Page 1
المقدّمة
"من عرف نفسه فقد عرف ربَّه".(حديث شريف)
"ماذا يَنفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه".
(السيِّد المسيح)
"اعرف نفسك".
(سقراط)
"ليس يحيا إنسانًا، من لا يسأل نفسه عن نفسه".
(أفلاطون)
"اعلم بأنَّ مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس".
(الغزالي)
"إذا أردت أن ترى الحقيقة، فادخل إلى ذاتك".
(سانت أوغسطين)
"إن الذي يعرف ذاته باطنيًّا، يعرف كذلك باطنية كلّ شيء".
(أُندريه كريسون)
تبدو هذه الحِكم سهلة التحقيق، لكنَّها، وعلى الرغم من بساطتها، تُعتبر من أصعب التحدِّيات التي تواجه الإنسان في مسيرة حياته. والتحدِّي الأصعب هو في إجابة أنفسنا عن هذه الأسئلة:
من أنا؟
هل ما أظنُّه أنا هو فعلاً أنا؟
هل ما كُتِب على هويَّتي هو أنا؟
هل تصنيفات الآخرين، وآراؤهم بي، ونظرتهم إلي هي أنا؟
هل أنا فرد "مقولَب" يخضع لمعايير اجتماعية ساهمَت في قولبته؟
هل أفكاري ومعتقداتي، التي قاموا ببرمجتي عليها، هي أنا؟
هل شخصيَّتي التي أعرضها في سوق الشخصيَّات الاجتماعية هي أنا؟
Page 2
أين أنا؟ وأين ذاتي الحقيقية في صخب المسؤوليَّات، وضوابط المجتمعات، وتزلُّف العلاقات، وضجيج الالتزامات التي لا تنتهي ولا تستكين؟
أين ذاتي الحقيقية حين أُغلِّف عفويَّتي بالتملُّق، وصِدقي بالتزلُّف، وإبداعاتي بالتقليد..؟
هل ذاتي الحقيقية هي فعلاً ذاتي الاجتماعية التي صُنِعَت إرضاءً للآخرين؟
..
هل هدف حياتي الأساس هو أن أكون إنساناً آليًّا ضِمن مجتمع آليّ يقدِّس الآلات ويتنكَّر للحياة..
وهل أنا أعيش حياتي حقًّا، عندما أتربَّى على مجموعة كبيرة من "نماذج" فكرية كلّها مُعلَّبة، مُنمَّطة، مُقلَّدة، ومُقلِّدة تضجُّ بكلِّ المعادلات المَيتة، وتفتقر إلى الصدق، إلى الذكاء، إلى الحبّ، إلى العفوية، إلى البراءة، وإلى الإبداع؟
..
هل أنا ببَّغاء "نموذجية" تُردِّد كلمات بكلّ طلاقة.. كلمات سمعَتها من غيرها، وتكرِّرها بشكل مستمرّ، دون أن تنبع من ذاتها، أو أن تفكِّر فيها، أو تحاول تحليلها، أو نقدها، أو حتى فهمها؟
..
فما هي ذاتي الحقيقية وكيف أجدها؟
ولماذا أخذوا منِّي (جهاز التحكُّم عن بُعد) في حياتي.. وأصبحت شخصًا "نموذجيًا" يحرِّكونه بكبسة زرّ؟
وماذا فعلوا بي لكي أفقد حريتي "بكلّ إرادة حرَّة منِّي"؟
وماذا فعلوا بي لكي ألجأ إلى "ذات مقنَّعة"، احتمي بها وألجأ إليها طلبًا "للأمان" الاجتماعي؟
وما هي مسؤوليَّتي في الموافقة على استخدامي كآلة مُنتِجة ومُستهلِكة؟
وما هي مسؤوليَّتي في السعي للتحرُّر من ذاتي "النموذجية"، المزيَّفة، والمصطنعة لكي أصل إلى ذاتي الحقيقية الأصيلة التي لا تقبل الزيف.. ولا المصطنع؟
عماد سامي سلمان
أين ذاتي الحقيقية حين أُغلِّف عفويَّتي بالتملُّق، وصِدقي بالتزلُّف، وإبداعاتي بالتقليد..؟
هل ذاتي الحقيقية هي فعلاً ذاتي الاجتماعية التي صُنِعَت إرضاءً للآخرين؟
..
هل هدف حياتي الأساس هو أن أكون إنساناً آليًّا ضِمن مجتمع آليّ يقدِّس الآلات ويتنكَّر للحياة..
وهل أنا أعيش حياتي حقًّا، عندما أتربَّى على مجموعة كبيرة من "نماذج" فكرية كلّها مُعلَّبة، مُنمَّطة، مُقلَّدة، ومُقلِّدة تضجُّ بكلِّ المعادلات المَيتة، وتفتقر إلى الصدق، إلى الذكاء، إلى الحبّ، إلى العفوية، إلى البراءة، وإلى الإبداع؟
..
هل أنا ببَّغاء "نموذجية" تُردِّد كلمات بكلّ طلاقة.. كلمات سمعَتها من غيرها، وتكرِّرها بشكل مستمرّ، دون أن تنبع من ذاتها، أو أن تفكِّر فيها، أو تحاول تحليلها، أو نقدها، أو حتى فهمها؟
..
فما هي ذاتي الحقيقية وكيف أجدها؟
ولماذا أخذوا منِّي (جهاز التحكُّم عن بُعد) في حياتي.. وأصبحت شخصًا "نموذجيًا" يحرِّكونه بكبسة زرّ؟
وماذا فعلوا بي لكي أفقد حريتي "بكلّ إرادة حرَّة منِّي"؟
وماذا فعلوا بي لكي ألجأ إلى "ذات مقنَّعة"، احتمي بها وألجأ إليها طلبًا "للأمان" الاجتماعي؟
وما هي مسؤوليَّتي في الموافقة على استخدامي كآلة مُنتِجة ومُستهلِكة؟
وما هي مسؤوليَّتي في السعي للتحرُّر من ذاتي "النموذجية"، المزيَّفة، والمصطنعة لكي أصل إلى ذاتي الحقيقية الأصيلة التي لا تقبل الزيف.. ولا المصطنع؟
عماد سامي سلمان
Page 3
صناعة الإنسان "النموذجي"
الحاجة الاجتماعية للإنسان
على مَرّ العصور، وَجد الإنسان نفسه مرغمًا لكي ينتمي إلى عائلة.. مجموعة صغيرة.. عشيرة.. قبيلة.. طائفة.. مجتمع.. وطن.. وأُمَّة..فحاجة الإنسان إلى أن يعيش ضِمن مجتمع معيَّن هي حاجة فطرية أساسية نابعة من غريزتين أساسيَّتين (يتشارك معه فيهما معظم الحيوانات، الحشرات، النباتات، والمخلوقات الحية الأخرى) وهما:
- غريزة حبّ البقاء
التي يندرج منها: غريزة الأكل والشرب، الخوف من الموت، وباقي النزعات التي تدفعه للنضال من أجل المحافظة على حياته. فمن خلال التجربة، وعلى مَرّ العصور تعلَّمت المخلوقات الحية، ومنها الإنسان، بأنَّ البقاء ضمن مجموعة من جنسها، تتشارك معها في المأكل والمشرب والمأوى، يساعدها في المحافظة على حياتها من الأخطار التي تحيط بها من كلّ جانب.- غريزة استمرار النوع
التي يندرج منها: الجنس، الأمومة، الأبوَّة، البنوَّة، الأخوَّة.. وهي غريزة فطرية تسعى إلى بقاء السلالات واستمرارها عبر الأجيال وعدم تعرُّضها لخطر الانقراض. وهذا ما قد يحصل عليه الكائن الفرد ضِمن وحدة اجتماعية (بدائية كانت أم متطوِّرة) فيجد الحبيبة والأخت والأخ والأب والأمّ والابن والابنة ضِمن هذا التكتُّل المجتمعي.
Page 4
التعليب الاجتماعي
"نمذجة" الطفل الكونييدخل الإنسان في لعبة الحياة ليختبرها، وليحقِّق ذاته من خلالها.
فهذه الحياة هي حياته هو، كما الحلم هو حلم الحالم..
واختباراته الحياتية هي اختباراته هو، كما الحلم هو اختبار الحالم..
فلا حلم من دون حالم، ولا حياة من دون شاهد حيّ يشهد على وجودها..
فعندما يولد الطفل يكون طفلاً كونيًّا فطريًا عاريًا من كلّ شيء: من الثياب، الهويَّة، الانتماء الديني، الانتماء القومي، وحتى من اسمه. ورغم أنَّه يولد هكذا، فهو إنسان كامل يحمل في جيناته وروحه الإنسانية الأزلية اختبارات التجربة الإنسانية منذ آلاف العصور. فهو إنسان مستقلّ تمامًا. وصل إلى الحياة، ليتسنَّى له اختبارها كمخلوق يحمل تجربة إنسانية كونية واسعة لا تعي إلَّا ذاتها الحقيقية.
يُولد الطفل ويفرح جميع الأهل بقدومه فيطلقون عليه اسمًا "كما يحلو لهم"، ويُلبِسونه "ما يحلو لهم" من ثياب تناسب مجتمعهم، و"يكسونه" بمفاهيمهم الاجتماعية، بتقاليدهم، بأعرافهم، بهويَّتهم الوطنية والقومية، بأديانهم، بطوائفهم، بمذاهبهم، بأحقادهم التاريخية، بعداواتهم، بهواجسهم، وبعِقَدهم.. "كما يحلو لهم"، لا كما يحلو له.
فالطفل في هذه المرحلة لا يستطيع رفض ما يفعله أهله به، لأنَّه طفل صغير لا يقوى على تغيير أيِّ شيء بنفسه.. حتى (حفاضاته). لكنَّ خوفهم على طفلهم من أن "يحلِّق خارج السرب"، يجعلهم يفرضون عليه برامج منظومتهم الاجتماعية (كما فُرضت عليهم في السابق)، وذلك من خلال "التربية المُستدامة" التي تساهم فيها: الأسرة، الحي، المدرسة، العمل، المجتمع، ورجال الدين والسياسة. وهذه التربية المُستدامة لا تتوقَّف عند مرحلة عمرية معيَّنة، لكن الأساليب والأدوات تختلف فقط.
وعندما يكبر هذا الطفل، يقومون بمنعه من التصرُّف كإنسان ناضج، مستقلّ، له كيانه، ورأيه الخاص به، والذي قد يكون مخالفًا لرأي مجتمعه. وهذا ما قد يعرِّضه "للخطر"، ويعرِّض أهله لمواجهة "الإحراج الاجتماعي".
فيسعى المجتمع إلى إبقاء الإنسان "طفلاً"، غير ناضج، بحيث لا يقوى على تغيير حتى "حفاضاته الاجتماعية" بنفسه. وبذلك يبقى الشخص قاصراً، تابعًا، غير مستقلّ، تحتلُّه الاتِّكالية، يحتاج إلى من يفكِّر عنه، إلى من يحلّ مشاكله عنه، ويحتاج إلى من يتعكَّز عليه. وبما أنَّه كَبر وبقي صغيرًا، فلا بدَّ أن يختار "رمزًا أبويًّا" يتَّكئ عليه.. وما أكثر "الزعماء"، و"الأبطال"، و"الرعيان".. لتبوُّء هذا الرمز الأبوي المزيَّف.
والمجتمع هو الذي "يحتفل" بولادة الطفل.. وهو الذي "يبارك" زواجه حين يكبر "ضِمن التقاليد والأعراف".. ويتولَّى المجتمع طوال فترة حياة الطفل عملية تربيته، وتأطيره، وبرمجته، ونمذجته، وضبطه بحسب منظومته المجتمعية.. إلى أن يتكفَّل بمراسم موته ودفنه. وهكذا تكون آلية "التربية المُستدامة" غطَّت كلّ مراحل حياة الإنسان من المهد.. إلى اللَّحد.
ومن الواضح جليًّا أنَّ المجتمع هو من يصنِّف الشخص "بالشخص المثالي"، و"المواطن الصالح". ويكافئه إذا سار ضِمن "الخطّ الصحيح" المرسوم له اجتماعيًا بكلِّ دِقَّة. أو ينعته بأبشع العبارات مثل: ("الشاذّ"، "السيِّئ"، "المجنون"، "المرتدّ"، "المنحرف"، "الكافر".. الخ) في حال فضَّل الاستماع إلى صوته الداخلي الحقيقي على حساب هدير محرِّكات نظم الضبط الاجتماعية.
"يُرغَم الشخص، أثناء نموِّه، على التخلِّي عن معظم رغباته، واهتماماته المستقلَّة الأصيلة، وعن إرادته الشخصية. ليتبنَّى إرادة غير إرادته، ورغبات ومشاعر غير رغباته ومشاعره، تفرضها كلّها الأنماط الاجتماعية للفكر والشعور. فعلى المجتمع والأسرة، باعتبارها الوكيل النفسي الاجتماعي للمجتمع، أن تحلّ المعضلة الصعبة: كيف يمكن تحطيم إرادة الشخص، دون تمكينه من الوعي بذلك؟ والحقّ أنها قادرة بالفعل. فمن خلال عملية معقَّدة من التلقين والعقاب والثواب وبثّ الإيديولوجيات المناسِبة، تعتقد أغلبية الناس أنها تُسيِّر حياتها وفق إرادتها، دون أن تكون على وعي بأن إرادتها ذاتها مصنوعة ومكيَّفة (1).
فتنكفئ في الإنسان "الذات الحقيقية" المبدعة والعفوية، لتحيا "الذات المزيَّفة" الاجتماعية التي تتغذَّى بثقافة الاستلاب، وبالتزلُّف الاجتماعي، والرياء، والتقليد..
وهنا تكمن مهمَّة كلّ إنسان ضِمن رحلة تطوُّره:
.. من طفل كوني حرّ..
.. إلى شخص مبرمَج اجتماعيًا..
.. إلى إنسان كوني حرّ من جديد.
أي أن يتحرَّر الإنسان من (الرجل الآلي) الداخلي الذي تمَّت برمجته اجتماعيًا، ليعود (طفلاً طبيعيًا) من جديد، بالمعنى المجازي للكلمة، متحرِّرا من البرامج الاجتماعية الدخيلة على ذاته الحقيقية. لكي يحيا الحياة بكلِّيتها كإنسان يضجّ بالعفوية، والبراءة، والحبّ، والبساطة، والتسامح. وكي لا يعيش كدُمية اجتماعية مَيتة، تتحرَّك كما يريدها القيِّمون على المجتمع.. وكي لا تصل الإنسانية إلى خسارة "مئة مليون قتيل" جديد، كما حدث في القرن العشرين وحده، من جرَّاء حروب المجتمعات المتنافرة المصالح والميول، والمبرَّرة دائمًا "بمحاربة الشرّ".
Page 5
حديقة الحيوانات
تحوي حديقة الحيوانات "النموذجية" مختلف أنواع الحيوانات التي تعيش في أقفاص "آمنة" فُرضت عليها قسرًا "لحمايتها طبعًا".. والمأكل والمشرب متوافران بشكل دوري ودائم..فلا يمكن للذئب الموجود بالقرب من النعجة الصغيرة أن يلتهمها، لأن الذئب "مضبوط" بقفصه، ولأن النعجة أيضًا "محمية" بأقفاص فولاذية لا تُقهر.. قد يبدو لنا من الوهلة الأولى أن "الجنَّة" متحقِّقة في هذه الحديقة، بحيث يعيش الذئب مع النعجة "بسلام" في مكان واحد. ويبدو أيضًا أنه لا وجود لجلَّاد أو ضحية فيها. إنَّه عالم "مثالي" و"نموذجي"، لا وجود فيه لخطر الجفاف والشحّ، والأكل متوافر بشكل لا يقبل الجدل في كلّ الفصول. وحتى التناسل والتزاوج مؤمَّنان للجميع دون استثناء (طبعًا بعد موافقة القيِّمين المختصِّين في شؤون التزاوج في الحديقة).
ولكننا إذا قمنا بدراسة الحيوانات في هذه الحديقة "النموذجية" المنظَّمة والمرتَّبة "كما يجب"، وتمعَّنا بمراقبتها واحدًا.. واحدًا، لاكتشفنا أن جميع هذه الحيوانات يلفُّها الحزن، والإحباط.. وتتشابه بعدم امتلاكها أيّ دافع للاستمرار في العيش أو لعمل أيِّ شيء.. ولو خُيِّر لها الخروج من قفصها، والتعرُّض للخطر في سبيل حريَّتها، لن تتوانى لحظة واحدة في ذلك. حتى لو كانت مولودةً في أقفاصها.. وأجدادها أيضًا مولودون في الأقفاص عينها. ذلك لأن أيَّ مخلوق يسعى بالفطرة إلى الحرِّية والاكتشاف والاختبار. ويعلم بالغريزة بأنه "مضبوط" ضِمن حدود قفصه "لحمايته" طبعًا و"للمحافظة عليه".
إن الهدف المُعلن من قِبل القيِّمين على حديقة الحيوانات هو:
- تأمين حياة "آمنة" للحيوانات.
- تأمين المأكل والمشرب لها.
- زيادة عدد "النزلاء" في الحديقة من خلال زيادة النسل.
- الحفاظ على حياتها وصحَّتها.
- حمايتها من الانقراض.
أما الهدف الحقيقي للقيِّمين على حديقة الحيوانات فهو:
تأمين استمرارية وجود الحيوانات في الحديقة، ليس لأسباب "إنسانية وبيئية"، بل لأسباب مادية وتجارية بحتة وهي:
- استمرار وتثبيت وجود الحيوانات في الحديقة.. يؤدِّي إلى:
- استمرار وتثبيت تدفُّق الزائرين إلى الحديقة.. وبالتالي إلى:
- تَدفُّق أموال الزبائن إلى جيوب القيِّمين على هذه الحديقة..
لا أكثر.. ولا أقلّ.
سأترك لك عزيزي القارئ مقارنة التشابه الكبير بين:
حدائق الحيوانات..
وبين:
حدائق الحيوانات "الاجتماعية"..
حدائق "الحيوان الاجتماعي"..
"حدائق" مجتمعاتنا نحن البشر.
Page 6
نسخة "طبق الأصل"
تشبه مجتمعاتنا آلة نسخ (Photo Copier) عملاقة تنتج عبر السنين نُسَخًا بشرية "طبق الأصل". يكون الطفل المولود فيها صفحة بيضاء قبل أن "يطبعوا" عليها نسختهم الاجتماعية التي تناسبهم. فنرى معظم أفراد مجتمع ما، يشبهون بعضهم بعضاً بطريقة تصرُّفهم، إدراكهم، إيمانهم، ومسلكهم في الحياة.. فيعمل أصحاب السلطة في المجتمع على نَسخ معتقداتهم، قيَمهم، أعرافهم، قوانينهم، ومُثُلهم في الفرد من ولادته إلى نضجه ليصبح "نسخة طبق الأصل" عن "الطبعة الاجتماعية الأصلية".أمَّا الذين لا يصحّ عليهم لقب "نسخة طبق الأصل" فإنهم يُرفضون اجتماعيًا كما تُرفض الورقة المنسوخة التي لا تشبه تمامًا النسخ الباقية. ويُبعَدون ببساطة، لأن هؤلاء الناس لديهم فكر نقديّ مشاكس وليسوا تابعين، أو مُتلقِّين، أو مصفِّقين دائمين لأسيادهم. ويُعزَلون لأنهم يبحثون ويحلِّلون كلّ ما يمر بهم من أفكار موروثة.. ولأنهم ينقضون مفاهيم قديمة كانت سائدة في عصورهم ويثبتون بطلانها بشكل علمي.. ولأنهم يَرفضون الأفكار غير العقلانية، ويتبنّون العقلاني منها، بحسب مفاهيمهم الموضوعية الذاتية للأُمور..
جميعنا يعرف ماذا فعلته المجتمعات، على مَرّ العصور، بالخارجين عن منظوماتها "المقدَّسة".. لقد عاملت المفكِّرين، والمبدعين، والعظماء، والمتـنوِّرين، كما عاملت القتلة واللصوص والشاذِّين على أساس أنهم "مجرمون"..
إن نزعة التطوُّر والتغيير كانت وما زالت الخطر الوحيد الذي يهدِّد منظومات الأنماط الموروثة والمنسوخة "كما هي": من الجدّ.. إلى الأب.. إلى الابن.. إلى ابن الابن... فمقاومة التغيير في المجتمع تهدف بالدرجة الأولى إلى المحافظة على "النقاء النموذجي" لآلية النسخ الاجتماعي.
منتجات المصانع الاجتماعية
يتربَّى الناس على أنماط معرفية خاصَّة بمجتمعاتهم، ليصبحوا "منتجات" متطابقة صادرة من المصنع الاجتماعي ذاته، كعبوات المشروبات الغازية: متشابهة تمامًا، متطابقة تمامًا، وتحوي الخصائص، والمحتويات ذاتها..لكن مراكز العبوات تتنوَّع: فبعضها قد نجده منفيًا في المخازن المعتمة، موضوعًا في البرادات المُحكمة الإغلاق، أو "متباهيًا" على رفوف صالات العرض الفخمة. وجميعها، في النهاية، تُلاقي المصير ذاته بحيث أنها تُرمى بعد استخدامها.
ويوجد في المصانع كافَّة قسم لمراقبة الجودة. بحيث يتمُّ فحص عيِّنات من المنتجات للتأكُّد من صحَّة الإنتاج وسلامته، ومدى توافقها مع معايير "الجودة" ومع "المواصفات النموذجية" المطلوبة.. ويقوم قسم مراقبة الجودة بتصنيف العبوات غير "النموذجية" بـ:"غير الصالحة للبيع".. ويتمُّ "تصحيح الخلل" فيها أو "التخلُّص منها" بحسب مقتضيات معايير الجودة.
وعلى الرغم من هذا التطابق التامّ بين العبوات التي تباع، فإن أسعارها تختلف باختلاف مستوى السوق التي تباع فيها.. فأسعارها في المطاعم الراقية أغلى بأضعاف من المحلات الفقيرة.. لكنّنا عندما نتذوَّقها، نجدها متماثلة لا فرق بالطعم، ولا بالنوعية.
قد نجد تقاربًا بين قسم مراقبة الجودة وبين آلية الضبط الاجتماعي من حيث الهدف. فالهدف يتشابه وهو "تنقية" المنتجات الصناعية والاجتماعية من "الشوائب"، والتأكُّد بأن الإنتاج "نموذجي" يقع ضِمن متطلِّبات "الجودة" للمنتجات الصناعية والاجتماعية.
Page 7
إلى المعلَّب.. والمعلِّب الاجتماعي
لن يخضرّ أيّ جبل مهما ناضلتْ كلّ شجرة يابسة فيه من أجل جعل الأشجار الأخرى اليابسة خضراء..بل يصبح الجبل أخضر فقط، حين تتطوَّر كلّ شجرة فيه لتصبح خضراء..
..
فلن تُطوِّر مجتمعك من خلال "تأطيرك وقولبتِك للآخرين"..
ولن تُطوِّر مجتمعك من خلال قمعك لمن يحاول أن يكون حرًّا وخارج نطاق برمجتك وتعليبك..
ولن تُطوِّر مجتمعك بإجبار جميع أفراده على الانضواء تحت مظلَّته "بانضباط" كامل كالنعاج..
لأنك بهذه الطريقة تبني تجمعات قطيعية لا مجتمعات إنسانية..
..
فإذا كنت تسعى إلى تطوير مجتمعك وتُريد أن يصبح كلّ من حولك عظماء..
لا تعلِّب أحدًا، كما علَّبوك..
لأنك لن تُطوِّر مجتمعك بهذه الطريقة، بل تجعله مستودعًا للمعلبات..
كلّ ما عليك هو أن تبدأُ من نفسك، وأن تنتهي بنفسك..
أن تبدأ بالتحرُّر من علبتِك التي وضعوك فيها منذ صغرك..
علبتك التي تسهِّل عليهم قياس وزنك وحجمك وسعرك..
تسهِّل عليهم شراءك، وبيعك، واستيرادك وتصديرك..
وتسهِّل عليهم حفظك في الثلاجات الفكرية لقرون عديدة..
لكي تبقى في علبتك بضاعة "صالحة للاستهلاك"..
..
تُطوِّر مجتمعك بطريقة واحدة وهي أن تحرِّر نفسك من "نفسك"..
وتحرِّر ذاتك من كلّ البرامج والقوالب الفكرية الجامدة التي تربَّيت عليها..
والتي علَّبَت ذاتك الحقيقية الكونية بذات مزيَّفة لا تُشبه حقيقتك بشيء..
وذاتك المعلَّبة هي من تظنُّه "أنت"..
لذلك أنت تظنّ بأنك عُلبتك، لأنهم ألصقوا عليها كلّ ما "يُعرِّف عنك"..
اسمك، نوعك، مواصفاتك، ومصدر تصنيعك..
Page 8
تُطوِّر مجتمعك فقط حين تعرف تمامًا بأنك لست علبتك..
وبأنك أكبر بكثير من علبتك..
كما يَعرف فرخ النسر بالفطرة أنه أكبر بكثير من البيضة التي يسكنها..
وهو يعلم جيِّدا بأنه مشروع نسر سيحتلّ السماء يومًا ما..
ولن يبقى مجرَّد "بيضة"..
فكما يحرِّر فرخ النسر نفسه من البيضة التي تُعلِّبه..
حرِّر ذاتك من علبتِك التي تظُنُّها "أنت"..
أي حرِّر ذاتك.. ممّا تظنُّه "أنت"..
أي حرِّر ذاتك.. منك..
..
فبتفرُّدك وحريَّتك تُغني وتُطوِّر مجتمعك..
لا بتبعيَّتك القطيعية له..
..
وبازدهارك كفرد يزدهر مجتمعك..
لا في تيَبُّسك الداخلي..
..
ومَن يجمِّد مجتمعه هو مَن يُجمِّد نفسه، لا مَن يبنيها مِن جديد..
لأن أكثر الذين يُقيِّدون مجتمعاتهم، هم المقيَّدون..
وأكثر الذين يُحرِّرون مجتمعاتهم هم المحرَّرون..
..
فالطبيب الجيِّد هو الذي يُعالج المريض بمحبَّة..
دون أن يصبح مريضًا مثله..
لن تفيد ولا تستفيد إذا شاركت أحبَّاءك في أمراضهم الاجتماعية..
فهذه ليست مشاركة بل تورُّط..
أن لا تتأثَّر بالتحريض الطائفي أو المذهبي في مجتمعك..
لا يعني بأنك ضدُّ طائفتك وضدُّ مذهبك..
كما لا يعني بأنك تتحالف مع الطائفة أو المذهب الذي تُحرَّض عليه..
فلن تنصر مجتمعك إذا أيَّدته وكرهت المجتمعات الأخرى..
تنصره فقط حين تصبح إنسانًا عظيمًا..
وبأنك أكبر بكثير من علبتك..
كما يَعرف فرخ النسر بالفطرة أنه أكبر بكثير من البيضة التي يسكنها..
وهو يعلم جيِّدا بأنه مشروع نسر سيحتلّ السماء يومًا ما..
ولن يبقى مجرَّد "بيضة"..
فكما يحرِّر فرخ النسر نفسه من البيضة التي تُعلِّبه..
حرِّر ذاتك من علبتِك التي تظُنُّها "أنت"..
أي حرِّر ذاتك.. ممّا تظنُّه "أنت"..
أي حرِّر ذاتك.. منك..
..
فبتفرُّدك وحريَّتك تُغني وتُطوِّر مجتمعك..
لا بتبعيَّتك القطيعية له..
..
وبازدهارك كفرد يزدهر مجتمعك..
لا في تيَبُّسك الداخلي..
..
ومَن يجمِّد مجتمعه هو مَن يُجمِّد نفسه، لا مَن يبنيها مِن جديد..
لأن أكثر الذين يُقيِّدون مجتمعاتهم، هم المقيَّدون..
وأكثر الذين يُحرِّرون مجتمعاتهم هم المحرَّرون..
..
فالطبيب الجيِّد هو الذي يُعالج المريض بمحبَّة..
دون أن يصبح مريضًا مثله..
لن تفيد ولا تستفيد إذا شاركت أحبَّاءك في أمراضهم الاجتماعية..
فهذه ليست مشاركة بل تورُّط..
أن لا تتأثَّر بالتحريض الطائفي أو المذهبي في مجتمعك..
لا يعني بأنك ضدُّ طائفتك وضدُّ مذهبك..
كما لا يعني بأنك تتحالف مع الطائفة أو المذهب الذي تُحرَّض عليه..
فلن تنصر مجتمعك إذا أيَّدته وكرهت المجتمعات الأخرى..
تنصره فقط حين تصبح إنسانًا عظيمًا..
Page 9
فتفرُّدك لا يعني أن تتقوقع وتنعزل ضِمن شرنقتك الخاصَّة بك..
بل أن تصبح إنسانًا عظيمًا متحرِّرا من شرنقته..
ومتفاعلاً مع محيطه بشكل صحِّي لا تبَعي..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تُبدِّي مصلحتك الخاصَّة على مصالح الآخرين..
بل أن تمنع مصالح الآخرين من أن ترسم لك حياتك الخاصَّة بك بلوحة تحمل صورتك ولا تشبهك..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تدمِّر تقاليدك وعاداتك وقِيَمك الاجتماعية..
بل أن لا تُدمَّر أنت من جرَّاء تبعيَّتك لها..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تتمرَّد على أجدادك..
بل أن تتمرَّد على وقوقك الصنمي الدائم على أطلال أجدادك..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تُحالف الأنا الفردية وتعادي الأنا المجتمعية..
بل أن تتحرَّر منهما معًا، لأنهما من الطينةِ عينها.
..
لن ترقى بمجتمعك إذا لم تكن راقيًا..
لأن الرقي هو حالة حضور داخلية لا مظهر خارجي..
هو مستوى وعي وليس مستوى اجتماعياً طبـقياً..
ولن تنفع مجتمعك إذا كنت تسكن المدن.. وتسكنك البداوة..
ولن تُطوِّر مجتمعك إذا احتللت أعلى المناصب.. ونصَّبت تخلُّفك عليك..
ولن تخدم مجتمعك إذا حاولت تحرير الجميع.. ولم تتحرَّر من عبوديَّتك..
فمهما حاولت الظُّهور أمام غيرك بأنك "محرِّر كبير"..
سوف تبقى داخل نفسك "عبدًا صغيراً"..
..
فإذا لعنتَ الأديان الأخرى لن تصبح "متديِّنًا"..
وإذا كرهتَ الأوطان الأخرى لن تصبح "وطنيًّا"..
وإذا شتمت الفساد لن تصبح "صالحًا"..
وإذا قُدتَ العبيد لن تصبح "محرِّراً"..
فلن تصبح راقيًا من خلال لعناتك، وكرهك، وشتيمتك، واستعبادك للآخرين..
بل من خلال تحرُّرك الداخلي..
لذلك: حرِّر ذاتك.. منك.
بل أن تصبح إنسانًا عظيمًا متحرِّرا من شرنقته..
ومتفاعلاً مع محيطه بشكل صحِّي لا تبَعي..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تُبدِّي مصلحتك الخاصَّة على مصالح الآخرين..
بل أن تمنع مصالح الآخرين من أن ترسم لك حياتك الخاصَّة بك بلوحة تحمل صورتك ولا تشبهك..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تدمِّر تقاليدك وعاداتك وقِيَمك الاجتماعية..
بل أن لا تُدمَّر أنت من جرَّاء تبعيَّتك لها..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تتمرَّد على أجدادك..
بل أن تتمرَّد على وقوقك الصنمي الدائم على أطلال أجدادك..
..
وتفرُّدك لا يعني أن تُحالف الأنا الفردية وتعادي الأنا المجتمعية..
بل أن تتحرَّر منهما معًا، لأنهما من الطينةِ عينها.
..
لن ترقى بمجتمعك إذا لم تكن راقيًا..
لأن الرقي هو حالة حضور داخلية لا مظهر خارجي..
هو مستوى وعي وليس مستوى اجتماعياً طبـقياً..
ولن تنفع مجتمعك إذا كنت تسكن المدن.. وتسكنك البداوة..
ولن تُطوِّر مجتمعك إذا احتللت أعلى المناصب.. ونصَّبت تخلُّفك عليك..
ولن تخدم مجتمعك إذا حاولت تحرير الجميع.. ولم تتحرَّر من عبوديَّتك..
فمهما حاولت الظُّهور أمام غيرك بأنك "محرِّر كبير"..
سوف تبقى داخل نفسك "عبدًا صغيراً"..
..
فإذا لعنتَ الأديان الأخرى لن تصبح "متديِّنًا"..
وإذا كرهتَ الأوطان الأخرى لن تصبح "وطنيًّا"..
وإذا شتمت الفساد لن تصبح "صالحًا"..
وإذا قُدتَ العبيد لن تصبح "محرِّراً"..
فلن تصبح راقيًا من خلال لعناتك، وكرهك، وشتيمتك، واستعبادك للآخرين..
بل من خلال تحرُّرك الداخلي..
لذلك: حرِّر ذاتك.. منك.
Page 10
الأسرة "النموذجية"
إن المحبَّة والعاطفة الفطرية التي يشعر بها الأب والأم والأولاد والبنات والإخوة والأخوات والزوج والزوجة، هي مِن أهمِّ المشاعر في التواصل الإنساني. ولولاها، لكان مصير الإنسان مماثلاً لمصير الديناصورات..لكن لنا الحقّ أن نتساءل: كيف تمَّ (تعليب) هذا الحبّ الطبيعي و"نمذجته" ضِمن (مؤسَّسة) اجتماعية، واقتصادية "نموذجية" يسمُّونها (الأسرة)؟ وكيف تمَّ إبدال العائلة الطبيعية المبنية على الحبّ (بمنظومة الأسرة) المبنية على العلاقات "النموذجية"؟ وكيف أُعطيَت هذه "الأسرة" الدور التربوي الاجتماعي الأساس في حياة الفرد الذي يؤثِّر في معظم نواحي كيانه؟
إننا لا نُنكر وجود آباء وأُمَّهات وأُخوة وأخوات وأبناء وبنات عظماء، ساهموا، من خلال تطوير أنفسهم، بتطوير عائلاتهم الصغرى وخرَّجوا وتخرَّجوا منها أشخاصًا عظماء.. وهذا الفضل يعود إليهم كأفراد ولا يعود إلى منظومة أُسرتهم "النموذجية". فمِن واجبنا أن نلقي الضوء بجرأة على بعض الجوانب السلبية في المؤسَّسة الأسرية النموذجية، هادفين من ذلك إلى التصويب الإيجابي لا النقد السلبي.
..
فيما يلي بعض (العوارض الجانبية) التي تنتجها بعض الأسر "النموذجية" والتي تجعل من أفرادها (أسرى أُسرهم):
التواصل الأسري:
الروابط الأسرية تتحوَّل إلى روابط ميكانيكية خالية من الحبّ..
العلاقات العائلية الفطرية يلفُّها "الخدر" العاطفي..
التواصل الجافّ الخالي من الحيوية والعفوية..
التدخُّل الدائم من قِبَل أفراد الأسرة بشؤون بعضهم بعضاً..
معظم حالات "التواصل" العائلي، ضِمن الأسرة، محدودة في المشاركة في الأكل، ومشاهدة التلفاز، وفي المناسبات..
..
روابط إنسانية مفكَّكة بين أفراد الأسرة..
كلّ فرد من الأسرة يعيش في عالمه الخاصّ..
التقوقع: من خلال الانعزال في الغرفة..
أو البقاء معظم الوقت خارج المنزل..
الانكفاء إلى اهتمامات أُخرى (كالعمل لساعات طويلة)..
منافسات سلبية، وصِراعات على السلطة..
..
تبادل خدمات (غير عادلة)..
لوم ونقد وتبريرات دائمة متبادلة..
عتب داخلي (مزمن) على الآخرين و(غير معلن)..
"هجمات" متكرَّرة.. و"هجمات" مضادَّة متكرَّرة.. ثم هدنة موقَّتة..الخ