Page 1
مقدمــة
إذا استثنينا الانتفاضات الثورية العربية والحراك السياسي الذي رافقها، مطالباً بالتغيير والإصلاح الشاملين منذ نهاية سنة 2010 حتى اليوم، فإن حروب الخليج الثلاث: الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، وغزو العراق للكويت (1990-1991)، والاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق (2003-2011) تعد من أهم الأحداث التي شهدها الوطن العربي في العقود الزمنية الثلاثة الأخيرة· وقد شدت هذه الحروب انتباه الساسة والعسكريين ورجال الفكر والصحافة في البلاد العربية والغرب· واختلف هؤلاء، مثلما اختلف الناس جميعاً في مواقفهم من هذه الحروب، وفي تحليلهم لأسبابها وبيان النتائج التي أسفرت عنها·
صدرت أبحاث ومؤلفات كثيرة عن هذه الحروب، أثناءها أو في أعقابها· وصدرت في أوقات لاحقة مذكرات الساسة والعسكريين الغربيين الذين شاركوا في هذه الحروب· وجمعت من هذه المذكرات عشرة منها لشخصيات أمريكية وبريطانية وفرنسية، رأيت، بعد قراءاتها، أن ألخص ما فيها من مواقف وأفكار وآراء للقارئ العربي· وحرصت على عرض ما فيها بأمانة ودقة، واقتباس بعض نصوصها لتقديم صورة واضحة وصادقة عنها·
قسمت الكتاب إلى أبواب ثلاثة، تضمن كل منها مذكرات الساسة والعسكريين الغربيين الذين ساهموا فيها· وختمت كل باب بملاحظات مني أبديتها حول ما جاء في هذه المذكرات من أحداث وآراء ومواقف· ولما كانت حصة كل حرب من هذه الحروب من المذكرات تختلف في حجمها، فقد تباينت الأبواب في عدد فصولها وعدد صفحاتها، مثلما تباينت الفصول في كل باب في عدد صفحاتها·
إن قصدي من هذا الكتاب إطلاع القارئ العربي على النوايا الحقيقية للقوى المعادية لأمته، وعلى الخطط الاستعمارية التي تستهدف الحيلولة دون نهوضها وتقدمها، والأحقاد العنصرية لدى القادة الغربيين نحوها، ومدى احتقارهم لها، والكشف عن مشاعر التفوق العنصري لديهم، وعما أحاق بأمتنا، على أيديهم، من دمار لبناها الأساسية، وقتل لزهرة شبابها، وموت لأطفالها ونسائها وشيوخها، تحت شعارات براقة كالدفاع عن حقوق الإنسان، ومناهضة الاستبداد والدكتاتورية، وحماية القانون الدولي، والإشفاق على الشعوب المضطهدة·
وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب القادة والحكام العرب وكبار المسؤولين في الدول العربية، لعلهم يأخذون عبرة ودرساً مما كتب الساسة والعسكريون الغربيون عن تجربتهم معهم أو مع أسلافهم، ونظرتهم إليهم·
ولا يسعني، في هذا المقام، إلا أن أشكر السيدة إيناس حمد، التي قامت بطباعة مسودة هذا الكتاب على الكمبيوتر·
عمان 5/ 8/ 2012
Page 2
الرئيس الأمريكي نيكسون والإسلام
أثارت حروب الخليج الثلاث: الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988)، وغزو العراق للكويت (1990-1991)، واحتلال العراق 2003، اهتمام الساسة والقادة العسكريين الغربيين، وكان لهم دور فاعل في أحداثها وتطوراتها، وما أسفرت عنه من نتائج خطيرة على منطقة الخليج العربية، وعلى الوطن العربي كله، وعلى جيرانه، وعلى العالم بأسره· وأتيح للعديد من هؤلاء الساسة والقادة العسكريين كتابة مذكراتهم التي تضمنت معلومات غزيرة، بعضها معروف من خلال البيانات والتصريحات التي أدلوا بها خلال مجريات هذه الحروب، وبعضها الآخر ينشر لأول مرة· وتحتوي هذه المذكرات على آراء ووجهات نظر لتسويغ مواقف بعضهم، أو للدفاع عن الأخطاء التي ارتكبوها، والتي كانت لها ردود فعل سلبية لدى شعوبهم، تمثلت في المظاهرات الاستنكارية والاحتجاجات الشعبية الواسعة على هذه المواقف· وتتضمن هذه المذكرات أيضاً رؤية هؤلاء الساسة للإسلام ولطموحات الشعوب العربية والإسلامية، وتصورهم لطبيعة العلاقة بين هذه الشعوب والغرب· ونظراً لأهمية ما جاء في هذه المذكرات من معلومات وآراء ورؤى مستقبلية انعكست آثارها على منطقتنا العربية وعلى مستقبلها، رأيت أن من المفيد للقارئ العربي بعامة، والقارئ الأردني والخليجي بخاصة، الاطلاع على ما جاء في هذه المذكرات· فالدروس والعبر التاريخية قلما يعنى بها حكام منطقتنا أو يفيدون منها· والأمل معقود أن تتعظ بها شعوبنا التي استيقظت من سباتها العميق، ونهضت من كبوتها الثقيلة، وأن يفيد منها شباب الأمة اليقظ الذي قرر، كما يبدو، أن يأخذ زمام الأمور بيديه·
وسوف أبدأ بمذكرات ريتشارد نيكسون Richard Nixon، الذي يعد من أوسع الرؤساء الأمريكيين ثقافة وأعمقهم معرفة بأحوال بلاده الولايات المتحدة الأمريكية وبشؤون العالم· وسأتناول كتابه أغتنم اللحظة: تحدي أمريكا في عالم تسوده قوة عظمى واحدة Seize The Moment: America's Challenge in A one-Super- Power World· الصادر عن دار النشر Simon and Schuster في نيويورك ولندن سنة 1992· يعرض الرئيس الأمريكي السابع والثلاثون (1969-1974) للصورة السلبية للإسلام والمسلمين لدى الشعب الأمريكي، والتي لا يعادلها سوءاً وتشويها حتى صورة الصين الشعبية لديه· فهم في نظر معظم الأمريكيين غير متحضرين، متوحشون، قذرون وغير عقلانيين، ولكنهم محظوظون لأن أرضهم تحتوي على ثلثي أحتياطي العالم من النفط· يتذكر الأمريكيون أن الدول العربية شنت ثلاث حروب من أجل القضاء على إسرائيل، مثلما يتذكرون احتجاز آية الله الخميني للرهائن الأمريكيين في طهران، واختطاف الفدائيين الفلسطينيين من منظمة أيلول الأسود للفريق الرياضي الإسرائيلي في أولمبياد ميونخ، والمذابح الحمقاء على يد الميليشيات المتحاربة في لبنان (1975-1990)، وتفجير الطائرات المدنية من قبل السوريين والليبيين، واجتياح صدام حسين للكويت·
ويرى نيكسون أن بعض المراقبين الأمريكيين يحذرون من الإسلام الذي قد يصبح قوة سياسية عالمية وجدانية ومتعصبة، وأن أعداد المسلمين المتزايدة، وقدرتهم المالية الفائقة، ستفرض تحدياً رئيسياً للغرب، سيضطره إلى تكوين تحالف جديد مع روسيا لمجابهة عالم إسلامي عدواني ومعاد·
ويذهب أيضاً إلى أن هذه النظرة ترى في الإسلام والغرب نقيضين، وتستمد هذه النظرة أساسها الفكري من مؤلفات بعض المستشرقين في الغرب أمثال برنارد لويس Bernard Lewis الذي كرر في مؤلفاته نظرة المسلمين للعالم بقيام دار الإسلام ودار الحرب· ويتخيل أصحاب هذه النظرة أن قوى الأصولية الإسلامية الناشئة تعد لثورة واسعة النطاق تمتد من إيران إلى بقية أقطار العالم الإسلامي· ويدعو هؤلاء إلى سياسة احتواء غربية ـ سوفيتية لهذه القوى النامية·
Page 3
يرد نيكسون على أصحاب هذه الرؤية للعالم الإسلامي بالقول: صحيح أن العالم الإسلامي واسع جداً ومتنوع ومتباين، بحيث يتعذر عليه تجميع قواه وتنسيقها وصحيح أيضاً أن المسلمين يؤلفون سدس سكان العالم (850 مليون نسمة سنة 1990) يعيشون في (37) دولة، ويتوزعون على (190) أمة ومجموعة عرقية تتكلم مئات اللغات واللهجات المختلفة، وينتمون إلى ثلاث طوائف دينية هي: السنة والشيعة والصوفية، وعشرة مذاهب أو أكثر· ويبلغ طول العالم الإسلامي عشرة آلاف ميل، يمتد من مراكش إلى يوغوسلافيا، ومن تركيا إلى باكستان، ومن جمهوريات آسيا الوسطى إلى إندونيسيا· ويعيش في الصين من المسلمين أكثر ممن يعيش منهم في شبه جزيرة العرب· ويتجاوز عدد المسلمين في إندونيسيا سكان الشرق الأوسط كله· وقد يتجاوز عدد المسلمين في الاتحاد السوفياتي عدد الروس في القرن الحادي والعشرين·
يجمع المسلمين، في نظر نيكسون، عاملان فقط هما: العقيدة الإسلامية والاضطراب السياسي، فالإسلام ليس مجرد دين وإنما هو أساس لحضارة كبرى· ويأخذ على الغربيين نظرتهم إلى العالم الإسلامي ككيان منفرد· ويؤكد أن لا وجود لمكتب سياسي إسلامي يوجه سياسات هذه العالم، وإنما هناك أمم تشترك في اتجاهات سياسية وثقافية لها صلة بالحضارة الإسلامية· وكما يوجد في جميع الدول الغربية أحزاب سياسية تنادي بحرية السوق، ودولة الرفاه الاجتماعي، والاشتراكية، توجد في الدول الإسلامية جماعات تدعو إلى الأصولية والراديكالية والحداثة· الاشتراك في العقيدة وفي التوجهات السياسية يفضي إلى تضامن حقيقي بين المسلمين ولكنه تضامن ضعيف· ويبرز هذا بوضوح حينما يحدث حادث كبير في العالم الإسلامي يتردد صداه في أجزائه الأخرى·
يتسم العالم الإسلامي، في رأي نيكسون، بالخصومات التي حولته إلى مرجل يغلي بالنزاعات· فالمغرب ضد الجزائر، وليبيا ضد الجزائر، وليبيا ضد تشاد، وسوريا ضد الأردن، وسوريا ضد لبنان، والأردن خصم للعربية السعودية، والعربية السعودية ضد دول الخليج الصغيرة، والعربية السعودية خصم لليمن، والعراق خصم لسوريا، والعراق خصم للكويت وللعربية السعودية، والعراق خصم لإيران، ودول الخليج العربية ضد إيران، وباكستان ضد أفغانستان، والهند خصم لباكستان، وبنغلادش وإندونيسيا ضد ماليزيا وغينيا الجديدة، ولما كان العديد من هذه الدول كيانات مصطنعة مؤلفة من أمم وجماعات عرقية عدة، فالنزاعات الداخلية تسود هذه المنطقة من العالم· وتساهم الخلافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تغذية هذه النزاعات· ومن المعروف أن مراكز التفجر السكاني في العالم مستقرة في العالم الإسلامي، واقتصادياته لن تنمو بما يكفي للحيلولة دون تدني مستوى المعيشة، وهذا يضعف من قدرة حكوماته على تجنب أخطار على الاستقرار والسلام في المنطقة· وبسبب فقر المنطقة بالمياه ستندلع خلافات ونزاعات وحروب فيها· ولما كانت الحدود بين هذه الدول قد اصطنعتها الدول الأوروبية الاستعمارية فهي مهددة بالتحدي من قبل الدول والأقليات الأثينية داخلها· أما أنظمة الحكم في العالم الإسلامي فمعظمها مستبد ومتسلط ودكتاتوري أو ملكي تقليدي تعتمد على احتكار السلطة أكثر من اعتمادها على رضى شعوبها وتأييدها· أما التحرر السياسي فقد أفضى في معظم الحالات إلى التجزئة والتفكك دون أن يؤدي إلى الديمقراطية·
وفي سنة 1990، أنفقت دول العالم الإسلامي ما يربو على 8% من مجمل إنتاجها القومي على التسلح، بينما كان إنفاق الدول الغربية أقل من 5%، فقد أنفق العراق 8% من إنتاجه القومي، وسوريا 11%، والعربية السعودية 17%، ومصر 8%، وباكستان 7%· ومن بين الدول الخمس عشرة التي تملك صواريخ بالستية تسع منها إسلامية· وأخطر دولتين نوويتين في المنطقة هما إسرائيل وباكستان·
يقول نيكسون: لقد زرت ثلاث عشرة دولة إسلامية من الدول السبع والثلاثين خلال السنوات الثماني والثلاثين التي سبقت تأليف كتابه هذا، ووجد قادتها يفخرون بتراثهم، ومعظمهم مناهض للشيوعية· وباستثناء اليمن الجنوبي، لم يستند النفوذ السوفياتي في العالم الإسلامي إلى الإعجاب بالأفكار الشيوعية، وإنما إلى الحاجة لشراء الأسلحة السوفياتية· ويؤكد نيكسون أن الإسلام صمد أمام الشيوعية بثبات أفضل من المسيحية·
ويؤكد أن قلة من الأمريكيين يعرفون التراث الغني للعالم الإسلامي، ومعظمهم يتذكرون أن الإسلام انتشر بالسيف في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويتجاهلون أو يجهلون أن لا مكان للإرهاب في العقيدة الإسلامية، وأن أوروبا قد أمضت ثلاثة قرون من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت·
هذه هي صورة العالم الإسلامي السلبية كما قدمها ريتشارد نيكسون· وسوف نرى في المقال القادم صورة زاهية للإسلام في العصور الوسطى، وتصوراً لنيكسون لمستقبل علاقات العرب بالعالم الإسلامي·
Page 4
الاتجاهات السياسية في العالم الإسلامي
بعد أن استعرض نيكسون صورة الإسلام والمسلمين السلبية لدى الأمريكيين والغرب، وحاول إزالة الأوهام التي تكونت لديهم عن خطر الإسلام والأصوليين المسلمين، بإبراز عناصر الضعف والنزاع في صفوفهم، سعى إلى تقديم صورة زاهية عن الإسلام والمسلمين في العصور الوسطى· يقول في هذا الصدد: بينما كانت أوروبا تهيم في دياجير الظلام في العصور الوسطى بلغت الحضارة الإسلامية عصرها الذهبي، وقدم العالم الإسلامي مساهمة عظيمة في العلوم والطب والفلسفة ويستشهد نيكسون بالمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت Will Durant في كتابه عصر الإيمان The Age of Faith، الذي أكد فيه أن مفتاح التقدم في جميع العلوم كان في أيدي المسلمين في هذا العصر· كان ابن سينا أعظم المؤلفين في الطب، والرازي أعظم الأطباء، والبيروني أبرز الجغرافيين، وابن الهيثم، أشهر علماء البصريات، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين، وابن رشد أشهر الفلاسفة· وكان للعلماء العرب مساهمة جلى في تطوير أساليب البحث العلمي· وكتب ديورانت: جلب روجر بيكون Roger Bacon هذا الأسلوب إلى أوروبا، بعد خمس مئة سنة من ظهور جابر بن حيان· فالفضل في اكتشافه يعزى إلى عرب إسبانيا الذين جاؤوا بالتنوير من الشرق الإسلامي ولما تقدم علماء النهضة الأوروبية في ميادين المعرفة، واصلوا اكتشافاتهم بسبب اعتمادهم على عمالقة العالم الإسلامي·
عاد نيكسون، بعد إشادته بماضي العرب والمسلمين، إلى ما يجب انتهاجه من سياسات للهيمنة على العالم الإسلامي واستغلال ثرواته· يقول في هذه الاتجاه: يجب أن نتبنى سياسات توجه التطور التاريخي الطويل للعالم الإسلامي في اتجاهات بناءة، ومعالجة المشكلات التي تواجهه مثل: أمن الخليج الفارسي، والصراع العربي ـ الإسرائيلي··· ما لم ننجح في مجابهة هذه التحديات، فإن مهد الحضارة سيغدو قبراً لها.
يؤكد نيكسون أن في العالم الإسلامي حضارة حية تبحث عن هويتها التاريخية، بعد أن تخلص هذا العالم من قيود الاستعمار في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وانساق في الدهاليز المظلمة للقومية العربية وعدم الانحياز والأصولية الرجعية وها هو في التسعينات يجدد البحث عن مكانة تليق به في هذا العالم· والولايات المتحدة بحاجة ماسة لسياسة فعالة تؤثر في هذا التطور بطرق بناءة·
يرى نيكسون أن أكبر عقبة في طريق تطوير هذه السياسة هي وضع جميع دول العالم الإسلامي في فئة واحدة وينزعج كثيرون من الأمريكيين من الهتافات والشعارات المعادية للغرب في شوارع المدن الإسلامية· ويميلون إلى اعتبار جميع الأمم الإسلامية أعداء لنا ويؤكد نيكسون أن العقيدة الإسلامية تمثل خيطاً من الوحدة يربط سياسات هذه الأمم معاً، ولكنه لا ينسجها في كتلة متناسقة· فسياسات كل دولة في العالم الإسلامي لا علاقة لها بالإسلام ولا بكيفية تفاعل الإسلام في ثقافتها وتقاليدها القومية· هناك شيء من التضامن السياسي بين الأمم الإسلامية· لما غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان، اهتزت علاقات موسكو مع الدول الإسلامية من المغرب إلى إندونيسيا· وبلغت مع بعض الدول مثل العربية السعودية مرحلة الجمود· ولا شك أن هذه الدول تدرك الدعم الأمريكي بلا حدود لإسرائيل، من خلال تزويدها بمليارات الدولارات كمنحة، مثلما تدرك الموقف السلبي الأمريكي من القضية الفلسطينية· ويعد هذا عائقاً رئيسياً لإقامة علاقات أوثق مع جميع الدول الإسلامية·
يعود نيكسون فيؤكد أن الإسلام يقدم نظرة عامة لهذه الأمم عن العالم ولا يقدم لها منبراً سياسياً· والإسلام مثل كل دين عظيم معرض لتفسيرات عديدة تؤيد مقاربات وتوجهات سياسية متباينة· في الغرب باركت المسيحية في فترة من الزمن الأنظمة الملكية التي تؤمن بالحق الإلهي المقدس للملوك، وتقدم الآن مفتاحاً سحرياً للفكر الديمقراطي من خلال الاعتقاد بالكرامة الإنسانية للفرد· والإسلام بدوره قابل لتفسيرات متباينة وللتغيير التطوري· وخير دليل على ذلك أن الخميني وصدام حسين وأنور السادات وضياء الحق قد ادعوا جميعاً، على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم السياسية، انتماء أنظمة حكمهم إلى الإسلام·
Page 5
للعمل في العالم الإسلامي، يجب على صناع القرار في الغرب المناورة في إطار النزاعات الإيديولوجية السامة والمنافسات القومية· يلخص نيكسون التيارات الفكرية الأساسية في العالم الإسلامي في تيارات ثلاثة هي:
1- الأصولية: التي تلخصها صورة الرهائن الأمريكيين المعصوبة عيونهم وهم يعرضون أمام السفارة الأمريكية في طهران على شاشة التلفزيون، وهي صورة تثير الحزن والألم· وتليها صورة (241) من جنود مشاة البحرية الأمريكية الذين قتلوا في تفجير شاحنة في ثكنتهم في بيروت، وهيئات المختطفين الأمريكيين التي تشبه الأشباح في جنوب لبنان، يرى نيكسون أن هذه الصورة توجز التعطش السياسي للأصوليين الإسلاميين المتطرفين، والكراهية للغرب التي تحركهم، والتصميم لديهم على استعادة تفوق الحضارة الإسلامية· إنهم يسعون إلى فرض الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم، ولا تفصل بين الدين والدولة· وينظرون إلى الماضي كمرشد وهاد للمستقبل· هم ليسوا محافظين وإنما ثوريون يعملون على تدمير القديم من أجل بناء الجديد· لم يبحث نيكسون في أخطاء السياسات الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية في العالم الإسلامي والمآسي التي لحقت بالشعوب الإسلامية جراء هذه السياسة الخرقاء، والأسباب التي أدت إلى ظهور حركات الإسلام السياسي·
2- الراديكالية: يسيطر الدكتاتوريون وأنظمة الحزب الواحد على العديد من دول العالم الإسلامي، متذرعين بشرعية الإيديولوجيات القومية المتطرفة· بعضها مثل ليبيا القذافي تشبه دكتاتورية موسوليني، وبعضها الآخر مثل سوريا الأسد، وعراق صدام حسين، نظامان شموليان شرسان يبزان في قسوتهما نظام حكم ستالين· وهي أنظمة معادية للغرب كالأصوليين، وتتاجر بمعارضتها للامبريالية لتعبئة شعوبها، وتتعاون مع الاتحاد السوفياتي في الهجوم على الولايات المتحدة وحلفائها· ولا تقوم سلطة هذه الأنظمة على الكاريزما (الجاذبية القيادية) لقادتها وإنما على شراسة قواتها الأمنية·
3- التحديث: يعد هذا التيار أبرز التيارات الفكرية الثلاثة وأشهرها، ولكنه أقلها فاعلية على أرض الواقع· فهو تيار يسعى إلى دمج أقطار العالم الإسلامي بالعالم المعاصر، اقتصاديا وسياسياً، منطلقه التسامح مع الغرب باعتباره مفتاح القوة الدافعة للإسلام الحديث· وبعض الدول الإسلامية الحديثة مثل تركيا وباكستان ديمقراطية، كما أن مصر وإندونيسيا تعدان من المجتمعات المنفتحة نسبياً، ولكنها جميعاً بعيدة عن مستوى الديمقراطيات الغربية· ينادي القادة السياسيون التحديثيون بضرورة احتواء بلادهم على أفضل ما لدى الغرب من ثقافة وأعراف اجتماعية·
بعد هذا التصنيف للتيارات الفكرية والسياسة في العالم الإسلامي، يدعو نيكسون إلى ضرورة التفريق بين الدين الإسلامي وأعمال المتطرفين المسلمين· ويؤكد ضعف شعبية هؤلاء المتطرفين بين شعوبهم· وأن فرص وصولهم إلى السلطة في بلادهم ضعيفة جداً·
ولكن لنيكسون نظرة صائبة للمستقبل· فهو يرى أن الشعوب الإسلامية مرشحة للثورة· إنها شعوب شابة، ما يربو على 60% منها تحت سن الخامسة والعشرين· وهي شعوب فقيرة متوسط دخل الفرد السنوي فيها، بما في ذلك الدول المنتجة للنفط، (1600) دولار سنة 1991· وهي شعوب محرومة من المشاركة في الحكم، 27% من هذه الشعوب تعيش في دول شبه ديمقراطية، ولا تجد هذه الشعوب أملاً في الإيديولوجية المادية الشيوعية، ولا في الرأسمالية الاستهلاكية الغربية·
ينادي نيكسون بضرورة مساندة التحديثيين في العالم الإسلامي؛ لأن في ذلك مصلحة لهم وللغرب· ويتهم نيكسون الحكام العرب المستبدين بالبلادة وعدم الإحساس بمطالب شعوبهم· يقول في هذا الصدد: في دعمنا لحاكم غير ديمقراطي صديق لنا، يجب أن نوضح له أننا لا نؤيد أنظمة حكم لا تشرك شعوبها في الحكم.
ويدعو إلى معرفة أصدقاء أمريكا وأعدائها في رسم السياسات الأمريكية· وينتقد السياسة الأمريكية نحو إيران والعراق وسوريا· ولكنه يوصي بوضع استراتيجية تقوم على التعاون مع أنظمة الحكم التحديثية، وحصر علاقات أمريكا مع الأنظمة الأصولية المتطرفة والأنظمة الراديكالية بالتعاون التكتيكي، وينهى عن البحث عن قادة معتدلين في الأنظمة الأصولية المتطرفة مثل إيران، أو التودد إلى القادة الراديكاليين، أو المساهمة في بناء دولهم، ولكن دون قطع الاتصال بهم·
تمثل آراء نيكسون في الإسلام وفي الحركات السياسية في العالم الإسلامي قمة التوازن والاعتدال، مقارنة بآراء غيره من القادة السياسيين الغربيين الذين سنتناولهم فيما بعد·
Page 6
نيكسون يقترح سياسة أمريكية جديدة نحو العالم الإسلامي
ينتقل نيكسون، بعد عرضه لصورة الإسلام المشوهة لدى الأمريكيين والغرب، وللسياسة الواجب اتباعها للحفاظ على المصالح الغربية العراقية (1980-1988)· يقول نيكسون: انتقد العديد من المراقبين السياسة الأمريكية نحو الحرب الإيرانية ـ العراقية، وعبروا عن صدمتهم، لأننا ساعدنا بالتناوب فريقاً من المتحاربين على الآخر، ثم ساعدنا الفريق الآخر، معتمدين على سير المعارك· هم على حق جزئياً، فقد اقتضت مصالحنا أن لا يحرز النصر أي فريق في هذه الحرب· تصرفت إدارة ريغان تصرفاً سليماً في اللعب على الطرفين· بالسماح ببيع الأسلحة للعراق، كانت الغلطة في زيادة كميات الأسلحة حتى تمنع قدرات إيران الهجومية، وليس بمساعدة صدام حسين ليصبح تهديداً عسكرياً بعد الحرب· إذن يؤيد نيكسون هذه الانتهازية الأمريكية، الرامية إلى إطالة أمد الحرب لتدمير البنى التحتية للبلدين المتحاربين، واستنفاد قدراتهما الاقتصادية، وإنهاك قواهما العسكرية، باعتبارهما عدوين للولايات المتحدة الأمريكية·
يرى نيكسون أن على الولايات المتحدة الحفاظ على مسافة معينة في علاقاتها مع هذه الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي المعادية للغرب، وانتهاج التعاون التكتيكي معها· لقد تعلمنا من درس العراق القاسي أن صديق اليوم الخفي قد يصبح عدو الغد المميت· كانت الكلفة عالية في حالة صدام حسين: مئة مليار دولار و(148) قتيلاً من الأمريكيين لتصحيح خطئنا.
يقترح نيكسون سياسة إسلامية كبرى من أجل توجيه التطور التاريخي للعالم الإسلامي، بحيث تطبق هذه السياسة على كل الدول الإسلامية، وتعتمد نقاطاً رئيسية للحضور الأمريكي في هذه الدول· تقوم هذه السياسة على شراكة مع دول إسلامية تحديثية منتقاة تشارك الولايات المتحدة في المصالح والأجندات المتقابلة· ولا بد لهذه الدول المنتقاة أن تتمتع بوزن حقيقي في المنطقة، وأن يشمل العمل معها الأمور السياسية والأمنية، وتقديم النصيحة والمساعدة لدفع التنمية الاقتصادية إلى الأمام، بحيث تبرز هذه الدول تدريجياً كنماذج للنجاح والتقدم في العالم الإسلامي، وقدوة للقوى التحديثية في هذا العالم، ويتوقع نيكسون أن هذه السياسة ستجعل من هذه الدول المنتقاة مراكز جذب اقتصادية وسياسية، وأقطاباً لتحريك المنطقة بأسرها في اتجاه إيجابي وفي إطار تغيير سلمي·
انتقى نيكسون أربع دول إسلامية كشريكات للولايات المتحدة وهي: تركيا وباكستان ومصر وإندونيسيا· ويلاحظ هنا أنه تجاهل بقية الدول العربية مثلما تجاهل دول الخليج العربي النفطية· ويبين نيكسون لماذا انتقى هذه الدول الأربع·
فتركيا تعد جسراً جغرافياً وثقافياً يربط العالمين الإسلامي والغربي· وفيها حكم ديمقراطي فاعل عمره تسع سنوات· وهي أكبر مزود لحلفاء شمال الأطلسي بالجنود بين الدول الأعضاء فيه· ويدعو الحكومة الأمريكية إلى حث حلفائها الأوروبيين لقبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي· كما يدعوها إلى حض تركيا على الإفادة من علاقاتها التاريخية والثقافية لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط· وإذا حصل تقدم في عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية، فالمسألة الثانية المهمة في المنطقة هي توزيع المياه، وهنا يبرز دور تركيا في تخفيف أزمة المياه لدى الدول الفقيرة، من خلال مد الأنابيب لتزويدها بما تحتاجه من مياه، باعتبار تركيا أغنى بلدان المنطقة بالمياه·
Page 7
أما باكستان فهي الشريك الاستراتيجي الرئيسي الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة الممتدة من تركيا إلى اليابان· وقد تعاونت مع الولايات المتحدة في العقود الزمنية الأخيرة لدعم المقاومة الأفغانية للاحتلال السوفياتي، ولتسهيل التقارب مع الصين سنة 1972· ومع أن سياسة باكستان تتعارض أحياناً مع السياسة الأمريكية، وخاصة في مسألة انتشار الأسلحة النووية، لم تبد أية دولة أخرى شجاعة مماثلة لشجاعتها في مجابهة العدوان السوفياتي على أفغانستان، وحتى تتجنب الولايات المتحدة نزاعاً نووياً محتملاً بين باكستان والهند حول مسألة كشمير، يجب عليها أن تحث نيودلهي على إنهاء حالات خرق حقوق الإنسان من قبل قواتها الأمنية في هذه الولاية، والتفاوض على اتفاق للحكم الذاتي مع قادة كشمير· كما يجب تشجيع رجال الأعمال الأمريكيين على الاستثمار في باكستان لتعزيز عملية الإصلاح فيهــا·
يبرر نيكسون اختياره لمصر، بأن سكانها يؤلفون 35% من مجموع سكان العالم العربي، وبأنها الدولة العربية الأولى التي وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، وظلت لعشر سنوات مطرودة من جامعة الدول العربية، ثم عادت كزعيمة طبيعية للعرب· ويقترح نيكسون قيام جبهة عربية موحدة مع الولايات المتحدة لدعم عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية، ومقابل ذلك تلغى الديون المترتبة على مصر، وتقدم لها المعونات لوضع اقتصادها على مسار حرية السوق، ومساعدة قادة مصر على تبني إصلاحات سليمة تؤدي إلى تغذية الشعب المصري، وليس إلى إثراء بيروقراطية نهمة·
وآخر هذه الدول المنتقاة إندونيسيا المؤلفة من أرخبيل طوله ألف ميل، وهي خامس دولة في العالم في عدد السكان· وقد بدأت بخطوات اقتصادية مهمة، مع أنها ظلت تحكم حكماً مستبداً على يد الرئيس سوهارتو Suharto منذ سنة 1967· وارتفع دخل الفرد السنوي بين سنتي 1967 و1991 من خمسين دولاراً إلى خمس مئة دولار، وتبنى برامج ناجحة للحد من نمو سكان بلاده المتعاظم، وغدت إندونيسيا رائدة في إصلاحات حرية السوق في العالم الإسلامي· وارتفعت قيمة صادراتها من المنتجات غير النفطية حتى بلغت ضعف قيمة صادراتها من النفط سنة 1991· وواصلت دفع أقساط ديونها منذ سنة 1967 دون إعادة جدولة لها·
يقول نيكسون إن انتقاء هذه الدول الأربع لإقامة شراكة أمريكية معها لا يعني التخلي عن أنظمة الحكم الإسلامية التحديثية الأخرى الموالية للغرب· فهو يمتدح الحسن الثاني، ملك المغرب، ويعده من الحكام المسلمين المستنيرين، وأنه ينتهج سياسات تقدمية في المغرب، ويتعاون مع الولايات المتحدة في مسائل إستراتيجية مهمة· ويشيد بعلاقات المملكة العربية السعودية مع الغرب، ولكنه يصف نظام حكمها بالمستبد المتسلط· ولا يعتبر المغرب والعربية السعودية من الدول التي تمثل قاعدة مركزية قابلة للحياة، لأنهما تفتقران للثقل السياسي الضروري لتوجيه العالم الإسلامي·
ويقرر نيكسون أن سياسة الشراكة الانتقائية التي يقترحها لن تحقق نجاحاً فورياً· ولكنه يرى أن أثرها الواضح في توجيه التطور التاريخي للعالم الإسلامي سيظهر بعد جيل واحد· وهو يتوقع للأنظمة الأصولية الإسلامية، مثل إيران، وللأنظمة الراديكالية مثل ليبيا والعراق وسوريا بالزوال·
وينصح الإدارات الأمريكية بعدم الاقتراب كثيراً من الدول التحديثية الإسلامية حتى لا تغدو العلاقات الأمريكية معها هدفاً للمعارضة المحلية، وذلك لأن ذكريات الاستعمار في العالم الإسلامي تجعل من النفوذ الغربي مسألة حساسة· ويرى أن تعامل هذه الإدارات القادة التحديثيين المسلمين كشركاء أنداد·
ينتقد نيكسون ثورات الغضب التي تعتري الأمريكيين حين تعارض حكومة أجنبية صديقة السياسة الأمريكية· ويضرب مثلاً على ذلك موقف القادة العرب من قصف الولايات المتحدة لليبيا في نيسان 1986، رداً على هجمات إرهابية ضد موظفين أمريكيين، ويقول: استنكر العديد من القادة في المنطقة ذلك، وأدانونا علناً، ولكنهم سروا خفية بذلك.
Page 8
في مذكرات مارغريت تاتشر
مع أن مارغريت تاتشر Margaret Thatcher، كانت رئيسة وزراء بريطانيا طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، إلا أنها لم تول هذه الحرب اهتماماً في مذكراتها التــي صـــدرت سنـــة 1993 تحـــت عنوان سنوات داوننغ ستريت The Dowing Street Years عن دار النشر Harper Collins في لندن· وكتبت عنها بضعة أسطر، بينما كتبت صفحات عديدة عن الأشهر القليلة التي سبقت تخليها عن السلطة، والتي شهدت غزو العراق للكويت·
تناولت تاتشر الحرب العراقية ـ الإيرانية في فقرتين من مذاكرتها· اتهمت فيها العراق بالبادئ بالحرب· كتبت في هذا الصدد: في أيلول 1980، هاجم العراق إيران، ووجدنا أنفسنا، مرة أخرى، في مخاض أزمة جديدة لها مضاعفات سياسية واقتصادية خطيرة محتملة على المصالح الغربية· قرر صدام حسين أن الفوضى القائمة في إيران تقدم له فرصة لا تعوض لإلغاء اتفاق الجزائر لسنة 1975 الذي سوى النزاع بين البلدين حول شط العرب، والاستيلاء عليه بالقوة: بعد اندلاع الحرب بقليل جاء بيتر كارنغتون Peter Carrington وزير الخارجية إلى تشكرز Chequers مقر رئيسة الوزراء الصيفي خارج لندن، لبحث الوضع معي· كنت معنياً بصورة رئيسية بالحيلولة دون انتشار النزاع إلى الخليج، وتورط دول الخليج الغنية بالنفط الهشة الكيان، وهي التي لها علاقات تقليدية وثيقة مع بريطانيا· أبلغت بيتر أنني لا أشاطر الرأي الشائع بأن الإيرانيين سيهزمون بسرعة· إنهم محاربون متشددون، ولديهم سلاح جوي فعال يستطيعون به الهجوم على المنشآت النفطية العراقية· لقد كنت على صواب: ففي نهاية السنة، وبعد نجاحات أولية، أصبح العراقيون عاجزين عن التقدم، وغدت الحرب تهدد استقرار الخليج والملاحة الغربية في المنطقة.
قامت تاتشر بزيارة للعربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى في نيسان 1981، أي بعد مرور ما يربو على ستة أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية· بدأت تلك الجولة في 18 نيسان 1981 بزيارة العربية السعودية· فكانت أول رئيس وزراء بريطاني يزور هذه الدول· وقد أعدت نفسها كامرأة للزيارة بارتداء ملابس محتشمة مراعاة للتقاليد الإسلامية المحافظة في هذه الدول· وقد امتدحت في مذكراتها زوجات قادة تلك الدول، وما يتمتعن به من تعلم وثقافة ومعلومات· وشد انتباهها ما يتمتعن به من نفوذ لا يقيم الغرب له وزناً·
أشارت تاتشر إلى العلاقات البريطانية التقليدية المتينة مع دول الخليج، والتي تعود إلى سنين ماضية، يوم كانت بريطانيا حامية لهذه الدول ومسؤولة عن أمنها، قبل اكتشاف النفط بمدة طويلة· ولم تترد في إبداء أسفها على انسحاب القوات البريطانية من هذه الدول ومنحها الاستقلال سنة 1971· ووجهت اللوم لحكومة إدوارد هيث Edward Heath التي التزمت بقرار حكومة العمال، برئاسة هارولد ويلسون Harold Wilson، بسحب القوات البريطانية، والتخلي عن مسؤوليات بريطانيا في منطقة شرقي السويس· وبررت هذا الأسف بقولها: أثبتت الأحداث مراراً أن الغرب لا يستطيع انتهاج سياسة التخلي التام عن هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية.
اعترفت تاتشر أن جولتها هذه كانت لأهداف تجارية وأمنية، تقول في هذا الصدد: وفي هذا المجال عززت صلاتنا الدفاعية القديمة مصالحنا التجارية· فبعض الطائرات الحربية والدبابات البريطانية تناسب هذه المنطقة واغتنمت تاتشر هذه المناسبة لتطمين قادة دول الخليج بشأن قوة الانتشار السريع Rapid Deployment Force التي كثر الحديث حولها آنذاك، بسبب الحرب العراقية ـ الإيرانية· وكان بعض قادة الخليج وقادة دول المشرق العربي الأخرى، يخشون أن تمهد هذه القوة الطريق لتدخل عسكري غربي مباشر في الشرق الأوسط· أكدت تاتشر لقادة الخليج أن ذلك لن يحدث دون علمهم ودن موافقتهم·
Page 9
تقول تاتشر في مذاكرتها: كان النزاع العراقي ـ الإيراني مستمراً، وإن كان على مستوى متدن من الفعالة· ولا يعرف أحد ما سيكون عليه من الخطورة في تهديد الأصولية الإسلامية· إن حضوراً غربياً مكشوفاً جداً قد يخلق مبرراً لاستمراره، لكن دعماً قليلاً جداً قد يعطيه فرصة وأثنت على مجلس التعاون الخليجي، واعتبرته عاملاً مهماً لضمان أمن المنطقة·
وفي زيارتها للإمارات العربية المتحدة في 21 نيسان 1981 أكدت أن بريطانيا زودت الإمارات بكميات جيدة من الأسلحة والاستشارات العسكرية، ولا سيما طائرات هوك Hawk الهجومية الأرضية والتدريبية منها أيضاً· وفي زيارتها لإمارة دبي في اليوم التالي علقت بقولها: دبي ساحرة، مثل بقية بلدان الخليج التي زرتها ملأى بالأزهار التي يتم العناية بها يوميا· وهي ميناء حافل بالنشاط والحركة.
وزارت تاتشر مسقط، والتقت بالسلطان قابوس الذي اعتبرته أحد أقرب الأصدقاء لبريطانيا في الخليج وبحثت معه حاجات عُمان من الأسلحة والتجهيزات العسكرية، مثلما تناولت في حديثها معه الوضع في الخليج والحرب العراقية ـ الإيرانية· وقد وصفت السلطان بأنه كان دوماً مصدراً قيماً للمعلومات عن إيران وما يجري فيها وعلقت على موقفها من الحرب المذكورة بالعبارة التالية: كنا حريصين على أن تبقى الحرب محصورة بين الدولتين المتحاربتين، وأن لا تتجاوز الطرف الشمالي من الخليج، وذكرت أن حكومتها وضعت ثلاث بوارج حربية من مجموعة آرميلا للحراسة البحرية Armilla Patrol في الخليج سنة 1980 للإبقاء على الممرات البحرية مفتوحة، لما أصبحت الحرب العراقية ـ الإيرانية تهدد الملاحة في الخليج· وكانت زيارتها لقطر في ختام جولتها هذه، وبحثت مع أميرها الشيخ خليفة مساهمة الشركات البريطانية في تطوير استخراج الغاز القطري·
اعتبرت تاتشر هذه الجولة التي جمعت بين الدبلوماسية والتجارة والمباحثات الخاصة أنموذجاً يمكن تكراره في السنوات القادمة·
أرادت تاتشر إخفاء الدور البريطاني الحقيقي في الحرب العراقية ـ الإيرانية· وهو دور استهدف إطالة أمد الحرب، من خلال تزويد الطرفين المتحاربين بالأسلحة والعتاد والتجهيزات العسكرية· فقد وقعت شركات بريطانية عقوداً مع العراق سنة 1981 لبيع أسلحة وعتاد (بقيمة 312,5 مليون جنية استرليني· وزودت الشركات البريطانية العراق بألف سيارة من نوع لاندروفر العسكرية، و(60) سيارة أخرى مجهزة باتصالات لاسلكية، و(50) سيارة من نوع (رينج روفر)، واشترى العراقيون كميات من رادارات سمبلين Cymbeline لتعيين مواقع مدافع الهاون·
واستمرت بريطانيا في تدريب العسكريين من العراق وإيران· فقد كان ثمانون من طياري سلاح الجو العراقي يتدربون في كارليسل Carlisle ببريطانيا، وفي الوقت نفسه كان عشرة من الضباط الإيرانيين يتدربون على استعمال نظام الدفاع الجوي Skyguard من قبل الشركة الصانعة البريطانية British Manufacture and Research Company ومقرها في القاعدة الجوية في فالدرينغوت· واستمرت بريطانيا في تدريب العراقيين طوال مدة الحرب، بينما حرم الإيرانيون من هذه التسهيلات مع نهاية سنة 1982·
فرضت بريطانيا حظراً على تصدير التجهيزات العسكرية إلى كل من العراق وإيران سنة 1984· ولكن الشركات البريطانية لم تلتزم بهذا الحظر· وفي تشرين الثاني 1986، زار الآن كلارك Alain Clark، وزير التجارة والصناعة، بغداد لتشجيع التجارة البريطانية مع العراق، على الرغم من قرار الحظر المعلن· واتفق مع علي حسن المجيد على زيادة القروض البريطانية للعراق إلى (750) مليون جنية إستراليني، وشجعت الحكومة البريطانية البنوك البريطانية على منح العراق قروضاً تجارية بمبالغ كبيرة· وقام بنك Midland Bank بدور قيادي في هذا المجال، وأقرض العراق (340) مليون جنية استراليني سنة 1989، وقدم قرضاً آخر له سنة 1990 مقداره (250) مليون جنية· وبين سنتي 1980 و1985، زودت بريطانيا العراق بمواد عسكرية قيمتها (2388) مليون جنية إسترليني كقروض· وزيد هذا الرقم حتى بلغ (3517) مليون جنية إسترليني سنة 1990·
Page 10
الحرب العراقية-الإيرانية في مذكرات جاك أتالي
كان اهتمام الساسة الفرنسيين بالحرب العراقية ـ الإيرانية أعمق مما كان لدى أقرانهم من الساسة الأوروبيين والأمريكيين· ذلك أن علاقات فرنسا بكل من إيران والعراق قد تجاوزت حذر الدول الغربية الأخرى وتحفظاتها· ففرنسا هي التي استقبلت آية الله الخميني على أرضها لاجئاً سياسياً، ومنها بدأ اتصالاته مع الداخل الإيراني· وهي التي سهلت له العودة إلى طهران لقيادة الثورة التي أطاحت بالشاه سنة 1979· وفتحت فرنسا أبواب التعاون مع العراق منذ بداية السبعينات من القرن العشرين، وأبرم العراق معها عقوداً لشراء الأسلحة منذ سنة 1976· وتطور التعاون الاقتصادي بين البلدين طوال عقد السبعينات·
كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988) مفاجئة للساسة الفرنسيين، مثلما كان تطور الأحداث الداخلية في إيران بعد نجاح الثورة مفاجئاً لهم· ففي ليلة 29/30 تموز 1981، وصل حسن بني صدر، رئيس جمهورية إيران السابق، ومسعود رجوي، قائد حركة مجاهدي الشعب إلى مطار إفروي Evreux بفرنسا، طالبين اللجوء السياسي· أعطت الحكومة الفرنسية موافقتها لهما شريطة أن لا يقوما بأي نشاط سياسي· ردت إيران على ذلك بتظاهر مئتين من الحرس الثوري صباح 30/7/1981 أمام سفارة فرنسا في طهران· وانضم المئات إليهم في اليوم التالي حتى بلغ عددهم خمسة آلاف، لاسيما على أثر التصريحات التي أطلقها بني صدر ورجوي في باريس·
كان الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في لندن خلال هذين اليومين، وبعد عودته سعى إلى التهدئة مع إيران، فأوعز إلى مركز صناعة السفن في شيربورغ بإنزال ثلاث سفن حربية من قاذفات الصواريخ إلى مياه البحر بقصد تسليمها لإيران، وهي جزء من صفقة عقدها الشاه سنة 1974، وتم التحفظ عليها منذ سنتين· ووجه ميتران رسالة تهنئة إلى الرئيس الإيراني الجديد علي رجائي· لم تجد هاتان الخطوتان استجابة لدى السلطات الإيرانية، التي أتهمت فرنسا بأنها أصبحت مركزاً لمناهضة الثورة الإسلامية· عندها قررت باريس إعادة مواطنيها كإجراء وقائي· فما كان من الإيرانيين إلا أن أعادوا لعبة الرهائن الأمريكيين، فقرروا منع (62) فرنسيا من العودة إلى بلادهم في 6 آب 1981·
ترأس ميتران اجتماعاً في قصر الإليزيه لبحث الموضوع دام خمس ساعات، تقرر فيه إرسال بول ديبي Pol Depis المبعوث الخاص لميتران إلى طهران، حصل مبعوث الرئيس الفرنسي على وعد من السلطات الإيرانية بمغادرة حوالي مئة فرنسي يومي 10و12 آب 1981· بعث وزير الخارجية الفرنسي كلود شيسون Claude Chysson مستشاره برونو دولاي Bruno Delaye إلى بني صدر ورجوي، حاملاً رسالة من الرئيس ميتران جاء فيها: إذا لم يعد مواطنونا ستعيشون منقطعين عن العالم في ليلة 12 آب، غادر الفرنسيون المحتجزون طهران· ومنذئذ ولسنين تالية غدت فرنسا وما تمثله في عيون الإيرانيين شيطاناً لئيماً·
في أعقاب هذه الأزمة الحادة بين فرنسا وإيران وصل إلى باريس طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء العراقي وزير الخارجية في 19/8/1981، طالباً استئناف التعاون العسكري العراقي ـ الفرنسي· ينقل جاك أتالي Jacques Attali، مستشار الرئيس ميتران تفاصيل الموقف الفرنسي من الحرب العراقية ـ الإيرانية في يومياته، التي نشرها في مجلدين ضخمين بعنوان: حرفيا Verbatim الأول سنة 1993 والثاني سنة 1995، وتدور حول الأحداث وردود فعل رئاسة الجمهورية الفرنسية عليها بين سنتي 1981 و1988·