Page 1
تقديم
"حروف مقدسية على السور الجريح"
أو:
ورود شعرية على جراح الروح
هذه باقة من الورود الشعرية التي خطها قلم شاعر مقدسي يعشق القدس، لأنها القدس، ولأنها المدينة الجميلة بكل ما تعنيه من قيم، وجمال، وتاريخ، وحضارة، وبهاء. ولأنها رمز السلام والعدل والجمال الروحي، يغنّي لها الشاعر رفعت زيتون، ويرفض أن تكون شيئًا آخر غير الذي يجب أن تكون عليه وأن تكونه؛ القدس؛ مدينة الروح.
في باقته الشعرية هذه (حروف مقدسية على السور الجريح)، يغنّي الشاعر المهندس رفعت زيتون للقدس، والحياة، والقلب، والروح. يغنّي للإنسان المقهور وهو يتوق لحريته المشتهاة، وللعامل الكادح المظلوم وهو يجري خلف رغيف خبزه المغموس بدم التعب والمعاناة.
وقد وفّر الشاعر لقصائده هنا موسيقى متدفقة رقراقة هادئة أحيانًا حيث يجب الهدوء والتأمل، حانية تطرب، وتشجي، وتثير الأشجان والمواجع، لتنتزع الـ (آه...) إعجابًا، وتأسيًّا، وحنينًا. وقد تعلو موسيقاه لتستفز وتحرّض وهي تتحدى، أو تواجه.
ولغته في هذه القصائد، تتقدم بخفر عذريّ ساحر في ألفتها، وبساطتها، وبعدها عن الإغراق في التعقيد، والترميز، والغموض، لأنها جاءت قريبة من لغة من يخاطبهم، لأنه يكتب لهم، ويهمه أن يفهموه ليطربوا، ويفعلوا، ولتصلهم الرسالة بوضوح الشعر، ولغته، وموسيقاه، بعيدًا عن تحدي وعيهم، والتلاعب بالمفردات ذات الإيقاع الخالي من الانفعال والشعور.
إنه يتوجه مع قارئه، يأخذ بيده إلى نهاية نهره المتدفق شعرًا، وجمالاً، وأملاً... إلى المصب المأمول حيث البهاء، والنقاء، والأحلام المحققة.
في باقته هذه (حروف مقدسية على السور الجريح)، يلوّن الشاعر المهندس رفعت زيتون أزهاره؛ فمن الحنون البلدي الربيعي الشفاف الجميل، إلى الجوري ذي الأشواك التي تقف بكبرياء تحرس خمرة التاج، إلى الزنبق، إلى الأقحوان ذي الأوراق الطفولية اللاهية وهي توفّر متعة للصغار في عالم البراءة والتوقعات... إلى أن يصل بقارئه إلى جداريته الطويلة، وهو يحاور فيها معنى الحياة، ويقدّم رؤيته الخاصة مجاريًا بذا تجربة الشعراء الصوفيين، وشعر الزهد العربي.
لهذا كله، نجده وقد طعّم لغته بلغة قرآنية رزينة، وبلغة العصر العباسي الذهبي، وراح يتناص مع قصة سيدنا يوسف في السجن، ويأخذ من صاحبيه مثلاً يستحضره إلى أرض القصيدة، وواجهة الذاكرة، وعتبة الواقع.
إنه يهمس حينًا همسًا ناعمًا قريبًا من النفس، فتحس بالكلمات وقد بدأت أحرفها توشوش، وتوسوس وسوسة دافئة.. حين يتغزل بالوطن والمرأة على حد سواء.
وحين يخاطب قارئه ليستحثه على الإقدام والتبصّر، أو النظر في مرآة واقعه المشروخة علّها تعيد للصورة نقاءها واكتمالها، وللروح حياتها ودورها، فإن لغته تعلو وتقسو، فتكثر فيها حروف الجد والتقطيب.
ومن واقع مهنته الهندسية جاءت هندسة القصيدة لافتة مقصودة وقد رسمت بعناية واقتدار. لذا كان البناء الهندسي في قصيدة الشاعر المهندس رفعت زيتون شكلاً ومضمونًا ما وفّر لها كينونتها الخاصة، التي تستمد روحها من موسيقى منتقاة بعناية لتناسب غرضها في إيقاع مؤثّر، وفي أحرف الكلمات والصور الفنية وهي تتضافر في رسم عالمه الفني الأليف ذي الخصوصية (الزيتونية) وهو يرفعها بيارق على جروح السور الصامد في قدس الأقصى والقيامة.
رفعت زيتون لم يتعجّل النشر، بل انتظر حتى استوى قصيده واستقام فنّه، وأبى الإقدام على تجربة النشر الورقي قبل أن يضمن تقديم ما يسهم به في مسيرة الشعر الفلسطيني، ويضعه في مرتبة متقدمة من الإبداع.
هذه قصائد شعرية؛ واثقة من نفسها، وقارئها. تعيد الثقة بالشعر الذي تربت ذائقة القارئ عليه.
إنها تسهم في بناء مدماك متميز في هيكل شعرنا الفلسطيني والعربي.
إبراهيم جوهر
(القدس، 22 أيلول ،2011)
Page 2
إلى عيْنيكِ حَبيبتي
إلى عيْنيكِ تسبِقُني القوافي
وتعرفُ دربَها دونَ انحرافِ
تعاتبني إذا ما همتُ شوقًا
وليسَ الشّوقُ في عيني بِخافِ
ويصبحُ في هواكِ الحرفُ صبًّا
ويُمسي كاتبًا قصصَ العفافِ
أحبّكِ مثلما قدْ هامَ غيري
وأقسمُ بالذي مدّ الفَيافي
بأنّي في غَرامي موجُ بحرٍ
وكالطّوفانِ في العشقِ انجرافي
وإنْ كانَ التّولّهُ فيكِ ذنبًا
فذنبي كانَ مِنْ قبلِ اقترافي
أنا الظّمآنُ في يومي وليلي
وأنتِ الشّهدُ كأسي وارتشافي
ومثلَ النّهرِ مِنْ عسلٍ مُصفّى
يُروّي العاشقينَ على الضّفافِ
وأنتِ الحلمُ قِبلةُ عشقِ أمْسي
وحِبُّ غدي وخِلّي في المنافي
وقربُكِ كالنّدى في وجهِ صُبحي
Page 3
وبُعدُكِ جمرةٌ تحتَ الأثافي
وأرجو الله أنْ يزدادَ عمري
لكيْ يزدادَ مِنْ حُبّي اغترافي
ألا ويحَ المتيّمِ كيفَ يغدو
منَ الذّوبانِ كالمرضى النِّحافِ
وكيفَ يلينُ للأحبابِ صخرٌ
وينمو الزّرعُ في تربِ الجفافِ
فيا مَنْ وصلُها للرّوحِ روحٌ
عليلُ نسيمها للقلبِ شافِ
أجافي الشّمسَ لستُ بها شغوفًا
ولكنْ عتمَ ليلِكِ لا أجافي
ولستُ أغارُ أنْ يلقاكِ ألفٌ
منَ العُشّاقِ في سَحَرٍ خلافي
وأغدو حارسًا حتّى تنامي
وأسهرُ كالنّجومِ فلا تخافي
فيا منْ قدْ سألتَ وحرتَ فيها
وأنكرتَ التّهافتَ في هتافي
أجيبكَ والحروفُ بها تغنّي
وقلبي مخلصٌ في الحبِّ صافِ
هي الأوطانُ عشقي وانشغالي
وفي روضاتِها يحلو طوافي
هي الأوطانُ قرّةُ عينِ عيني
وإنَّ القدسَ تسكنُ في الشّغافِ
Page 4
صباحكِ أجملْ
صباحُكِ قدسي
أرقّ وأجملْ.
ومثلُ اكتمالِ
البدورِ وأكملْ.
صباحُكِ أندى العيون اللواتي
نظرنَ إليكِ، إلى قدميكِ،
فصرنَ كفجرٍ بجفنٍ جميلٍ،
وهُدبٍ رقيقٍ،
وطرفٍ مكحّلْ.
فكيفَ بمنْ كانَ بينَ يديكِ،
يقبّلُ في كلِّ صُبحٍ ثراكِ
ويرجو رضاكِ،
وفي ثوبكِ السّندسيِّ
تسربلْ.
صباحُكِ أجملْ،
وليلكِ مهدٌ لحلمِ عيوني،
تنامُ جفوني
على كتفيهِ،
وتغفو كطفلٍ ينامُ قريرًا
Page 5
على صدرِ أمٍّ،
فليلكِ قدسي منَ الشّهدِ أصفى،
وأحلى، وأشهى،
كخمرِ الجنانِ لذلكَ أثملْ.
فيا أختَ مريمَ في الاصطفاءِ،
كأنّ القداسةَ
ملكُ يمينكِ... والطّهرُ شيّدَ قصرًا بوجهكِ،
والنّورُ في وجنتيكِ تغلغلْ.
ألستِ كتابًا قديمَ الحكايا؟
ونقرأ بين سطوركِ عزًّا عظيمًا،
وعهدًا نفاخرُ فيهِ البرايا،
ومجدًا كبيرًا،
ونصرًا مكلّلْ.
وأرضكِ معراجُ
وحي السّماءِ،
وفيها على كلِّ بابٍ ملاكٌ،
وآثارُ خطوٍ لكلِّ عظيمٍ،
وآياتُ ملكٍ، وعلمُ إمامٍ،
وفي كلِّ دربٍ نبيٌّ ومرسلْ.
تُرابكِ مهوى
Page 6
فؤادي وعيني، ونبضي
الذي في هواكِ مكبّلْ.
هنالك بيتٌ
صغيرٌ قديمٌ،
يصلي لربٍّ كريمٍ عظيمٍ
بمحرابٍ ذكرٍ،
يسبّح ليلاً، ويسجدُ طوعًا
قبيلَ الشّروقِ،
ويرفعُ نحوَ السّماءِ يديهِ
فيدنو منَ الملكوتِ
ويسألْ.
هنالكَ أمّي
تزيلُ الغبارَ عنِ الصّبحِ فجرًا،
وتدعو الغيومَ لتغسلَ وجهي
فتأتي الغيومُ
هناكَ وتهطلْ.
وأسمعُ صوتَ البلابلِ
تشدو بُعيْدَ الأذانِ،
فيبدأ دفؤكِ يسري بروحي،
وأشعرُ أنّي
ملكتُ النّجومَ
Page 7
وأنَّ ثريّا السّما تتوسّلْ.
ويخفقُ قلبي
باسمكِ دومًا،
ونبضي يردّدُ خلفَ البلابلِ:
يا منْ أحبُّكِ
صُبحكِ أجملْ.
وأنتِ عروسٌ
وما لكِ مهرٌ كأيِّ عروسٍ
سوى الرّوحِ منا،
ومنْ يا حبيبةَ قلبي
سيبخلْ.
وحبّكِ فرضٌ على كلِّ صبٍّ،
وعنديَ أسمى، وأغلى، وأعلى،
فحبُّكِ حتّى كتابٌ منزّلْ.
حبيبة قلبي
خُذي الدّمَ مني
مقدّمَ عشقٍ بدونِ شروطٍ،
وأكتبُ روحي ونفسي وعمري
لأجلكِ يا قدسُ مهرًا
مؤجّلْ.
Page 8
يا قدسُ صبرًا
يا قدسُ صبرًا، سيعلو وجهُهُ القمرُ
فوقَ المآذنِ، ثمَّ العتمُ يندحرُ
وسوفَ تولدُ عندَ الفجرِ زهرتنا
وفي المساءِ سيشدو فرحَنا الوترُ
يا قدسُ ظنّوا بأنَّ الأرضَ قدْ أكلتْ
ومزّقتها ضروسُ الحقدِ والجدُرُ
ظنّوا وخابوا وإنَّ الصّبحَ موعدُهمْ
والصّبحُ باتَ قريبًا دونكِ العبرُ
فكمْ توالى عليكِ القاسطونَ، وكمْ
عاثَ البُغاةُ فسادًا! كمْ رأى البصرُ!
هذي الكنيسةُ تبكي ذلّ صخرتها
وسورُ مسرى رسولِ الله يحتضرُ
يا دهرُ إنّا شربنا الكأسَ ممتلئًا
مُرًّا، وَقَد نالَ منْ أحلامنا السَّكرُ
والظّلمُ فيكَ توالى حولَ بسمتنا
فهلْ بيومٍ لسانُ الظّلمِ يعتذرُ؟
نحنُ الذين خُطفنا منْ طفولتنا
ثُمَّ اشترانا ترابُ القبرِ والحَجَرُ
لغيرنا الحظّ يسعى دونَ مسألةٍ
Page 9
بالودّ يُقبِلُ كالشّلالِ ينهمرُ
ونحنُ في كلحٍ، والحبُّ يُخطئنا
نؤتيهِ وجْهًا، فيأبى وجهَنا الدّبرُ
كُرهًا سقانا كغيثٍ دونما سُحُبٍ
إنْ كانَ ذا غيثنا لا جاءَنا المطرُ
عشنا الهوانَ وضرسُ الصّبرِ ينهشنا
أتى علينا فلا لحمٌ فنصطبرُ
وأعينُ الفقدِ والإنكارِ ترصدنا
والدّاءُ والفقرُ والحرمانُ والقترُ
أقرَّنا الهمُّ في كابوسِ جَمرتِهِ
إنْ غابَ عنا سعيرٌ أقبلتْ سقرُ
وإنْ بيومٍ هَزمنا الفقرَ نُغضِبهُ
فيبتلينا لأعوامٍ ونفتقرُ
ويهلكُ الحزنُ أحلامًا نعيش لها
ولكنِ الخوفُ يقربنا فينكسرُ
في العزّ نرفلُ حتّى في مقابرنا
يهابنا الموتُ إذْ يدنو وينتحرُ
يا قدسُ وحدي، وفي الأسفارِ مثقلةٌ
خطايَ قدْ ملّها التّرحالُ والسّفرُ
وأنتِ مجدي وتاريخي وناخَ به
عيرُ البُغاةِ، وفيهِ استوقِدَ الغَرَرُ
وأنا ابنُ همِّكِ لا فرحٌ ألوذُ بِهِ
Page 10
ولا سرورٌ يلاقيني فأدّخرُ
ستّونَ عُمرًا وأوراقي مبعثرةٌ
في كلِّ عاصمةٍ، والكلُّ يتّجِرُ
ستّونَ جُرحًا ألا يكفي على جسدي
حتّى امتزجتِ بجسمي أيّها الحُبرُ
مُسَهَّدُ الجفنِ، محبوسٌ بغربتِهِ
وأنكرتني تميمٌ، واعتدتْ مُضَرُ
في ذاتِ ذكرى تراءَى الطّيفُ في خلدي
وداهمتني فلولُ الشّوقِ والصّوَرُ
شدّ الرِّحالَ فؤادي عاشقًا ولهًا
إلى عيونِكِ، ثمَّ السّمعُ والبصَرُ
والرّوحُ والنّفسُ منْ أشواقِها انطلقتْ
عندَ النّداءِ فما هانوا، وما انتظروا
حتّى دخلتُ لآهٍ لستُ أفهمها
فيها الضّرارُ يشقُّ الصّدرَ والضّرَرُ
بينَ الأزقّةِ أمشي في مواجعها
وكانَ يمشي قُبيلي فيهمُ الجُسُرُ
أعاتبُ الشّمسَ عنْ تقصيرها خجلاً
فلا تُجيبُ، ولا يأتي لها خبَرُ
واسألُ الخيلَ عنْ نصرٍ فتسألني:
ماذا ستفعلُ دونَ الفارسِ المُهرُ؟