eKtab
EN ع
حرب السويس وشروق شمس الناصرية
Read free sample

حرب السويس وشروق شمس الناصرية

by نواف نصار

Page 1

عداء الغرب للعروبة والإسلام قديم جسدته الحروب الصليبية أيما تجسيد ، وكذلك الحملة الاستعمارية منذ القرن التاســع عشر الذي عـادت فــيه " الصليبية" إلى سابق عهدها ، ولكن بأساليب وطرق وأعذار قد تختلف عن سابقتها ، ولكن الأسباب لم تختلف ، وليست بحاجة إلى نظر عميق ، أو تفكير طويل لاستجلائها ومعرفة مكنون أسرارها وغامض خفاياها ، فالأسباب واحدة تقريباً تجتمع في السطور التالية :
1- موقع الوطن العربي الجغرافي الاستراتيجي ، وسيطرته على منافذ برية وبحرية وجوية أكسبته أهمية استراتيجية ، ووزناً سياسياً مما جعله غاية للقوى الغربية في سباقها المحموم للاستعمار والاحتلال .
2- الخوف من نهضة إسلامية قادمة تقف أمام الغرب ومحاولاته السيطرة على الوطن العربي ، وبالتالي تشكل خطراً على القوى الاستعمارية في المستقبل .
3- الموارد الطبيعية التي يزخر بها الوطن العربي ، فضلاً عن كونه سوقاً للمنتجين الغربيين .
4- القضاء على عبد الناصر كقوة فاعلة ناشطة موحدة للوطن العربي ، وقادرة على تحقيق آمال شعوبه وأمانيهم في الاستقلال والوحدة والتقدم والعيش الكريم .
وهكذا تجمعت الأسباب والهدف واحد ، فكان القرار التاريخي العظيم "تأميم القناة"عام 1956 باعثاً وحافزاً وعذراً مناسباً أمام الغزاة للغزو والاحتلال ، وتحقيق هذه الأهداف مجتمعة بضربة واحدة ترد كل شيء إلى ما كان قبل موجة التحرر العربي ، ولربما - كما أملوا- ردته إلى حال أسوأ مما كان عليه في زمن العهد التركي .
وما يرد في الأبواب القادمة يقدم الأدلة الدامغة على ذلك كله ، وإن كان القادم لا يتسع للشرح والإسهاب ، والتعليل والتذكير ، فالرجوع إلى ما ذكرته من مراجع ومظان يقدم للباحث – والمستزيد - من المادة الثرة الكافية للاستزادة والتعمق في هذا الموضوع .

Page 2

أولاً : الموقع الجغرافي

هذا الموقع المتميز والكبير الذي يشغله الوطن العربي كان المسؤول المباشر عما تعرض له من حملات واستعمار واحتلال على مر العصور ، وسوف يظل عرضة لذلك طالما أن أهله في فرقة وتمزق ونزاع .
تبلغ مساحة الوطن العربي 158، 14مليون كم ، ويقع منه 10،250،209 مليون كم أي 72% في قارة افريقيا ، ويقع 3،918041 كم أي 28% في قارة آسيا ، وتفوق هذه المساحة قارة أوروبا مصدر الويلات والمصائب عليه عبر القرون ، كما تفوق مساحة الولايات المتحدة عدوه الجديد !
ويمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج العربي شرقاً بمسافة 7000 كم ، ومن جنوب السودان حتى الحدود الشمالية لسوريا والعراق بمسافة 4000 كم ، هذا الامتداد الرائع والكبير أعطاه الإشراف على جملة من المواقع والمنافذ والطرق جعلت عيون أعدائه شاخصة إليه ، وملء قلوبها الحسد والحقد ، والرغبة في السيطرة عليه ، وإذلال أهله ، ونهب خيراته ، وفرض السيادة عليه ، وفي الفصول القادمة ما يؤيد ذلك كله بكل وضوح وجلاء ، وعلى ألسنة هؤلاء الأعداء وما جروه على هذه الأمة ، وما لا زالوا يكنونه لها من نوايا وأحقاد وسوء طوية .
ويحد الوطن العربي من الشرق جبال زاجروس التي تفصله عن إيران ، والخليج العربي الذي يبلغ طوله من الإمارات حتى مضيق هرمز 985 كم ، ويشرف من الغرب على المحيط الأطلسي بساحل طوله 3400كم .
وتمتد حدوده في الشمال ما بين مدينة طنجة في الغرب إلى لواء الإسكندرونة في الشرق .
وتمتد في الجنوب عبر القارة الإفريقية الشاسعة مجاورة عدداً من دولها كالسنغال ومالي والنيجر وتشاد وأفريقيا الوسطى وزائير وأوغندة وكينيا وأثيوبيا ، ووقعت حدوده في جنوب الصومال على المحيط الهندي ، أما في آسيا فتقع حدوده على خليج عدن وبحر العرب وهما امتداد للمحيط الهندي .
وبين ذلك كله من الامتداد العظيم ، والمساحة الشاسعة ، والانتشار ما بين القارتين احتضن الوطن العربي عدداً كبيراً من البحار والخلجان والمضائق والجزر والممرات التي زادت من أهميته الإستراتيجية ، ونأتي على هذه المواقع بشيء من التفصيل :
1- الخليج العربي : وهو الذراع المائية الممتدة ما بين رأس مسندم الذي يفصله عن خليج عمان في الجنوب ، ومصب شط العرب في الشمال ، ويبلغ طوله 985 كم ، وعرضه الأقصى عند دولة الإمارات 210 كم ،وترجع أهميته إلى موقعه الإستراتيجي المتوسط بين ايران ودول الخليج ، ووجود عدد من الجزر فيه ، وانتهائه جنوباً بمضيق هرمز ،وكذلك لجواره للدول الخليجية النفطية ، وقد كان موضع نزاع بين العثمانيين والبرتغاليين في القرن السادس عشر ثم مع البريطانيين الذين نجحوا في بسط نفوذهم عليه وتوقيع عدد من الاتفاقيات مع أمراء الخليج ومشايخه .
2- البحر الأحمر : وهو ذو موقع فريد لوقوعه بين القارات الثلاث مشكلاً حلقة اتصال بين البحار الشرقية والغربية ،فهو يصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط بواسطة قناة السويس ،ويبلغ طوله 2000 كم ، وعرضه ما بين 280 كم الى 340 كم ، وتقع على شواطئه عدة دول كالأردن وفلسطين والسعودية واليمن في آسيا، ومصر والسودان وأثيوبيا والصومال وارتيريا وجيبوتي في أفريقيا .
ومن ملامح البحر الأحمر خليج العقبة وخليج السويس وباب المندب ، ولها مواقعها الإستراتيجية :
1- خليج العقبة : وطوله 176 كم ، وتطل عليه أربع دول : السعودية ويبلغ ساحلها 94 ميلاً ، والأردن ويبلغ ساحلها 8 كم ، ومصر وطول ساحلها 244 كم ، وإسرائيل وطول ساحلها 12 كم، وقد استولت عليه في العاشر من آذار 1949 ليكون لها منفذ على البحر ، وحولت ميناء "أم رشراش" إلى ميناء إيلات،ولم تعترف الدول العربية بهذه السيادة .
وفي جنوب الخليج تقع جزيرتا صنافير وتيران المشكلتان مضائق تيران التي أغلقتها مصر في 16 أيار 1967في وجه الملاحة الإسرائيلية ، فكان ذلك من أسباب حرب حزيران .
2- خليج السويس :ويبلغ طوله 360كم ، وعرضه 28- 32 كم ، وعمقه 200-300 قدماً ، وعليه ميناء مهم لتجارة الشرق .
3- باب المندب :ويبلغ عرضه 36 كم ، ويصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي .
4- قناة السويس : موضوع هذا الكتاب ، ويبلغ طولها 195كم ،وعرضها92 متراً، ويبلغ عمقها 19 متراً ، وعرضها عند القاع 92 متراً ، و226 مترا عند السطح ،وهو ما يسمح بمرور السفن الكبيرة ، وهي مجرى مائي صناعي يصل البحرين الأحمر والأبيض المتوسط مارة ببحيرة التمساح عند مدينة الإسماعيلية ، والبحيرات المرة ، ويفصل بين قارتي آسيا وإفريقيا ، كما يفصل بين الإقليم المصري وصحراء سيناء ، وقد بدأ الحفر فيها عام 1859 وانتهى عام 1869 ، وتعد أقصر الطرق الملاحية بين شرق الكرة الأرضية وغربها ،كونها تجنب السفن مشقة الدوران حول القارة الإفريقية ،وهذا يقصر المسافة من 17% إلى 59% حسب مكان الانطلاق والوصول ، فمثلاً المسافة التي تقطعها السفينة ما بين ميناء جنوا الإيطالي ومدينة بومبي الهندية 4400 كم ، ولكن لو سلكت طريق رأس الرجاء الصالح لأصبحت المسافة 10600 كم ، وسوف نأتي على تفاصيل ضافية عنها في الفصول القادمة
وقد كان البحر الأحمر وما جاوره من دول مسرحاً للنشاط الاستعماري ودوله الناشطة في التسابق على نهب خيرات الشعوب وسلبها ، وبحثاً عن منافذ على البحار تكون منطلقاً للسيطرة على مناطق أخرى، فاستعمرت ايطاليا أرتيريا مرتين ، مرة في أواخر القرن التاسع عشر ، ومرة قبيل الحرب العالمية الثانية ، ثم مدت نفوذها إلى أثيوبيا في أواخر القرن التاسع عشر ، ولما هزمت هزيمة منكرة أمام الأثيوبيين في موقعة عدوة الشهيرة عام 1896، عادت عام 1935 بدعوى الثأر للشرف المهان واحتلت البلاد مرة أخرى ، وكانت قد احتلت الصومال عام 1925 ،وأقامت قواعدها على ميناءي عصب ومصوع على البحر الأحمر ، ولم تنسحب من الدولتين إلا بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية لتحل بريطانيا مكانها ،أما الصومال الإيطالي فلم ينل استقلاله إلا عام 1960(1) .
أما فرنسا فقد استعمرت موانىء جيبوتي وأوبوك وتاجورة على سواحل البحر عام 1884وذلك لكي تقابل الوجود البريطاني في عدن ،ولتكون هذه الموانىء مراكز إمداد لسفنها العابرة في باب المندب ، وقامت بمد سكك الحديد طولها 486 ميلاً بين أديس أبابا وجيبوتي ، وقد استقلت جيبوتي عام 1960 .
أما بريطانيا فقد أقامت مستعمراتها في الصومال البريطاني مثل مينائي زيلع وبربرة وذلك دعماً لقاعدتها في عدن ، وتكريساً لتواجدها الاستعماري على البحر الأحمر ، وقد استقلت عدن عام 1967 وأصبحت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، أما الصومال البريطاني فقد استقل عام 1960 .
مما سبق يتبين لنا مدى خطورة الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر عبر الأزمان ، ومدى حرص الدول المستعمرة على مصالحها فيه ، حتى قال عنه الزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني : إذا كان البحر الأحمر هو مجرد طريق لبريطانيا ، فهو شريان الحباة بالنسبة لإيطاليا (2).
والقارىء لتاريخ المنطقة يعلم ان مصر بعد ثورة يوليو قد ساعدت – وبكل الوسائل المتاحة - الحركات الاستقلالية في الدول العربية والإفريقية ، وعززت النزوع القومي في بلدانها وبين شعوبها ، وبطردها البريطانيين وأحلافهم من السويس ، وبتأميم القناة عام 1956 قد أحالت البحر الأحمر الى بحيرة عربية خالصة من النفوذ الاستعماري البغيض .
وللبحر الأحمر خطورته الجغرافية السياسية لكونه حلقة الوصل بين منابع النفط في دول الخليج العربي ، ودول الغرب المستوردة المستهلكة له ، وإذا علمنا أن دول الخليج تنتج 13 مليون برميل في اليوم ،علمنا مدى أهمية وخطورة البحر الأحمر وممراته وخلجانه .
3- البحر الأبيض المتوسط : وهو البحر الفاصل بين أوروبا وين آسيا وافريقيا ، ويبلغ طوله 3700 كم ، ومساحته 2،5مليون كم ،ومعدل عمقه5500متر ، ويربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي بواسطة قناة السويس والبحر الأحمر من الشرق ومضيق جبل طارق من الغرب ، ويرتبط بالبحر الأسود بواسطة مضيق الدردنيل وبحر مرمرة ومضيق البسفور ،وأكبر جزره كريت وقبرص وسردينيا وكورسيكا وصقلية .
ويطل على المتوسط الدول العربية مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب في إفريقيا ، وفلسطين ولبنان وسوريا في آسيا ،
وللبحر الأبيض المتوسط أهميته في الحضارات القديمة ، وفيه جرت اول معركة بحرية في التاريخ الإسلامي في عهد عثمان بن عفان عام 649 م ،وذلك حين أراد الروم الانتقام لفتح المسلمين جزيرة قبرص ، فحشد لهم المسلمون بقيادة عبد الله بن أبي السرح 500 مركب مقابل مدينة الإسكندرية في معركة ذات الصواري ، وقد دعيت كذلك لكثرة السفن التي شاركت فيها ، وقد انتصر المسلمون فيها على الروم بقيادة قسطنطين الثاني ابن هرقل .
لذا ، لا نستغرب كيف حارب البريطانيون ابراهيم باشا الذي كان يتباهى بعروبته ومحاولته إنشاء دولة عربية ، عندما حاول الحلول مكان الأتراك في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، إذ رأت في هذا الكيان القادم خطراً يهدد تجارتها ومواصلاتها بين الشرق والغرب ، وكانت تفضل أن تظل هذه المنطقة تحت حكم ضعيف يمكنها من الاحتفاظ بنفوذها وهيمنتها على المنطقة . ( 3 )
وفي العصور الحديثة تبذل الدول العظمى الجهود الكبيرة للتواجد في البحر المتوسط من خلال القواعد العسكرية أو باتخاذ الحلفاء والأصدقاء والأتباع ، لذا لا غرابة ان يكون للسوفييت والأمريكيين أسطولاهما فيه ، ولا ننس أن الاستعمار الذي حصل لدول العرب جرى من خلاله ، خاصة الغزو البحري الهائل الذي حصل لمصر في حرب السويس ، وكانت مصر قد غزيت من قبل بقصف الإسكندرية من البحر بواسطة الأسطول الإنجليزي عام 1882 ، ليبدأ استعمارها الذي دام 70 عاماً ، ومن خلال البحر المتوسط قدم اليهود الى فلسطين على متن السفن الأوروبية وبأعداد هائلة في مطلع القرن العشرين .
أما أهم مضائق البحر المتوسط وممراته فهي :
1- مضيق جبل طارق : وطوله 56 كم ، وعرضه 16 كم ، ويصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي ، وقد استولت عليه بريطانيا عام 1704 وأقامت غليه مستعمرة جبل طارق ومساحتها5، 2ميل مربع ، وتشرف عليه الآن معها المغرب وإسبانيا التي تحتل مدينتين مغربيتين هما سبتة ومليلة ، وتمر منه السفن المحملة بالنفط غالباً بأعداد تصل الى 160 سفينة يومياً .
2- مضيق الدردنيل : ويصل بين بحر مرمرة وبحر إيجة في شمال البحر المتوسط ، ويبلغ طوله 57 كم ، وتسيطر عليه تركيا .
3- مضيق البسفور : ويصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة ، ويبلغ طوله 27 كم ، وتسيطر عليه تركيا أيضاً .( قاسم الدويكات:جغرافية الوطن العربي)
الخلاصة
لا يستغرب القارىء الحصيف بعد هذه العجالة أن يكون الوطن العربي غاية وهدفاً للمستعمرين للأسباب التالية :
1- أن الوطن العربي يحتل موقعاً مهماً وفريداً بين دول العالم القديم والحديث ، ويشكل جسراً برياً عظيماً عامرا بين القارات الثلاث الكبرى : آسيا وأفريقيا وأوروبا ، فصار طريقاً تجارياً مزدهراً وعامراً لا يمكن إهماله او تجنبه .
2- يسيطر الوطن العربي على المسطحات المائية الخطرة في العالم : البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي ، وما يتبعها من ممرات ومضائق زادت من أهمية موقعه مثل قناة السويس ومضيق هرمز ومضيق باب المندب ، وهذه المسطحات تشكل المنافذ الى المسطحات الأكبر كالمحيط الأطلسي والهندي والهادي.
3- مناخه المتميز يصلح لإنتاج زراعي وافر متنوع جعله الإقليم الأفضل والأنسب للشعوب والحضارات عبر الأزمان .
لذا كان لموقع الوطن العربي الفريد أهمية كبيرة من عدة نواح ،وهي :
1- أهمية اقتصادية :لكون موقعه على درجة عالية من الأهمية ، بسيطرته على الطرق التجارية ، وخطوط الملاحة العالمية .
2- أهمية سياسية :وهذا ما دفع القوى العظمى لمحاولة السيطرة عليه ، لأن هذه السيطرة تضمن السيطرة على العالم بسهولة ، وقد حدث ذلك على مر العصور ابتداء من الاسكندر الأكبر في القرن الرابع الميلادي ، مروراً بالدولة العثمانية ، ثم محاولات نابليون ، ثم الدول الاستعمارية المعاصرة وآخرها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق ، لذا كانت بعض مناطقه مسرحاً للحروب كما حدث في معركة العلمين في مصر بين الألمان والانجليز ، تلك المعركة الفاصلة التي أنهت نفوذ الألمان في أفريقيا
3- أهمية اجتماعية وثقافية : لقد كان الوطن العربي مهبطاً للأديان الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام ، ومنه انتشرت هذه الأديان في شتى بقاع الأرض ، وعاشت فيه حضارات وثقافات كثيرة كالفرعونية والرومانية والفارسية والإسلامية والمغولية والصليبية والعثمانية والأوروبية ، فكان مهداً ومنطلقاً للهجرات وتلاقح الثقافات عبر القرون .
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى نشأة أقدم الحضارات وأكثرها ازدهاراً كالفرعونية والفينيقية والآشورية والسومرية والإسلامية والعثمانية الخ . كذلك نشأت فيه الديانات الثلاتة ومنه انتشرت إلى أرجاء العالم القديم والحديث ، وأصبح العرب حملة الرسالة والدعوة الإسلامية الى بقية دول العالم .
ولا ننس في هذه العجالة موقع مصر الاستراتيجي في الركن الشمالي الشرقي من افريقيا ملاصقاً للبحر الأبيض المتوسط من جنوبه ، ووقوع البحر الأحمرشرقيها ، ووقوع القارة الافريقية جنوبها ، والقارة الآسيوية تجاورها من الشرق، وتقابلها القارة الأوروبية عبر البحر الذي يجلب الخير والشر معاً ، كل ذلك جعلها معبراً استراتيجياً بين الشرق والغرب أغرى الدول والقوى والامبراطوريات عبر العصور باحتلالها ، ومحاولة وصل البحرين ليزداد هذا الموقع قوة وخطورة مع مرور الأزمان .
ويزيد هذا الوطن أهمية وجود المواد الخام فيه وأخطرها النفط الذي حرك مصانع اوروبا واميركا ، وهو أيضاً صار سوقاً رائجة لهم ، ومعبراً لإيصال منتجاتهم الى دول الشرق كالهند والصين واليابان ودول شرق آسيا .
أما من الناحية العسكرية فهو يسيطر على الطرق البحرية والبرية والجوية اللازمة للوفاء بالأغراض العسكرية وإقامة القواعد والمنشآت خدمة للغايات والأهداف الحربية ، وقد اتضح ذلك في الحربين العالميتين وحرب السويس وحرب حزيران وحرب أكتوبر .
أما عن مصر فهي " تمثل في أهمية مركزها الاستراتيجي ، في موقعها الجغرافي في قلب الوطن العربي ، في وزنها البشري ، ثقلها العسكري ،الخ ..القطر العربي المرشح حالياً أن يمارس دور الإقليم القاعدة ، فبدون مصر تستحيل الوحدة العربية ، وخروجها منها يعني قتلها ، هذه الوحدة يمكنها "الاستغناء" عن أقاليم أخرى ، وخصوصاً التي تقع في أطراف الوطن العربي ، ولكنها تستحيل بدون مصر التي تشطر الوطن العربي إلى نصفين ، لهذا لم يكن من الغريب أن تصدر عنها المبادرتان أو الحركتان الوحيدتان اللتان حققتا درجة من الوحدة في هذا الوطن في تاريخنا الحديث ، مرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وأخرى في النصف الثاني من القرن العشرين " ( 4 )

Page 3

ثانياً : الخوف من نهضة إسلامية قادمة

" يتمثل مركز العرب البارز في ثلاث ظواهر عامة أشبه ما تكون بالحلقات المتداخلة والمترابطة ، وهي :
1- تسبب العرب في تغيير خريطة العالم ، بل تسببوا في تغيير قومية كثير من الشعوب ، فعربوا معظم مناطق الشرق الأوسط وجميع مناطق شمال افريقية .
2- نشر العرب الدين الإسلامي فيما وراء حدود الوطن ، إما بواسطة الفتح عندما كانت دولتهم تمتد من إسبانيا غرباً الى حدود الصين شرقاً ، في مساحة تزيد على ضعف مساحة الامبراطورية الرومانية في أوج إتساعها ، أو بحمل لواء الإسلام في قلب آسيا حتى الطرف الجنوبي للملايو وعبرالبحرحتى جزر أندونيسيا والفلبين في آسيا ، ومن شرق افريقيا حتى جنوبها .
3- أن العرب قد اشتركوا في صنع التقدم الحضاري ونشروا الحضارة العربية الإسلامية في العالم ، وكانت دمشق وبغداد والقاهرة ، كما كانت قرطبة وغيرها من مدن الأندلس مراكز انتشار هذه الحضارة التي لم تقتصر على الناحية الروحية فحسب ، بل شملت النواحي الأدبية والعلمية والفنية ، فكان لهم فضل في تقدم البشرية عامة ، كما كانوا سبباً في حدوث عصر النهضة في أوروبا وما تلا ذلك من تقدم علمي " ( 5 )
و يظل هذا العالم الغربي العلماني متربصاً خائفاً حذراً متوجساً من أية قوة قد تظهر في الشرق تؤثر على سيطرته وجبروته ، وقوته وتسلطه ، وتأتي الصهيونية العالمية بكل ما أوتيت من قوة وأساليب ، وخبث ودهاء ، تعزز هذه المخاوف ، وتزين للغرب غزو الشرق وتغريه به ، وتحذره منه ، فلا تترك فرصة إلا وتهتبلها لدعم ذلك التوجه المخطط والمدروس .
ولا تعدم الصهيونية وأتباعها الأسباب والأساليب والطرق لنشر أفكارها الهدامة ، فلديها صحفها وكتابها ، وعلماؤها وكهنتها ،وموظفوها وعملاؤها، والآن لها فضائياتها العاملة التي تصل الليل بالنهار عملاً وإفساداً للقادة والشعوب على إختلاف أجناسهم ومشاربهم ، وتفتيت أي اتحاد لهم ترى فيه خطراً عليها ولو على سبيل الظن والوهم ، ولعقول الناس خاصة الجهلة الذين تجد فيهم المساحة الدسمة الشهية للعمل والهدم .
وعلينا أن لا ننسى أيضاً أن إنشاء دولة إسرائيل ضرورة استعمارية ملحة ، لكونها ركيزة وأداة تلعب الدور الأعظم لتحقيق أغراض الاستعمار وغاياته .
وقد توفرت لهذا الوطن العربي عوامل وحدة عدة جعلته الغاية الأولى للصهيونية ومن سار في ركابها من طغم الاستعمار ، وجيوش الطواغيت نجملها في :
1- وحدة اللغة : فاللغة العربية أهم العوامل في توحيد العرب في كافة أقطارهم ، هذه اللغة التي كتب بها القرآن الكريم والحديث الشريف ، وما روي عن أعلام الأمة من شعر ونثر وحكم وأمثال وغناء وحداء وقصص وروايات ، ورغم تعدد اللهجات بين أقطار العرب " لم تستطع أي لهجة منها أن تكون لغة مستقلة لها قواعدها الأصيلة في اشتقاق الألفاظ أو بناء الجمل ، والسبب أن الوحدة الروحية التي نبتت أساساً من القرآن لا تزال كما كانت والدولة العربية في عز مجدها ، وكانت النتيجة الطبيعية أن الجماهير لم تفقد صلتها بلغتها الأصلية " ( 6 )
لقد كانت اللغة العربية الوعاء الذي حوى كل أصناف الثقافة العربية ، وهو الذي حفظها من الضياع والتشتت ، ولا ننس أن اللغة العربية كانت هدفاً واضحاً للمستعمرين سواء من الأتراك أو من الأمم التي تدعي المدنية والتطور والرقي مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ، الذين حاولوا جاهدين فرض لغاتهم علينا ، وحرموا _ كما حدث في الجزائر مثلاً – استعمال العربية وفتحوا المدارس التي لا تستعمل سوى اللغة الفرنسية ، بل وشجعوا استعمال اللهجات العامية ، وبذلك يصطادون عدة عصافير بحجر واحد ، ففي ذلك سلخ للشعب المستعمر عن لغته وقرآنه وعقيدته ،وتاريخه وآدابه وتراثه ، وعاداته وتقاليده وفنونه ، وفيه تجسيد للإقليمية البغيضة التي تكرس كل ما هو مفرق مشتت ، ليكون ولاء كل شعب لإقليمه بدلاً من ان يكون ولاء الشعوب للقومية العربية التي تجمع الكل وتربطه برباط قوي متين يؤدي الى الوحدة والقوة والازدهار والتطور .
2- وحدة التاريخ والمصير : تكاد الظروف التي مرت بها دول العرب أن تكون واحدة وإن اختلفت أشكال هذه الظروف ، فما أصاب كل دولة أصاب الباقي ،ولم تحد الحدود الحالية من تلك المشاعر المشتركة التي أورثها هذا التاريخ ، فقد مرالوطن العربي بحضارات ما قبل الإسلام والتي لا يخلو أي قطر من آثارها ، ثم جاء الإسلام ليعم بنوره أقطار العرب الذين حملوا رسالته الى أقطار الدنيا ، وتلت مرحلة الخلفاء الراشدين المرحلة الأموية والعباسية ، وغزاه المغول والصليبيون والأوروبيون،ثم كان العهد العثماني الذي ساد العالم العربي أربعة قرون من التخلف والظلام ، ولما جاء الاستعمار وجد الأمة بأسرها "جاهزة" للابتلاع والنهب ، ثم كانت حركات التحرر والثورة على المستعمرين وبدأت أقطار العروبة تنال استقلالها الواحدة تلو الأخرى ، لتتلوها مرحلة النهضة التي شارك فيها المواطن العربي سواء في قطره أو في أي قطر عربي شقيق .
لذا يظل هذا التاريخ بآلامه وأحزانه ، ومسراته وأفراحه ،ومعاركه وبطولاته وأمجاده ، حقيقة واقعة حية في ذهن كل عربي ،عبر عنها شعراؤه وكتابه ومبدعوه ، وتناقلته الكتب ، وحدا به رواة الأدب الشعبي ومطربوه ، فتناقلته الأجيال ليظل في ذاكرة الأمة لا يطويه الزمن ،شاخصاً ببصرها وبصيرتها نحو مصير واحد أملاً في مستقبل زاهر مشرف .
ويؤكد العالم والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي ذلك ، فيقول في كتابه " مدخل تاريخي للدين " : " إن الإسلام أكثر العقائد الدينية اتفاقاً مع المنطق ، وأشدها صرامة في الإيمان بمبدأ الوحدانية الجليل ، وأعظمها وضوحاً في إدراك الإستشراق الإلهي . "
ويقول أيضاً : " إن اللغة الفصحى في القرآن هي الرباط الوثيق الذي يمنع العالم العربي من التفكك "( 7 )
3- عقلية واحدة :ويقصد بها تلك المكونات والصفات التي طبعت الشخصية العربية وميزتها عن باقي الشخصيات ، كالكرم والنخوة وحماية الجار واحترام الوالدين وأهل العلم والدين ،وازدراء الجهل وممارسة المحرمات ، والإحساس بالكرامة والفردية ، والاعتزاز بالقبيلة والوطن ،والإيمان بالقضاء والقدر.
4- شيوع الإسلام : قد يرى البعض أن الإسلام لا يشكل عامل وحدة بين دول العروبة وذلك لوجود نسبة ضئيلة من السكان تدين بالمسيحية ، ولكن قارىء التاريخ يرى أن الإسلام كان عامل وحدة كبير في تاريخ الأمة في نزاعها مع أعدائها ، وفي الوقت نفسه كان هذا الدين مستهدفاً بالحقد والأذى ، والتآمر والغزو للقضاء على حملته فكيف بالدعاة اليه ، والأدلة على ذلك تعمر بها الكتب والمصادر .
ومن ذلك مثلاً ما يقوله أنتوني ناتنج في كتابه " العرب" :
" منذ أن جمع محمد صلى الله عليه وسلم أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي ، وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامي ، فإن على العالم الغربي أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة وصلبة تواجهنا عبر المتوسط " (8 )
ويقول مورو بيرجر في كتابه " العالم العربي المعاصر" ان الخوف من العرب ، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب ، بل بسبب الإسلام .
يجب محاربة الإسلام ، للحيلولة دون وحدة العرب ، التي تؤدي إلى قوة العرب ، لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره .
إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر في القارة الإفريقية" ( 9)
وليتنا نقرأ ما يقوله أعداؤنا ... أن البترول وحده لا يشكل مصدر خوف للغرب ، بل إن وحدة العرب ، وأعظم عامل يجمعهم ويوحدهم هو الإسلام ، وقوتهم كائنة حاصلة بتمسكهم به ، وهوانهم بابتعادهم عنه .
أما ما قاله مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية عام 1952 فيكاد أن يكون خلاصة مريحة لصفحات كثيرة عن هذا الموقف العدائي، يقول :
" ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي ، ان الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هو الخطر الإسلامي ، فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي ، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص بهم ، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة ، فهم جديرون ان يقيموا قواعد عالم جديد دون حاجة الى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية ، فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين ،وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية ، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ .
وقد حاولنا نحن الفرنسيين خلال حكمنا الطويل للجزائر أن نتغلب على شخصية الشعب المسلمة ، فكان الإخفاق الكامل نتيجة مجهوداتنا الكبيرة الضخمة .
إن العالم الإسلامي عملاق مقيد ، عملاق لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافاً تاماً ، فهو حائر ، وهو قلق ، وهو كاره لانحطاطه وتخلفه ، وراغب رغبة يخالطها الكسل والفوضى في مستقبل أحسن ، وحرية أوفر...
فلنعط هذا العالم الإسلامي ما يشاء ، ولنقو في نفسه الرغبة في عدم الإنتاج الصناعي ، والفني ، حتى لا ينهض ، فإذا عجزنا عن تحقيق هذا الهدف ، بإبقاء المسلم متخلفاً ، وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه ، فقد بؤنا بإخفاق خطير ، وأصبح خطر العالم العربي ، وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً ينتهي به الغرب ، وتنتهي معه وظيفته الحضارية كقائد للعالم " ( 10 )
هكذا إذن ...! وضوح ما بعده وضوح ، وكشف للنوايا ما بعده كشف ، وجلاء للحقائق يعفي العقلاء من إعمال الفكر ، وإتعاب العقول ، ولو أردنا أن " نستفيد" مما قاله السياسي الفرنسي الفاضل لأدركنا ما يلي :
1-أن الخطر الذي يخشاه الغربيون ويترصدونه ليس الخطر الشيوعي ، بل هو الخطر الإسلامي الداهم الذي يقلق راحتهم ، ويقض مضاجعهم .
2- أن المسلمين يملكون عالماً مستقلاً يملك تراثاً روحياً يخصهم ، ولهم حضارتهم التاريخية العريقة القديمة الأصيلة .
3- أن حضارتهم أصيلة عريقة لا تسمح بان يتم تذويب شخصيتهم الروحية المستقلة في الحضارة الغربية التي تفتقد الروحية والاستقلال والعراقة والثبوت .
4– أن ما سبق يعطي المسلمين الجدارة والصدارة لإقامة قواعــد عالم جديد ( ولكن هذا المفكر يبخل علينا بصفات هذا العالم الجديد ، ولا يذكر لنا طبيعة هذه القواعد )
5- من الممكن جداً لهذه الأمة أن تتهيأ لها أسباب الإنتاج الصناعي الهائل،والذي يؤهلها لفتح العالم وإنارته بتراثها الراقي الرائع الثمين.
6- يزعم هذا السياسي أن المسلمين إذا انتشروا في الأرض يزيلون حضارة الغرب ويشطبون رسالته المزعومة التي لا يخبرنا بطبيعتها ولا بمضمونها !
7- أن الإخفاق الكامل كان مصير المحاولات اليائسة للتغلب على الشخصية المسلمة ( رغم الجهود الكبيرة والملايين التي أنفقت على الحملات المدمرة لكل شيء حي في الجزائر ) .
8- ينبه – بدون أن يقصد النصيحة بالطبع - العالم الإسلامي أنه قوي عملاق لا يعلم مقدار قوته وطاقاته ، ولديه الرغبة الصادقة في التغيير والوصـول والارتقاء الى مستقبل أفضل ، ولكن الفوضى تحكم مساره ، وتبدد جهوده ، والكسل يعيق آماله ومساعيه .
9- يشجع على منح العالم الإسلامي ما يريده وما يبتغيه - لا عن كرم وجود – ولكن ليظل مستورداً مستهلكاً ، وعبداً خنوعاً لكل ما ينتجه الغرب من صناعات، وبذا تقتل عنده ملكة الابتكار والإبداع ، فيبقى قزماً متخلفاً ، فقيراً معوزاًً ، لا يهمه سوى حاجاته وشهواته .
10- إذا ما نفذ كل ذلك - لا سمح الله- يزول الخطرالإسلامي المزعوم وما وراءه من طاقات وقوى هائلة مؤثرة فاعلة ، وبذا تنتهي هذه الوظيفة الحضارية التي يمكن للعالم الإسلامي أن يقوم بها كقائد للعالم – كما يتوقع السياسي الحصيف بدون مواربة - ومرشد وهاد ٍ له كما كان في عصوره الزاهرة .
" وأبرزالكاتب لورنس براون هذا الموقف في صورة واضحة حينما قال : إذا اتحد المسلمون في امبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً،أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة له ،أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير " (11 )
وعليه لا غرابة أن يسعى الغرب جاهداً لتأسيس دولة إسرائيل ، ومساعدتها بكل الوسائل للبقاء قوية منيعة أمام العرب والمسلمين .
" ففي عام 1907 طلبت الحكومة البريطانية الى مؤتمر خبراء الاستعمار الذي انعقد حينذاك بناء على اقتراح منها ان يتدارس الوسائل التي تتسع للحيلولة دون اضمحلال الاستعمار الغربي .
ولقد تدارس هؤلاء الخبراء فيما طلب اليهم ثم تقدموا بنتائج بحوثهم في تقرير الى وزارة الخارجية البريطانية، فجاء فيه :
ان البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار... وهو ملتقى طرق العالم فلا بد لنجاح أية خطة تستهدف حماية المصالح الأوروبية المشتركة من السيطرة على هذا البحر ، وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية لأن من يسيطر على هذه المنطقة يستطيع التحكم في العالم .. فعلى طول ساحله الجنوبي من الرباط الى غزة ، وعلى الساحل الشرقي من غزة حتى مريسين وعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا وتمر فيه قناة السويس شريان حياة اوروبا ، وعلى جانبي البحر الحمر وعلى طول ساحلي المحيط الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطرق الى الهند والإمبراطوريات الاستعمارية في الشرق ، في هذه البقعة الشاسعة الحساسة يعيش شعب واحد تتوفر له وحدة تاريخية ودينية ووحدة اللغة والآمال وكل مقومات التجمع والترابط والاتحاد ، وتتوفر له في نزعاته التحررية وفي ثرواته الطبيعية وفي كثرة قبائله كل أسباب القوة والتحرر والنهوض ، ويبلغ تعداده الآن 35مليون نسمة ، ويمكن ان يكون وضع هذه المنطقة إذا توحدت فعلاً آمال شعبها وأهدافه ، وإذا اتجهت هذه القوة كلها في اتجاه واحد ...عند ذلك ستحل الضربة القاضية حتى بالامبراطوريات الاستعمارية .. وتفادياً لتلك الضربة نبه التقرير الى ضرورة العمل على فصل الجزءالإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي .... وذلك بإقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر الذي يربط آسيا بأفريقيا ويربطهما معاً بالبحر المتوسط بحيث تشكل في هذه المنطقة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة "( 12 )
ويوضح هذا الحديث أموراً أخرى مثل :
1- استراتيجية موقع الوطن العربي وأهميته .
2- أهمية البحر الأبيض المتوسط .
3- قلق الدول الاستعمارية الدائم على نفسها ، لذا هي دائماً في حالة يقظة دائمة ، هذه اليقظة يعينها ويقوم عليها أهل العلم والدراية وليس أصحاب الغايات الذاتية الذين لا يهمهم شيء سوى مكاسبهم ، وليس لديهم شيء أغلى من مطامعهم .
4- أن منطقتنا العربية قد توفرت لها كل أسباب الوحدة والقوة والمنعة ، ولكن أهلها لا يقلقهم ذلك كثيراً .
5- أن دول الاستعمار تراقب بكل حذر احتمال نهوض هذه الأمة وسعيها لتحقيق أمل مّا يضر بالاستعمار وقوته وسيادته ، لذا يجب تجزئته وتمزيقه وتفتيته خشية وقوع ما لا تحمد عقباه من زحوف وفتوحات ونشر عقائد .
6- كان الحل الأمثل لذلك كله وضع هذا الجسم الغريب ليؤدي الوظيفة المطلوبة منه ، مشكلاً حاجزاً بشرياً بين دول هذه الأمة ، ويعمل ليل نهار للتفريق والإفساد ، ونزع ثقة هذه الأمة في نفسها وقدراتها ، لتظل ضعيفة غير قادرة على شيء ، ويسهل بالتالي على الاستعمار وأدواته احتواؤها ، أو غزوها واحتلالها .
7- يؤكد التقرير على موقع فلسطين ، ويركز على قناة السويس كهدف لا غنى عنه في الحاضر والمستقبل لبقاء الاستعمار واستمراره .
ويقول المستشرق المعاصر ولفر كانتول سميث في كتابه الإسلام في التاريخ الحديث : " إن الغرب يوجه كل أسلحته الحربية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية لحرب الإسلام ، وإن خلق إسرائيل في قلب العالم الإسلامي كجزء من هذا المخطط المرسوم " ، ويبارك ما فعله كمال اتاتورك ضد الإسلام والمسلمين ، فيضيف " إن العلمانية التركية التي قام بها أتاتورك هي حركة إصلاحية إسلامية ، وهكذا يجب أن يفهم الإسلام "
ولا يخفي اللورد بالمرستون (1784- 1865) رئيس الوزراء البريطاني الأسباب الاستعمارية لاستقدام الجاليات اليهودية الى فلسطين في النصف الأول من القرن التاسع عشر ،" فقد ارتبطت منذ البدء فكرة تشجيع استيطان اليهود لفلسطين بفكرة إقامة حاجز بشري استعماري غريب يحول دون قيام دولة عربية مستقلة موحدة تقسم المشرق العربي وإفريقيا العربية وذلك حفاظاً على استمرار السيطرة الأجنبية على مقدرات الوطن العربي "( 13 )

Page 4

حرب على كل أسباب الحضارة
ولا يترك الاستعمار وأعوانه أي سبب من أسباب الحضارة والتقدم للشعوب الا ويشن عليها كل أنواع الحرب والتخريب والإحباط ، وذلك لكي يقتل فيها أسباب القوة والتقدم والعمران ، لكي يكون استعمارها سهلاً ، وخضوعها مضموناً ، واستعبادها مصيراً لا نقاش فيه ولا جدل ، بل ولا بديل عنه سوى الفناء .
والمفكرون الذين عاشوا تلك الفترة المعتمة من تاريخ الأمة ، لديهم الكثير مما يقال فيكتب لأمة لا تحب القراءة ، بل وتعزف عنها ، ولا ترغب في صداقة من يمارسها ! .
ومن هؤلاء المفكرين الكاتب المصري المعاصر سلامة موسى ( 1880- 1958) الذي يقول في كتابه " تربية سلامة موسى " في فصل بعنوان :
" القاهرة فيما بين 1903- 1907 "
" ... وكان الإنجليز يحاربون شيئين في الأمة لا ثالث لهما ، وكانوا يكفلون بقاءنا في ظلام الجهل وذلة الفقر بهذين الشيئين ، وهما العلم والصناعة ، ونجحوا في ذلك نجاحاً عظيماً ، فلم يسمحوا طول إشرافهم على وزارة المعارف بإنشاء مدرسة ثانوية للبنات في أية مدينة من مدارس القطر ، وكانوا يعلموننا أن بلادنا زراعية لا تلائمها الصناعة ، كأن القدر قد قضى علينا بالفقر الأبدي ، وكانوا يصرون على المحافظة على تقاليدنا ، فكانت المدرسة السنية الابتدائية في القاهرة ، وكانت ناظرتها إنجليزية تصر على اتخاذ البرقع للتلميذات وهن في العاشرة أو الثانية عشرة من العمر ، وكان معلم اللغة العربية يفصل من وزارة المعارف إذا نزع عمامته وقفطانه واتخذ البنطلون والجاكتة ، وتقدمت الآنسة نبوية موسى لامتحان الشهادة الثانوية في سنة 1907 من بيتها ، فرفض دنلوب المستشار الانجليزي لوزارة المعارف قبولها في الامتحان ، ولكنها استمرت على الكفاح ،وأحدثت ضجة في الجرائد ، وتقدمت في السنة التالية فقبلت ونجحت ، ولكن الإنجليز تنبهوا ، فلم تفز فتاة مصرية بالشهادة الثانوية منذ 1908 إلى 1929 حين تقدمت الفتيات اللاتي أنشأت لهن وزارة المعارف مدرسة ثانوية في 1935 ، أي بعد إعلان الاستقلال بسنتين .
وكانت التلمذة في المدرسة الخديوية فيما بين 1903 و1907 سلسلة من التعذيب ، فكان أحدنا يعاقب طوال العام الدراسي بالحضور يوم الجمعة في المدرسة حتى لا يهنأ بالإجازة الأسبوعية ، وكان من العقوبات المألوفة أن يحضر أحدنا في منتصف الساعة السابعة صباحاً ، أي في الظلام مدة الشتاء ، ثم لا يترك المدرسة آخر النهار إلا بعد الحبس ساعة أو اكثر ، وقد يكون السبب الوحيد لكل هذه العقوبات أن المعلم الإنجليزي قد طلب من التلميذ أن يقعد فوقف
أو يقف فقعد ، وقد تكون هـذه محض التباس لا أكثر ، ثم يتأخر المسكين في الحضور الساعة السادسة والنصف ، فيزداد عقوبة ، والزيادة تتراكم ، وهذا إضافة الى عقوبات مهينة ، مثل حرمانه من الغداء إلا برغيف يأكله وهو واقف أمام زملائه .
وكان ناظر المدرسة يدعى شارمان ، وكان يتأنق في تعذيبنا ، وحدث أن الجمعية الخيرية الإسلامية أرسلت على نفقتها بعض تلاميذها من مدارسها الابتدائية ، وكانت تشتري لهم ملابسهم في شكة صفراء واحدة ، وكان هؤلاء المساكين يخجلون من هذه الملابس الرخيصة ، واشتروا غيرها من الملابس المألوفة ، حتى لا يتميزوا بفقرهم أمام زملائهم ، ولكن شارمان أصر أن يلبسوا ملابسهم التي تصمهم بالفقر ، فلبسوها ، وكانوا ينزوون منا في خجل .
ولست أشك أنه حين أعلنت الجرائد وفاة شارمان هذا غرقاً في أواخر الحرب الكبرى الأولى ، عم الفرح جميع القارئين الذين كانوا تلاميذه ، وقد يستنكر القارىء هذه العاطفة منا ، ولكني أؤكد أن التلمذة في تلك السنين كانت عذاباً لا يطاق ، وكان للمعلمين الإنجليز لذة في تعذيبنا ، وكانت العلاقة بيننا وبين هؤلاء المعلمين خالية من الإحساس البشري ، حتى لقد كنا أحياناً نجهل اسم أحد المدرسين طوال العام الدراسي .
وقضيت ثلاث سنوات في المدرسة الخديوية لا أكاد أعد أسبوعاً واحداً فيها هنئت به ، ولذلك تخلفت في الدراسة ، وكان من أسباب هذا التخلف أيضاً أني مرضت بعيني واحتجت الى إجراء عمليتين لا يزال أثرهما المشوه باقياَ " .
"وبفضل الحزب الوطني ، بل بفضل الشاب مصطفى كامل ، تزايدت الحركة الوطنية ، وأخذت موجاتها تعلو وتزيد ، ورأى كرومر عجزه عن مكافحتها ، فحمله الغيظ على العنف الأحمق ، بل على التوحش الإجرامي ، فانتهز حوالي 1907 فرصة التقاء الجنود ببعض الريفيين في دنشواي ، إحدى القرى في المنوفية ، وكانوا يصيدون الحمام الذي كان هؤلاء الفلاحون يربونه ، فاشتبك الريفيون مع الإنجليز في مشاجرة انتهت بقتل بعض الإنجليز ، أو بالأحرى بوفاتهم ، وعندئذ عينت محكمة مخصوصة كان رئيسها المرحوم بطرس غالي باشا ، ومن أعضائها المرحوم فتحي زغلول باشا ، وكان المحامي عن الإنجليز الهلباوي ، الذي صار بعد ذلك عضواً في حزب الأحرار الدستوريين ، وشرع في محاكمة الدنشوائيين ، وعم الأمة توتر نفسي ، وغلت العواطف ، وكتب "المقطم" بأن المشنقة أرسلت إلى دنشواي قبل أن تنتهي المحاكمة ، فخجلت الحكومة وكذبت الخبر ، ولكن المرجح أن المقطم كان صادقاً ، لأنه كان يتصل اتصالاً وثيقاً بالإنجليز في ذلك الوقت .
وصدر حكم المحكمة بجلد البعض وبشنق آخرين ، ونفذت الأحكام في القرية ذاتها ، ورأى الأطفال آباءهم يشنقون أو يجلدون ، ورأت الزوجات والأمهات والشقيقات والآباء أعزاءهم وهم يتدلون من الحبال أو يصرخون من الجلد .
وأذكر أني كنت في الإسكندرية ذلك الوقت أتنزه مع أخي ، وكنا نأكل في المطاعم ، فلما قرأت الحكم عمني جمود يشبه الغثيان ، فلم أستطع الأكل جملة أيام ، ودارت في نفسي خواطر جنائية عن هؤلاء المعتدين على بلادنا وأهلنا ، وخجل الإنجليز أنفسهم من هذا الحادث الإجرامي ، فعزلوا كرومر عن وكالته في مصر ، وكان يرأس الوزارة الإنجليزية في ذلك الوقت رجل من الحربيين يدعى هنري كامبل بانرمان ، ولكن وزير الخارجية المدعو جراي برر جريمة كرومر بأن وقف في البرلمان يقول : إن التعصب الإسلامي قد تفشى في إفريقيا الشمالية كلها ، بما في ذلك مصر ، وكتب المقطم مقالاً عنوانه " التعصب يمتد ويشتد " أي تعصب المصريين المسلمين الذين يجب أن يكبحوا بمشانق دنشواي ، وما زالت كلمات هذا المقال ترن في ذهني ، ولا تزال دنشواي عندي من الذكريات النفسية الأليمة "( 14 )
ويقول سلامة موسى في مقال آخر بعنوان :
"التدابير الإنجليزية لفقرنا وجهلنا ومرضنا" :
" ثم شرع الإنجليز في مهمتين سلبيتين : إحداهما منع التعليم ، فأقفلوا المدارس ، وثانيتهما منع الصناعة ، فلم يأذنوا بإقامة مصنع ، بل لقد أقمنا مصنعاً لنسيج القطن في بولاق حوالي1900، اشتغل وأنتج الأقمشة ، فتعقبوه بالمعاكسات حتى أقفلوه وعينوا مديره الإيرلندي في وظيفة حكومية ، ولا تزال أسسه قائمة ، وقد حصلت من كامل صدقي باشا على أحد الأسهم التأسيسية لهذا المصنع الذي عمل الإنجليز على إفلاسه .
ثم حددوا التعليم ، وصرحوا بأن المقصود منه إيجاد موظفين فقط للحكومة ، وكانت مدرسة الطب محدودة العدد ، حتى أن خريجيها في بعض السنين لم يكونوا يزيدون على ستة أو سبعة أطباء في العام كله ، وكان أطباء الجيش يجلبون من لبنان من خريجي الكلية الأميركية في بيروت ،وكانت حالنا مع ذلك أفضل من حال الهنود ، فإن هؤلاء كانوا محرومين من مدرسة للطب الى 1920 ، فلم يكونوا يتعالجون - وهم 400مليون - من أمراضهم إلا على أيدي الدجالين أو على أيدي الأطباء القليلين جداً الذين تعلموا في أميركا أو أوروبا ، فتعقل هذا أيها القارىء ، تعقل وتدبر في هذه القسوة ، وكيف كنا محرومين من الأطباء قبل 1919الا خمسة أو ستة تخرجهم مدرسة الطب كل سنة ، وكيف حرم الهنود حرماناً تاماً من مدرسة للطب إلى 1920 !
وإني أذكر فيما بين 1900 و 1915 أني لم أزر طبيباً مصرياً ، لا أنا ولا واحد من أعضاء عائلتي ، ولم أكن أسمع عن طبيب مصري إذ كان الأطباء الممارسين في القطر المصري أجانب من اليونانيين أو الإيطاليين أو الإنجليز والفرنسيين ، بل أكثر من هذا ، ففي عام 1927 كان ماهر باشا وزيراً للمعارف ، وسنحت له الفرصة بإحالة الجامعة الشعبية إلى جامعة حكومية ، وكانت هذه الفرصة هي غياب المندوب السامي البريطاني جورج لويد ، وجمع المختصين وصرح لهم " بأننا يجب أن نبادر وأن نؤسس الجامعة المصرية على أساس ثابت في غياب اللورد لويد ، لأنه إذا جاء قبل أن ننتهي من هذا العمل فإنه سيعارض ويمنعنا من إيجادها " ، وتلك كانت خطة الإنجليز لتبوير العقول المصرية ، وتم تأسيس الجامعة في غياب اللورد لويد ، ولما عاد إلى مصر ووجدها قائمة ، كان ينتفض غيظاً وجزعاً .
وكانت همة الإنجليز المشؤومة في منع التعليم تتجه إلى البنات كما تتجه إلى الغلمان ، فإنهم منعوا التعليم الثانوي للبنات ولم نستطع إيجاد مدرسة ثانوية إلا في عام 1925 ، وكانت وزارة المعارف ترسل البعثات إلى اوروبا وتشترط على أعضائها ألا يلتحقوا بأية جامعة ، وإذا فعلوا فصلوا من البعثة وحرموا من الإعانة المالية .
هذا من ناحية التعليم من حيث المنع ، أي من حيث تحديد الكم ، ولكن حملتهم المشؤومة كانت تتجه أيضاً نحو الكيف ، فكانوا مثلاً يصرون على أن تدخل البنت في المدرسة السنية الابتدائية ( أكرر كلمة ابتدائية ) إلا وهي مبرقعة ، كما كانوا يصرون على أن يكون معلم اللغة العربية معمماً ، غيرة على التقاليد ، حتى نبقى من دعاة الفعل الماضي نعيش في الأمس .
أما في ناحية الصناعة ، فقد عرّفوا المصنع في عام 1904 بأنه : " محل مقلق للراحة أو مضر بالصحة أو خطر " ، ولا يزال هذا التعريف قائماً إلى الآن ، وهو يكفي لإقفال أي مصنع في العالم ، ولذلك لم يجرؤ واحد على إنشاء مصنع إلى 1919 ، بل إني أنظر في جدول الصادرات والواردات عام 1913 فأجد أن الواردات إلى مصر كلها من السلع الإنتاجية ، أي الآلات ، لا يزيد ثمنها على 1800 جنيه ، أي أقل مما يحتاج إليه مصنع في سنة واحدة ."
" ومن الحروب الكثيرة التي شنها الانجليز على المصريين ، تعميم الأمراض الدودية بالري الوفير لزرع القطن ، " فإن أي إنسان مهما كان جاهلاً ، كان يستطيع أن يفهم في عام 1900مثلاً أنه إذا استشبعت التربة بالمياه الوفيرة فإنها ستملح وتقل خصوبتها ، كما ان الحشرات والديدان ستعيش فيها وتتكاثر ، ولا بد أن تفشو ديدان البلهرسيا والأنكلستوما والأنكاريس، وقد فشت هذه الديدان التي لم نكن نعرفها في عام 1900 إلا قليلاً جداً ، إذ لم يكن بين الفلاحين من يحملون هذه الديدان في أجسامهم ، تأكل لحومهم وتشرب دماءهم من عام 1890 الى 1900 سوى 2 او 3 في المئة ، فأصبحوا الآن بفضل جنون الساسة التجاريين من الإنجليز نحو 80 او 90 في المئة ، أصبحنا أمة مريضة تحاول الآن أن تشفي فلاحينا من هذه الديدان "(15 )
وسلامة موسى كاتب مسيحي علماني ، ولكن ذلك لا يدعه مفتوناً بالإنجليز أصحاب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، وذلك لسبب بسيط وهو أن الرجل قد عاش بنفسه هذه الأهوال التي يحدثنا عنها بكل صراحة وموضوعية وتجرد ، فها هي صورة الاستعمار كما هي بقلم " شاهد عيان" مثقف وواع لا تنقصه الشجاعة فيما يقوله ويدونه للأجيال القارئة ، فالإنجليز :
1- وضعوا التعليم أهم غاية وأغلى هدف لشن الحرب ضده والقضاء عليه ، وواضح أنهم مبدعون خلاقون فيما يبتكرونه من أساليب شيطانية لتنفيذ هذه الحرب المعلنة أو غير المعلنة على كل من تسول له نفسه أن يلتحق بمدرسة ، أو أن يصبح شيئاً مَا يوماً مَا !
2- يعلمون الناس – ويحاولون جاهدين إقناعهم – بأن بلادهم زراعية فقط، لذا حكم عليها أن تظل زراعية بفتوى منهم ، فهي لا تصلح لصناعة أو تجارة أو أي نوع من أنواع الابتكار أو الإبداع البشري ، لا لشيء إلا ليظل أهلها عبيداً للاستعمار وأذنابه وكل من يدور في فلكه .
3- لقد قرأنا عن "دنشواي" في الكتب المدرسية وكانت تدعى بحادثة دنشواي ، فيظن المرء أنها مجرد حادثة كإسمها ، ولكن الكاتب الملتزم يصف المشهد المأساوي وصفاً دقيقاً يصور به مدى حقد الاستعمار وقسوته وظلمه ، ومدى ساديته وتلذذه بتعذيب البشر .
4- محاربة البريطانيين للصناعة بمنع استيراد الآلات ، وإغلاق المصانع ، كي تبقى البلاد فقيرة ، ولتظل سوقاً للبضائع الإنجليزية .
5- ولكن الشيء الأغرب في كل ما سبق هذا الحرص الشدبد ،والمخطط والمدروس لخلق الأمراض وبذل الجهود لإفشائها بين كل الطبقات ،إمعاناً في الإساءة وتجسيداً للأحقاد الدفينة ، وإضعافاً للناس الذين لا تتوفر لديهم سبل العلاج للأمراض العادية ، فكيف بالأوبئة والديدان القاتلة .
****
ولنتأمل الدين الإسلامي الحنيف ، ودعاته الأماجد الذين نشروه في بقاع الدنيا بدون تعذيب أو سفك دماء ، أو نهب أو سلب أو هتك أعراض كما تعودنا أن نقرأ ونسمع عن الحملات الغربية المسعورة الغاشمة على ديار الإسـلام ، " ففي عام 1963 أثارت الصحف الأميركية حملة ضارية ضد الإرساليات التبشيرية الى القارة الإفريقية التي أنفقت مئات بل ألوف الملايين من الدولارات ، بدون أن تؤدي الغرض من وجودها ، والأمل المعقود عليها ، وعيرتها بأن الإسلام قد انتشر في تلك القارة انتشاراً عفوياً بدون بعثات وإرساليات ، فكان جواب المبشرين على تلك الحملة : إنهم إن يكونوا أخفقوا في دعوتهم ، فهم قد نجحوا نجاحاً ملحوظاً في تشويه الإسلام في نفوس أصحابه من العامة .. واعتذروا عن تقصيرهم فيما أرسلوا من أجله بأن الإفريقيين _ والوثنيين منهم خاصة – كانوا ينفرون بشدة من المبشرين لأن ما يدّعونه من سماحة المسيحية وتعاليم يسوع ، يخالف مخالفة دنسة التعذيب البشع ،والتقتيل الجماعي الذي يقاسونه من الاستعمار!"(16 )
أما موقف إسرائيل وزعمائها ، والصهيونية ودعاتها وكبارها ، فهو واضح جلي لا يخفيه هؤلاء ، ويصرحون به بمناسبة وبدون مناسبة ، فهم لا يخفون كرههم للشعوب الأخرى ، وحقدهم على الأديان غير اليهودية مهما كان مصدرها أو مكانها أوحملتها ودعاتها ، لنقرأ :
" فالأمم في نظر إسرائيل دواب وبصاق ، ولا تستحق حمل اسم الإنسان_ سفر عزرا الرابع ، الفصل الخامس – "وستتجمع الأمم عند ظهور المسيح في أورشليم لكي تلحس التراب عن أقدام إسرائيل – أشعيا – الفصل 49 العدد 23( 17 )
" وكلمة الأمم تثير قرف ( التلمود ) الذي يعلم اليهود أن ليس عليهم وفاء عهودهم نحو الشعوب الأخرى ، والمسيحي عندهم يمثل صنفاً من الأمميين ، مكروهاً بنوع خاص ، فالتلمود ينكر عليه الحق في أن يعامَل بالإنصاف والوفاء والإحسان ، بالإضافة إلى الإفتراءات السمجة التي وردت في النصوص والتي تنعت المسيح باللقيط ! وتقذف مريم العذراء بالفجور ، وهناك المؤلـََف الصفيق المسمى " نسب المسيح- تولدة يشوع" ، الذي جمع كل تلك الشناعات وألصقها بالمسيح وأمه " ( 18 )
ويقول بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل : إذا كان ينبغي من أجل خير أرض أجدادنا أن نغزو أمماً أجنبية ، ونستعبدها ونبيدها ، فيجب أن لا تمنعنا من ذلك اعتبارات إنسانية .
ويقول رئيس إسرائيل الأسبق مناحيم بيغن : نحن نحارب إذن نحن موجودون " ( 19 )
وعلى عكس ذلك كله . نرى الدين الإسلامي الحنيف فد ترك للكتابيين حقهم في البقاء على دينهم ، وممارسة طقوسهم ، فلم يكن هناك ما يسمى بالصراع الديني بين المسلمين وغيرهم ، لذا فإن المسلمين وحضارتهم ، وجيوشهم وفتوحاتهم ، قد احتضنت كل الأديان بدون سفك دماء أو اغتيال او تعذيب ، فسادت روح التسامح الديني كل الأقطار التي فتحها المسلمون ، لذا لا نستغرب أن يدخل مئات الملايين من الناس والأمم الأخرى هذا الدين الحنيف النموذج في التعامل والسلوك والتمدن ، واحترام معتقدات الشعوب الأخرى ، بل وأمن لهم الحماية والرعاية من أي معتد خارجي ، وتركت لهم حرية العمل والكسب والعيش ، وممارسة الحياة كأي مسلم داخل الدولة .
نظرية هوبسون في الاستعمار والرد عليها
المفكر الإنجليزي جون هوبسون(1858- 1940) المحاضر السابق في جامعة أكسفورد له رأي في أسباب الاستعمار يستحق التوقف عنده للتأمل !
" يرى هوبسون أن الإمبريالية وليدة النظام الرأسمالي وما ينتج عن تبلوره وتطوره من فائض في الناتج الصناعي دون أن يقابله استهلاك مماثل ، أي في الوقت الذي يزيد فيه الفائض الصناعي نتيجة زيادة الغنى في جانب الرأسماليين ، فإن الاستهلاك يقل نتيجة ضعف القوى الشرائية عند الغالبية من فئات المجتمع ، بما لا يمكنها استهلاك ثمار التصنيع ، فالمجتمعات الرأسمالية تواجه بورطة تتمثل في زيادة الإنتاج ونقص الاستهلاك في نفس الوقت ، وبالتالي فإن هذا الخلل في النظام الرأسمالي يؤدي إلى البحث عن أسواق في الخارج ( فيما وراء البحار) لتصريف المنتج والبحث عن فرص لاستثمار رؤوس الأموال "(20 )
وهذا كلام لا يخلو من معرفة بطموحات دول الغرب في تنمية أموالها ، وتطوير تجارتها ، بخلق أسواق لها في دول المشرق الفقيرة ! ، ولكن هذا الاستعمار الطيب القلب ، صاحب النوايا الحسنة التي لم نحسن تقديرها أو التعامل معها ، كان بإمكانه أن يفعل ما يلي :
1- تحسين صورته في البلاد التي استعمرها ، وذلك بسلوكه القويم ، وتمسكه بمبادئه وثقافته وحضارته التي يحدثنا عنها كتابه وفلاسفته ليل نهار ، فيكون نموذجاً يقتدى ، ومثلاً يحتذى لنا نحن الفقراء إلى كل ذلك ! .
2- نشر بضائع سليمة مفيدة للمستهلكين .
3- أن لا يكشر عن أنيابه المسمومة في احتلال البلاد وتخريبها ، وانتهاك أعراضها ، وتشريد رجالها وعلمائها .
4- أن يكون على ثقة تامة بمبادئه وتعاليمه وثقافته ، فينشرها بين الناس الذين سوف يتقبلونها عن رحابة صدر ، وليس بالعنف والقتل ، والسلب والنهب .
5- أن يؤدي الوظيفة التي جاء من أجلها ، وهي تسويق المنتجات الفائضة ، فيخلق أسواق دائمة لبضائعه التي لن ينافسه فيها أحد ، طالما انه مستقيم وأمين وثقة .
6- الدول المستعمَرة كانت ضعيفة فقيرة ، وإلا فما كانت لتكون سهلة على دول الغرب لاستعمارها ، لذا كيف يتوقع لها أن تكون سوقاً رائجة ، ويملك أهلوها العملات الصعبة لاستيعاب منتجات الغرب وطموحاته ؟ .
7- أثبتت حوادث التاريخ أن ما زعمه هوبسون عن غايات الاستعمار لم تثبت صحتها في شيء في كل الدول المستعمَرة ! ، ولم يرحب أحد بالاستعمار ولا بأهدافه النبيلة الشريفة ! وإلا فكيف يفسر لنا هذه الثورات العارمة التي قامت في كل الدول المستعمَرة ؟ ، أتراها قامت وقدمت الضحايا والشهداء لأن بضائع الغرب لم تعجبها ، ورفضت ان تكون سوقاً للمستعمرين ؟ .
إن من يقرأ ما ورد في الصفحات السابقة يشكك في كل كلمة قالها هوبسون ، أو يطلع على ما كان فعله الايطاليون في ليبيا ، والفرنسيون في الجزائر والمغرب سوف يرى أن ما قاله لا يتعدى كونه استبساط للعقول ، وسخرية من التفكير المستنير السليم ! .
وعلينا أن نقر بدون حرج أن الأتراك الذين حكموا بلادنا كانوا شكلاً من أشكال الاستعمار، وإذا كان مفهوم الاستعمار سيطرة حضارة راقية على حضارة متخلفة ، فقد كان الأتراك على عكس ذلك ، فلم يكن لديهم حضارة ولا رقي يقدمونه لهذه الأمة ، بل كانوا عالة على تراث العرب ابتداء من العمارة حتى شكل الكتابة ، ومن الصناعة حتى الثقافة .
وفضلاً عن قيامهم بنهب موارد البلاد وقواها المحلية من زراعية وصناعية ، ومكاسب تجارية ، إلى جانب الضرائب الكثيرة التي كانوا يفرضونها على الناس ، فقد هيأ الاتراك الوطن العربي ليكون لقمة سائغة للمستعمرين من الغرب ، " ومنذ الاستعمار التركي فقط بدأ الافتراق بين المستوى الحضاري والفني للغرب والعرب : الغرب إلى أعلى والعرب على الى اسفل ¸كان الاستعمار التركي نقطة الانعكاس في المنحنى الحضاري وخط التقسيم بين تقدم الغرب وتخلف العرب ، فبينما كان العالم العربي يتدهور بخطى حثيثة ، كانت النهضة الأوروبية بعثاً حقيقيا ومطرداَ لم يلبث أن طفر في قفزات ثلاث هي : الانقلاب التجاري ثم الميكانيكي وأخيراً الانقلاب الصناعي ، وقد تعاصر الانقلاب الأول مع أوائل الاستعمار التركي ، بينما تعاصر الانقلاب الأخير مع أواخره " ( 21 )
" لهذا فليس صحيحاً في هذا الصدد أن الاستعمار التركي هو الذي وقف حائلاً أمام الاستعمار الأوروبي وحمى منه الشرق العربي ، بل العكس هو الصحيح تماماً ! فبصرف النظر عن تخريب القوة الذاتية للعالم العـربي على يد الاستعمـار التركي ، بدأ التوغـل الأوروبي في المنطقة عن طريق " الرجل المريض" وبفضل عجزه ، وفي النهاية كانت هزيمة الاستعمار العثماني هي السبب المباشر فـي انقضاض الاستعمار الأوروبي على المنطقة "( 22 )

Page 5

ثالثاً : الثروة النفطية

صناعة النفط وأسعاره وأسواقه ، وأرقام إنتاجه وصادراته ووارداته ،لا تكاد صحيفة أو دورية أو نشرة أخبار تخلو من ما جدَّ في ذلك كله كل يوم ، وعليه فإن كل ما يجدُّ في مجاله يؤثر في الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كونه عصب الصناعة ووسائل النقل والإنتاج الحياتي اليومي ، لذا حظي بالاهتمام الأعظم منذ اكتشافه سواء للدول المنتجة له أو الدول المستهلكة ، وهذا بدوره أثر تأثيراً كبيراً في تشكيل العلاقات الدولية المتشابكة المعقدة بين دول العالم .
" والشرق الأوسط هو المنطقة الثانية في العالم من حيث الأهمية في إنتاج البترول ، إنه الإقليم الذي جاهدت وتجاهد فيه مختلف الشركات الاحتكارية ، سواء بجهودها الذاتية أو بتأييد من حكوماتها ،في سبيل نيل الامتيازات والسيطرة على موارد الزيت الوفيرة ، وعلى حسابه تمت وتتم الاتفاقات العلني والسرية - والأخيرة أكثر وأخطر- بين الدول والهيئات التي يعنيها الأمر دون أن يكون لأصحابه وأهله صوت مسموع ، وفي أرجائه تحاك الدسائس ، وتدبر المؤامرات ، وتنتشر الشائعات ، ويشيع جو من السرية والغموض يحيط بأعمال وكلاء الشركات وبعثاتها البريئة المظهر ، وأعمالها ومصانعها ومكاتب إداراتها ، فإذا اقتربت من مدينة بترولية شعرت كأنك موضع الارتياب والمراقبة ، وتحس كأنك في وسط غريب وبيئة غير مألوفة ، وهو نقطة الخطر في محيط السياسات والأطماع الاستعمارية ، وموضع المنافسات والخلافات بين الدول ، ومعمل البارود الذي قد يتفجر يوماً من الأيام ، فإذا بالعالم وقد انغمر في حرب ثالثة لا يستطاع التكهن بأخطارها ونكباتها " ( 23 )
هذه المدن النفطية مستعمرات مستقلة داخل الدول المنتجة للنفط ، ولا نظلم أحداً إذا قلنا أنها مدن للاستغلال ونهب الثروات ، وتوجيهها لفائدة الشركات وبأقل التكاليف ،لذا هي لا تحب الغرباء الذين قد يدسون أنفسهم في أمور تعنيها هي فقط ، فلا داعي لأن يزج مدَع للوطنية بنفسه في أسرارها ومؤامراتها ،وخططها وأهدافها ، ولا نستبعد أن تكون أيضاً مدناً للتجسس وجمع المعلومات عن كل تفاصيل هذا الوطن البريء لصالح الغرب الطامع المتوثب ، ولصالح الصهيونية العالمية التي لا تدع مساحة – مهما صغرت- إلا وهي متيقظة حريصة على سبر أغوارها ، ومعرفة أخبارها وقدراتها ، بل ونواياها وأحلامها ! ، فكيف بها إذا كانت مدن نفط ....! مدن الذهب الأسود المتحكم في عصب الحياة بكل تفاصيلها تنهل منه بلا ارتواء .
ففي عام 1950 كانت أوروبا الغربية تستهلك 50 مليون طن من النفط سنوياً ، وارتفع الرقم الى 220 مليون طن عام 1960 ، ثم إرتفع عام 1973 الى 945مليون طن ، أي ما يساوي 5،94 مليار برميل .(24 )
أما عن الولايات المتحدة ففي عام 2001بلغ استهلاكها من النفط 7 مليار برميل ، بينما بلغ استهلاك العالم كله 28،2 مليار برميل !( 25) ، لذا نرى الولايات المتحدة حريصة على شراء النفط من الخارج وعدم استهلاك مخزونها منه ، فقد أصبح اليوم الذي ينفد فيه نفط الشرق قريباً لتنعم هي بما لديها منه لعقود قادمة ، فلماذا لا نتعلم منها ؟ .
أما عن الغاز الطبيعي ، فقد بلغ الاحتياطي العربي منه 29،395مليار متر مكعب ، في الوقت الذي بلغ فيه الاحتياط العالمي 145،986 مليار متر، أي أن الوطن العربي يمتلك 20% من المخزون العالمي .
لذا هو من مصلحة الغرب ومنفعته وغاياته أن يكون هذا الجسم الغريب - إسرائيل- مزروعاً في قلب الوطن العربي النفطي ، مدعوماً بكل الوسائل من الغرب ليظل ورماً خبيثاً في أحشائه ، وتظل قوى هذا الوطن وطاقاته وأمواله منصرفة مكرسة لهذا العدو ، قلقاً واستعداداً ، وإنفاقاً وقتالاً ، فتظل أمواله التي جناها من تجارة النفط تصرف على شراء السلاح ولوازمه على مر السنين ،وبالطبع يصب ذلك في حسابات الغرب ، ولا ينفق منها شيئاً على التنمية والصناعة والتطوير والتعليم المتميز المثمر - كما حصل في التجربة الناصرية الناجحة 1952-1970 .

Page 6

رابعاً: القضاء على عبد الناصر

ليس غريباً أن يكون عبد الناصر وأسلوب حكمه وإدارته لأمور الدولة ، وشعاراته وخططه للنهوض بمصر كقوة مواجهة للغرب ولإسرائيل بالذات ،ومناداته باستقلالها ، واستغلال مواردها وقدراتها وإنسانها،وتوجهاته القومية المعلنة لجمع الصف ، وتوحيد الجهود والقوى ، وتوجهه نحو الشرق لإمداده بالخبرات والسلاح ، فأوجد بذلك قيادة وطنية واعية ملتزمة تفتقر إليها الأمة في ظروف دقيقة للغاية... ليس غريباً لكل ذلك أن يكون ناصر سبباً من أسباب العدوان الثلاثي على مصر .
لقد أعلن ناصر منذ الأيام الأولى لثورة يوليو أن مصر ليست مستعدة لقتال إسرائيل في ذلك الوقت ، فالميراث الذي ورثه عن سلفه الملك فاروق كان حقبة من الفساد والتراجع والاستسلام لمشيئة الغرب ، فلم يترك جيشاً قوياً قادراً على خوض معركة ،ولا اقتصاداً يمكن أن ينهض بالبلد ، ولا مالاً يمكن أن يستعان به لبناء أو تقدم أو ازدهار ، فتاريخ فاروق وبطانته لا يخبر بوطنية أو غيرة على الوطن ، أو أدنى نية في عمل إيجابي يذكر ، بل إن كل ما يمكن أن يذكر أو يدون هو تاريخ من الفساد والحفلات والمغامرات والقمار والنساء، وإنفاق الأموال على كل شيء إلا مصلحة الشعب والبلاد ، لذا ارتأى الزعيم الراحل أن الأولى والأجدى هو النهوض بالبلاد زراعياً وصناعياً وعلمياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً لتمكين الإنسان المصري من النهوض ليصبح قادراً على قتال إسرائيل الناهضة السائرة على دروب القوة والتطور، ولما سمع بن غوريون هذه التصريحات قال :" هذه أخبار سيئة جداً " وكان صادقاً !
ولنقرأ ما بثته إذاعة قبرص البريطانية إثناء المعركة : " إنكم ما لم تجلوا فلن يكون هناك أي شك في أن دياركم ستدمر ، لقد ارتكبتم خطيئة ...وهي أنكم وضعتم ثقتكم في عبد الناصر" ويضيف راوي هذا الخبر: وهكذا ظهرت بجلاء ووضوح النية الحقيقية للتدخل الإنجليزي الفرنسي – ألا وهو الإطاحة بحكومة عبد الناصر " ( 26 )
ولكن ما يهمنا في هذا الفصل هو أننا لن نتناول بالبحث الإنجاز الناصري بعد العدوان الثلاثي ، بل ما كان قد قام به بالفعل ، أو ما صرح بأنه سيفعله ويخطط له ، خاصة وأن النوايا كانت مقترنة بالأفعال على غير ما تعودت عليه إسرائيل والدول التي ترعاها !
" وأخذت الصحف البريطانية تتحدث علانية : أحياناً في مواربة ، وأحياناُ في سذاجة مضحكة عن الأدوار التي يمكن أن يسندها الغرب لجمال عبد الناصر .
" أيمكن أن يقوم بدور نابليون ؟ أنستطيع أن نسند إليه دور جورج واشنجتون ؟ وقالت أشد هذه الصحف عداءً إن هذا الرجل الصموت الذي يحسن التواري عن الناس لا يصلح إلا لدور بروتس: المتآمر الأكبر !
كان واضحاً من هذا كله مدى الحيرة التي وقعت فيها بريطانيا إزاء عبد الناصر وهي حيرة لم يفعل الرجل العظيم شيئاً واحداً ليبددها ، بل لعله تعمد أن يزيد الاستعماريين الإنجليز خيالاً على خيال "( 27 )
ولا ننس أن " زعامة ناصر ( شعبيته ، نفوذه ،جماهيره ، آثاره ، أفكاره )تعدت حدود القطر الذي انتمى إليه وتحمل مسؤولياته ، لتشمل الوطن العربي كله من محيطه إلى خليجه ، وكأن لا حدود سياسية ولا قانونية بين قطر وآخر تقسم الوطن الواحد إلى أكثر من عشرين كياناً يتمسك كل منها بزعاماته ومسؤوليه " ( 28 )
ونحاول هنا تلخيص أهم الأسباب النابعة من عبد الناصر نفسه ، والتي كانت وراء حرب السويس :
أولاً : إعلانه أهدافه الوطنية : وكان يعلن عن أهدافه بوضوح وبدون مواربة ، ومنها :
" 1- تصفية جميع مناطق النفوذ الأجنبية في العالم العربي سواء أكانت اقتصادية أم سياسية .
2- قيام كتلة عربية مستقلة عن الشرق والغرب تسعى إلى تحقيق مصلحة العرب وحدهم وفقا لما يحددونه هم لا ما يحدده مصدر أخر .
3- تحقيق وحدة العرب السياسية من المحيط إلى الخليج .
4- بناء دولة عصرية قوية ، ذات اقتصاد قوي تعتمد على مواردها الطبيعية ، وإنسانها المؤمن بعروبته ، المنتمي لوطنه وقيادته .
وتحقيقاً لهذه الأهداف رفض عبد الناصر كل الأحلاف ومعاهدات الدفاع الغربية ، وشن حملة واسعة النطاق على النفوذ الغربي في العالم العربي وتعاون مع الاتحاد السوفييتي – بصفة وقتية - في نضاله ضد الغرب "
ثانياً : حملته على سياسة الأحلاف في المنطقة :
لقد كان ناصر صاحب الدور الرئيس في فشل سياسة الأحلاف وانهيارها ، يثبت ذلك مواقفه الوطنية الواضحة التي تدل على وعي وذكاء وبعد نظر في تلك السن المبكرة ، وبالخبرة الضئيلة في الحكم وكواليسه ومؤامراته .
لقد شن ناصر حملة عنيفة – وبكل الوسائل- ضد الأحلاف التي كانت ستجر الأمة إلى عهود الاستعمار الأولى بتسميات جديدة ، وأول هذه الأحلاف حلف بغداد الذي استمات نوري السعيد رئيس وزراء العراق آنذاك في الدفاع عنه وتبريره بشتى الوسائل ، فكان رد ناصر:
" المعاهدة أو الحلف الذي ينتج عنه احتلال وسيطرة أجنبية وتدخل أجنبي ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحمي الوطن ويحمي سلامة الوطن ، ويؤمن بحرية الوطن ، لأن هذا الحلف الذي تتولاه دولة أجنبية ، أو تقوم به دولة أجنبية ، ليس إلا مرحلة من مراحل السيطرة ، وليس إلا عدواناً في حـقيـقة الأمـر "( 29) وكان صانعوالحلف يرون أن الخطر الذي يهدد العرب قادم من الاتحاد السوفييتي ولا بد للتعاون مع الغرب لردعه .
" وقد صرح رئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن في مجلس العموم سنة 1956 أنه صاحب فكرة حلف بغداد ، وان ميثاق بغداد تعزيز لنفوذ بريطانيا في الشرق الوسط ، وانه لا يتعارض مطلقاً مع مصالح إسرائيل ، بل إن نظرة جغرافية بسيطة تجعل الحكومة الإسرائيلية تعتقد أن الغرض من ميثاق بغداد هو صرف نظر الطرفين إلى اتجاه آخر غير إسرائيل " ( 30 ).
في حديث لناصر يوم 8 أيلول 1957 عن مشروع ايزنهاور بضرورة قيام الأحلاف وانضمام العرب لها ، شرح أهداف السياسة الأميركية التي تتلخص في ثلاثة أمور وهي :
1- تصفية قضية فلسطين .
2- فرض نظام دفاعي يخدم المصالح الأميركية وحدها
3- انحياز إلى السياسة الأميركية في جميع المشاكل الدولية ، بحيث تتحول الدول العربية بالفعل إلى منطقة نفوذ لأميركا .
أما فيما يتعلق بإسرائيل ، فقد رأى أن المشروع يحقق ما يلي :
1- تحويل النظر عن خطر إسرائيل .
2- خلق أخطار وهمية من بعض العرب على البعض الآخر .
3- إعطاء سلاح لا يخيف إسرائيل لبعض الدول العربية .( حصلت العراق من انضمامها للحلف على ثلاث طائرات !)
4- ربط بعض الدول العربية في نطاق واحد مع إسرائيل ، نطاق تقوم فيه اميركا بدور التوفيق والتنسيق في جميع النواحي العسكرية ، ذلك ان اسرائيل لم تعد في الحقيقة عدواً لهذا البعض من الدول العربية بل أصبحت زميلا في الحلف " ( 31 )
وكان نوري السعيد يرى ان عهد الاستقلال التقليدي قد انتهى ، وأن الخطر القادم من الشيوعية والاتحاد السوفييتي لا يمكن رده الا بالانضمام للغرب والاستعانة بسلاحه لرد الخطر .
ورد ناصر بأن العرب قادرون على إجبار المستعمر على الرحيل بدون ان يكون هناك فراغ برحيله ، لأن المنطقة تسكنها أمة عربية قادرة على الأخذ بالقوة ، أما الاعتماد المتبادل فيجب ان يكون ضمن الإطارالعربي ، وأن الخطر لن يأتينا من الإتحاد السوفييتي ، بل إن الخطر جاثم امامنا وعلى القرب منا ..إنه إسرائيل ! ، اما تركيا وباكستان وإيران فلن تحارب معنا ضد إسرائيل لأنها لا تشعر بخطرها لبعدها عنها .( 32 )

Page 7

وإذا ما أردنا تلخيص مبدأ إيزنهاور الذي لم يحقق شيئاً للمنطقة سوى الفرقة والتشتيت ، نقول :
1- صور الاتحاد السوفييتي وكأنه بعبع استعماري يريد التهام المنطقة ، وقد أثبتت الأيام عكس ذلك تماماً ، فالبعبع هو الغرب الذي أظهر نواياه في حرب السويس وغيرها م الحروب .
2- جعل الناس يكرهون أميركا لأنها استعمار جديد مكان القديم .
3- كان هذا المبدأ عامل تفتيت وتفريق للمنطقة لانقسام المسؤولين والشعوب بشأن صدق المبدأ وصلاحيته .
4- إظهار شخصية عبد الناصر التقدمية الواقعية ، وكشف سياسة الأحلاف وما وراءها من مؤامرات لخلخلة النظام العربي .
5- ترك ايزنهاور ميراثاً سيئاً للذين جاؤوا من بعده من حكام .
6- أن هناك من الدول العربية والإسلامية من هو كامل الاستعداد للانضواء تحت أي نفوذ استعماري على حساب اخوته من العرب والمسلمين !
7- أن دول الاستعمار ما زالت تصر على البقاء في المنطقة إبقاء لنفوذها فيها ،للأسباب التي ذكرناها سابقاً كخطورة الموقع ووجود النفط ..الخ.
وبسبب حلف بغداد ، يحاول البريطانيون التذرع بالنفوذ السوفييتي في مصر للهجوم عليها ، ولجر أميركا معهم في الهجوم المرتقب " لذا فإن تقرير رئيس هيئة أركان حرب المملكة المتحدة المرفوع إلى وزير الدفاع ووزير الدولة للشؤون الخارجية ، يقول تقريباً أن نجاح الشيوعية ومصر أصبح مهدداً لمصالحنا الحيوية وكذا مواقعنا الاستراتيجية ومصالحنا الاقتصادية والسياسية ، ولذا فإنه ينبغي علينا أن نعمل بسرعة من أجل تدارك الموقف .
وفي الفقرة الثانية يخلص التقرير إلى أن السماح لعبد الناصر ببناء إمبراطورية عربية تلتف حوله هو الخطر بعينه ضدنا ، وهو ما يستفيد منه الاتحاد السوفييتي ، وأن تزايد قوة عبد الناصر سوف يعطيه بلا شك الفرصة للتحكم في قناة السويس مما يتعارض مع مصالحنا ، ويعرضنا للخطر " ( 33 )
إذن فالخطر قادم من التفاف العرب حول قيادة واعدة واعية ، وطنية صادقة مؤمنة بقدرات الأمة إذا ما اتحدت وسلمت أمورها لهذا القائد الرمز ، ولأجل التخلص منه ، يتذرع البريطانيون وغيرهم طوراً بحلف بغداد ، وتارة بالقناة ، ويخفون الأسباب الأخرى الأكبر والأخطر – في نظرهم - ألا وهي وحدة هذه الأمة وتسخير قواها من أجل التخلص من والاستعمار والتبعية .
وقد أثبتت الأيام صحة ما ذهب إليه ناصر ، فلم تكسب الدول المشاركة في الحلف شيئاً منه ، لا دعماً اقتصادياً ولا عسكرياً ولا تحالفاً صادقاً ضد الأخطار ، وأين هي الأخطار إذا استثنينا إسرائيل !
وقام انقلاب عسكري في العراق في14 تموز وقتل نوري السعيد ،وقتل معه الملك فيصل الثاني ، وخاله الأمير عبد الإله ، وأعلن النظام الجمهوري ، وتم إلغاء الحلف ليحل مكانه حلف آخر باسم الحلف المركزي ومقره أنقرة !
ثالثاً :إجلاء الإنجليز عن مصر:
بعد مقاومة طويلة وعنيدة من الشعب المصري ، ولما كانت ثورة يوليو قد اعتبرت جلاء المستعمر وإلغاء أي معاهدة سابقة مع النظام السابق من أهدافها ، ألح عبد الناصر على تنفيذ رغبة الأمة في جلاء القوات البريطانية عن منطقة القنال ، فبدأت المباحثات في 27 نيسان 1953 ، وتوقفت لفترة طويلة ، ثم أستؤنفت في 20 كانون أول ، وفي 27 تموز 1954 تم الاتفاق على الجلاء على مراحل ، كانت نهاية المرحلة الأخيرة منه في آذار 1956 ، فغادرت القوات البريطانية – وعددها 70 ألفاً – القناة بقيادة الجنرال هل ،وقد تسلمت مصر بموجب هذا الجلاء منشآت ومعسكرات تزيد قيمتها على 70 مليون جنيه .
ونتيجة لهذا الجلاء ارتفعت الأصوات المعارضة في الحكومة البريطانية وبرلمانها ، واتفق الحزبان المتنافسان العمال والمحافظون على أن شروط المعاهدة كانت في صالح مصر ، وفيها إذلال لبريطانيا ، وعلق زعيم المحافظين ووتر هاوس ساخراً " إننا نحن المحافظين قد نعينا على العمال تسليم عبدان لإيران ، وها نحن نسلم اليوم القناة لمصر " ( 34 )
وكان الزعيم الراحل قد أذاع يوم 27 تموز 1954 البيان التالي :
" أيها المواطنون : اننا نعيش الآن لحظة مجيدة في تاريخ وطننا .. إننا نقف الآن على عتبة مرحلة حاسمة من مراحل كفاح شعبنا ، لقد وضع الهدف الأكبر من أهدافنا منذ هذه اللحظة موضع التنفيذ الفعلي ،لقد وقعنا الآن بالحروف الأولى اتفاقاً ينهي الاحتلال وينظم عملية جلاء القوات البريطانية من أرض مصر الخالدة ، وبذلك تخلص أرض الوطن لأبنائه شريفة عزيزة منيعة بعد أن قاست اثنين وسبعين عاماً مريرة حزينة "( 35 )
وفي يوم 18 حزيران 1956 رفع عبد الناصر علم مصر على مبنى البحرية في بور سعيد ، واصبح هذا اليوم عيداً قومياً هو عيد الجلاء .
رابعاً: كسره احتكار السلاح من دول الغرب :
كانت الدول الاستعمارية الثلاث بريطانيا وفرنسا وأميركا تريد دائماُ البقاء على حالة التوازن في ميزان القوى بين الطرفين العربي والإسرائيلي ، لذا كانت حريصة على عدم تدخل الكتلة الشيوعية في مسائل التسليح وذلك من اجل إبقاء إسرائيل في حالة تفوق أبدي ، وذلك حفاظاً على مصالحها – أي الدول الثلاث- في المنطقة ، ولكن الزعيم الراحل لما وجد أن الغرب لن يمده بشيء ، توجه إلى الكتلة الشيوعية بدون تردد .
لقد كان لعقده صفقة الأسلحة التشيكية دوي هائل في العالم ، فقد كان قراراً شجاعا لا يصدر إلا من زعيم واثق بنفسه وقدرات أمته .
فبعد اعتداء إسرائيل على قطاع غزة في 28 شباط 1955 وقتلها عدداً كبيراً من المدنيين ، خاطب ناصر دول الغرب مطالباً بالسلاح ، فلم يستجب لطلباته ، فانتهز فرصة لقائه برئيس وزراء الصين الشعبية في مؤتمر باندونج في نيسان عام 1955 ، ووسّطه لعقد صفقة مع السوفييت الذين وافقوا على الفور.
وقد حاولت أميركا إيقاف إتمام الصفقة ، فأرسلت وزارة خارجيتها جورج ألن لإقناع ناصر بإلغاء الصفقة ، ولكن المحاولة باءت بالفشل ،
ويعلق الرئيس الأميركي ايزنهاور في كتابه " النضال من اجل السلام : إن المحاولات الشيوعية لإحداث القلقلة أصبحت مستمرة ، وقد اقتنع الحمر بان الشرق الأوسط يشكل طريقاً يخترق العالم الحي ،ويوجد خلافات في التعاون القائم بين البلاد الغربية ، أما وقد أصبح الأمر يتعلق بتهديد سوفييتي ، فإن الولايات المتحدة لا يمكن أن تلتزم الصمت ، وعلينا أن نتصدى لهذا التهديد " ( 36 )
" رحبت موسكو بالطلب المصري ، وعرضت التسهيلات ، إذ قبلت أن يكون محصول القطن المصري ثمناً لصفقة الأسلحة ، وتقرر أن تنسب إلى تشيكوسلوفاكية لأكثر من سبب، فقد فضلت موسكو عدم مواجهة الغرب ،وحتى يبدو ناصر أقل ميلاً لليسار حيث كانت إسرائيل تحصل علـى
الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا إثناء حرب فلسطين ، كما راوده الأمل في إمكانية أن يغير الغرب موقفه ويستجيب لطلبه-من الأسلحة- ، وانتظر بعض الوقت ، لكنه اضطر في النهاية إلى الإعلان عن صفقة الأسلحة رسمياً في 27 سبتمبر- أيلول- 1955 ، وكان معنى ذلك أن سيطرة الغرب على الأسلحة في الشرق الأوسط قد أصبحت منتهية " ( 37 )
ومع أن هيكل يقول أن " الصفقة الأولى لم تكن كبيرة ، إلا أنها كانت تغييراً واضحاً في موازين القوى " ، أقول : إنها ممتازة في ذلك الزمن الصعب لدولة خرجت لتوها من نظام فاروق الفاسد الذي لم يحاول لا هو ولا زبانيته عقد صفقة مثلها أو اقل منها .
ويورد لنا هيكل مشكوراً تفاصيل الصفقة ، وكانت :
530 عربة مصفحة
230دبابة
200 ناقلة جنود مدرعة
100 مدفع ذاتي الحركة
500 قطعة مدفعية من أنواع مختلفة وثلاث غواصات
200 طائرة مقاتلة وقاذفة
مجموعة بحرية تضم مدمرات وكاسحات ألغام ( 38 )
وفي الأسبوع الثاني من اكتوبر 1955 تحدث دالاس وزير خارجية اميركا مع نظيره السوفييتي مولوتوف في موضوع الصفقة ،
منذراً بأن الصفقة قد تسبب قيام الحرب ، وأرسل ايزنهاور رسالة الى الرئيس السوفييتي بولجانين يقول فيها :
" لقد تسلمت رسالتك في 22 أكتوبر بخصوص صفقة الأسلحة لمصر ، والتي ذكرت فيها انه لا داعي للقلق من هذه الصفقة ، ولكن على الرغم من ذلك ، وبناء على معلوماتي فإن هذه الصفقة قد زادت من خطر انتشار أعمال العنف في المنطقة ، ولقد طلبت من دالاس أن يقوم بمزيد من المباحثات مع مولوتوف في جنيف بهذا الخصوص "
وكتب نائب وزير الخارجية البريطانية ايفلن اسكابير يقول : لقد كنا نفترض أن الخطر السوفييتي في الشرق الأوسط إما أن يأخذ شكل العدوان المباشر او الأعمال الهدامة بالنمط الشيوعي المألوف ، وقد كان اعتمادنا على الرجال الأقوياء مثل نوري السعيد واللواء زاهدي والبكباشي عبد الناصر لإخماد النشاطات الشيوعية ، واعتمدنا اكثر على التنمية وتحسين مستوى المعيشة ، وما إلى ذلك نتيجة الثورة الجديدة في الدول العربية ، ولكن وجد الروس طريقة مختلفة تماماً لاختراق المنطقة ، فقد اختاروا أقوى ديكتاتور واشد المقاومين للشيوعية في الشرق الأوسط ليؤيدوه وبطريقة تكاد تكون معصومة عن الخطأ ، اختاروا ذلك الشكل من الإغراء الذي لا يمكن لمثل هذا الرجل أن يقاومه ، والذي سيكون مضربا للدول العربية الأخرى ، إذ ان تزويد الأسلحة يعني بالنسبة لأي جار لإسرائيل شيئاً واحداً فقط ، هو زيادة قوته ضد إسرائيل ، وفي الواقع ، فقد استطاع الروس أن يجدوا نقطة الضعف المركزية لموقفنا في المنطقة ، ألا وهي وجود إسرائيل كمحمية للغرب ، وقد اتخذ الروس قراراً بتأييد العرب ، وهذه دون شك ضربة معلم ، وربما يعتمد مستقبل هذا البلد ومستقبل أوروبا الغربية على رد فعلنا ضدها ، وقد استطاع الروس إقناع الرأي العام العربي بأنهم مؤيدون للعرب ضد إسرائيل ،وان القوى الغربية تقف إلى جانب إسرائيل فإنهم سينجحون نسبياً في انتزاع موطىء قدم "(39)
ويذهب الغربيون المتصهينون بعيداً في حذرهم وخوفهم على ربيبتهم إسرائيل ، فالكل قلق ومهتم وساهر عليها وعلى راحتها ولا يترك فرصة إلا ويهتبلها تأكيداً لولائه للصهيونية ، فها هو المارشال تمبلر رئيس هيئة الدفاع البريطاني يقول محذراً من تواجد السوفييت في المنطقة للأ سباب التالية :
1- إن صفقة الأسلحة مع مصر كبيرة ، وتتضمن تسليح ثلاث فرق مدرعة .
2- إن تسليح الجيش المصري على هذا النحو سوف يحدث خللاً في موازين القوى الإقليمية ، وسوف يمكن مصر من ممارسة دور أكبر في الشرق الوسط .
3- إن اتجاه مصر إلى موسكو للحصول على السلاح يعني أنها لن تنضم لأي حلف دفاعي غربي .
4-إن المثل الذي ضربته مصر سوف يغري آخرين بان يسلكوا نفس الطريق 5- هذا الوضع سيؤدي إلى سباق في التسلح ، وقد تقرر إسرائيل مهاجمة مصر قبل أن تستوعب السلاح الجديد .
6- أصبح حلف بغداد مهدداً بفقدان فاعليته ، لأن الاتحاد السوفييتي قفز وراءه .( 40 )
وحديث تمبلر واضح لا لبس فيه ، وليس بحاجة لشرح أو تفسير ، فالرجل خائف أن تتقوى مصر بالسلاح الجديد ، وهذا ممنوع عليها وعلى سواها من أعداء إسرائيل ،وهذه القوة التي قد تمتلكها مصر تعني خروجها عن الطوق ، وسعيها للتحرر ، لذا هي لن تفكر في الخضوع لأي حلف ، والكلام الأجمل هو أن الدواعي التي دعت لتأسيس حلف بغداد - وأولها منع السوفييت من التوغل في دول الشرق – قد زالت الآن لأن السوفييت تجاوزوا ذلك كله ووصلوا إلى المياه الدافئة بكل ذكاء وكياسة .... وعن طريق من .. عن طريق مصر عبد الناصر ، وهو تجاوز لا يتحمله " تمبلر " ولا أسياده من زعماء الغرب ، إذن فضرب مصر وإنهاء هذه الزعامة العربية قرار يجب أن يتخذ وبسرعة مهما كانت الذرائع .
خامساًً : انضمامه لحركة عدم الانحياز :
كان الزعيم الراحل أبرز الزعماء الذين شاركوا في مؤتمر عدم الإنحياز في باندونج في أندونيسيا للدول الأفروآسيوية ، في نيسان 1955 ، واشتركت فيه 27 دولة مستقلة ، وكان من أهم قراراته :
1- التعاون الاقتصادي والتجاري والاجتماعي بين بلدان الكتلة الآسيوية الأفريقية .
2- الاعتراف بحق تقرير المصير ، وتأييد قضية الحرية والاستقلال للشعوب التابعة .
3- استنكار استعمار الشعوب ، ونبذ سياسة القوة كوسيلة لحل المشاكل الدولية .
4- المناداة بالسلام والتعاون العالمي في نطاق الأمم المتحدة .
5- الاعتراف بحق اللاجئين العرب في العودة إلى ديارهم.
6- وجوب نزع السلاح كضرورة حتمية لصيانة السلام ( 41 )
( إن العصر الذهبي لحركة عدم الانحياز هو دون أدنى مبالغة التجسيد الحقيقي لدور جمال عبد الناصر الدولي ، صحيح انه لم يكن صاحب فكرتها ، ولكنه كان باليقين مصدر ديناميكيتها ، ونقطة البداية للحركة الدولية لعدم الانحياز هي من مؤتمر بريوني في 18 يوليو 1956 بين جمال عبدالناصر وتيتو ونهرو ) (42)
وبناء عليه فإنا لا نستغرب قول دالاس عن حلف بغداد " وسوف يبين هذا آننا نبني حلف بغداد ليس فقط ليكون منظمة دفاعية ضد الاتحاد السوفييتي ، بل أيضاً كحلف اقتصادي ضد مصر " .(43)
إن الغرب الذي كان قد عقد الآمال على الأحلاف التي راح يؤسسها في بلاد المشرق قد بدأ يرى أن أحلامه الوردية هذه في خطر ، فعبد الناصر ليس فقط عدواً لما يبنون ، بل يضع يده في يد السوفييت – عدوهم الأول – وهذا التفاهم يعرض مواقعهم الاستراتيجية ومصالحهم السياسية والاقتصادية للخطر ، والرجل - كما تثبت كل المعطيات - واقف ثابت لا يتزعزع ، ومصمم على المواجهة والتحدي ، فلم يبق من حل لمعضلته سوى الغزو العسكري بعد فشل سياسة الاحتواء .
سادساً : دعمه ثورة الجزائر :
كان وقوف عبد الناصر مع ثورة الجزائر السبب وراء مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي ، ولم ينكر ناصر دعمه لثورة الجزائر لتنال استقلالها .
فقد اجتمع يوم 12 آذار1956 مع وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو في القاهرة ، وأثار بينو موضوع الجزائر والدعم المصري لها ، فرد ناصر بأن مساعدة مصر لها التزام مبدئي بمساعدة الثوار الجزائريين ، ليكون ذلك الاجتماع الأول والأخير مع المسؤولين الفرنسيين ، ولتزيد فرنسا شحنات الأسلحة إلى إسرائيل ، ولتزيد مساعدات مصر للثورة الجزائرية !
" ويصرح شمعون بيريز في مذكراته : في ربيع سنة 1956 كانت المشاعر معبأة بشدة ضد عبد الناصر ، في باريس ، وذات يوم اخرج لي جي موليه – رئيس الوزراء الفرنسي- من درج مكتبه نسخة من كتاب ناصر الذي صدر بعنوان فلسفة الثورة ، وقال لي : نحن وأنتم أمام هتلرجديد في العالم العربي والإسلامي ، ولا بد أن نضرب مخططاته ، وإلا فاتتنا الفرصة كما فاتتنا حين لم نفهم مقاصد هتلر في كتابه كفاحي " (44)
وكانت القيادة العسكرية الفرنسية مقتنعة تماماً أن تصفية القيادة الثورية في القاهرة يجب أن تسبق تصفية الثورة الجزائرية ، وذلك اقتناعاً منهم بأهمية مساعدات مصر للثورة هناك .(45)
وكم كان جي موليه واضحاً وصريحاً حين قال : لو رفع ناصر يده عن ثورة الجزائر لقضينا عليها في أربع وعشرين ساعة .
وإذا عدنا إلى ثورة يوليو ومبادئها الستة الشهيرة نقرأ عذر فرنسا وبريطانيا واضحاً لغزو مصر، وهي :
1-القضاء على الاستعمار وأعوانه الخونة .
2-القضاء على الإقطاع .
3- القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم .
4- إقامة عدالة اجتماعية .
5- إقامة جيش قوي .
6- إقامة حياة ديمقراطية سليمة .(46)
إذن فالثورة في مبدأها الأول وبدون مواربة أو غموض تهدف إلى القضاء على الاستعمار وأعوانه الخونة ، أو لم يكن هذا الوضوح كافياً لتتحد الدول الثلاث ضد الثورة وزعيمها الخالد ، ودارس مسار ناصر وثورته في الأعوام اللاحقة يجد كم كانت هذه الثورة الفتية ملتزمة بما نصت عليه مبادؤها الستة ، وكم كلف ذلك ناصر ومصر من الأعباء الجسام دعماً لدول العروبة والإسلام ، ولكل الأحرار في العالم ضد الإمبريالية والقوى الرجعية وأذناب الاستعمار .
ويؤكد الزعيم الراحل عبد الناصر بعض ما ذهبت إليه ، فيقول في كتابه " فلسفة الثورة " :
" وحين أحاول أن أحلل عناصر قوتنا لا أجد مفراً من أن أضع ثلاثة مصادر بارزة من مصادرها يجب أن تكون أول ما يدخل في الحساب :
أول هذه المصادر أننا مجموعة من الشعوب المتجاورة المترابطة بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب ، وأن لشعوبنا خصائص ومقومات وحضارة انبعثت في جوها الأديان السماوية المقدسة الثلاثة ، ولا يمكن إغفالها في محاولة بناء عالم مستقر يسوده السلام .
هذا هو المصدر الأول
أما المصدر الثاني فهو أرضنا نفسها ومكانها على خريطة العالم ، ذلك الموقع الاستراتيجي الهام الذي يعتبر ملتقى طرق العالم ومعبر تجارته وممر جيوشه .
يبقى المصدر الثالث : البترول الذي يعتبر عصب الحضارة المادية والذي بدونه تستحيل كل أدواتها – المصانع الهائلة الكبيرة لكافة أنواع الإنتاج ، وسائل المواصلات ، أسلحة الحرب ... – تستحيل كلها قطعاً من الحديد يعلوها الصدأ "
ويؤكد ناصر في كتابه " فلسفة الثورة " الذي ألفه عام 1953 قوة الأمة بأسلوب واضح وسهل ، ويقسمها إلى دوائر :
" الدائرة الأولى التي لا مفر من أن ندور عليها وان نحاول الحركة فيها بكل طاقتنا ، وهي الدائرة العربية .
الدائرة الثانية : القارة الإفريقية : لن نستطيع بحال من الأحوال أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق إفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومئتي مليون من الإفريقيين ، لا نستطيع لسبب هام وبديهي ، هو أننا في إفريقيا .
الدائرة الثالثة : التي تمتد عبر قارات ومحيطات ، والتي قلت أنها دائرة إخوان العقيدة الذين يتوجهون معنا أينما كان مكانهم تحت الشمس إلى قبلة واحدة ، وتهمس شفاههم الخاشعة بنفس الصلوات . .. حين أسرح بخيالي إلى هذه المئات من الملايين الذين تجمعهم عقيدة واحدة ، أخرج بإحساس كبير بالإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يحققها هؤلاء المسلمين جميعاً "(47)
ويؤكد هذا الهدف من أهداف الغزو شهادة الكاتب الإسرائيلي مردخاي بارأون الذي يقول " لقد كان الإسرائيليون يتطلعون إلى الحصول على إنجازات سياسية إضافة إلى الإنجازات الجغرافية المشار إليها ، فقد كانوا يأملون في أن يؤدي إيقاع هزيمة ساحقة بمصر إلى تقويض زعامة عبد الناصر وثقته الشخصية بنفسه ، ويساعد في إحياء قوة الردع الإسرائيلية " (48)
وننهي هذا الفصل بقول لبن غوريون مخاطباً رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي موشيه دايان " إن الدخول إلى سيناء قد لا يكون كافياً ، ذلك انه بدون القضاء على " الطاغية" في القاهرة فإن أي انتصار عسكري في سيناء لا قيمة له ، لأن الصراع سوف يستمر ، والأمن لن يتحقق " (49)

Page 8

تاريخ القنــــــاة

" إن من يستعرض الأحداث التي عاصرت إنشاء قناة السويس ، وتلك التي تلت هذا الإنشاء ، لا يفوته أن يدرك ما كان لقناة السويس من أثر خطير في تاريخ بلادنا ، جعلت منه تاريخاً حافلاُ بالعبر ، مليئاً بأليم الذكريات ، ألم تدفع مصر في هذا الطريق العالمي للملاحة ثمناً غالياً ؟ ألم تهدر صفوفها تلك الفترة من تاريخها ؟ .. ألم تكن القناة من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالاستعمار إلى احتلال بلادنا بعد أن بيعت أسهم مصرفه بأبخس الأثمان ؟ ألم يتخذ الاستعمار من القناة ذريعة يسوغ بها بقاء الاحتلال ؟ ومن الدفاع عنها سبباً لربط مصر بعجلتها ؟ ذلك عهد سجلنا نهايته وانقضاءه بحمد الله باتفاق الجلاء ... وأقسم بالله ما انقضى إلا بفضل كفاح طويل ومرير استغرق ثلاثة أجيال من كفاح بدأه أجدادنا ، وحمل شعلته آباؤنا ، وأوقد جذوته شبابنا "
" من رسالة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إلى الشعب بمناسبة الذكرى 85 لافتتاح القناة ، وقد أذيعت الرسالة في 17 نوفمبر 1954 .
"نضال عبد الناصر ، ص 353"

Page 9

الفصل الأول: تاريخ القناة قبل الاحتلال

يرى بعض الدارسين أن البحرين الأحمر والأبيض المتوسط كانا متصلين في الزمن البعيد جداً ، وان هزة أرضية أوجدت هذا الحاجز الرملي ، ويرون وجود البحيرات المرة دليلاً على هذا الاتصال .( 1 )
ويعود تاريخ اهتمام الحضارات والدول بفكرة شق قناة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط إلى أيام الفراعنة ، أي قبل حوالي 4000عام .
* فما بين عام 1887 و 1889 ق.م ،كان يحكم مصر سنورست الثالث وهو من فراعنة الأسرة الثانية عشرة ، وفي عهده شقت قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط ،فكانت المراكب القادمة من البحر الأبيض تسلك أول فرع من فروع النيل شرقاً حتى تصل إلى مدينة بويست ( الزقازيق) ، ثم تتجه شرقاُ مارة بمدينة تيخاو ( أبو صوير) فتبلغ البحيرات المرة التي كانت في ذلك الحين خليجاً متصلاً بالبحر الأحمر .
* وفي عام 610 قبل الميلاد ، كانت القناة قد امتلأت بالرمال والأتربة ، وعزل البحر الأحمر عن البحيرات المرة ، ولما أراد – نخاو- الملك الفرعوني آنذاك إعادة حفرها ، حذرته العرافة ميليت بأن لا يفعل ، لأن شق القناة سوف يجلب الضرر لمصر ، وأن الأجانب سوف يطمعون في البلاد بسببها ! ، وهكذا تنبأت هذه العرافة بهذا المستقبل قبل حصوله بستة وعشرين قرناً !
* لما حكم الفرس مصر ، اهتم الملك " دارا" بالقناة وذلك سنة 510 قبل الميلاد ، ويبدو أن الحفر قد توقف لأسباب لا نعرفها ، إذ لم تتصل البحيرات المرة بالبحر الأحمر إلا بقنوات صغيرة لا تصلح للملاحة .
* في عهد الإغريق ،وفي سنة 285 ق م ، أمر بطليموس بحفر الجزء الواقع بين البحر الأحمر والبحيرات المرة لتصل القناة على مدينة كليسما وهي السويس اليوم .
* وفي عهد الرومان وفي سنة 98 م ، قام الإمبراطور تراجان بحفر وصلة جديدة من القاهرة - اليوم - تتصل بالبحيرات المرة ، غير أن هذا الفرع طغى عليه التراب بمرور الأيام .
* وبعد فتح المسلمين مصر، وفي عهد عمر بن الخطاب ، أحيا عمرو بن العاص هذه الوصلة ، وفكر في حفر قناة تربط البحرين ولكن الخليفة عمر بن الخطاب عارض المشروع لأن البعض ذكر له أن شق القناة يعرض مصر لطغيان البحر الأحمر ، ولكن ظلت السفن تستعمل قناة الروم القديمة للوصول إلى الحجاز واليمن والهند ، وقد دعيت هذه القناة بقناة أمير المؤمنين ، وتم استخدامها مئة وخمسين عاماً للتجارة ونقل الحجاج ، إلا أن الخليفة أبو جعفر المنصور أمر بردمها عام 775 م ، لأنها استعملت لنقل المؤن لأهل المدينة المنورة الذين تمردوا عليه ، فظلت معطلة منذ ذلك الزمن إلى القرن التاسع عشر .( 2 )
وهناك من يرى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد منع عمرو من تجديد القناة " لأنه خشي تسرب المسيحيين ووصولهم بحراً إلى الأراضي المقدسة ، ولو صحت هذه الرواية لدلت على أن خليفة رسول الله كان يقرا في كتاب مفتوح " ( 3 )
*****
وتخبرنا المصادر عن شاب يدعى " ليبنتز " طلب مقابلة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر عشية دخول الفرنسيين الأراضي الهولندية ، ولما لم يأذن له الملك بمقابلته ، بعث إليه برسالة لا تخلو من خطورة ، والرسالة مؤرخة في 15 آذار 1672 ، وهي تكشف بجلاء عن نوايا الأوروبيين وأطماعهم في المنطقة ، يقول ليبنتز( 4) :
" مولاي صاحب الجلالة :
إن ما اشتهر عن جلالتكم من حكمة عالية ، ليغريني بان أتقدم إلى سدتكم بثمار عملي في مشروع يراه كبار القوم أوسع المشروعات التي يمكن وضعها في حيز التنفيذ بمنتهى السهولة ، أريد أن أتحدث إليكم يا مولاي في مشروع غزو مصر ، لا يوجد بين أرجاء الأرض جميعها بلد يمكن السيطرة منه على العالم كله وعلى بحار الدنيا بأسرها غير مصر ، وهي تستطيع أن تلعب هذا الدور لسهولة استيعابها لعدد كبير من السكان ولخصب أرضها المنعدم المثال"
وبعد حديث طويل عن نظام الحكم التركي والفوضى التي تحكمه ، وبيع المناصب – حتى منصب الوالي – وعن عداء العرب للترك ، وضعف البلاد أمام أي غزو أوروبي ، يعود ليبنتز إلى موقع مصر فيقول " إن موقع مصر الفذ سيفتح لكم خزائن الشرق ذي الثراء الهائل ، وسيربطكم مع الهند برباط وثيق يمكن لتجارة فرنسا ، ويعبد الطريق أمام غزاة عظام خليقين بالانتساب الى الاسكندر المجيد "
وبعد هذه الرسالة ب26 عاماً ، أي عام 1698 ، يطلب وزير خارجية فرنسا الكونت رتران من قنصل فرنسا في مصر" بلوا دي ماييه " إعداد تقرير عن إمكانية إقامة علاقات مــع النجاشي حاكم الحبشة تمهيداً للسيطرة على نهر النيل للحصول على مراكز توصل فرنسا إلى الهند .
وفي تقرير من ماييه إلى السفير الفرنسي في القسطنطينية ورد : " أن شق قناة بين البحرين الأبيض والأحمر مشروع لا تستطيع فرنسا أن تنجح بدونه ، وبيّن طريقة ذلك وأطنب في وصف مزاياه ، والمهم في هذا التقرير أن القنصل الفرنسي ذكر أن الإنجليز يعملون على احتلال مصر يوماً من الأيام وذلك لسد طريق البحر الأحمر ، وان فرنسا يجب أن تفطن لهذه الخطة فتبدأ بوضع مركب صغير يحمل البريد من السويس الى بعض موانىء البحر الأحمر ، وبذلك يألف الناس رؤية علمها ، ثم يصير المركب اثنين ويصبح الاثنان أسطولاً ، وهكذا بالتدريج خطوة بعد أخرى ، وذكر القنصل الفرنسي أن إنجلترا عينت قنصلاً لها في سوريا اسمه " فيزلر" وكان يتجول من سوريا إلـى طـرابلس ويضع الـنواة الأولى لخطة إنجليزية لـغزو مــصر " (5 )
يتضح لنا مما سبق أن السباق إلى استعمار المنطقة قديم يرجع إلى القرن السابع عشر ، إن لم يكن قبل ذلك ، وان الدولتين الكبريين في عالم الاستعمار ونهب الشعوب واستغلالها – بريطانيا وفرنسا- كانتا تعيشان زمناً من الصراع الخفي على المنطقة تسخران لأجله كل السبل والإمكانيات - المكشوف منها والخفي – للوصول إلى المنطقة ، كما ندرك أن مشروع القناة موجود على أجندة هؤلاء المستعمرين إدراكاً منهم لخطورة موقع مصر أولاً ، وذلك من اجل استعمار بقاع أخرى وهي الهند وما جاورها ، ثم أن الدولتين تدركان وتسعيان لفتح قناة السويس التي تسهل عليهما الوصول الى أهدافهما الاستراتيجية ، خدمة للتجارة والتوسع والشره البرجوازي في الثراء والتسلط واستعباد العباد ! .
ودليل آخر يشع وضوحاً وحقداً ، فبعد حرب السنين السبع ، تعود الحكومة الفرنسية للتفكير في خططها الاستعمارية القديمة وبالذات في قناة السويس ، ومن ذلك ما صرح به المركيز دار جنسون ، " فقال أن أوروبا قد أضحت بعد حرب السنين السبع(1756- 1763) تنعم بالسلام ، وان على فرنسا أن تنتهز هذه الفرصة فتنقض على الإمبراطورية العثمانية ، لتقيم صرح المسيحية فيها وتستخلص الأراضي المقدسة ،" ويضيف .... " إن مشروعي صليبي ، ومن ميزاته التجارية العظيمة إمكان حفر قناة تصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر ، وتكون ملكاً مشتركاً للعالم المسيحي " ( 6 )

Page 10

نابليون يحلم بالقناة
ولما وصل نابليون إلى مصر عام 1798 ، كان قد استقدم معه جماعة كبيرة من المهندسين والعلماء والفنيين برئاسة المهندس " ليبير" الذي كلفه نابليون بدراسة إمكانية حفر برزخ يخلق ممراً إلى الهند ، وورد في تقرير ليبير عن المشروع ما يظهر حنكته وحسن اطلاعه ، إذ قال :
" إن تفوق مصر الذي حبته بها الطبيعة قابل للزيادة إذا استطاعت الحكومة الأوروبية التي تستعمرها أن تشق القناة التي لا ينازع أحد في مزاياها والتي اهتمت بمشروعها العظيم كل دولة كانت لها على مصر سيادة ... ولا محل للقياس بين منافع الطريق المائي وطريق البر ،وإذا لوحظ أن الجزء المقترح حفره هو أقصر مسافة بين النيل والبحر الأحمر تحققت أهمية المشروع الذي سيفيد الحجاج المسافرين إلى مكة أو إلى دمشق ومنه إلى أواسط آسيا ، ولا يبقى ثمة محل للقوافل التي تسير بين قنا والقصير ، والنتيجة الأهم من كل هذا طريق رأس الرجاء الصالح ، وسيكون احتكار هذا الطريق سهلاً للدولة التي تستولي على مصر " ( 7 )
وفي عام 1833 أوفد الفرنسيون إلى محمد علي بعثة اسمها جماعة سان سيمونيان يرأسها قس اسمه انفنتان ، وكانت غايتها الإعداد لمشروع حفر قناة السويس ، وقد اقامت البعثة أربع سنوات في ضيافة محمد علي ثم عادت على فرنسا .
وفي عام 1846 كون انفنتان جمعية أطلق عليها اسم " جمعية الدراسات الخاصة بقناة السويس " ، وقد نجحت هذه الجمعية التي اشترك فيها انجليز وألمان في بلورة المشروع ، وتوصلوا إلى تصحيح الخطأ القائل أن مياه البحر الأحمر ترتفع عن سطح البحر الأبيض بعشرة أمتار ، لذا صار تنفيذ المشروع ممكناً علمياً لعمل أبحاث خاصة بالقناة وشقها ، إلا أن محمد علي كان أذكى من ورثته ، فقد رفض المشروع الفرنسي ، وطلب أن تشرف الحكومة المصرية عليه وبتمويلها ، كما اشترط حياد مصر وعدم تدخل الدول الكبرى فيه ، وينسب عنه انه قال " لا أريد في مصر بسفوراً آخر " ، أي أنه لا يريد فتح بوابة للدول الأوروبية للهجوم على بلاده .
وفي عام 1856 تم إنشاء خط حديدي بين الإسكندرية والقاهرة ، ومع أن هذا الخط كان خطوة متميزة للبلاد وللتجارة ، إلا انه لم يغن عن القناة التي تريح التجار والشركات من تفريغ البضائع وإعادة شحنها عبر البحر الأحمر إلى أسواقها في الهند ودول المشرق .( 8 )
ظهور فرديناند ديلسبس ( 1805- 1894)
ولد فرديناند ديلسبس في مدينة فرساي في فرنسا عام 1805 ، وقد ألحقه والده – صاحب الحظوة عند نابليون - بوزارة الخارجية عام 1825 بدون حصوله على الشهادة الثانوية ، ووصل إلى منصب نائب القنصل الفرنسي في مصر عام 1832 ، وتمكن من خلال وظيفته هذه أن يتعرف بمحمد سعيد بن محمد علي باشا ، وكان غلاماً في الثالثة عشرة من عمره ، وكان بديناً مترهل الجسد ، وأمارات الغباء والغفلة بادية عليه ، فتسلمه من أبيه ليعالج بدانته ، ويدربه على الرياضة ، ولكنه بدلاً من ذلك أقام له الحفلات والليالي الحمراء بالقنصلية الفرنسية ، وفي هذه البيئة أشبع غرائز سعيد ، وتسـلط علـيه منذ نـشأته كـما يتــسلط المنوم المغناطيـسي على وسيطه "( 9 )
بعد طرده من العمل الدبلوماسي ، تفرغ ديلسبس لدراسة مشروع شق قناة لربط البحرين الأحمر والأبيض ، وقد وجد مادة كافية لما أراد في ما دونه علماء الحملة الفرنسية على مصر في كتاب " وصف مصر" ، وفي أبحاث لوبير والسان سيمونيين .
وبعد اغتيال عباس الأول في تموز عام 1854 وتولي حكم مصر الأمير محمد سعيد ، سارع ديلسبس إلى الاتصال بجمعية الدراسات الخاصة بالقناة وحصل منها على توكيل للعمل باسمها في مشروعه الحلم ، ولكنه لما حصل على الموافقة ، جعل الامتياز لنفسه !
وفي أواخر عام 1854 كان ديلسبس – بكل ما يملكه من مواهب وخبث وحيل – قد سيطر على شخصية والي مصر محمد سعيد باشا ، فانتزع منه الموافقة على شق قناة السويس ، فاصدر محمد سعيد فرماناُ بذلك .( 10)
فرمان الامتياز الأول 30 نوفمبر 1854
نص هذا الفرمان التاريخي على منح ديلسبس امتياز استغلال القناة مدة 99عاماً .( وبما أن افتتاح القناة كان في 17نوفمبرعام 1869 فإن هذا الامتياز ينتهي في17 نوفمبر عام 1968 ) وينص على ( 11)
1- يمنحه جميع الأراضي اللازمة لشق القناة البحرية وقناة المياه العذبة .
2- يعطيه الحق في زراعة تلك الراضي واستغلالها .
3- يملكه مياه النيل وله الحق في بيعها للفلاحين .
4- يعطيه الحق في استخراج جميع المواد اللازمة لأعمال القناة والمنشآت التابعة لها ، كالمحاجر والمناجم الداخلة في الأملاك العامة .
5- إعفاء كافة المهمات المستوردة من الخارج لصالح المشروع من الرسوم والجمارك .
6- إمداده بما يلزم من المهندسين والموظفين والعمال .
7- له الحق في وضع لوائح تقوم مقام القوانين في منطقة نفوذ الشركة .
فرمان الامتياز الثاني 5 يناير 1856
ومن أهم بنوده التي عددها خمسة وسبعون بنداً :
1- تقوم الشركة بمصاريف من طرفها خاصة ، وتحت مسئوليتها بجميع الأشغال والمباني اللازمة لإنشاء القناة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط .
2- أعطى الامتياز للشركة سلطة واسعة ، فأجاز لها أن تتعاقد مع الغير بلا رقيب ولا معقب عليها ، فيجوز لها أن تقوم بالأعمال المكلفة بها إما بمعرفتها هي وبطريق الاحتكار ، وإما بواسطة مقاولين من طريق المناقصات والصفقات ، أو بالممارسة ، وفي جميع الحالات يجب أن يكون أربعة أخماس العمال الذين يقومون بهذا العمل على الأقل من المصريين .
وقد جعل هذا البند من الشركة دولة داخل الدولة ، فبدلاً من أن تكون الأيدي العاملة من المصريين ، أشهرت الشركة هذا البند بشكل مخالف تماماً ليكون استخدام العمال بالسخرة ، ولما حاول الخديوي إسماعيل أن يقضي على نظام السخرة كلف ذلك الدولة تعويضاً جسيماً .
3- يصير حفر القناة المخصصة للملاحة البحرية الكبرى بالعمق والعرض اللذين حددتهما اللجنة العلمية الدولية ( وهي التي استحضرها ديلسبس ) .
4- تترك الحكومة المصرية للشركة حق استغلال جميع الأراضي اللازمة لذلك ، والتي لا تكون مملوكة للأفراد ، وذلك بدون أن تدفع الشركة عنها أية ضرائب أو أتاوات .
5- تسلم الحكومة المصرية عند الاقتضاء للشركة الأراضي المملوكة للأفراد والتي تكون هناك ضرورة لحيازتها على أن تدفع الشركة تعويضات لأصحابها .
6- تعطي الحكومة المصرية للشركة صاحبة الامتياز ولطول مدة هذا الامتياز الحق في استخراج جميع المواد اللازمة لأعمال البناء ، والمحافظة على المباني والمنشآت التابعة للمشروع من المناجم والمحاجر المملوكة للدولة وذلك بدون أن تدفع أية ضريبة أو رسم أو تعويض .
7- لأجل تعويض الشركة عن نفقات البناء والصيانة والاستغلال التي نص الفرمان الحالي على أن تكون على عاتقها وحدها ، يسمح لها وطوال مدة استغلالها أن تفرض رسوماً وتحصلها على الملاحة وإرشاد السفن ، وسحبها وجرها ، ووقوفها عند مرورها في القنوات والموانىء التابعة لها.
8- تحصل الحكومة المصرية على 15% من صافي الأرباح سنوياً .
9- المنازعات التي تنشأ بين الشركاء يفصل فيها محكمون يعينهم أطراف الخصومة ، ويرفع الاستئناف عن أحكام هؤلاء المحكمين أمام محكمة استئناف باريس . (وبذلك أخرج الشركة من ولاية القضاء المصري) .
10- اللغات المستعملة في أوراق أسهم الشركة وسنداتها هي : التركية والألمانية والإنجليزية والفرنسية .( 12 )
الأسهم
وطرح ديلسبس اسهم الشركة للاكتتاب في 5 تشرين ثان 1858 ، وضمت قائمتهم :
فرنسا 207111سهماً
بلجيكا 324 سهماً
الدنمارك 7 أسهم
نابولي 97 سهماً
الإمبراطورية العثمانية 96517 سهماً
إسبانيا 4046سهماً
روما 54 سهما
الأراضي المنخفضة 2615 سهماً
البرتغال 5 أسهم
بروسيا 15 سهماً
تونس 1714 سهماً
بيمونت 1353 سهماً
سويسرة 460 سهماً
توسكانيا 176 سهماً
ولما بارت الأسهم التي خصصها ديلسبس لرعايا انجلترا والنمسا وروسيا والولايات المتــحدة ليضمن تأيــيدها ، ولـم يـخطر في باله أن يعطي
مصر شيئاً ، سارع إلى بيعها لصديقه الخديوي سعيد ، وكان عددها 85506سهماً ! وقد استدانت مصر من أجل شراء أسهمها مبلغ 1080000جنيه وبفائدة باهظة ، وبذلك امتلكت مصر 44% من اسهم شركة القناة البالغ عددها أربعمائة ألف سهم .( 13 )
الشروع في حفر القناة
الإثنين 25 إبريل 1859