Page 1
مقدمة
ترى، هل كل ما قيل عن حرب حزيران 1967 أو نكسة حزيران أو هزيمة حزيران، سمها ما شئت، كان صحيحاً ودقيقاً وواقعياً، على الرغم من أن ما قيل فيها كثير، بل وكثير جداً، إلى الدرجة التي غابت فيها الحقيقة أو كادت أن تغيب في دهاليز الأقوال والأقوال المضادة، والحقائق والحقائق المناقضة لها.
نعرف جميعاً أن نتيجة هذه الحرب لم تكن مجرد خسارة لمعركة من معارك الصراع العربي الصهيوني، وإنما كانت مرحلة تحول وانعطاف جذري في مسرى هذا الصراع وفي المنطق الذي سارت بعده عمليات التعاطي مع القضية برمتها، فقبل الخامس من حزيران عام 1967 لم يكن هناك من يتحدث عن تسوية، وتطبيع، وأمن مقابل سلام، وسلام مقابل سلام، وسلام اقتصادي، بل كان الحديث يدور دائما عن استرداد الأرض والحقوق وإيقاف العدوان الصهيوني ومحو آثار هذا العدوان. فهل معنى ذلك أن حرب حزيران كانت - بتداعياتها الكثيرة - مقدمة للدخول إلى هذا المنطق؟! أم أن هناك أسباباً أخرى أكثر جدية دفعت «العرب» لولوج هذا الطريق، بحيث كانت هزيمة حزيران «حجة كافية» لهذا الولوج؟
في هذا الكتاب بيان آخر لأسباب الهزيمة، بيان واضح ومنطقي ينصب كله على أن العلة الحقيقية لم تكن في قوة «إسرائيل» أو دعم «العالم الإمبريالي» لها، ولم تكن فقط في خطل حسابات المفكرين العرب الاستراتيجيين - عسكريين وغير عسكريين - وإنما كانت بالدرجة الأساس في غياب منطق واحد كان بإمكانه لو توفر بصورته الصحيحة أن يقلب الموازين ويغير من وجه الحقيقة التي تمثل أمامنا اليوم بكل قبحها وظلمها، ذلك هو منطق الحرص على الوحدة العربية والتحدث بلسان عربي فصيح واحد، والتحرك حركة رجل واحد في مواجهة الوقائع على الأرض.
إن غياب هذه الوحدة التي لم يحسن العرب، بل لم يسعوا بإخلاص لتحقيقها، هو الذي وضعهم في الموضع الذي هم عليه اليوم، وهي ذاتها موضوع هذا الكتاب الذي هو عبارة عن أقوال وأحاديث جلالة المغفور له الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه حول حرب حزيران والأسباب الحقيقية التي أدت إلى هزيمة العرب خلالها.
إنه كتاب يضيف شيئاً جديداً ومهماً لكل من قرأ عن حرب حزيران مهما كانت قراءاته، ولمن لم يطلع على تفاصيل تلك الحرب فإنه يضفي تصوراً واضحاً حولها قلما يجده القارئ في كتاب غيره.
Page 2
تمهيد
عن «الحرب الخاطفة»، حرب حزيران 1967 قال الجانب الإسرائيلي كل شيء تقريباً.
أما ما حدث فعلاً في الجهة المقابلة، أي عند الجانب العربي، فقد ظل غامضاً، حتى لا نقول مجهولاً.
فمن الأهمية بمكان والحالة هذه معرفة موقف الملك حسين الذي يمكن اعتباره ناطقاً بلسان المعسكر العربي.
لماذا؟
لأن الأردن مرتبط جغرافياً وبشرياً وسياسياً واقتصادياً بمصير جارته إسرائيل أكثر من أية دولة عربية أخرى...
ولأن الأردن وجد نفسه في حزيران 1967 مسوقاً إلى الاشتراك في نزاع كان يعرف سلفاً أنه لن يخرج منه بأي كسب...
ولأن الأردنيين كانوا أثناء النزاع الوحيدين في المعسكر العربي الذين احترموا تعهداتهم ونفوذها بأمانة...
ولأن الأردنيين، بعد انسدال الستار على المأساة الجديدة التي أسفرت عن تقطيع أوصال وطنهم، هم من أول من نشطوا بأسلوب بناء، للبحث عن حل للقضية الفلسطينية.
ولما كان الملك حسين الزعيم العربي الوحيد الذي اشترك شخصياً في معارك حزيران 1967، فشهادته هي ولا شك شهادة رئيسية وذات قيمة عظمى.
وما نضعه في متناول القراء هو تقرير يشتمل على ما سمعنا ورأينا بفضل الواقعية والصدق اللذين يتحلى بهما رئيس الدولة الأردنية... مع العلم أن القصد ليس الإدانة ولا توجيه النقد والاتهام ولا الدفاع عن النفس بإيراد المبررات. فالملك حسين قد اكتفى بإيراد العوامل التي سببت قضية حزيران 1967، وتحدث عن هذه القضية ونتائجها من غير أن يحاول مرة واحدة التنصل من التبعات التي تقع على عاتقه.
وما سمعناه من فم الملك حسين بذلنا قصارى جهدنا لنقله بأمانه.
فيك فانس - بيار لوير
Page 3
حتمية النزاع
«كل ما أعددناه جعله التخريب هباءً»
«منذ اليوم الذي انسحبت فيه قوات الأمم المتحدة من قطاع غزة توقعت نتائج هذه الخطوة. كان الأمر واضحاً بالنسبة إليّ: لم يبقَ مفر من الحرب مع إسرائيل.
ذلك أن الإسرائيليين كانوا يعملون جاهدين في سبيل افتعال وضع شبيه بالوضع الذي نشأ قبل نزاع 1956، فتوسعوا في نشر أخبار هجمات الفدائيين العرب واستغلوا هذه الهجمات بمهارة بفضل دعاية مركزة تستهدف استدرار عطف العالم عليهم.
وفي هذا الوقت كان العرب في وضع لا يحسدون عليه، وإني أسوق، للتدليل على ذلك، الحوادث الآتية وهي غيض من فيض:
- الاعتداء الإسرائيلي على «السموع» في تشرين الثاني 1966.
- تدهور الموقف على خط الهدنة السوري، وقد بلغ هذا التدهور ذروته في 7 نيسان 1967، خلال الاشتباك الجوي الذي سببه تحليق سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية (كانت حصيلة هذا العدوان ست طائرات ميغ سورية أسقطها العدو في غضون ساعة).
ولا ننسى تهديدات أشكول ومسؤولين إسرائيليين آخرين بالهجوم على المواقع السورية واحتلالها عند الاقتضاء إذا استمرت دمشق في دعم الفدائيين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد ردت العاصمة السورية بدعوة سفراء الدول الكبرى وإحاطتهم علماً بنيّات إسرائيل العدوانية، وهي نيّات تنم عنها الحشود الإسرائيلية الكثيفة على الحدود.
هذه السلسلة من الحوادث هي التي حملت عبد الناصر على حشد قوات في سيناء لأغراض دفاعية. ذلك أن الجمهورية العربية المتحدة وسوريا كانتا قد بعثتا ميثاق الدفاع المعقود بينهما وذلك منذ اليوم التالي للاشتباك الجوي الذي وقع في السابع من نيسان. والجدير ذكره أن هذا الميثاق الذي انفردت بعقده الدولتان إنما عُقد في أعقاب فشل آخر مؤتمر قمة عقدته الدول العربية في الدار البيضاء في شهر أيلول من العام 1965، فقد سلكت مناقشات المؤتمرين طريقاً مسدوداً مما أدى إلى شلّ نشاط القيادة العربية الموحدة.
ولتقدير خطورة غياب القيادة العربية الموحدة من جهة، ومن جهة أخرى انفراد دولتين عربيتين بعقد ميثاق عسكري متجاهلتين وجود ميثاق الدفاع المشترك، لا بد من إلقاء نظرة إلى الوراء للوقوف على أوضاع الجيوش العربية في ذلك الحين.
فبين كانون الثاني 1964 وأيلول 1965 عقد الزعماء العرب ثلاثة مؤتمرات قمة في القاهرة والإسكندرية والدار البيضاء. وقد التأم المؤتمر الأول بطلب من عبد الناصر في 17 كانون الثاني 1964. ولا بد من الإشارة إلى أني، قبل 18 شهراً من انعقاد مؤتمر القمة في القاهرة، وبالتحديد في 2 تموز 1962، أذعت بياناً بعنوان «الأردن والقضية الفلسطينية والعلاقات العربية» وقد ضمنت البيان وجهة النظر الأردنية التي تشدد على الطابع الحيوي الذي بات يتسم به إنشاء وحدة عربية حقيقية. مع العلم أني ما فتئت أردد أن الوحدة العربية عنصر أساسي بل رئيسي في طموحنا إلى نيل ما هو حق من حقوقنا. لهذا رحبت عام 1964 ببادرة عبد الناصر واعتبرت انعقاد مؤتمر قمة عربي خطوة لا بأس بها نحو الوحدة المنشودة.
أما جدول أعمال مؤتمر القمة الأول فقد أعطيت فيه الأفضلية للوسائل التي ينبغي اللجوء إليها لمنع إسرائيل من تحويل مياه الأردن لمصلحتها. أي أنه كان علينا أن نحمي المصالح العربية ولكن كيف؟
عقبة أولى ذات شأن غلّت أيدينا عن اعتماد الحل العسكري. فاللجوء إلى القوة عام 1964 لم يكن ممكناً ولا معقولاً بسبب الأوضاع السياسية والعسكرية السائدة في معظم البلدان العربية. لهذا ارتأينا أنه من الأفضل، بانتظار الظرف المواتي للجوء إلى السلاح، أن نبدأ نحن تحويل مجاري روافد الأردن، للحد من الأضرار التي تلحقها بنا مشاريع الري الإسرائيلية. ووجدنا في الوقت نفسه أنه ينبغي لنا أن نبادر إلى إحداث جهاز يتولى إنشاء قوة عربية مسلحة وينسق وسائلنا العسكرية المشتركة، وذلك لمواجهة أي تهديد من جانب إسرائيل. وقد أطلقنا على الجهاز اسم «القيادة العربية الموحدة» ووضعنا القائد المصري علي علي عامر على رأس هذا الجهاز.
Page 4
لقد كانت قضية تحويل مياه الأردن الباعث الرئيسي على انعقاد مؤتمر القمة الأول، غير أن القضية الفلسطينية ظلت تحتل مكانها الأرفع في جدول الأعمال. فقد اقترحت الجامعة العربية إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية واختارت هي أحد كبار موظفيها السيد أحمد الشقيري رئيساً لهذه المنظمة. ووافقنا على هذه الخطوة رغبةً منا في إفحام إسرائيل التي تحاول أن تُدخل في روع العالم أن لا وجود لما يسمونه القضية الفلسطينية، مرتكزة على وجهة نظر تقول إن الفلسطينيين فقدوا هويتهم الوطنية بعد أحداث 1948، ما داموا قادرين على إحراز الجنسية الأردنية. وهذا الادعاء الذي يستهدف طي القضية الفلسطينية يقوضه تمسك الفلسطينيين بحقهم الذي اعترفت به مقررات الأمم المتحدة.
والقضية الفلسطينية تعنينا نحن الأردنيين أكثر مما تعني أي بلد عربي آخر. إنها تعنينا مباشرة، لهذا رحبنا من حيث المبدأ بقيام منظمة التحرير وأعلنا استعدادنا لدعمها دعماً مطلقاً ولكن بشرط هو أن تتعاون المنظمة مع الأردن تعاوناً صادقاً.
ولا بد من التنويه بأن الأردن عامل اللاجئين الفلسطينيين معاملة فريدة لم يتوفر لهم مثلها في الأقطار العربية الأخرى. فقد عملنا جاهدين في سبيل جعل ثلث سكان فلسطين يؤلف مع الأردنيين شعباً واحداً من ضفة الأردن الغربية إلى ضفته الشرقية. وأتحنا لكل فلسطيني إحراز الجنسية الأردنية بموجب طلب بسيط يتقدم به، كما أتحنا له التمتع بالحقوق التي يتمتع بها المواطن الأردني وذلك في شتى الحقول والمجالات.
أما البلدان العربية الأخرى فقد اكتفت بفتح أبوابها لدخول الفلسطينيين كلاجئين لا يتمتعون بأن حق، اللهم سوى حق الإقامة داخل المخيمات بانتظار حل ما.
لهذا اشترطنا تعاون منظمة التحرير معنا تعاوناً مخلصاً، أي اشترطنا امتناعها عن كل نشاط من شأنه إحداث الشقاق بيننا، لأننا حريصون على استمرار الدمج الذي تحقق بعد مشاق كثيرة.
تبدو الأوضاع العسكرية في البلدان العربية مرضية إلى حد إذا نظرنا إليها مجتمعة. ولكنها لا تبدو كذلك إذا نظرنا إلى إمكانات كل دولة على حدة، ولا تسمح لنا بالتالي بمواجهة مغامرة عسكرية جدية. وهذا الواقع هو الذي أملى علينا إحداث جهاز مسؤول عن تنظيم إمكاناتنا الدفاعية المشتركة وتنسيقها، وقد بدا لنا أن في جملة العوامل الرئيسية التي تحتم قيام قيادة عربية موحدة اختلال توازن القوى بين العرب وإسرائيل لمصلحة هذه. فمن جهة نرى إسرائيل تنعم باستقرار داخلي وتبلغ بقوة عسكرية أرفع مراتب النمو والتطور، ومن جهة أخرى نرى المجموعة العربية الموزعة على منطقة شاسعة تتخبط في مشاكل دقيقة من سياسية واقتصادية، كان أبرزها عام 1964 انعدام الاستقرار في أكثر من بلد عربي.
لنفرض أن عدواناً إسرائيلياً وقع على الأردن والحالة كما ذكرت، فهل يعقل أن يعتمد الأردن على تدخل سريع وفعال من جانب القوات الجزائرية أو المغربية مثلاً؟
لقد ارتأى بعضهم في مؤتمر القاهرة تطويق إسرائيل لإرغام تل أبيب على وقف أعمال تحويل مياه الأردن، وهو اقتراح لم يكن بالإمكان الأخذ به لأسباب عدة، منها أن الجيوش العربية مجهزة بأعتدة مختلفة ومتنافرة، بعضها مستورد من الغرب وبعضها الآخر من الشرق. يضاف إلى ذلك تباين أساليب التدريب وكل ما له صلة بالتقنية بوجه عام. ومنها كون مفاهيم القتال مستمدة من قواعد ونظريات منوعة ودروس ألقاها مدربون أجانب من مختلف الجنسيات. فبديهي والحالة هذه أن يكون كل بلد عربي قد اعتمد سياسة دفاعية خاصة به، منسجمة ومعتقداته السياسية، سياسة إن هي خدمت مصالحه فقد تتعارض والمخطط الاستراتيجي لهذا البلد الشقيق أو ذاك.
فكيف يمكن القيام بعمل عربي مشترك والحالة ما ذكرت، بالإضافة إلى عجز عدد من الدول العربية عام 1964 عن المساهمة بجدوى في عملية مشتركة، من جراء التزامات في السياسة الداخلية تشل حركتها، وهي التزامات ما كانت لتكون لولا انعدام كفاءة الحكام وهزال شخصيتهم.
انطلاقاً من هذه المعطيات نصل إلى المبدأ الآتي: حيال إسرائيل الموحدة الكلمة ينبغي للعرب أن يحققوا وحدتهم بأي ثمن. ولبلوغ هذا الهدف كانت أولى الخطوات الإيجابية لمؤتمر القاهرة إنشاء القيادة العربية الموحدة وجعلها مشرفة على قواتنا الدفاعية مجتمعة.
Page 5
غير أن عامل الوقت يجب أن يدخل في الحساب: فإسرائيل تشكل رقبة جسر يهدد في كل لحظة بالانفجار ما دامت المشكلة الناجمة عن وجودها، أي إسرائيل، مستعصية الحل. من هنا ضرورة الإسراع بتحقيق الوحدة العسكرية العربية.
ففي الأصل كانت إسرائيل وجوداً دينياً يجتذب إلى الوطن العربي يهوداً من مختلف أنحاء العالم، ولكن الهدف من قيام إسرائيل بدا أشد خطورة وخطراً مع الأيام بدليل التغييرات الجغرافية التي طرأت لمصلحتها بفعل السياسة التوسعية.. فأين إسرائيل التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 1947 من إسرائيل 1948، وأين هذه من إسرائيل 1956 ثم إسرائيل 1967؟ أليس في هذا دليل على مدى التهديد الإسرائيلي للعالم العربي كله؟
بالرغم من هذا الواقع، اصطدمت المحاولات الرامية إلى تحديد مهمة القيادة الموحدة في مؤتمر القمة الثاني الذي انعقد في الإسكندرية بين 5 و12 أيلول 1964 - اصطدمت تلك المحاولات بعقبات شتى من كل نوع. وبعد عام وخلال انعقاد مؤتمر القمة الثالث في الدار البيضاء (19 أيلول 1965) عرضنا نتائج العمل المشترك الذي بدأناه منذ لقائنا الأول في القاهرة في الحقلين السياسي والعسكري.
في الحقل العسكري بدأت القيادة العربية الموحدة تسجل بعض التقدم، لكن تبين أنها تحتاج إلى موارد مالية إضافية لتتمكن خلال المدة المحددة لها (ثلاث سنوات) من تحقيق الغاية من إنشائها: إعادة التوازن بين القوات العربية والقوات الإسرائيلية. وهذا التوازن لا يكون مجدياً ما لم ترجح كفة العرب ولو قليلاً بحيث تعد إسرائيل إلى العشرة قبل القيام بأية مغامرة. ولبلوغ هذا الهدف علينا أن نسهل مهمة القيادة الموحدة خلال الفترة الإعدادية وأن نوفر لها الموارد المالية التي تمكنها من مواجهة بعض القضايا الملحة، كإنشاء سلاح جوي قوي في الأردن مثلا. ذلك أننا نحن الأردنيين لا قِبَل لنا على القيام بهذه الخطوة الضرورية للقضية العربية، والتي بدونها لا يمكن إنشاء جيش عصري ذي فعالية. هذا مع العلم أن إنشاء سلاح جوي لا يتطلب شراء الطائرات وحسب، بل إنشاء قواعد جوية وأجهزة رادار، فضلاً عن الوقت الذي تستغرقه تنشئة الطيارين وتدريبهم، وتنشئة العاملين في المطارات وورش التصليح... الخ.
اصطدم مطلب القيادة الموحدة بشأن الاعتمادات الإضافية برفض غالبية الزعماء العرب الذين أعلنوا عجزهم عن تأمين الاعتمادات، وتقررت مطالبة الفريق أول علي علي عامر بتدبر ما يحتاج إليه باقتطاع المبالغ اللازمة من أبواب موازنته. ولكن المؤتمر توصل إلى اتخاذ قرار يقضي بالعمل على حل المشاكل العربية القائمة، باعتبار أن هذه المشاكل وما تستنزفه من أموال تعرقل مهمة القيادة العربية الموحدة.
من هذه المشاكل أورد على سبيل المثال لا الحصر:
الحرب في اليمن التي تتواجه فيها الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
الحملات العراقية في شمالي البلاد ضد الأكراد المتمردين.
ولا حاجة بي إلى الوقوف عند سلسلة المشاكل والأزمات الداخلية في بعض الدول العربية، وهي أزمات ومشاكل مردها إلى انعدام النضج السياسي أو إلى التهافت على الحكم.
فلو وجدت حلول لهذه المشاكل، وبتعبير آخر لو أن الدول المعنية شاءت بالفعل حل مشاكلها ليتنسى لنا نحن العرب بلوغ الهدف المشترك، لكان العالم العربي قد خطا خطوات واسعة إلى الأمام ولكان قد وضع موضع التنفيذ برنامج العمل المشترك. وحتى لو لم يتسن لنا في نهاية السنوات الثلاث إنجاز مشاريعنا، حتى في هذه الحالة نكون قد اكتسبنا خبرة ثمينة وحققنا اللحمة فيما بيننا وبلغنا مستوى محترماً.
كل هذا كان أمراً ملحاً بالنسبة إلينا. فإسرائيل تعمل جاهدة في سبيل إنماء إمكاناتها الحربية وتطويرها. وتصنع، بفضل وسائلها العلمية، أسلحة حديثة، خصوصاً في حقل التسلح الذري، وتنشئ جيشاً قادراً على استعمال هذه الأسلحة استعمالاً مجدياً. وهذا الاستعداد يؤدي بالنتيجة إلى الإخلال مرة أخرى بتوازن القوى.
كان علينا إذن أن ننفذ برنامجنا في الوقت المحدد لنتمكن من خلق ظروف كفيلة تلفت انتباه العالم إلى القضية الفلسطينية ووجوب إيجاد حل لها. مع العلم أن نجاح مخططنا كان جديراً بأن يجعل العالم العربي في وضع لم يكن له مثله قط في وقت من الأوقات.
ولا بد من أن أضيف إلى المصاعب التي اعترضت مشروع القيادة العربية الموحدة، النشاطات غير المرغوب فيها من جانب منظمة التحرير الفلسطينية.
Page 6
فأثناء مؤتمر القمة الأول الذي انعقد في القاهرة عام 1964 حذر بعض الرؤساء كما حذرت القيادة العربية الموحدة المؤتمرين من مغبة استفزاز إسرائيل وإعطائها مبرراً تتذرع به لشن حرب لم يئن أوانها. وعملاً بهذا التوجيه تلقينا نحن في عمان تعليمات تقضي بالسعي لوقف نشاط الفدائيين خلال فترة إعداد الجهاز الدفاعي المشترك، وذلك تجنباً للوقوع في مأزق شبيه بمأزق 1956.. وبتعبير آخر ينبغي لنا أن نتجنب كل عمل من شأنه أن يخلق مناسبة تتذرع بها إسرائيل لإثارة نزاع قبل أن نكون مستعدين للرد.
وكان نشاط الفدائيين قد بدأ يسترعي الانتباه في أعقاب مؤتمر القمة الأول. فلو أن الفلسطينيين أرادوا فعلاً خدمة قضية وطنهم ولفت انتباه الدول العربية والعالم كله إلى مشكلتهم، لنشط المسؤولون في صفوفهم قبل انعقاد مؤتمر القمة الأول لا بعد انفضاضه، لأننا في اجتماعات القاهرة حاولنا للمرة الأولى أن نفعل شيئاً محسوساً وأن نخطو خطوة إيجابية في سبيل القضية الفلسطينية.
ويمكن القول إن كل ما شرعنا في إعداده قد نسفته عمليات قام بها الفدائيون في وقت غير مناسب. وقد أدركنا خطورة هذا الأمر وعواقبه. لما عقد مؤتمر القمة الثالث والأخير في الدار البيضاء كررنا تحذيرنا لمنظمة التحرير الفلسطينية من مغبة نشاط الفدائيين خلال انهماك الدول العربية بتنسيق جهودها استعداداً لمواجهة أسوأ الاحتمالات.
لقد كنت أنا شديد الحذر لأن الهدوء النسبي في المنطقة لم يكن ظاهرة طبيعية يصح الركون إليها، ففي وسع إسرائيل وضع حد لهذا الهدوء متذرعة بـ «النشاط الإرهابي». وجاءت الأحداث تثبت أن حذري كان في محله. فبعد مؤتمر الدار البيضاء بوقت قصير نشبت أزمة عنيفة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، فاهتزت من جراء ذلك مرتكزات الوحدة الضرورية للعالم العربي وانهار صرح التضامن بين الدول العربية.
ذلك أن منظمة التحرير الفلسطينية أضحت منذ 1965دولة في قلب كل دولة عربية، تتصرف على هواها. وقد أدت تصرفاتها، بالإضافة إلى العوامل التي أسلفت ذكرها، إلى شلّ نشاط القيادة العربية الموحدة.
وبصدد نشاطات منظمة التحرير بيَّن السيد وصفي التل رئيس الحكومة الأردنية في ذلك الحين، لماذا وكيف تجاهل فدائيو المنظمة بسرعة سلطة الزعماء العرب، قال:
«قبل انعقاد مؤتمر القمة الأول كان الفدائيون يشكلون حركة مستقلة (لم تكن منظمة التحرير قد أنشئت بعد) محدودة النشاط. وقد اتسع نشاطهم عقيب انتهاء اجتماعات القاهرة التي اعتبرها العديد من العرب مخيبة للآمال. أما السبب فهو أن بعضهم كان يردد باستمرار: إذا أقدم الإسرائيليون على تحويل مجرى نهر الأردن فالدول العربية ستلجأ فوراً إلى السلاح لمنع التحويل.
وعندما شرع الإسرائيليون في تحويل مجرى النهر اتجهت الأنظار إلى عبد الناصر، فما كان منه إلا أن دعا إلى عقد مؤتمر القمة الأول. وما أن اطلع الفدائيون الفلسطينيون على نتيجة المؤتمر حتى قالوا إنها مناورة قام بها عبد الناصر لتهدئة العرب وإبقائهم تحت إشرافه وسيطرته. وبدأوا مذ ذاك يعملون مستقلين لحسابهم وبصورة جدية لم نألفها منهم قبل مؤتمر القاهرة، مع أن منظمة التحرير قد انبثقت من هذا المؤتمر وعزّزت بجيش يخضع لإشراف أحمد الشقيري.
وبعد مؤتمر القمة الثالث قام خلاف علني شديد بين مصر والمملكة السعودية بسبب اليمن، وبين مصر والأردن بسبب منظمة التحرير الفلسطينية. ومذ ذاك لم يعد وارداً عقد مؤتمر قمة رابع.
وفي العام 1966 أغلقت أنا بصفتي رئيساً للحكومة، مكاتب منظمة التحرير في الأردن، لأن أركان هذه المنظمة بدأوا يقومون بنشاط سري واسع النطاق محاولين بذر بذور الشقاق والتفرقة بين سكان الضفتين الشرقية والغربية، وقد ضموا إلى صفوفهم عناصر تنتمي إلى أحزاب سياسية غير معترف بها في الأردن، عنيت البعثيين والشيوعيين والقوميين العرب اليساريين. وكان هدفهم إقامة نظام حكم جديد على أنقاض الملكية.
لهذا وضعنا حداً لنشاط منظمة التحرير الفلسطينية في بلادنا. وسرعنا ما ازدادت سوءاً العلاقات بيننا وبين سوريا ومصر وازدادت متاعبنا تبعاً لذلك.
Page 7
كانت منظمة التحرير حركة سياسية لا علاقة لها بالفدائيين. وكان لها جيش متمركز في مصر وغزة وسوريا وحتى في العراق، أما في الأردن فقد رفضنا السماح للمنظمة بإنشاء جيش أو بإرسال قوات تابعة لها إلى بلادنا. فالفلسطينيون المقيمون في الأردن أضحوا مواطنين أردنيين، والحكمة تملي علينا تجنب كل ما من شأنه وضع المملكة الهاشمية في مهب الخلافات التي تهب رياحها عند الآخرين.
وموقفنا هذا من منظمة التحرير كان أحد عوامل الخلاف بيننا وبين القاهرة ودمشق.
وجدير بالذكر أن المنظمة التي اتخذت من سوريا قاعدة لها ومنطلقاً راحت تهاجم إسرائيل من الأراضي الأردنية بدل أن تشن هجماتها الخاطفة من الأراضي السورية، فانبرى الإسرائيليون للرد بمهاجمة الأردن وسوريا، وسرعان ما تفاقم خطر العدوان على الدولتين العربيتين.. والتهديد الإسرائيلي لسوريا هو الذي حمل عبد الناصر على اتخاذ التدابير التي جرّت الجميع إلى الحرب.
«حقاً إنها لحلقة مفرغة، جهنمية».
على أثر إقدام حكومة التل على إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن ألقيت خطاباً في مدرسة تخريج المعلمين في عجلون في 14 تموز 1966 ضمّنته الأسباب التي أدت إلى تلك الخطوة، وأكدت إخلاص الأردن للقضايا العربية ولاسيما القضية الفلسطينية، وهذا خلاصة ما قلته:
- إن القضية الفلسطينية لم تعد تعني الفلسطينيين وحدهم. إنها تعني العالم العربي كله منذ 1948 أي منذ اليوم الذي دخلت فيه الجيوش العربية الأراضي الفلسطينية.
- لقد سلكت القضية الفلسطينية الطريق القويم عام 1964 أي منذ شروع الدول العربية في معالجة قضاياها المصيرية في مؤتمرات قمة.
- وضع أول مؤتمر قمة عقد في القاهرة القضية الفلسطينية فوق الخلافات والمنازعات والمبادئ المتنافرة، هذه العوامل التي تسيء إلى مرتكزات التعاون والتضامن العربيين.
- إن كل عملية يقوم بها الفدائيون خارج إطار المقررات التي اتخذها الملوك والرؤساء في المؤتمر هي عملية عقيمة، بل مضرة.
- أردنا أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية مرآة تعكس وحدة فلسطين العربية، وأداة لتجميع الطاقات، وجهازاً تنخرط فيه جميع القوى الفلسطينية الفاعلة. لكن المنظمة لم تعد حركة تحرير بعدما أضحت خاضعة لتأثير الشيوعية.. لقد انحرفت عن الطريق القويم لتغدو خلية تلتقي فيها عناصر الشقاق العاملة على تقويض الوحدة العربية.
- نحن نؤمن بأن وحدة ضفتي الأردن تشكل نواة الوحدة العربية الكبرى، أما الذين يريدون الفصل بين الضفتين فإنهم يعملون على نسف وحدة البلاد والوحدة العربية.
- إن المواقف المسرحية لا معنى لها ولا جدوى منها.
- إن النزعة الانفعالية تفسح للدول الأجنبية مجال التدخل في شؤوننا، وتتيح للإيديولوجية الماركسية انتهاز الفرصة للتسلل إلى ديارنا، مع العلم أن روسيا تطمع بهذه المنطقة منذ العهد القيصري.
- نحن لا نصدق أن الاتحاد السوفيتي والصين الشيوعية يساعداننا لوجه الله، وأنهما يغاران على مصالحتنا.
- مهاجمة البلدان الإسلامية التي تعارض الشيوعية تشكل هجوماً على الإسلام نفسه.
- نحن نؤمن قبل كل شيء وفوق كل شيء بأننا عرب، وأن لا معنى للقومية العربية خارج إطارها الديني، أي خارج الإسلام.
- نحن نؤمن بالوحدة العربية، هدف الأجيال الطالعة في دنيا العرب كلها.
- إننا نصر أكثر من سوانا على ضرورة قيام تعاون عربي كامل لأن حدودنا مع إسرائيل تجعل جبهتنا أطول الجبهات.
- قوة عدونا المشترك تقوم على العلم وعلى كونه يعرف بالضبط ماذا يريد. أما ضعفنا نحن فمرده إلى جهلنا وليس إلى الاستعمار.
- مهمتنا ذات شقين: تقوية جيشنا وتطوير البلاد.
- نحن بحاجة للقيام بخطوات ثورية في حقول شتى، ولاسيما حقل المعرفة والوعي.. وهذا يمكن أن يتحقق بالتربية والتعليم. إنكم (مخاطباً طلاب المدرسة) مربو الغد، ومستقبلنا بين أيديكم».
Page 8
الهجوم الإسرائيلي
تشرين الثاني 1966
«سيعيش الشرق الأوسط أياماً حالكة»
بدا واضحاً فور انتهاء مؤتمر القمة الثالث في أيلول 1965 أن الوحدة العربية أضحت ملغومة من أساسها، وأن القيادة العربية الموحدة لم يعد لها وجود فعلي. وقد تسببت مناورات منظمة التحرير الفلسطينية وأعمال الفدائيين في الإساءة إلى سلم كان قد بدأ ينهار في حين كان العالم العربي شديد الحرص على استمراره على أمل الوصول إلى حل إيجابي للقضية الفلسطينية.
في 13 تشرين الثاني 1966 وبحجة «الرد على نشاط الإرهابيين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية» هاجم الإسرائيليون بلدة «السموع» الأردنية التي يبلغ عدد سكانها أربعة آلاف جميعهم من اللاجئين، وقد اتهمتهم سلطات تل أبيب بإيواء إرهابيين دخلوها قادمين من سوريا.
بدأ الهجوم الساعة الخامسة والنصف صباحاً بقصف من المدفعية غطى دخول أربعة آلاف جندي إسرائيلي كانت تنقلهم سيارات الجيب والسيارات المصفحة وخمس دبابات من طراز «باتون». اقتحمت هذه القوات البلدة الأردنية التي تحميها الشرطة المحلية، وبينما كانت أجهزة التخريب تنسف بالديناميت 46 منزلاً ومستشفى «السموع» كانت الدبابات تطلق نيرانها الكثيفة على دائرة الشرطة، وقد أصيبت مئذنة المسجد ببضع طلقات.
وفي الساعة السادسة والربع تحركت عشرون شاحنة وبضع سيارات أردنية مصفحة من الخليل لنجدة «السموع» وكانت عناصر الاستطلاع الإسرائيلية تراقب الطرق من مشارف البلدة فأخطرت قيادة القوات المعتدية بظهور النجدة، ووقعت قواتنا في الكمين الذي تمكن العدو من نصبه لها. وهنا تدخلت طائراتنا ولكن ما أن ظهرت أربع طائرات هوكر هونتر فوق أرض المعركة حتى وجدت بانتظارها طائرات الميراج الإسرائيلية، فاشتبكت معها في ظروف غير مواتية وتمكن العدو من إسقاط إحدى طائراتنا.
وفي منتصف الساعة العاشرة جلا الإسرائيليون عن «السموع» واجتازوا الحدود. وقد استمرت «العملية التأديبية» أربع ساعات كاملة وكلفتنا 21 قتيلاً و37 جريحاً وخسائر جسيمة في العتاد.
رفعنا شكوى إلى الأمم المتحدة، فأدان مجلس الأمن إسرائيل بأكثرية 14 صوتاً وامتناع دولة وحادة هي نيوزيلندا. وانضم الأميركيون إلى الروس والبريطانيين والفرنسيين في استنكار الهجوم على «السموع» ووصف المندوب الأميركي غودبرغ العدوان الإسرائيلي بأنه «هجوم لا يمكن تبريره».
وبعد حادث «السموع» انبرى بعض حلفائنا العرب لمهاجمتي بدل أن يصبوا جام غضبهم على إسرائيل. وبالطبع لم أكن أتوقع ردة فعل كهذه من جانبهم، وأعترف بأن بادرتهم لم تذهلني وحسب، بل عقلت لساني.
وقفوا مني هذا الموقف لأني رفضت - تنفيذاً مني لتعليمات القيادة العربية الموحدة - انطلاق هجمات رجال الشقيري على إسرائيل من الأراضي الأردنية وحدها دون سواها، مع أنه يمكنهم أن ينطلقوا من حدود مصر وسوريا ولبنان
بعد انقضاء عشرة أيام على حادث «السموع» عقد وصفي التل رئيس حكومتي مؤتمراً صحافياً وضع فيه الأمور في نصابها ورد على الاتهامات التي وُجهت إلينا. وشدد على الأمور الآتية:
1- ينبغي للقيادة العربية الموحدة أن تستخرج أمثولة من العدوان على السموع، لأن هذه العملية الواسعة قد قام بها العدو على طول خط الهدنة. وخط الهدنة يشكل كلاً بموجب الاتفاقات التي عُقدت في القاهرة لدى التوقيع على ميثاق الدفاع العربي المشترك، مما يعني أن اعتداءً إسرائيلياً يقع على هذا الخط تعتبره الدول الموقعة اعتداء عليها جميعاً.
Page 9
2- عند وقوع الاعتداء على «السموع» وجد الأردن نفسه بحاجة إلى دعم جوي، وهذا الدعم يجب أن تؤمنه الجمهورية العربية المتحدة بموجب الخطة الدفاعية التي وضعتها القيادة العربية الموحدة مسندة إلى سلاح الجو المصري مهمة تأمين الغطاء الجوي للمنطقة الواقعة جنوبي القدس.
3- أننا نرفض كل تسلل فردي للفدائيين بدون علمنا تقيداً منا بمقررات مؤتمرات القمة الثلاثة التي تخضع لموافقة القيادة العربية الموحدة كل عملية يقوم بها الفدائيون ضد إسرائيل وذلك قبل تنفيذ هذه العملية بالطبع، لأنه يعود إلى هذه القيادة وحدها تقرير مدى انسجام العملية المنوي القيام بها مع الخطة العربية المشتركة. والتعليمات التي تعمل القيادة الموحدة بموجبها تقضي بتجنب كل خطوة يمكن أن تستغلها إسرائيل لشن حرب لسنا نحن العرب مستعدين لمواجهتها.
بعد حادث «السموع» الذي رددنا عليه وحدنا وبعنف، ارتفعت حمى التوتر لا بيننا وبين إسرائيل وحسب، بل بيننا وبين حلفائنا العرب، باستثناء المملكة السعودية. وأصبحت أنا مذ ذاك هدفاً لسهام السوريين والمصريين ومنظمة التحرير الفلسطينية على الأخص، فقرأت في الصحف العالمية وسمعت من «صوت العرب» وإذاعتي دمشق والقاهرة أنه «ينبغي للعرب قبل احتلال تل أبيب والأراضي الفلسطينية كلها أن يحرروا عمان نفسها». وفي القاهرة ذهبوا إلى حد القول: «إذا كان الجيش عاجزاً عن حماية حدود كالحدود الأردنية فينبغي تسليح سكان القرى الواقعة على الحدود وتدريبهم». مع أن ما بدر منا في «السموع» حمل الدليل على أننا لم ندع إسرائيل تسرح وتمرح على هواها، بالرغم من أننا واجهنا العدوان وحدنا، أما سكان الحدود فقد سلحناهم ودربناهم ولكن أنى لهم أن يواجهوا هجوماً مركزاً تشنه قوات كبيرة؟
وقد جر حادث السموع إلى حوادث وأحداث أشد خطورة وخطراً، وبدا لي واضحاً أن الشرق الأوسط يوشك أن يعيش أياماً حالكة.
في القاهرة التأم مجلس الجامعة العربية بصورة استثنائية لمناقشة ما بات يُعرف بـ «قضية السموع». هذا من حيث المبدأ، ولكن هذه التغطية لم تخدع أحداً، فقد كانت الغاية من انعقاد المجلس إعلان - الحرب على الذين يطلقون على أنفسهم اسم الثوريين العرب - على المملكتين السعودية والهاشمية اللتين أطلق عليهما «الثوريون» اسم «الرجعيين».. أما أنا فقد فضلت دائماً تسمية أتباع مدرستي «المتطورين».
بين الذين حضروا اجتماع مجلس الجامعة كان أحمد الشقيري - الذي دعي إلى الحضور كمستمع ومراقب - وكان أشد المتحاملين عليّ عنفاً وأكثرهم تطرفاً. لقد قال بوجوب تحويل المملكة الأردنية إلى جمهورية فلسطينية وأن أول ما ينبغي عمله «إنشاء جيش فلسطيني في الأردن تابع لمنظمة التحرير». وبالطبع يكون الشقيري نفسه قائده العام. أما مهمة هذا الجيش فهي حماية الحدود الأردنية من أي عدوان إسرائيلي جديد. أي أن صاحبنا أراد أن يناط الدفاع عن الأردن بهذا الجيش المنشأ بين يوم وليلة... وهو تفكير لا شك في بدائيته.
أما موقف القاهرة العدائي فقد كانت له تفاعلاته في الأردن حيث تظاهر ضد نظام الحكم عناصر بعثية وشيوعية وقومية عربية يسارية (كان عليّ للمرة الثانية عشرة منذ ارتقائي العرش عام 1952 أن أواجه محاولات تحرك من الخارج ضد العرش الأردني ونظام الحكم في البلاد). وسرعان ما اتسع نطاق التظاهرات بحيث اتخذت شكلاً ثورياً، خصوصاً في الضفة الغربية أي في الخليل ونابلس ورام الله وجنين حيث تمكن بعض المحرضين على إثارة اللاجئين الفلسطينيين. فاضطرت حكومتي حيال هذه التطورات إلى إعلان حالة الطوارئ، واستعانت بالجيش لتهدئة الحالة، وهو المطلوب منه أن يظل متأهباً لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وبالرغم من تدخل الجيش ازدادت الحالة خطورة «بفضل» الحملات الكلامية التي كانت تشنها منظمة التحرير الفلسطينية على نظام الحكم الهاشمي عبر إذاعة «صوت العرب» القاهرية.
ففي 25 تشرين الثاني 1966، وكان يوم جمعة، أذاعت منظمة التحرير من «صوت العرب» بلاغاً تدعو فيه الأعضاء الفلسطينيين في الحكومة الأردنية إلى تقديم استقالتهم ظهر اليوم التالي. وأذاعت بلاغاً آخر تناشد فيه قوى الأمن الأردنية ألا تتعرض للمتظاهرين ضد نظام الحكم وتدعوها للانضمام إلى المتظاهرين وتأييد مطالبهم.
ووجه أحمد الشقيري نداء إلى البلدان العربية يدعو فيه المؤمنين لإقامة صلاة الغائب عن أرواح «الشهداء في صفوف الجيش والشعب الأردنيين».
وفي اليوم نفسه، أي يوم الجمعة الموافق 25 تشرين الثاني 1966، حصلت اصطدامات عنيفة في القدس بين المتظاهرين الذين تأثروا بتحريضات منظمة التحرير وبين قوى الأمن الأردنية، الأمر الذي اضطر حكومتي التي لم يستقل أحد من أعضائها عملاً بتوجيهات منظمة التحرير، إلى إعلان الأحكام العرفية في القدس.
غير أن إعادة الأمن إلى نصابه شيء واستمرار التضامن بين المؤسسات في بلد ما شيء آخر. ولكي أثبت لخصومي بالوقائع أنهم أضلوا السبيل، لم أعدّل الوزارة ولا أقدمت على حل المجلس، مع العلم أن نسبة الفلسطينيين في كليهما لا تقل عن 50 بالمائة.
وعلى الرغم من «أوامر» الشقيري لم تسجل الدوائر المختصة أية استقالة ولا أي تراخٍ في صفوف قوى الأمن. وعندما افتتحت دورة المجلس، لم أواجه بأية ظاهرة عدائية، بل استقبلني النواب بالتصفيق والهتاف.
ومع هذا لا بد من الاعتراف بأن عملية إعادة الأمن إلى نصابه قد استغرقت عشرة أيام، وأن أهم ما أسفرت عنه أحداث تشرين الثاني 1966 كان إفلاس الوحدة العربية، وهو إفلاس أحسسنا به في الداخل والخارج.
في الداخل أصبحت القضية الفلسطينية مستعصية الحل بعد حادث السموع وانفجار الخلافات العربية مجدداً. وفي الخارج أخذ الرأي العام يبتعد عنا في وقت كنا بأشد الحاجة إلى تفهمه عدالة قضيتنا».
Page 10
التـدهـور
«في 22 أيار أعلن عبد الناصر إغلاق مضائق تيران...»
«بعد «قضية السموع»، وطوال 5 أشهر، كان الوضع يتدهور تدريجياً بين العرب والإسرائيليين إلى أن كان يوم 7 نيسان 1967 فنشبت معركة فوق الأراضي السورية، اشتركت فيها طائرات الميراج الإسرائيلية وطائرات الميغ السورية.
وفي أعقاب هذه المعركة حشدت إسرائيل قوات كثيفة على الحدود السورية.
وسرعان ما أخذت الأحداث تتلاحق لتؤدي إلى الحرب.
وكان رد الفعل العربي المباشر أن أصدر المشير عبد الحكيم عامر نائب الرئيس المصري والقائد الأعلى للقوات المسلحة، أمره اليومي الأول وفقاً لميثاق الدفاع المعقود بين مصر وسوريا، وهذا نصه: «ترفع حالة الطوارئ في الأراضي المصرية إلى أعلى الدرجات اعتباراً من الساعة الرابعة عشرة والنصف من يوم 15 أيار 1967».
وفي هذا اليوم بالذات، 15 أيار 1967، احتفلت إسرائيل بالذكرى التاسعة عشرة لقيامها بإقامة عرض عسكري في القدس تغيب عن حضوره الدبلوماسيون الأجانب بسبب الوضع الشائك للمدينة المقدسة.
في مصر أعلن عبد الناصر أنه أصدر أوامره بإرسال القوات إلى سيناء لتخفيف الضغط الإسرائيلي عن السوريين. ثم نشرت الصحف وأذاعت محطة القاهرة أن الفريق محمود فوزي رئيس أركان القوات المصرية المسلحة سلم مذكرة إلى الجنرال الهندي أندراجات ريكيه قائد القوات الدولية في المنطقة المجردة من السلاح في سيناء. وتطلب المذكرة سحب القوات الدولية من خط الهدنة حيث ترابط منذ 26 شباط 1957.
وبدت تحركات القوات المصرية لاحتلال سيناء وكأنها مناورة لحمل إسرائيل على العدول عن مخططها. فهل كان لهذه المناورة الأثر المطلوب؟
مهما يكن من أمر، فإن يوم 17 أيار قد مر دون وقوع حادث. وكانت المعلومات العربية، وحتى السوفيتية، تقول إن إسرائيل اختارت يوم 17 أيار لتشن هجومها على سوريا.
في 18 أيار 1967، وافق الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت على جلاء القوات الدولية عن المنطقة المجردة من السلاح في غزة، من دون استشارة مجلس الأمن.
بعد هذه البادرة الخطيرة والمذهلة من جانب الأمين العام للأمم المتحدة بت موقناً بحتمية الصدام العسكري مع إسرائيل فعقدت فوراً اجتماعاً استثنائياً دام 4 ساعات مع رئيس حكومتي الجديد السيد سعد جمعة وأعضاء الحكومة وكبار الضباط في هيئة أركان القوات المسلحة الأردنية، وفي الوقت نفسه وضعنا قواتنا في حالة تأهب.
في الرابعة من بعد ظهر 19 أيار 1967، بدأت عمليات انسحاب القوات الدولية. وبعد ساعات احتلت كتيبتان من جيش التحرير الفلسطيني في غزة 73 مركز مراقبة كانت قد جلت عنها القوات الدولية. من الجانب الإسرائيلي كانت الاستعدادات لعدوان جديد قائمة على قدم وساق. وفي 20 أيار احتلت القوات المصرية مواقعها في شرم الشيخ.
ووسط هذا الجو المحموم لم يجد السوريون أنسب من أن يرسلوا إلينا في 21 أيار، سيارة لتنفجر في «الرمثا» على الحدود. وكان من المفروض أن تنفجر في قلب عمان، وأسفر هذا الحادث عن مصرع 14 أردنياً.
ورداً على هذا الشعور الأخوي قطعنا علاقاتنا الدبلوماسية مع دمشق.
وقد أدى الحادث إلى إشاعة القلق في الأردن. ففي هذه الظروف الدقيقة، لم نعد نعرف ممن نحذر: من عدونا إسرائيل أم من حلفائنا العرب؟
في 22 أيار، وهو اليوم التالي للحادث انتقل عبد الناصر إلى سيناء في جولة تفتيشية. وهناك أعلن إغلاق مضائق تيران، ابتداءً من منتصف ليل 23 أيار 1967.
وبعد إغلاق خليج العقبة، كان يبدو أن عبد الناصر يتوقع ردود فعل إسرائيلية. لذلك دعم مواقعه في سيناء ودعا رجال الاحتياط إلى حمل السلاح، ومع هذا استبعدت أن يكون الرئيس المصري راغباً في الوصول إلى الحرب، بل قام في ذهني أنه لا يتوقع نشوب نزاع، في حين كنت أنا موقناً بحتمية هذا النزاع.
أما الاتحاد السوفيتي الذي توقع تعقيدات وشيكة فقد حذر إسرائيل من مغبة التهور. وفي باريس وجه الجنرال ديغول إلى وزير الخارجية الإسرائيلية أبا إيبان النصيحة التالية: «لا تكونوا البادئين بإطلاق النار». وكرر هذه العبارة غير مرة. ومن باريس توجه إيبان إلى واشنطن لمقابلة الرئيس جونسون.