْنَها· عبرْنَها بعد دورتين من حولها أثارتا نشيداً موصولاً من الفقاعات سطَّرْنها بأنفاسهُنَّ دائريةً، متقاطعةً، متجاذبةً بغُلمة الهواء الذَّكر فيها هوىً إلى الهواء الأنثى، والهواء الأنثى هوىً إلى الهواء الذَّكر؛ أو ما اتَّفق لهُ جاذبُ الجنس إلى جنسهِ ـ ذكرٍ إلى ذكرٍ، وأنثى إلى أنثى؛ أو ماانبسطَ طمَعُه العذبُ فوزاً بالجنسيْنِ ـ الذَّكرِ إلى مثله وإلى أنثاه، والأنثى إلى مثلها وإلى ذكَرها معاً· فقاعاتٌ بهواء الغُلمة مِمْراحاً، في أنفاس البنات الحوريات، طوَّقت جسدَ أمهن، التي ألوت زعنفةَ ذيلها خَفْضاً ورفْعاً قويَّين فاندفعت سهماً زيتاً رشقتْ به الأعماقُ الأعاليَ· كادت تبلغ سطحَ البحر، لكنها ارتدَّت تاركةً لذيلها البرتقاليِّ، في الارتداد، أن يطفو أشباراً فوق سطح الماء·صفعتِ الماءَ، من ثمَّ، صَفْعاً مُدوِّياً قبل الغوص· تفجَّرَ الماءُ حقائقَ من خصائصه رذاذاً، ونِصالاً، وكُراتٍ لِصَاقاً، وأقواساً مقطَّعةَ الأوتار، وأصابعَ تتحسَّس بها الحقائقُ وجودَها هواءً يُحْبَسُ ويُسَرَّحُ·
Page 4
خمسة أذيال رمادية صفعت الماءَ، أيضاً، صَفْعاً حُبُوراً· زعانفهن المشقوقة، العريضة، المُخدَّدةُ طولاً كجريد النخلِ، لاحت، في الصَّفْع، خُلْسةً وَمْضاً، ثم غاصتْ· تقوَّسَ الماءُ حَدَباً حَضْناً على الصوت زَلَقتْ بهِ الزعانفُ القوية حلقاتٍ دوائرَ تلحق الضِّيقةُ منها، حول مراكز غَوْصِ الأذيال، بالأكثر سعةً فتتمادى مدًّا حتى امِّحائها في الذي مجثمُها من الماءِ المنسرح، الخامل، عائماً في فضَّتهِ، بنقوش الهواءِ المهذَّبِ ـ هواءِ أيلول·
 
مطالع أعماق بحر تريتونفال، بحرِ الشمال النهائي، رَصْفٌ من أنقاض التماثيل الغارقة في السَّبي الثاني لقبائل المخلوقاتِ الحجرِ الشرقية غزتْهُم شعوبُ المخلوقاتِ الحجرِ الجنوبية، من ممراتِ البرِّ، وممرَّات أعماق البحر مشياً تحت الماءِ مُذْ لا رئات لها كي تتنفس· تماثيلُ محاربيْنَ سقطوا مهشَّمةً في قِراعِ المطارق، وتماثيل عاديِّينَ ـ معماريَّةِ مساكنَ نَحْتاً في الكهوفِ، وصنَّاع سلاحٍ، وكهنةٍ وكاهنات، ومعلِّميْنَ في حِيَلِ المنطق صادراً عن الألسنةِ الحجرِ في أفواه المخلوقاتِ الحجرِ، وقضاةٍ في الأحكام·
 
نازعت القبائلُ القبائلَ، والشعوبُ التماثيلُ الحيَّةُ مثيلاتِها، عن معتقداتٍ سعتْ إلى بَسْطِها حقائقَ لا تُدْفَعُ أو تُجْبَه· تبادلتِ السبيَ، والنهبَ، وتقويض هياكل الآلهة، التماساً للغَلَبة في توطيد الزعْمِ أنَّ السماءَ لم تكن هناك قبل جيل الآباء النحَّاتيْنَ الثالث؛ أو أنَّ الأرض ثلاثةُ أقسام مشطورة بمضيقيْنِ فراغٍ هما فردوسُ الكائنات الحجرِ؛ أو أنَّ الصوتَ شكلٌ نحْتٌ سيُنجزه جيلُ الآباء النحَّاتين الثامن؛ أو أنَّ الأصلَ الحجرَ الأول كان خاطراً نَحْتاً من خيال آخر مخلوقٍ حجرٍ في برهة احتضاره؛ أو أنَّ الوقتَ هو، أبداً، ما ليس هو؛ وأنَّ المخلوقاتِ الحجرِ، الحيةَ، شأنٌ لازمنيٌّ· كلُّ خلافٍ، في مسألة من هذه، عضَّ على وجودة القبائل التماثيل، والشعوب التماثيل، بأسنان الغزوات نَهْباً، وسَبْياً، وتقويضاً لهياكل الآلهة· 
 
رصْفٌ مديدٌ من أنقاضِ كائناتٍ تماثيلَ مهشمةٍ تكاثرت هناكَ منذ قديم لايعرف نوعُ الحورية كاليس تخمينَ مدخلٍ إليه· هي كائناتٌ حجرٌ تكاثرت تماثيلَ حيَّةً قامت على نحْتِها نخبةٌ من التماثيل النحَّاتة، موكلةٌ، بعريق خصائصها، أن تستعيد الحجرَ صورةً من داخل كتلته الحجابِ على ماهيَّته الأصلِ شكلاً متناظِرَ الجوارحِ والأبعاد· تماثيلُ أنجبتِ التماثيلَ نحْتاً حيًّا· وها هي، في مطالع أعماق بحر تريتونفال، أنقاضٌ مهشَّمة، غشيَها الطحلبُ، والأُشْنَةُ، والقواقعُ اللَّزَّاقةُ، والصَّدف؛ ونبت في صدوعِها العشبُ أخضرَ محترقاً، مُتراقصاً، أشعثَ كأغصان التَّنُّوب·
 
عاينت كاليس، وبناتُها، رؤوساً مقطوعة· قلَّبْنها يتأملَّن العيونَ محدِّقةً من أغشيتها الصُّلبة، الكتيمةِ، المُصْمَتَةِ، إلى سديم الخلائق، وخزائن النشآت· رفعت إحدى البنات رأساً بين يديها لفتاةٍ حجَرٍ بضفائرَ معقودةٍ عقيْصَةً فوق قَمَحْدوَتها· أشارت إلى أمها أنها تريد شعرَها ضفائِرَ أيضاً، على المثال ذاك· خلَّلتِ الأمُّ شعر ابنتَها الأصفرَ بأصابع يدها اليمنى، ثم أطلقتْهُ متماوجاً، راقصاً، منتشراً· هزَّت رأسها تستنكر فكرةَ الضفائر· استدارتْ· خفقت بزعنفة ذيلها العريضة، البرتقالية، القوية، خفْقاً أطلق جسدَهاً سهماً زَيتاً· تبعتها بناتُها خفْقاً بزعانف أذيالهنَّ سهاماً زيتاً، في الفراغ المائيِّ المُبتكَر فراغاً بالخيالِ المائيِّ·
Page 5
(Halarachnion ligatum)
 
  ثمانية عشر نورساً عَلَوْنَ السلسلة الحديد، المشدودة بين عمودين من أعمدة رصيف الميناء الحديدية· لم يكن واضحاً ما الذي تتأملَّهُ طيورُ الماء تلك، بأعناقها المرتدَّة قليلاً، في كسلٍ أبيض، إلى أطواق معاطفها الريش الأبيض· خجلٌ رماديٌّ يعرو بياضَ الريش على الأجنحة، وهي تتأمَّل ماليس أكيداً تخمينُه للناظر إليها من رصيف الميناء· ربما تتبع بأبصارها الإوزَّ غاطساً برؤوسه في الماء حتى البطون، مرفوعَ الأذيالِ أعلى أشرعةً مضمومةً· ربما تتبع بأبصارها الصفَّ الطويلَ، البشريَّ، في الجهة الجانبية، خارجاً من المبنى الإسمنت، المستطيل، ذي السقف القرميد الأسود، متَّجهاً، تحت السرادق المنبسط السقف على أسطواناتٍ خشبٍ عالية، صوبَ الجسر الواصل بين الرصيف والسفينة الراسية في ثقلٍ كلون حديد هيكلها بلا طلاءٍ·
 
صفٌّ مثْنى مثنى، رجال ونساء، تقدَّم تحت السرادق المنصوب طويلاً، من باب مبنى انتظار المسافرين موعدَ إبحار السفن، حتى جسر الميناء، بسقفٍ قرميدٍ أيضاً كسقف المبنى ذي الطبقة الواحدة، يقي المسافريْنَ من مطرٍ، أو ثلجٍ، أو شمس· كانوا يسحبون إلى جوارهم حقائبَ على عِجَالٍ بأيدٍ، ويمسكون بأيد أخرى تروسَهم المعدن·
 
مودِّعو المسافرين ـ الحَشدُ المعتدل عدداً، لوَّحوا من جوار سيَّاراتهم المتوقفة في فسحة دائرية، متفرعة من الشارع الكبير الواصل بين الميناء وعُمران المدينة، وداعاً أمانيَ بالحظوظ السَّعْدِ للرحلة· وكان المودِّعون أولئك، جميعاً، نساءً ورجالاً، وأطفالاً أيضاً، يحملونَ تروساً متفاوتة الحجوم، في أيديهم، مرفوعةً قليلاً، أو يتَّكئون على أحفَّتها العليا وقد أسندوا أحفَّتها السفلى على حجرِ موقف السيارات·
 
كلهم يحملون تِرَسةً: المودِّعون قريباً من رصيف الميناء، والمسافرون، والعابرون طِوارَ الشارع مشيًا، صغاراً وكباراً؛ والمستقلون دراجاتهم الهوائية كلٌّ يمسك مِقوَدها بيدٍ، ويحمل ترساً بالأخرى· الأطفال لهم تروسهم الصغيرة أيضاً· تروسٌ معدنٌ، دائرية، ومستطيلة، ومثلثة، ظاهرةُ الثقل من انحناء الأكتاف في حملها، بنقوشٍ شتىَّ، نافرةٍ أو غائرة، ورسومٍ كالرغبات تدحرجت من أعماقهم إلى صفيحها· حتى الستةُ المجذِّفون، في قارب السباق النَّحيل الرشيق، الطويل، عابراً من وراء السفينة المتأهبة لرحلتها، كانوا بأيدٍ على المجاذيف تخفق في الماء اندفاعاً، وأيدٍ على تروسهم· نورسان جابا، تحليقاً منخفضاً، مدارَ الهواء فوق القارب، ثم ارتفعا ليحطَّا على اسطوانة عالية كالمدخنة أعلى السفينة ذات الطبقات الثلاث، الحديد بلا طلاءٍ· بطَّتان، مطوَّقتا العنقين حلقاتٍ بنِّيةٍ، تتبَّعتا، على نحوٍ أخرقَ، صفَّ المسافرين مُذْ بلغوا جسر السفينة· جاورتا فتاةً صغيرة تمشي وحدها، مُفردةً من دون سائر الصاعدين الجسرَ مثْنى مثنى، في آخر صفِّهم، بعيدةً عنهم خطواتٍ، بحقيبة صغيرة، سوداء، على ظهرها، وترسٍ دَرَقةٍ ليس معدناً، بل جلدٌ سميك، جاسئ، دائريٌّ، عليه وجهُ ثورٍ نافرٌ بحلقةٍ نحاسٍ في خَطْمه· كانت تترنَّم بصوتٍ خفيضٍ من باطن حنجرتها، مغلقةَ الفمِ، ترنُّماً متصلاً· فتاة صغيرة، في الثالثة عشرة من عمرها، حمراء الشعر، ذات وجه مستدير يتوسطه أنفٌ أفطسُ قليلاً، وعينان عسليتان على صُفرة؛ ممتلئة الجسم بلا سُمنة، في بنطال أسود قطنيٍّ، ضيق، فوقه ثوب أصفر قطني، سميكُ النَّسْج، منسدل حتى منتصفيِّ الفخذين، كالبُرنس بقلنسوة منحسرة وراء رقبتها· طقطقت بأصابع يدها اليمنى للبطتين تدعوهما إلى مرافقتها صعوداً على الجسر إلى السفينة· لكنَّ البطتين انعطفتا، إذْ بلغت الفتاةُ أولَ الجسر· نزلتا بضع درجات حجر تصل الرصيف بالبحر، ثم انزلقتا بصدريهما على الماء الخامل، الساكن، المطمئن إلى وعد خيالهِ بأبديَّةٍ ماءٍ·
Page 6
صعد المسافرون الجسرَ المعدنَ، الخفيف الانحدار من محيط السفينة إلى الرصيف، المطرَّز بسطور متوازية من أعقاب مساميرَ مضلَّعةٍ، صغيرة جداً· كركرتْ عِجالُ حقائبهم تماسًّا مع المعدن الخشن· أسلموا تذاكرَ سفرهم، مثنى مثنى، للعاملتين المُضيفتين، المبتسمتين ترحيباً ـ كلِّ واحدة على جهة من مَعْبرٍ بوَّابةٍ في الحاجز على محيط منتصف السفينةِ ـ طبقتها الثانية· تناولتا التذاكر منهم بيديهما اليسراوين، فيما ظلَّت يداهما اليمناوان ممسكتين بترسيهما· وقد صيَّرَتِ العاملتان ابتسامتيْهما المسترسلتين، في ثيابيهما الرمادية المتماثلة زيًّا تفصيلاً، مترادفاتٍ من لغة الحنوِّ، والإقبالِ الدافئ، حين بلغَتهما الفتاةُ الصغيرة، على حالها مترنِّمة، بفمٍ مُطْبَقٍ، وهي تمدُّ تذكرةَ السفر إليهما بالتناوب، مبتسمةً بدورها، تمازحهما بنقل يدها، بالتذكرة، من واحدة إلى أخرى· لم تسألاها، فضولاً، إن كانت وحدها، مُذْ لَحَظتا أنْ ما من أحدٍ من الداخليْنَ إلى المُشْرَفِ المحيط بالسفينة أعارَها التفاتةً· تناولت إحداهنَّ التذكرةَ منها، وانحنت لها إمعاناً في التخصيص بشرفِ لقائها، تمثُّلاً يتصنَّع فعلَ الناس في لقاء ملكة، أو أميرة· انحنت الفتاةُ الصغيرة لها مجاراةً· أحكمت حَمْلَ ترسها إذْ تراخت يدُها قليلاً، ثم مضت مع الماضيْنَ يقودهم أدلاَّءُ مرشدون ـ عمَّالٌ، مرحِّبيْنَ، واضعين في أيديهم خرائطَ تخطيطاتٍ للسفينة ـ ممرَّاتِها، ومقاصير الإقامة فيها، وردهاتها ، وقاعاتها، وحاناتها؛ مقدِّمين لهم تعريفاً بطبقاتها الثلاث، والمستلزمات الأخرى للراحة مبذولةً لاستجمام المسافر، والترويح عن حاله، بالرغم من وجود سهام دالَّةٍ، معلَّقة إلى سقوف الممرات، عليها أسماء واضحة للأمكنة توفيراً للتِّسْآل·
 
كان مُشْرَف السفينة، الذي بلغه المسافرون أولاً، من نهاية الجسر المعدنِ الممتد من السفينة إلى رصيف الميناء، هو محيط طبقتها الثانية، منه الدخول إلى جوفها عبر ممَرات مفضية إلى مقاصير النُّزلاء ـ غرفِ سُكناهم ومتاعهم· ومن سلالم كهربيَّةٍ بين المقاصير، ذاتية الحركة صعوداً ونزولاً، يمكن بلوغ الطبقة السفلى، الحاوية مطعم السفينة الواسع الأرجاء، وحانتها الدائرية، ومكتبتها ذات الرفوف القوسية التسعة عشر· وهي الطبقة، التي ينتصب وسطها عمودٌ اسطوانةٌ ضخمة المحيط، مرتفعة من قاع السفينة حتى سقف طبقتها الثالثة المرصَّعة القبَّة بزجاجٍ أبيضَ مُعتَلِّ البياض، غير نقيٍّ· طبقةٌ عليا ـ قاعةٌ واسعةٌ للقاءات اجتماعاً، وساحةٌ للرقص، ومعرض للرسوم، تتوزَّع فيها أكواخٌ معدن شَبَكٌ، لطيفةُ التصاميم، بسيطة، بأبواب ستائرَ من زَرَدٍ، للتدخين اختلاءً· العمود الأسطوانة كان المَعْلَمَ الأوحد، دون سائر جدران السفينة، مطليًّا أزرقَ فاتحاً، بنقوش حمراء، وسوداء، وذهبية، من أشكال طيور شتَّى مشتعلة الأجنحة ناراً، وفراشات مشتعلة، وأيائل بقرون مشتعلة، وزنابقَ مشتعلةِ التيجان، وغيومٍ نارٍ متدرِّجةِ الصُّفرة والحُمرة، متقَنة النقش خطوطاً أجراماً، وعطفاتٍ، وانحناءاتٍ، وتَجَوُّراتٍ، تتخلل الفراغات بينها رؤوسٌ آدمية، نافرة، بملامح مستَشاطةٍ غضباً، ذات أفواه فاغرة عن ألسنة حمر· العمودُ الأسطوانةُ حديدٌ بدوره، كسائر هيكل السفينة التي كراسيُّها حديدٌ حيث تصادفت الكراسيُّ، وكذا مقاعدُها، وصحون مطعمها، وكؤوس الشراب فيها، وأسِرَّتُها، وستائرُها الزَّرَدُ المعدن على شبابيكها، بلا طلاءٍ، لها اللونُ الأصلُ للحديد محترقاً في لَزْقِ ألواحه الكاسيةِ هيكَلها، ولها الرائحةُ الأصلُ للحديد فيها شيءٌ من نسل رائحة الدم·
Page 7
قليلاً قليلاً ذابت الجماعةُ المسافرون بدخولهم المتتابع مقاصيرَهم، المدفوعة الأجر ككلِّ مناسِك الرحلة ـ منامِهم، وطعامهم، وشرابهم، ذهاباً إلى الثغرة المائية الصفراء في عُرْض بحر تريتونفال، وإياباً إلى ميناء مدينتهم لِيْهُوْلم ـ ميناءِ الظلال القصيرة· هم سيأخذون من الوقت مغانمَ الكسل، من مطلع أيلول حتى الساعة الثانية عشرة وأربع دقائق، تحديداً، من ظهر اليوم الرابع والعشرين منه· سيتتبَّعون الآفاقَ، من المقاعد في مُشْرَفِ السفينة المحيط بهيكلها، بعيون كسلى، أو متوثِّبة في استعراض بحر تريتونفال ـ بحر الشمال النهائي، الذي استنفدت مكتَبةُ مدينة ليهولم ستةً وستين رفًّا من رفوفها بالطوامير الجلودِ اللفائف أشعاراً مدوَّنةً عن مُلغزاتهِ ومتَّضَحَاته، وأشعاراً تواترت شفاهاً فدوِّنَتْ، بسيطةً أحياناً، عميقةً مقلقة أحياناً، ساذجةً أحياناً· ما من كتابة في شؤون هذا البحر، المُستَوهَمَةِ والمُخْتَبَرَةِ حِسًّا، إلاَّ أُثبتَت في طُوْمارٍ ـ لفافةٍ جلدٍ ـ قديمِها المدوَّن وحديثِها، مِثْلُها كرسائل الملوك القدامى، والدَّهاقنة الأسياد· والطواميرُ، هذه، تُعْرض على الطالبيْنَ من روَّاد المكتبة مبسوطةً بيدَيْ عاملٍ أناةٍ في شأن النشر والطَّيِّ عليهما قفَّازان من جلد فقمَة مدبوغ· كلُّ المسافرين من هؤلاء، والمسافرين قبلهم قرناً بعد آخر، ممَّن أشرفت الحظوةُ بهم على نشوء المكتبة، استعرضوا طوماراً من اللفائف المحفوظاتِ تلك، أو أكثر ربما، قبل إقبالهم على الرحلة إلى بحر تريتونفال ـ بحر الشمال النهائي، طَلَباً للبهيِّ الفريدِ شهوداً على رقصة حوريات الماء، دقيقتين لا سوى، في اليوم الرابع والعشرين من أيلول· هي رقصةٌ على وصْفيَّاتٍ في التدوين لا يطابق وصْفٌ واحدٌ وصفاً آخر في عددها البالغ ألفاً وثلاثةً من محفوظات المكتبة· والمسافرون الجدد، الشهودُ الموعودون بالبزوغ السحريِّ للمشهد ذاتهِ مُعاداً من رقصة الحوريات، سيعودون، في نهاية الرحلة، بوصفٍ يُضاف إلى المدوَّنات، في طومارٍ لفافةٍ عليها رباطٌ حريرٌ، في الأرجح، أو رباطٌ مضفور من أعشاب البحر· أمَّا في يوم رحلتهم الأول، قبل الظهر، فقد توزَّعوا على أنحاء السفينة مستكشفيْنَ· والذين آثروا أن يتتبَّعوا الآفاقَ الغَمْرَ، أولاً، خرجوا إلى المُشْرَف الشاسع المحيط بالهيكل الحديد الكبير، مستندين إلى الحاجز القُضبانِ، أو جالسين على المقاعد بعيونٍ على الأزرقِ الرماديِّ، مُذْ غابت عنهم عماراتُ المدينة، ومداخنُ معاملها الأبراجُ·
 
لم ترتخِ أيديهم عن مقابض تروسهم، جلوساً أو واقفين· لكنهم تعاونوا على إخراج غلايين طويلة، بيضاء، عاجٍ من أنياب حيوانات البحر ـ عجوله، وفِيَلتِه، وحيتانه القاتلةِ أوْرْكا· حشوها عشباً أبيضَ، مفلفلاً، كلٌّ من كيس صغير مُوْدع في جيبه· أشعلوها بالقدَّاحات، وبعيدان الكبريت· تنهَّدوا متعةً بخروج الدخان من أفواههم، وأنوفهم، معافىً، نقيًّا، ناحتاً بإزميله الأثيريِّ هيئاتٍ من خلائق الأزل الأثير· الفتاةُ الصغيرة، التي آثرتْ، كالمستطلعيْنَ آفاقَ أعماقهم فوق الثَّبَجِ الكسول الراكد، أن تتخيَّر مُشْرَفَ السفينة موقفاً تلمس بيدي هوائه أحوالَ ساعاتها الأولى في الرحلة· وضعَت ترسَها الدَّرقة بين فخذيها وقوفاً· فتحت حقيبة رفيعة الجسم، مستطيلة القوام، معلَّقة إلى كتفها· أخرجت غليوناً أبيض، رفيع القصبة، برأسٍ نصفِ كُرة· حشتْه عشباً أبيض· أشعلتْه بقدَّاحٍ· تنشَّقت الدخانَ طويلاً· احتبستْه في رئتيها، ثم أطلقته زفيراً متَّصلاً· أطبقت فمَها، وترنَّمت بصوتٍ باطنٍ·
Page 8
هي أودعت المقصورةَ حقيبتَها، التي حملتها في القدوم على ظهرها· كان مفتاح الباب، ككل مقصورة أُسْكِنَتْ نزلاءَ بعينهم، في القُفل من الخارج، حين دلَّها العاملُ الدليلُ، ذو الترس المستطيل المجوَّف، على بابها· مفتَاحٌ تدلَّى منه قرصٌ معدَنٌ عليه تدوينٌ نافر: .لا تنسَ مفتاحك خارجاً· لا تنس مفتاحك داخلاً. أنزلت الحقيبة عن ظهرها على السرير ذي الفراش المكسوِّ قُماشاً عليه صُورُ مواسيرَ حديدٍ، مستطيلة، أو مقطَّعة، رمادية· لم تترك الترس من يدها اليسرى· فتحت باليمنى الزِّمامَ المنزلقَ ـ السّحَّابَ عن محيطها· أخرجت الحقيبة الرفيعة الجسم· علَّقتها إلى كتفها· شربت ماءً من إبريق حديدٍ في البرادِ المكعَّبِ الحديد· أخذت كعكةً مثلثة الشكل من بين أقراصٍ كعكٍ زوَّد عاملو السفينة كلَّ مقصورة بصحن منه ترحيباً· خرجت مغلقةً البابَ من خلفها· مشت في الرُّواق المضاء بمصابيح خافتةِ الضوء مقتصدةٍ في بوحها النورانيِّ، أو متكتِّمةٍ قليلاً، ربما، على آثار جروحها·
 
من بابٍ عريضٍ، ذي دفتين تنفتحان دفْعاً، وتنغلقان بارتدادٍ ذاتيٍّ، انسلَّت الفتاةُ الصغيرة إلى مُشْرَفِ السفينة، الموازي، من الخارج، لصفِّ مقاصير النُّزلاء يستطيعون رؤية حاجزه القضبانِ من نوافذهم  الدائرية· كانت موسيقى هادئةٌ تتأمَّل ذاتَها في مرآة الصوت، منبعثةً من نخاريب كنخاريب النحل، في مكامن لا تُلحظ من الصفيح الحديد، المحترق بلوعةٍ رمادية· ترنَّمت الفتاةُ مصغيةً ترنُّماً يخالف إيقاعَ تلك الموسيقى، بفمٍ مغلق· وضعت ترسها الدائري ـ الدَّرقةَ، ذا الرسمِ نافراً رأسَ ثورٍ، بين فخذيها المضمومتين· أخرجت غليونها· حشتْهُ ببعض العشب اليابس الأبيض· أشعلتْهُ بقدَّاح الغاز· احتَبَسَتِ الدخانَ المُسْتنشَق طويلاً، ثم أرسلتْهُ خيطاً ترتِّق به فتوقَ اللامرئيِّ· حملت ترسها· استدارت إلى ثُلَّة من نزلاء السفينة يتقدمون من جهتها، متحدثين، كلِّ اثنين ـ أو أكثر ـ في شأنٍ· حاذاها رجل في منتصف عقده الثالث، ربما، تمسك بعضده امرأةٌ أكبر سنًّا، طويلة، ببشرة ذكَّاها سُمرةً شعاعٌ محتبِسٌ من الشمس تحت جلدها، تحمل سلَّة مكعَّبة عليها غطاء مقفل، معلَّقة إلى ساعد يدها الممسكة بترسها المستطيل· انحنت لهما الفتاة الصغيرة متصنِّعةً، على نحوٍ ممازحٍ، إجلالاً، فاسترعت بصريهما حركتُها المُسْتلطَفة· توقفا· توقف رفاقهما من الثلة· بادلاها انحناءً مبتسميْنِ·
 
.أنا آتيْمَا.، قالت الفتاة الصغيرة، الحمراء الشعر، قصيرُهُ·
 
.آتيما.، تمتمت المرأة البالغة نهايةَ عقدها الخامس· تلفتت إلى مقعد يجلس عليه رجلان وامرأة· أشارت برأسها إليهم:
 
- أهؤلاء أهلك، يا آتيما؟·
 
.لا.، ردَّت الفتاة الصغيرة، مستنشقةً نَفَساً من دخان غليونها· تنهَّدت متعةً·
 
.أين أهلُك؟.، ساءلتها المرأة ذات السلة المكعبة منسوجةً من قصبٍ على صُفرةٍ، فردَّت الفتاة الصغيرة، ذات القلنسوة المرتدَّة وراء رقبتها:
 
- أنا آتيما·
Page 9
.اسمٌ مثير.، قال الرجل الذي يرافق المرأةَ الأكبر سنًّا· .هذه أمي سِيْدَارو.
 
نزلت الفتاة الصغيرة ببصرها إلى ترس الرجل المثلث في يده اليمنى، ذي الرسم المتقن تفصيلاً من جسدٍ آدميٍّ مغطىً وَبَراً، برأس ثور· نقلت بصرها إلى الرسم النافر لرأس ثور في درعها الدَّرَقةِ الدائري:
 
- مَنْ ابنُ مَن؟ الثور على ترسك أمِ الثورُ على ترسي؟·
 
.هما أخوان.، ردَّ الرَّجل متصنِّعاً الفطنةَ· أضاف: .أنا رسَّامٌ· مخلوقيَ هذا من رسْمي· اسمي بارُو· الرسم على ترس أمي من صُنعي، أيضاً.، أشار إلى ترس أمه المغطى برسم بوَّابةِ كهفٍ في صخرٍ أسود·
 
.بارو.، همست آتيما الاسمَ تُخْضِعُ حروفَه حِفْظاً· أغلقت فمَها، وترنَّمت بصوتٍ محتبِس·
 
تقدَّم بعضُ الثُّلة من الرسام وأمه· جاوروهما· .ماذا هنا؟.، تساءل أحدهم· 
 
.هذه الفتاة الجميلة، المثيرة الاسم، آتيما، ياهِيْز.، ردَّ الرسام ذو القبعة المخمل، السوداء، المضلَّعةِ الأحفَّة·
 
لمستِ الفتاةُ الصغيرة آتيما سلَّةَ سيدار، أمِّ الرسام:
 
- أسمعُ خشخشةً· أتحملينَ هرَّةً؟·
 
 أسندت سيدارو حافة ترسها المستطيل السفلى إلى أرض السفينة، واتكأت على حافته العليا بمعصمها· .افتح الغطاء، يا ابني بارو.، قالت للرسام، فعمد الرجل الأسود العينين، الطويل في بنطالٍ واسع، وقميص حتى الركبتين، إلى حَلِّ الرباطِ القماش عن غطاء السلَّة المكعَّبة· رفع الغطاء بأناةٍ· قرَّبت سيدارو السلة من بصر آتيما· تراجعت الفتاةُ برأسها مُجفلةً بلا ذعر، ثم عادت فحدَّقت إلى جوف السلة:
 
- ماذا هنا؟·
 
.أطفالي.، ردَّت سيدارو، ذات البشرة على سُمرةٍ من عافية الشمس·
 
رفعت آتيما وجهها إلى وجه المرأة الطويلة· تنشَّقت نَفَساً من غليونها:
 
- أطفالك لايشبهون ابنَك، ولايشبهونك·
 
.سيشبهوننا ذات يوم.، ردَّت سيدارو· التفتت إلى ابنها ذي الأنف العريض المنخرين:
 
- هلاَّ أمسكتَ بترسي لحظةً؟
 
.لا.، ردَّ ابنها كأنما ينأى بنفسه عن فعلٍ مذموم·
 
.سأُري هذه الفتاةَ واحداً من أطفالي، عن قربٍ فتلمَسَه.، قالت سيدارو عاتبةً، فردَّ ابنُها متطلِّعاً إلى وجه الفتاة المستدير، الممتلئ كجسمها:
 
- ضعي غليونَك بين أسنانك، وتحسَّسي بيدك أحدَ أطفال أمي، يا آتيما·
Page 10
قرَّبت آتيما وجهها من جوف السلة· عضَّت على قصبة الغليون بأسنانها، ومدَّت يدَها، في تردُّدٍ، إلى حيث الأجساد الملساء· تمتمت:
 
- أليست سامَّة؟
 
.أكنتُ دعوتُك إلى لمسها، أيتها الفتاة؟.، قالت سيدارو·
 
تجرَّأت آتيما· أمسكت بيدها ثعباناً من السبعة الصغار، الملتَّفةِ بعضها على بعض، صفراءَ شديدةِ الصُّفرة بعيون حمراء· نَضْنضَ الثعبانُ بلسانه المشقوق حرْفيْنِ من معاني حواسِّه الثماني·
 
.أترين، ياآتيما؟ إنَّهُ يتذوَّقُك.، قالت سيدارو بصوتها المُدَاعِب·
 
نظرت الفتاة إلى الثعبان الصغير مليًّا يلتفُّ، في ليْنٍ، على معصمها· رفعت عينيها إلى بارو: .شقيقُك يشبهك. أدارت وجهها صوبَ سيدارو:
 
- أهذا ذَكَرٌ؟
 
.نعم· أولادي، كلُّهم، ذكورٌ.، ردَّت المرأةُ ذات البنطال الأسود الضيق، والقميص الأحمر مخطَّطاً رماديًّا·
 
.لماذا تصحبيْنَ هذه الثعابين معك؟.، ساءلتها الفتاة الصغيرة·
 
.مع مَنْ أترك أولادي الخجولين، ياآتيما؟.، ردَّت سيدارو بصوتها الهادئ·
 
وضع الرجل، الذي نطق بارو باسمه قبل برهة، يده على كتف الفتاة الصغيرة: .بمَ يقنعُك صديقي بارو، أيتها الجميلة؟ أنا هِيْزْ· شكراً للكلمات دلَّتني على خسارتها كي أنجو منها باقتسامها بيني وبين الله.، قال ذو الشاربين البنِّيين الرقيقين، والعَنْفَقَة الصغيرة بين شفته السفلى وذقنه·
 
.لا يُقنِعها بشيء، يا هيز.، ردَّت سيدارو نيابة عن ابنها· غمزت الفتاة بإحدى عينيها الشهلاوين:
 
- إنه الشاعر هيز· لا تُصغي إليه·
 
ابتسمت آتيما للرجل المتوسط الطول، الممتلئ في قميصه القطني، السميك، فوق بنطال رمادي:
 
- ماالذي قلتَه قبل قليل؟·