Page 1
1
إنها السادسة والنصف صباحاً· ما يزال السكون يتمطّى متثائباً، يأبى الرحيل عن أرجاء مبنى الجريدة· الدوام الرّسمي لن يبدأ قبل السابعة· ها هو حسين يمشي بخطوات متثاقلة باتجاه مكتب رئيس التحرير، حاملاً بيده اليمنى دلو الماء الحار، الذي تصاعدت منه خيوط البخار بعدما علقت بها رائحة المعقم، وقابضاً بيده الأخرى عصا الممسحة التي يمسح بها الأرضية· تباطأت خطواته بعض الشيء عندما اقترب من لوحة الشرف للموظفين المثاليين الجديدة لهذه الدورة· توّقفت خطواته تماماً حينما وصل إليها·· قبل أن يستدير نحوها بكامل جسده، متأمّلاً تلك الوجوه التي تزيّنها· هاهي صورة رئيس التحرير السيد عيسى عفان تتوسط بقية الصور، وتتمايز عنها بحجمها المُضاعف، فبدت كزهرة مطوقة بالنحل الذي يتقاتل ليحصل على شيء من رحيقها·
على يمين صورته عُلقت صورة الآنسة شريفة كمال مسؤولة صفحات المجتمع، وعلى اليسار صورة للأستاذ سلمان محمد رئيس قسم المحليات، وصورة للسيد نبيل مراد رئيس قسم الاقتصاد، وأخيراً صورة الأستاذ كريم مدير الإنتاج والشؤون المالية للجريدة·
جمدت عينا حسين على الصورة الأخيرة للأستاذ كريم مدة أطول، متأملاً تفاصيل وجهه المُختصرة، بعينيه الضيقتين، وأنفه الصغير المعقوف، وشفتيه الرفيعتين الأشبه بسحاب بنطال (لطالما تمنّى حسين أن يشد سحاب فمه ليخرسه عن البوح بأفكاره اللئيمة!)· تراجع بذاكرته أسبوعاً إلى الوراء، حينما دخل مكتب رئيس التحرير لتقديم الشاي له ولضيفه الأستاذ كريم···
- بهذه الطريقة نستطيع زيادة أرباح الجريدة بمقدار 10 آلاف دينار شهرياً· قال الأستاذ كريم·
- وماذا عن طلبات الموظفين المتكررة بضرورة زيادة أجورهم؟ تساءَل رئيس التحرير·
- أصلحك الله يا بوفهد، هؤلاء الموظفين هم العامّة· إذا شبع الموظف·· فإن أول ما سيفعله هو التمرد على مسؤوليه والمطالبة بالمزيد، أما إذا حرصت على تجويعه، فإنك بلا شك تضمن ولاءه لك·· لأنه سيظل دائماً بحاجة إليك!·
- إنها وجهة نظر جديرة بالتأمل!·
- بلا شك·· بلا شك· لو تتأمل التجارب التي حولك، ستجد أن طاقة العمل الدؤوب والقدرة على الإبداع تتكاثر بشكل ملحوظ لدى الشعوب الفقيرة التي تحاصرها المشاكل الاقتصادية تحديداً، في الوقت الذي تكاد تنعدم فيه جميع أوجه الإبداع والعطاء لدى الأفراد المرفهين اقتصادياً!· إنها حقيقة!· لذا فطلب زيادة الرواتب، فضلاً عن كونه سيشكل خسارة اقتصادية للجريدة، فإنه سيساهم كذلك في خفض مستوى إنتاجية الموظف وتوعيتها!· هل فهمت ما أعني؟
- طبعاً فهمت ما تعني·· اتباع سياسة التجويع تضمن لنا الولاء·
ثم استدرك رئيس التحرير قائلاً:
- شريطة أن لا نجاهر بهذه السياسة علناً!· يجب أن نتبع سياسة الوعود الكاذبة جنباً إلى جنب مع سياسة التجويع· كلما وعدنا الموظف بزيادة مرتبه، ساهم ذلك في تحسين إنتاجيته·· لأنه سيتطلع دائماً لإمكانية تغيير وضعه·
لعنك الله يا كريم النتن!· قالها حسين في سره وهو يخطو بخطواته بعيداً عن اللوحة باتجاه مكتب رئيس التحرير· مضى يمسح أرضية المكتب وهو مستغرق في الحديث مع نفسه·
Page 2
هكذا إذاً تُسير الأمور في هذه الجريدة!· اتباع سياسة التجويع؟!· إلى متى سأظل على صمتي هذا؟ كيف استطعت مواصلة العمل في هذا المكان بعد الذي سمعته!· كان يجدر بي فضحهم أمام الجميع، ومن ثم تقديم استقالتي·· ليعرفوا ما هي العواقب الحقيقية لسياستي التجويع والوعود الكاذبة!·
يجب أن أفعل شيئاً·· السكوت على هذه المهزلة إثم وعار علي· فأنا المقصود بهذا الحوار الوضيع!· أنا العامة وأنا الموظف وأنا الشعب!!·
خرج من مكتب رئيس التحرير وهو يهتف في داخله بأعلى صوت·· أنا الشعب·· أنا الشعب·· أنا الشعب!·
أفاق من المظاهرة الداخلية المندلعة في أعماقه على صوت مريم الموظفة بقسم الطباعة وهي تناديه: - مسنجر (يُلقب حسين في الجريدة باسم حسين المسنجر) كيف حالك، هل تستطيع غسل سيارتي؟
قالتها وهي تلقي عليه بمفتاح سيارتها ليتلقفه، قبل أن تهرول باتجاه القاعة الداخلية·
مسكينة·· إنها لا تدري شيئاً عن سياسة التجويع؟· تهرول مسرعة قبل أن تدق الساعة السابعة، فيقتطع من راتبها ثمن تلك الدقائق!· ربما كان هذا الاقتطاع أيضاً يحدث تحت بند سياسة أخرى لا ندري عنها شيئاً كسياسة السرقة المشروعة مثلاً!·
نعم، هو كذلك!· يُعلن على الملأ أنّ الاقتطاع من راتب الموظف ضرورة لضمان الحفاظ على الانضباط والتأكد من إنتاجية الموظف، في حين إنّ الهدف الأساسي منه هو سرقته بشكل شرعيّ!!· وتجويعه بشكل شرعيّ·· لضمان ولائه بشكل شرعيّ!!·
يجب أن أفعل شيئاً·· لا بد أن أفضحهم جميعاً·· رئيس التحرير·· وكريم النتن، بل وأعضاء مجلس إدارة الجريدة أيضاً· فهم مشتركون في هذه المؤامرة، لا ريب!·
سأحدث الأستاذ نادر·· إنه إنسان طيب وشريف ولن يقبل بهذا الوضع، كما أنّ منصبه سيتيح له التصرّف بشكل أفضل منّي· لن أماطل أكثر من ذلك، سأحدّثه اليوم في هذا الموضوع، نعم اليوم!·
Page 3
2
خطا بخطوات واسعة·· ثابتة·· محسوبة من بوّابة الجريدة وهو يخبّئ كرشه الكبيرة تحت جلبابه الأبيض الفضفاض· تنحنح بصوته الجهوري قبل أن يلج مكتب سكرتيرته نوال لتستعد لاستقباله·
بادرها بالسؤال بنبرة غاضبة:
- أين حسين؟!
أجابته بارتباك:
- كان هنا قبل ربع ساعة لإحضار الشاي والقهوة·
- أريده حالاً· قال مزمجراً بصوتٍ عالٍ، قبل أن يفتح باب مكتبه بقوّة·
خرجت نوال من مكتبها مهرولة تبحث عن حسين من مكان لآخر، ومن مكتب إلى مكتب، حتى لمحته أخيراً وهو خارج من دورة المياه·
- حسين، رئيس التحرير يريدك حالاً·
خطا بخطوات متسارعة نحوها، فبادرته قائلة:
- ماذا فعلت؟!· يبدو غاضباً منك، اذهب إليه بسرعة·
أسرع بخطواته·· متجاوزاً إياها، حتى وصل إلى مكتب رئيس التحرير· طرق باب المكتب قبل أن يلج ويجد الأستاذ عيسى ينظر إليه شزرًا بعد أن احمرت وجنتاه وتورمتا من الدم المتصاعد إليهما·
- أين كنت؟ زمجر الأستاذ عيسى بصوته الجهوري·
تراجع حسين خطوة إلى الوراء بعد أن لفحته عاصفة الزفير المنبعثة من فم رئيس التحرير، قبل أن يجيبه قائلاً:
Page 4
- كنت في دورة المياه، أعزك الله·
- وماذا كنت تفعل في دورة المياه؟
ارتسمت علامات التعجب على وجه حسين وهو يصرخ في سره بأعلى صوت: وما أنا فاعل في دورة المياه! أفعل ما تفعله أنت في دورة المياه؟!
- ألا تسمع؟ صرخ رئيس التحرير في وجهه·
أجابه حسين بقناع من الاستغراب والحرج:
- أقضي حاجتي! أجلّك الله!·
- ألا تعرف بموعد قدومي إلى الجريدة؟
- بلى·
- كيف تذهب لقضاء حاجتك·· قبل أن تستقبلني لتحمل عنّي الحقيبة؟ هل تنتظر منّي أن أحمل حقيبتي بدلاً منك·· لتقضي حضرتك حاجتك؟
- العفو·· العفو·· يا بوفهد، كان يجدر بي أن أنتظرك أولاً· حقك عليّ، سامحني· سأحضرها حالاً·
خرج حسين مهرولاً من مكتب رئيس التحرير وهو يقول لنفسه متهكماً: ألهذا الحد وصل الاستبداد بهذا الرجل، يتوقع مني تأجيل قضاء حاجتي الطبيعية لأقوم بحمل حقيبته الخاصة بدلاً منه!!·
Page 5
3
بعد أن انتصف النهار دبت الحياة في أوردة الجريدة وفي شرايين ممراتها، حيث بدأت أصوات الموظفين وهمهماتهم ومشاحناتهم تعبىء فراغ المكان· ها هو الممر الطويل الرئيسي للجريدة، تتفرع منه مكاتب الموظفين· وفي آخر الممرّ على اليسار يقع المدخل المؤدي إلى القاعة الرئيسية التي تضم أقسام الطباعة والإخراج والتنفيذ ، والتي تؤدي بدورها إلى قاعة أخرى تضّم نخبة من محرري الجريدة·
ما يزال مبنى الجريدة لامعاً ومُشعاً بأرضيته الرخامية المصطبغة باللون الأبيض اللؤلؤي، وإن طبعت الحياة بعضاً من بصماتها الصفراء والرمادية على جدران المبنى، بعد مرور أعوامٍ أربع على بنائه· كانت المؤسسة قبل بناء هذا المبنى الحديث تقبع في إحدى الزوايا الرثة لمنطقة قديمة من مناطق البحرين· كثيراً ما تمنى موظفو الجريدة- وقتها- أن ينتشلهم القدر من ذاك المبنى المتهالك ليعملوا في مبنى حديث، متكامل البناء يتوسط قلب العاصمة أو أن يُشيد في إحدى المناطق الراقية من البحرين·
تجسد الحُلم لهم على هيئة حقيقية بعد انتقالهم- منذ أربعة أعوام خلت- إلى هذا المبنى المصقول المُتكامل·
الغريب في الأمر، أنّ هذا التغيير- الذي كان ينتظره حسين خصوصاً- لم يبدل الكثير من إحساس الموظفين!· فلم تزل سحنة الكآبة مرتدية وجوههم·· ولم تزل معنويات الأكثرية منهم مُثبطة· فما استطاعت الألوان الجديدة التي بللت الجدران أن ترسم بفرشاتها تعابير مغايرة على الوجوه، ناهيك عن تبديل النفوس!·
كعادته في مثل هذا الوقت، كان حسين يطوف بالمكان للتأكد من قيام العاملين بعملية التنظيفات على أكمل وجه· وكلما أشاح بوجهه يميناً أو يساراً، تلقف تعليقاً لاذعاً من أحد الموظفين أو الموظفات· فقد كان حسين معروفاً بخجله وبصمته المريب لأنه كان قليل الكلام· لم يكن حسين يعبأ بتعليقاتهم أو بتحرشاتهم، بعد أن اعتاد الأمر·
كان حسين دائم الانشغال بالحديث مع نفسه، لم يكن ينفك عن الكلام أو النقاش مع نفسه· إنهم لا يعلمون عن الثرثار الذي يستوطنه، ويصدع رأسه بالكلام ليلاً ونهاراً!·
- مسنجر·· يبدأ الطفل بالكلام في عمر السنتين، أستحلفك بالله أن تقول لي في أي عمر بدأت أنت بالكلام؟ سأله أحد الموظفين ساخراً·
ضجت القاعة بالضحك، في حين رمقه حسين باحتقار لا يدري كيف يصوغه في ردٍ يرد به اعتباره!·
فجأة، أطل عليهم نادر بقامته الطويلة الممتلئة بعض الشيء، تزين ثغره ابتسامته الودود، وهو ينظر إليهم من خلف نظارته الطبية الرفيعة قائلاً:
- أليس لديكم من أحد ترمونه بسهامكم سوى حسين؟ والله لإنّه أفضل من في هذه الجريدة!·
Page 6
زينت ابتسامة خجلى ثغر حسين بعد أن سمع إطراء نادر، فعلق قائلاً:
- الله يعزك·
- ها قد نطقت أخيراً·· يبدو أن نادر فقط من يعرف مفاتيحك جيداً؟!· علق الموظف ذاته مرة أخرى·
- مفتاح حسين هو نفسه مفتاح كل إنسان، الكلمة الطيبة والتقدير· قال نادر·
قال الموظف وهو يرمي نادراً بسهام سخريته:
- أتظنه يحبك أكثر منا!· إننا نناكفك من فائض محبتنا لك، أما نادر فهو بياع كلام، إنه رجل ثقافة!·
ضحك نادر من قدرة زميله الفذة على التنصل من زلات لسانه الكثيرة وتحرشه الدائم بزملائه·
انتهز حسين الفرصة، فأمسك بذراع نادر وهو يميل إليه قائلاً بصوته المنخفض دوماً:
- أريد أن أحدثك في أمر مهمّ يا أستاذ نادر·· لكن الوقت ليس مناسباً الآن!·
- لا بأس·· سألتقيك بعد اِنتهائي من عملي بعد الظهر· أجابه نادر·
Page 7
4
خرج رئيس التحرير من بوابة الجريدة، يسبقه حسين بخطوات عدة وهو يحمل حقيبة ومفاتيح سيارة بوفهد المرسيدس· فتح باب السيارة الأمامي ليأخذ رئيس التحرير مكانه فيها، ثم فتح بابها الخلفي ليضع الحقيبة· انطلق بوفهد بعدها كالبرق وهو يُشير لحسين بيده مودعاً·
كان بوفهد رجلاً ضخماً، طويلاً، عريض المنكبين، متورد الوجنتين، يتمتع بمظهر مُهيب يجبرك على التزام الصمت في حضوره ، وانتقاء مفردات معينة للحديث معه، إذا ما اضطرتك الظروف لذلك!·
وقف بسيارته عند الإشارة الضوئية·· التقطت عيناه انعكاس بعض الشعيرات البيضاء التي تزين فوديه في المرآة الأمامية للسيارة·
تلك الشعيرات اللعينة!· سأعيد صباغتها من جديد!· همس لنفسه مغتاظاً·
إنه يكره هذه الشعيرات التي تذكره بسنوات عمره التي تخطت الخمسين بثلاثة أعوام· ثمانية وعشرون عاماً مضت وهو يلهث في سباقه المحموم، ثمانية وعشرون عاماً لم ينفك خلالها عن الركض في كل اتجاه لتحقيق هدف ما أو للاستئثار بمنصب ما أو لتحصيل الأموال من مشروع ما!
ها هو الآن·· بعد مضي كل تلك السنوات، وبعد أن أصبح رئيس تحرير لأشهر جريدة في بلده ومستشاراً للوزير·· ومساهماً في شركات كبرى عدة بالبلد، يتساءل إذا ما حقق شيئاً ذا قيمة؟!· لماذا أصبح هذا السؤال يطرق فكره في الفترة الأخيرة؟!· إنه لم يقف لحظة في أيّ محطة من محطات الزمن الماضي ليسأل نفسه هذا السؤال؟· وهو لا يدري الآن·· إن كان قد اختار أن يسأل نفسه هذا السؤال، أم إنّ السؤال قد فرض نفسه عليه فرضاً؟!· الآن ·· وبعد تقلدّ كل هذه المناصب·· وتحقيقه لحُلم الثراء، وبعد زواجه بجميلة الجميلات السيدة عالية وإنجابه لفهد ورنا اللذين بلغا سن الشباب؟!· لماذا الآن؟!·
Page 8
5
قهقه نادر بصوت مسموع حتى دمعت عيناه، مسحهما بأطراف أصابعه وهو يوجه كلامه إلى حسين قائلاً:
- ألم تعرف هذه السياسة إلا الآن يا حسين؟! إنها سياسة تتبناها دول قبل أن تكون سياسة لجريدة؟!·
- لم أكن أعلم أنها سياسة متبعة عن سبق إصرار وترصّد؟!· قال حسين بدهشة·
- وماذا كنت تعتقد إذاً؟!· يا عزيزي·· كلنا لصوص!· قال نادر ساخراً وهو يربت على كتف حسين مودعاً·
وقف حسين ساهماً في الباحة الأمامية للجريدة·· يرمق نادراً وهو يخطو بخطواته بعيداً عنه باتجاه مواقف السيارات·
ماذا يعني بقوله كلنا لصوص؟!· أنا لست لصاً!· همس حسين لنفسه مستنكراً·
مضى حسين في دربه ليلحق بسيارة البيك أب التي ستقله إلى منزله، وهو مسترسل كالعادة في نزاعه الداخلي وحواراته التي يتقمص فيها جميع الأدوار!· فتارة يتخذ دوره الحقيقي، وتارة أخرى يتلبس دور بوفهد·· إنه السجين والسجان·· والحامي والحرامي في جميع النقاشات والمجادلات، التي تتخذ من مخيلته مسرحاً لتقديم عروضها واستعراضاتها·
آه لو علم كل الذين يستهزئون بي·· أنّني مفكر!· إنهم لا يدرون بأنني ناشط سياسي·· ورجل دين·· وفيلسوف اتخذ من الصمت فلسفة له في الحياة!!·
إنهم لا يعرفون بالمثل القائل: إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب!·
أنا الثائر في أعماقي·· أتخذ من حمم سخريتهم وقوداً لإشعال ثورتي!· متى سأستطيع أن أصرخ؟ متى سيسمع الآخرون دويّ عذاباتي!· أنا الفقير المُعدم الذي يتبعون معه سياستي التجويع والوعود الكاذبة!· أما حان الوقت لأتبع أنا معهم سياستي الثورة والغضب!·
هذا هو حسين المسنجر·· ابن قرية كرانة، الذي تربى بين الأزقة الضيقة الملتوية للقرية·· والذي استظل بسعف نخيل بساتينها التي طوقتها كالحزام الأخضر الذي تطوق به العروس قدها في ليلة حنائها· في هذه القرية الخضراء، تعلم حسين أول أبجديات الفقر، حيث اعتاد تمشيط الأزقة حافياً، لا ينتعل سوى طفولة محرومة من أبسط حقوقها·
في سنوات صباه، كثيراً ما كان يتخفى بالساعات فوق سطح بيته، ليطل منه على الضفة الشمالية التي يبترها البحر عن قريته· كثيراً ما تمنى لو أنه استطاع بناء جسرٍ يعبر به من قريته المُتهالكة إلى تلك الضفة السحرية، حيث تقع العاصمة بكل ثقلها، مثبتة بعماراتها المتباينة، التي تتراقص بأنوارها المتلألئة في ليالي صيف البحرين الطويلة·· لتنقش في فؤاده صورة لمكان مغاير يتمنى أن يسكنه في يوم ما· مكان لا يشبه قريته التي يسكنها - ولا تسكنه- في شيء!· هناك حيث الحياة الحقيقية، بعيداً عن ظُلمة الأزقة الموحشة·· وبعيداً عن رائحة روث البهائم·· بعيداً عن البيوت التي تصطف تباعاً·· مصطبغة بلون واحد·· وبعيداً عن نزاعات الفتية الذين يعبئون فراغ الأزقة بصدى صرخاتهم وضحكاتهم!· لطالما وقف البحر كسدٍ منيع·· بينه وبين حُلمه الأثير!· هذا البحر الذي يُشعل بملحه فتيل جراحه الممتد بطول المسافة الفاصلة بين قرية كرانة والضفة السحرية!· لو لم يوجد هذا الجزء من البحر، لأضحت الأرض واحدة؟!· ولامتدت عدوى الأنوار الزاهية للعاصمة لتصيب كرانة بوهجها!· لو يُبنى جسر، لأصبحت الطريق واحدة؟! ولامتدت جذور عمارات الضفة السحرية لتزرع فروعاً لها على أرض كرانة!·
Page 9
هكذا كان يفكر حسين ابن الثامنة والعشرين، الذي فقد أباه المُزارع البسيط قبل عشرة أعوام؛ ليجد نفسه العائل الوحيد لأم وثلاث شقيقات وشقيق لم يتجاوز حينها الثالثة من عمره الطري·
حسين ببنيته الضئيلة، وبسمرته ورأسه شبه الأصلع الذي اعتاد حلق شعراته لطمس خشونتها، وصمته المُريب، كان مثاراً للعطف أحياناً، ومثاراً للسخرية في أحايين كثيرة· كان الكثيرون يرون في صمت حسين طيبة·· وربما طيبة زائدة تغريهم بمناكفته وتحميله مزيداً من الأعباء النفسية في أغلب الأوقات·
لم يعرفوا يوماً أنّ حسين كان يستقبل سخريتهم بثورة ومظاهرة كبرى في دهاليزه الداخلية، لا يسير فيها سواه!·
لم يكن ذلك الراتب الذي يتقاضاه من الجريدة كرئيس للفراشين يكفي لإطعام ستة أفواه· ولا الدنانير التي يجنيها من عمل إضافي هنا ومهمة جيدة هناك بكافية هي الأخرى للإيفاء بمتطلباتهم التي تزيد يوماً بعد يوم·
لم يعرف حسين وأسرته شيئاً عن المتعة·· متعة الحياة·· كل ما كانوا يشترونه يندرج تحت بند الضروريات·· لم يكن في حياتهم ولا في بيتهم شيء من الكماليات· كان كل ما في حياة حسين بسيطاً ، وأحياناً أقل من البسيط!·
لم يكن صاحب البيك أب الذي يقل حسين يومياً من وإلى مقر الجريدة نظير مبلغ شهري، يقبل أن يوصله حتى باب بيته؛ لأن الطريق إليه لم تكن مستوية، حيث تكثر بها المطبات·· وتتنازعها حفر مختلفة الأشكال والأحجام؟!·
يسخر حسين في دواخله من هذا الذي يخشى كُل الخشية على إطارات سيارته كي لا تتلف، في حين إنه لا يرى بأساً إذا ما ألمّ عطب بقدميه أو بظهره لفرط سيره على هذا الطريق المموج بتعرجاته!· فصاحب البيك أب يعتقد بأن من اختبر تعرجات الحياة الحقيقية ومطباتها، قادر- ولا شك- أن يتجاوز تلك التي تعرقل وصوله حتى باب بيته!
يكتسب المُعدمون في هذه الحياة مناعة حقيقية ضد التعاطف مع آلام أشباههم من المُعدمين والكادحين لفرط إحساسهم بالألم؟!!· تماماً مثلما هو معروف-طبياً- إن استمرار الألم في مكان ما من الجسم زمناً، كفيل بتخدير موضع الألم، فلا تعود تشعر به حقيقة!·
ترجل حسين من السيارة ليواصل طريقه نحو بيته الرماديّ سيراً على الأقدام·
لماذا اختار حسين الرمادي لوناً لواجهة منزله؟!·
لأنه اللون الوحيد لتركيبة الأسمنت!· لم يتمكن حسين يوماً من توفير ثمن دهان زاهٍ يدهن به جدران منزله ليغدو أجمل وأبهى!·
وكما هي جدران المنزل باهتة كدرة، كانت حياة حسين وعائلته، التي لم تكتس يوماً بالألوان الزاهية المفعمة بالحياة·
ها هي جدران المنزل الداخلية قد اصطبغت باللون الأصفر بعدما مرر الزمن بصماته عليها، وتلك لوحة نُقشت عليها آية الكرسي بخط كوفي مُعلقة في صدر غرفة المعيشة التي تُسطرحدودها مراتب طويلة ووسائد كبيرة، كالتي لا تزال تنتشر في أغلب بيوت بسطاء البحرينيين·
Page 10
وتلك المكتبة اليتيمة التي تتوسط الصالة، تحتضن تلفازاً قديماً·· ومجموعة من الكتب·· وصورة مؤطرة للوالد الراحل·· وكتيبات للأذكار، وراديو صغير، هي من أثمن ما تمتلك العائلة لاحتوائها على أهم الوسائل الترفيهيّة في المنزل!·
- أماه·· أماه· زعق حسين وهو يخطو بخطواته داخل البيت، سحبته خيوط رائحة السمك المقلي ليكمل طريقه نحو الباحة الصغيرة الخلفية للمنزل، حيث اعتادت والدته قلي السمك·
تكاد رائحة السمك المقلي أن تكون أكثر العلامات التي تشي بمرورك بقرية بحرينية!، حيث تلتقط أرنبة أنفك طرف أول خيط لرائحة السمك المقلي بمجرد ولوجك أول زقاق في القرية· تلفح وجهك أشعة شمس الظهيرة الحارقة، التي لا تكتفي باختراق زجاج نوافذ سيارتك فحسب، بل تتعداها لتخترق مسامك!· فلا تكاد تصل إلى بيتك، حتى تكون قد وصلت لدرجة الاستواء قبل استواء السمكة على النار!·
- هل أتيت يا ولدي؟ سيجهز الغداء بعد حين· هكذا بادرته أم حسين وهي جالسة على مقعدة خشبية صغيرة تقلب السمكات التي تسبح في بركة الزيت المتطايرة ذراته·
مضى حسين لتفقّد شقيقاته في غرفتهن·· ثم مضى لغرفته يستخبر عن أحوال شقيقه الصغير، ولده!·
لم يكن حسين يرى في شقيقه أخاً صغيراً بقدر ما كان يعتبره ابناً له· كان لفارق العمر بينهما ولغياب والده الأبديّ في مرحلة طفولة شقيقه الأولى، سببان مباشران لخلق هذا الشعور ونمائه على كرّ السنوات· فحتى شقيقه لم يعرف له من أب سواه· إنه معلمه الأول ورفيق غرفته وشقيقه وصديقه الذي شاطره الأيام واقتسم معه الليالي الطوال·
ما كاد حسين يضطجع على فراشه، حتى تنامى إلى سمعه صوت والدته الحبيب يدعوهم لتناول الغداء· وما هي إلا ثوانٍ، حتى اجتمعت العائلة لتناول غدائها المعتاد، المكون من الأرز الأبيض والسمك المقلي وصحن متوسط من البربير
هذه كانت الحياة بالنسبة إلى حسين الذي لم يختبر الجانب الآخر من الحياة·· الجانب الذي سيكتشفه بعد حين؟!·