eKtab
EN ع
حياة على المتراس
Read free sample

حياة على المتراس

by أرتين مادويان

Page 1
مقدمة الطبعة الثانية

لا مقدمة بعد مقدمة جورج حاوي، هذه كانت ردة فعلي الأولى عندما طلب مني أن أكتب مقدمة

فكيف إذا كان جورج حاوي هو من يقدِّم ارتين مادويان...

"ننحني خشوعاً" أمام هؤلاء المناضلين"، هذا عنوان مقدمة هذا الكتاب بقلم جورج حاوي. عذراً أبا أنيس لأني، أولاً، أكتب بكل تواضع مقدمة الطبعة الثانية لهذا الكتاب. ثانياً، لأني أستخدم عنوان مقدمتك لأنك جزء لا يتجزأ من هؤلاء المناضلين الذين ننحني خشوعاً أمامهم.

واذا ترددت، أنت، قبل كتابة مقدمتك، فترددي أكبر بكثير لأن "شهادتي مجروحة" كما يقال في التاريخين.

فلكي لا أتخطى صلاحياتي واحترامي لهذين المناضلين الكبيرين، سوف أكتفي بما يشبه المقدمة، بل هي بمثابة شرح لأسباب إعادة طبع هذا الكتاب العظيم. هذه القطعة التاريخية الأدبية التي يفترض على كل مواطن لبناني أو عربي أكان شيوعياً، أم مهتماً بمعرفة التاريخ الحقيقي لجذور الحزب الشيوعي في منطقتنا، الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ النضال وبناء دولة لبنان الحديث، عبر تجربة أرمني لبناني أممي ناضل وكافح من أجل الحريات والمساواة والعدالة ضد الظلم والاحتلالات على أرض لبنان والعالم العربي. داعياً لنصرة الشعب الأرمني، حالماً بعودة الأراضي الأرمنية المحتلة والاعتراف بالمجازر التركية التي تعرض لها الشعب الأرمني، والتي ينكرها التاريخ، دون أن يكون يوماً ذاك اللاجىء الأرمني على أرض الغريب. بل دافع بشتى الوسائل عن وطنه الثاني، لبنان وعن الأمة العربية بقناعة المناضل الحقيقي من أجل القضية التحررية للشعوب العربية والعالم.

ففي ظل الحركات التحررية التي يشهدها اليوم وطننا العربي في كل أقطاره، لا بد أن نسترجع التاريخ لكي نستخلص العبر والدروس من مناضليه.

كتب جورج حاوي في مقدمته: "... لا بد أن يستطيع الحزب الشيوعي يوماً، وفي ظروف أكثر ملاءمة، من أن يكتب النسخة الحقيقية لتاريخه النضالي بالاستناد إلى منطلقات العلم وقواعده، وإلى الحقيقة الموضوعية المجردة المعززة بالوثائق والشواهد الحية والحسية... مهمة كتابة تاريخ الحزب تصبح اليوم أكثر الحاحاً من السابق لكونها لم تعد قضية تاريخ حزبي محض، بل هي تتعلق بتاريخ شعب وبلاد وأمة، بتاريخ طبقة عاملة وحركة ثورية شاملة في منطقتنا العربية..."

لم يكتب هذا التاريخ بعد. لذلك أردنا بغيابه أن نستعيد الكتابات الأكثر تصويباً حتى الآن، لكي نضع حداً لمحاولات إنكاره أو تزويره من جهة، ولتعريف الأجيال الصاعدة به من جهة أخرى، آملين أن لا يقف تفاعلهم عند الفخر بهذا التاريخ العريق، بل أن يستمروا في النضال "حتى تحقيق وحدة حقيقية للبلاد، شعباً وارضاً ومؤسسات على أسس وطنية".

ويبقى الهدف الأساسي من إصدار الطبعة الثانية من كتاب "حياة على المتراس"، هو تكريم المناضل الكبير أرتين مادويان بعد 21 عاماً على غيابه ، إذ إنه ليس أحد مؤسسي الحزب الشيوعي اللبناني - السوري فحسب، بل هو المساهم الأبرز في تاريخ الحركات التحررية الأممية.

لكن منذ 21 سنة تغيرت خريطة العالم، وبدلاً من الأممية التي كان يطمح إليها أرتين مادويان يعيش العالم اليوم عصر "العولمة"، التي هي نمط وطريقة انتاج، طريقة حياة، طريقة تطور في شتى المجالات. ولا بد من خلق صراع في دائرة العولمة وليس ضدها لكي نصل الى نمط جديد يكون حصيلة نضال سائر شعوب وقوى وطاقات العالم، وذلك لن يكون مجرد علاقات سياسية دولية أكثر عدلاً بل كذلك علاقات انتاج وتوزيع، مادي وثقافي، أكثر عدلاً داخل كل بلد وعلى مستوى شعوب الارض. وهو ما يسمى "الأممية الجديدة" أم كما سماه جورج حاوي "الاشتراكية الجديدة". وذلك يكون تكملة لنضالات أرتين مادويان وسائر الأمميين الأوائل.

نارا حاوي6/6/2011
Page 2
مقدمة

ننحني خشوعاً أمام هؤلاء المناضلين

بقلم: جورج حاوي

لقد ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذه المقدمة. وكان ترددي لسببين:

الأول فللعلاقات الخاصة التي تربطني بالرفيق العزيز أرتين مادويان فتجعل حكمي على ما يقوم به من أعمال مطبوعاً حتماً، وبشكل لاإرادي، بإعجابي الشديد بهذا الرفيق المناضل في جوانب حياته النضالية ومزاياه الشخصية على السواء.

أما السبب الثاني، فلخشيتي أن تفسر كتابتي من موقعي الحزبي الرسمي الراهن وكأنها موافقة على كل ما ورد في الكتاب، وتبنٍّ له، بما في ذلك ما يقرره من شؤون تاريخية تتناول الأحداث والأشخاص، لا أعطي لنفسي حق التقرير بشأنها. فهي شأن الحزب كله، الذي لا بدَّ له أن يستطيع يوماً ما، وفي ظروف أكثر ملاءمة، من أن يكتب النسخة الحقيقية لتاريخه النضالي بالاستناد إلى منطلقات العلم وقواعده، وإلى الحقيقة الموضوعية المجردة المعززة بالوثائق والشواهد الحية والحسية.

هذه المهمة، مهمة كتابة تاريخ الحزب تصبح اليوم أكثر إلحاحاً من السابق لكونها لم تعد قضية تاريخ حزبي محض، بل هي تتعلق بتاريخ شعب وبلاد وأمّة، بتاريخ طبقة عاملة وحركة ثورية شاملة في منطقتنا العربية، وفي إحدى أكثر ساحاتها أهمية، الساحة اللبنانية ـ السورية بخاصة. فكتابة تاريخ لبنان الحقيقي، في إطار علاقاته القومية، وبخاصة علاقته بالشقيقة سوريا، تصبح اليوم، كما هو معروف مهمة وطنية ذات أولوية استثنائية يستحيل دونها تأمين وحدة حقيقية للبلاد، شعباً وأرضاً ومؤسسات، على أسس وطنية، بعدما مضى المستعمرون، والصهاينة والرجعيون العرب والانعزاليون تشويهاً في تاريخنا، فَطُمِس دور الجماهير وأُنكر، وشُوّه دور الوطنيين وأهمل ومُجّدت الخيانة والتبعية والارتماء في أحضان الأجنبي، واستعداؤه على أبناء الوطن. فضاعت المقاييس في كثير من الأحيان حتى صارت الخيانة «وجهة نظر» وصارت الوطنية تهمة تقذف في وجه المناضلين، وجريمة يدفع مرتكبوها والمحرضون عليها ثمناً غالياً...

ولا شك أننا اليوم، إذ نخوض معركة الاستقلال الحقيقي للبلاد، وإذ نضع نصب أعيننا مهمة إعادة بنائها من جديد، بل إعادة تأسيسها، هوية وكياناً ونظاماً سياسياً ودستوراً وأنظمة وقوانين ومؤسسات...، نتطلع إلى ضرورة كتابة التاريخ بشكل صحيح ليكون الاتفاق بشأنه واحداً من أسس الاتفاق على الحل الوطني للأزمة اللبنانية، وليكون التثقيف به والتربية على أساسه، وتنشئة الأجيال الطالعة انطلاقاً من معطياته ضمانة وحدة الشعب ولحمته في المستقبل.

وعندما نقول كتابة تاريخ لبنان، في إطار انتمائه القومي، نقول حتماً: كتابة تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري.

وفي هذا الإطار تبدو أهمية الجهد الذي بذله عدد من الرفاق لإلقاء الضوء على جوانب هامة من تاريخ الحزب عبر كتابة مذكراتهم وسيرة حياتهم. وإلى جانب الأهمية العلمية لكتاب المؤرخ الفرنسي الرفيق والصديق جاك كولان، «تاريخ الحركة النقابية في لبنان»، وإضافة إلى الجهد الذي يحظى بكل تقدير من قبل الرفيق العزيز محمد دكروب في كتابه «السنديانة الحمراء»، تأتي كتابات يوسف إبراهيم يزبك، ومذكرات يوسف خطّار الحلو، والياس البواري، ومصطفى العريس، وغيرهم من الرفاق لتشكل عناصر مهمة، ومواد أساسية في عملية كتابة التاريخ الحي لحزبنا وبلادنا.

ولعل أكثر المحاولات جدية تلك التي كان قد بدأها الرفيق العزيز والفقيد نقولا شاوي ولم يتمكن إلّا من إنجاز قسم ضئيل منها...

ونود أن نشير كذلك إلى أهمية مذكرات الرفيق «أبو داوود» محمود الأطرش، التي كتبها وسلّمها للحزب ولم تُنشر بعد.

وفي السياق نفسه تبدو أهمية هذا الإنجاز الكبير الذي حققه أرتين مادويان بكتابة مذكراته الشخصية. فهو أحد مؤسسي الحزب، وأحد روّاد وقادة النهضة الثورية المعاصرة في لبنان وسوريا والمنطقة. عاش الأحداث الكبيرة منذ بداية القرن، وشهد التحولات التاريخية العظيمة التي طبعت عصرنا بطابعها وفي مقدمتها ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى...

وساهم من موقع القيادة والتأثير في كل النضالات التي عرفتها البلاد منذ العشرينيات حتى هذه الساعة. جاب طوال أكثر من خمسة وستين عاماً كل شوارع وأزقة بيروت وطرابلس ودمشق وحلب وحمص... وكل مدن وقُرى لبنان وسوريا وفلسطين... ودخل بيوت ألوف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وسائر الكادحين، وزار كل سجون لبنان وسوريا والمنطقة المجاورة، فكان بين أول الشيوعيين الذين يحاكمون ويسجنون في لبنان، في عام 1926، كما كان آخر شيوعي يحاكم ويسجن في لبنان عام 1963 قبل أن يتمكن الحزب من انتزاع علنيته عام 1969. وبين عام 1926 وعام 1963 تتغير العهود، وتتغيّر الحدود، والسجن واحد، والسجان يلاحق أرتين مادويان فيظفر به حيناً، ويفلت منه أحياناً... وأرتين مادويان يلاحق السجان دائماً، فيحاصره، ويطوقه ويحطم بقبضته الفولاذية قضبان سجنه، ويكتب بعرق جبينه، وبدمه، وبفكره ونضاله تاريخ التحرر والحرية في بلادنا...

ولعل جملة من العوامل الموضوعية والذاتية، قد أسهمت في جعل أرتين مادويان قادراً على لعب هذا الدور الرائد، في الإسهام بتأسيس حزبنا الشيوعي في لبنان وسوريا، والنضال الدؤوب والدائم في صفوفه، وفي مختلف المواقع القيادية فيه حتى يومنا هذا.
Page 3
فأرتين مادويان، الابن البار للشعب الأرمني العريق بثقافته وتقاليده الثورية، قد ورث إلى جانب هذه التقاليد، تجربة نضالية غنية من تاريخ هذا الشعب المكافح على مدى مئات السنين من أجل الوصول إلى تحقيق أهدافه القومية، وهي تجربة فيها الخطأ وفيها الصواب على مستوى القيادة التاريخية المتعاقبة، ولكنها زاخرة دائماً بالزخم الجماهيري الاستثنائي والروح الكفاحية المدهشة. وهو من موقعه الأرمني، ومن تجربته الخاصة في مقاومة اضطهاد الرجعية التركية والوقوع ضحية المجازر الرهيبة التي نفذتها ضد هذا الشعب، ومن تتبعه لتاريخ الثوريين الأرمن، والوطنيين الأرمن وكل الذين نادوا بالحقوق القومية للأرمن، ومن خلال تفانيه، هو، من أجل تحقيق هذه الحقوق... قد وجد نفسه مندفعاً نحو الماركسية، نحو أفكار ماركس وإنجلس ولينين ونظريتهم الثورية التي تحمل وحدها، في عصرنا، مفتاح حل القضية القومية على أسس سليمة، لكونها وحدها الفهم الدياليكتيكي العلمي لمدخلي هذا الحل الصحيح، ألا وهما فعل الصراع الطبقي داخل الأمة، أي موقع كل من الطبقات الاجتماعية ودوره في النضال لتحقيق الأهداف القومية، من جهة، والترابط الدياليكتيكي بين الوطنية والأممية من جهة ثانية. وإذا كان المجال الآن لا يتسع لاستفاضة حول هذا الموضوع، فيكفي القول إن تجربة نضال الشعب الأرمني من أجل حقوقه القومية، التي أرست قيام جمهورية أرمينيا الاشتراكية السو؟ياتية القاعدة الراسخة والأساس المتين لتحقيقها، إنما تؤكد بالملموس صحة ما نقول حول مفتاح الحل الصحيح للقضية القومية في عصرنا، في ضوء الماركسية ـ اللينينية، ومن خلالها.

* * *

إضافة إلى هذا العمق الذي استند إليه أرتين مادويان في شبابه، جاءت الظروف التي عاشتها الجماهير الأرمنية في لبنان، لتشكل تربة خصبة مؤاتية لنمو الأفكار الثورية التي اعتنقها أرتين مادويان ودافع عنها. في حين كانت الفئات الأرمنية الأخرى «تشكر» الشعب اللبناني، والسوري، على ضيافتهما وحسن استقبالهما للأرمن الذين نجوا من المجازر الهمجية على يد تركيا، من موقع المجاملة والعلاقات الإنسانية المحضة،... التي كانت تترجم بالنسبة إلى البورجوازية اللبنانية والسورية، والأوساط النافذة في البلدين نوعاً من «الشفقة»، تغلف بالنسبة إلى بعضهم نظرة طائفية معروفة، انطلق أرتين مادويان من منطلقات أخرى مختلفة تماماً. فهو يرفض أن تنطلق الجماهير الأرمنية من عقدة الخوف، والنقص لكونها لاجئة في بلد آخر، ذلك لأنها قد اضطرت اضطراراً إلى هذا اللجوء، ولا يمكن أن تدفع ثمن ذنب لم تقترفه. ثم إنه، من خلال نظرته الثورية أدرك عمق الرباط الذي يربطه، والذي يربط الجماهير الأرمنية أيضاً، بجماهير الشعبين اللبناني والسوري اللذين كانا يرزحان في ذلك الوقت تحت نير الانتداب الفرنسي، بعدما عانيا طويلاً نير السيطرة العثمانية. وإذا كانت الجماهير الأرمنية وجدت نفسها غريبة في هذين البلدين، فشعب البلدين هو كذلك «غريب» وإن كان على أرض وطنه، ثم إن جماهيرهما الشعبية الواسعة التي تعيش ظروفاً اجتماعية صعبة أكثر غربة داخل بلديها من بعض الغرباء عن بلدانهم، ودون أي تردد رأى أرتين مادويان أن «المصيبة تجمع» بين الجماهير الشعبية الأرمنية والجماهير الشعبية في لبنان وسوريا، بل إن «القضية تجمع» وتوحِّد وللجانبين مصلحة واحدة وقضية واحدة ولا بدَّ من النضال المشترك للوصول إلى تحقيق هذه الأهداف...

ومنذ النشأة الأولى لشبيبة «سبارتاك» في إطار حزب الهنشاق اليساري، إلى تبلور هذا التيار بقيادة أرتين مادويان على أسس إيديولوجية متكاملة نسبياً، وعلى قواعد تنظيمية مستقلة تشكل رافداً من روافد تأسيس الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، إلى التقاء هذا الرافد الجدول المتدفق في ينابيعه الأولى على يد طليعة عمالية نقابية متمثلة بفؤاد شمالي ورفاقه، وطليعة من المثقفين الثوريين يرمز إليها يوسف يزبك وصحبه أولئك الذين التقوا في ذلك البيت المتواضع في الحدث يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول عام 1924 ليعلنوا نشوء الحزب الشيوعي اللبناني (الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا)،.... إلى التقاء هذين الرافدين إذاً، في احتفال الأول من أيار عام 1925 في سينما كريستال حيث استكمل الحزب عملية نشوئه،... وعرف بداية انطلاقته الجماهيرية منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا... وعلى امتداد أكثر من ستين عاماً كاملة... لم يكن من قبيل الصدفة أن أرتين مادويان، ظل في الصفوف الطليعية من النضال داعية وحدة بين الجماهير الشعبية الأرمنية والجماهير الشعبية العربية، منطلقاً من قناعة راسخة بأن الجماهير الأرمنية في لبنان وسوريا تجد حلاً لمشاكلها بمقدار ما تجد الجماهير العربية في هذين البلدين حلاً لمشاكلها هي بالذات. وبذلك كان أرتين مادويان، ورفاقه المناضلون الأرمن، وطنيين لبنانيين، ووطنيين سوريين، بل «قوميين عرباً» حقيقيين، أي مناضلين حقيقيين من أجل القضية التحررية للشعوب العربية، من أجل قضية القومية العربية. والمذكرات التي كتبها أرتين مادويان تشكل في هذا السياق واحدة من أهم الوثائق حول تاريخ الأرمن في سوريا ولبنان، وحول نضال الجماهير الشعبية الأرمنية في البلدين، ودور هذا النضال في تحرر البلدين وفي المكاسب السياسية والوطنية والاجتماعية التي حققها الشعبان اللبناني والسوري، وسائر شعوب أمتنا العربية: وهو في الحقيقة مناسبة لتكريم عشرات الشهداء الأرمن في صفوف حزبنا والحركة الوطنية لشعبنا، ممن أسهموا بدمائهم إلى جانب إسهام المئات غيرهم بعرق جبينهم وتضحياتهم الكبيرة، في بناء الصرح الشامخ لهذا الحزب، وفي تحقيق الإنجازات الهامة على الصعيد الوطني، وفي نشر أفكار الماركسية - اللينينية في ربوعنا العربية، وفي الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة والجماهير الشعبية، وفي الدفاع عن جمهورية أرمينيا السو؟ياتية، الوطن الأم للأرمن، وواحدة من الجمهوريات المكوّنة للاتحاد السو؟ياتي، وفي رفع راية الصداقة العربية - السو؟ياتية، والتضامن الأممي الحقيقي مع كل شعوب الأرض المناضلة من أجل التحرر، ومع قوى البشرية المناضلة من أجل الحرية والتقدم الاجتماعي والاشتراكية والسلام.

إن حزبنا مدين لهؤلاء الرفاق الذين يذكرهم أرتين مادويان في كتابه بدءاً من الشهيد الأول (أرتين كولبنكيان) إلى الشهيد الأخير البطل سيمون، كما هو مدين لسواهم من المناضلين الذين خدموا الحزب في أقسى الظروف وفي أصعب المهمات. إن هؤلاء لم يسهموا فقط في بناء الحزب، بل هم في ظروف معيّنة أمنوا استمراره. وهذا استحقاق كبير ننظر إليه دائماً بفخر وإعجاب.

* * *
Page 4
هل يسهُل الانتساب إلى «قوميتين» أو بالأحرى الالتزام بقضيتين قوميتين، القضية القومية الأرمنية، والقضية العربية، هل يسهل ذلك طريق الأممية؟

ربما. وهنا يكمن الوجه الثالث المتمم لشخصية أرتين مادويان، المناضل الأممي البارز، وعلى قاعدة الانسجام التام، والتعامل، والتوحد الدياليكتيكي، بين الوجوه الثلاثة لشخصية أرتين مادويان يمكن النظر إلى حياته الغنية بالنضال والمستمرة في العطاء حتى يومنا هذا. فأرتين مادويان، الأرمني، اللبناني - العربي، الأممي، هو شديد الانسجام مع نفسه في نضاله فوق هذه الساحات الثلاث، في القضية القومية الأرمنية، وفي الساحة العربية، وعلى الصعيد الأممي. إنه، ليس فقط لا يعيش أي تناقض، أو تشاد، أو تجاذب بين الجوانب الثلاثة لشخصيته، بل، على العكس من ذلك، تشكل الأركان الثلاثة لهذه الشخصية أو الأقانيم الثلاثة إذا استعرنا التعبير اللاهوتي المسيحي، باستنادها إلى المنطلق الطبقي الصلب، وحدة متكاملة تحدد على أسس سليمة العلاقة الجدلية الخلاقة بين الوطني والأممي، وهو أحد الجوانب الهامة التي يؤكد عليها دائماً حزبنا الشيوعي اللبناني، وبخاصة منذ مؤتمره الثاني التاريخي، الذي أعاد الحزب في هذا المجال إلى الأصول التي عرفها في العشرينيات والثلاثينيات، والتي كان لأرتين مادويان دور أساسي فيها.

ولا شك أن للأممية الدور الأساسي في نشوء الحزب. ليس ذلك فقط من خلال السمة العالمية والتأثير العالمي لأفكار ماركس وأنجلس ولينين، وإن كانت هذه الأفكار العلمية تحمل في طياتها إسهام كل شعوب العالم في تطور المعرفة عبر العصور، بما في ذلك إسهام الفلسفة العربية والفكر العربي، وليس فقط من خلال وهج ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وانعكاسها في بلادنا على الأوساط العمالية الطليعية، وعلى المثقفين الثوريين آنذاك... بل كذلك في المدى التنظيمي المباشر. فمبعوثو الأممية (الكومنترن) قد أسهموا إسهاماً مباشراً في جمع أبرز هؤلاء العمال الطليعيين والمثقفين الثوريين وأمنوا نشوء الحزب الشيوعي اللبناني. ولكنهم بذلك لعبوا دور المنشط والمشجع والمسرع والمنظم لنمو هذه الشجرة ذات البذور الوطنية، التي نمت في التربة الوطنية لبلادنا فشكلت نبتتها بداية مرحلة تاريخية جديدة لنضال شعبنا من أجل تحقيق أهدافه التاريخية، في التحرر الناجز في جميع المجالات. فالحزب الشيوعي اللبناني (اللبناني - السوري) قد نشأ في رحم هذه الأرض العربية، من أب وأم وطنيين عربيين، يحمل شجرة عائلة طويلة طويلة، وعريقة عريقة، تجعله على صلة قربى مباشرة مع أول إنسان حلم في مجتمع سعيد فوق أرضنا الوطنية، ووارثاً شرعياً لأول ثوري طمح لتحقيق التحرر والتقدم لشعبنا، بل وارثاً شرعياً ومكملاً لنضال كل الثوريين في بلادنا العربية. وما دور ممثل الكومنترن في ولادة الحزب إلا دور «القابلة» وهو دور هام على كل حال.

وهكذا كان حزبنا منذ انطلاقته حزباً أممياً. غير أنه كان أممياً حقاً، لعبت أصالة نشأته دورها في جعله باحثاً عن إيجابيات انتمائه الأممي وأعطته مناعة حِيال بعض سلبيات هذا الانتماء، رغم اختلاف هذه المناعة بين فترة وأخرى، هذه السلبيات الناجمة عن الرؤية غير الصحيحة التي كانت تصدر أحياناً عن بعض مواقع «الأممية» حيال القضية الوطنية. ورغم أن بلادنا كانت تحت الانتداب الفرنسي، وفي فرنسا حزب شيوعي قومي، فإن النشوء المستقل لحزبنا جعله أكثر قدرة على الاستفادة من الدعم الإيجابي الذي قدّمه الحزب الشيوعي الفرنسي لنضاله، وأقل تأثراً بالأخطاء التي وقعت فيها أحزاب أخرى في البلدان المستعمرة والتابعة، فأهملت قضيتها الوطنية وتبنت شعارات الأحزاب في بلدان المتروبول...

كذلك لعبت الأممية دوراً إيجابياً في طرح قضية «تعريب الحزب» في الثلاثينيات، وهو توجه صحيح دون شك، وقرار ذو أهمية تاريخية يهدف إلى إعادة الحزب إلى أصالته الوطنية. وكون الرفيق أرتين مادويان قد قاد معركة التعريب بجرأة ونجاح، يؤكد من جهة مدى الوعي الأممي الحقيقي لدى الرفيق مادويان مما يجعله أكثر المتحمسين لـ «وطنية» الحزب، فهو يؤكد في المقابل أن معركة «التعريب» قد خيضت من جهة في وجه بعض ممثلي الأممية الذين جاؤوا من فلسطين، ومن أصول يهودية، ومن جهة أخرى باتجاه تقديم قيادات عربية، على مختلف المستويات، إلى جانب القيادات الأرمنية التي استوعبت موضوعياً أهمية الدور الأساسي للقيادات العربية في توسيع صفوف الحزب بين الجماهير الواسعة. غير أن معركة التعريب، التي انطلقت من منطلق صحيح، وتمت ظاهرياً بشكل ناجح، لم تصل، برأيي إلى كامل بعدها في الجوهر، فالقضية لم تكن، فقط، الهوية «القومية» لهذا المسؤول أو ذاك. إن هذا مهم جداً، غير أن القضية الأهم هي في تحديد خط الحزب من القضية القومية بشكل سليم. وهنا يمكن القول إن الزخم الذي رافق معركة التعريب في الثلاثينيات قد انعكس إيجابياً في موقف الحزب من شعار الاستقلال، ومن شعار الوحدة مع سوريا (وقد كان الحزب حزباً واحداً في لبنان وسوريا تجسيداً لهذا الشعار) وبخاصة من شعار الوحدة العربية حيث كان الحزب خلّاقاً ومبدعاً في مؤتمر زحلة عام 1934، ليس في طرح الشعار فحسب، بل في رسم بداية برنامج نضالي لتحقيقه.

إن هذا الزخم لو استمر لتغير، برأيي، كثير من المعطيات في تطور المنطقة وفي تطور الحزب، ولما كان هناك ربما مبرر لقيام حركات وأحزاب أخرى لعبت لاحقاً وما زالت تلعب دوراً هاماً، إيجابياً وسلبياً، في حياة أمتنا العربية، ولكانت «الحركة القومية» الهادفة إلى التحرر الحقيقي وإلى الوحدة قد ظلت بقيادة الحزب، فسارت بثبات ونجاح على طريق تحقيق أهدافها، وفي أحسن الحالات، إذا لم يكن من الممكن موضوعياً منع نشوء تلك القوى أصلاً؛ فمما لا شك فيه أن دورها كان قد اختلف كماً ونوعاً، لو أن الحزب الشيوعي قد قام بدوره المطلوب كاملاً. ولعل في العرض الموضوعي الذي يقدمه أرتين مادويان لتطور موقف الحزب من القضية القومية من خلال الحديث عن مواقف الحزب في حقبات تاريخية معيّنة، وحيال قضايا معيَّنة، لعل في هذا العرض معالجة أولية، من جهة، ومادة تسمح بالمعالجة العلمية من جهة أخرى، استكمالاً لما طرحه بجرأة تقرير اللجنة المركزية أمام المؤتمر الوطني الثاني التاريخي المنعقد عام 1968، الذي أعاد الاعتبار إلى الموقف الماركسي ـ اللينيني الحقيقي من القضية القومية، كما أعاد الاعتبار إلى الفهم الماركسي ـ اللينيني الحقيقي للعلاقة الجدلية بين القضية الوطنية القومية من جهة، والأممية البروليتارية من جهة أخرى. لذلك كان من الطبيعي ليس فقط أن يلعب الرفيق أرتين مادويان دوراً في انعقاد المؤتمر ونجاحه حسماً لأزمة الحزب آنذاك، إلى جانب الرفاق الآخرين ممثلي القيادة التاريخية في الحزب وفي مقدمتهم الرفيق نقولا شاوي، بل كان من الطبيعي أن يجد رفاق مناضلون قدماء ومجربون، مفعمون بالروح الأممية ومتفانون في الدفاع عن القضية الوطنية وعن مصالح الطبقة العاملة، من أمثال: نقولا شاوي وأرتين مادويان ويوسف خطّار الحلو وإلياس البواري ومصطفى العريس وسواهم من مناضلي الرعيل الأول، أن يجد هؤلاء في المؤتمر الثاني للحزب اندفاعة جديدة، ومناخاً صحياً يضع حدّاً لصراع داخلي يعانيه كل مناضل يجد نفسه في هذه الفترة أو تلك أمام تناقض مفتعل بين وطنيته وأمميته... لقد أعاد المؤتمر الثاني أصالة النشأة الوطنية إلى الحزب وأصالة الانتماء الأممي، فكان بذلك منسجماً مع القناعات الراسخة التي ميّزت شخصية الرفيق أرتين مادويان كمناضل وطني، وأممي، الأمر الذي يبرز بوضوح من مجمل ما كتبه أرتين مادويان في مذكراته.

* * *
Page 5
إن المؤتمر الثاني للحزب وضع الأساس الصالح كذلك للقضاء على تناقض حاد، بل على صراع داخلي كان يمزق كل رفيق مخلص في مجال العلاقات الداخلية، التنظيمية للحزب.

ففي الفترة التي سادتها «عبادة الفرد» وانتفت فيها القواعد التنظيمية اللينينية في حياة الحزب الداخلية، كان الرفاق المخلصون، والأكفاء، عرضة لأحد احتمالين إما أن يجاهروا بآرائهم، وملاحظاتهم كافة، ويوجهوا النقد للمسؤول فيتعرضوا لخطر الإبعاد عن الحزب... وإما السكوت عن النواقض والانخراط في عملية المديح المفرط للقائد، والإسهام في ضرب الرفاق الآخرين حسب مزاج المسؤول ورغبته... وبالتالي يفقدون الكثير من روح المبادرة وحرية الرأي والإسهام الخلّاق في العمل القيادي، ويصبحون جزءاً من وضع قيادي مصف للكوادر أياً كان موقفهم الشخصي من مسألة تطوير الكادر. وفي كثير من الحالات كان الرفاق الأكفاء والمخلصون يتعرضون لهذه الحالة، إضافة إلى تعرضهم الدائم للنقد اللاذع وغير الموضوعي، وإلى ما كان يسمى بعملية «الضرب» الحزبي التي تؤدي إلى إقصائهم عن مواقع القيادة موقتاً، أو كلياً، وحتى إلى إذلالهم معاشياً ومادياً...، وتنتهي «برسالة» نقد ذاتي لأهداف منها تحطيم الكادر المعني وإذلاله لتحويله إلى أداة طيعة...

عايش أرتين مادويان كل هذه المرحلة الصعبة فكان أحد ضحايا هذا الأسلوب وساهم بدوره، من خلال إخلاصه للحزب ومن موقع تعلقه بوحدة القيادة، في ممارسة هذا الأسلوب ضمن إطار الهيئات القيادية حيال الرفاق الآخرين فتألم بشكل مزدوج ووجد نفسه، في كثير من الحالات، أمام صراع داخلي حاد بين قناعاته السياسية والتنظيمية وحتى بين كرامته الشخصية من جهة، وبين ما كان يراه من قناعة مصلحة الحزب من جهة أخرى، كما فعل غيره من الرفاق القادة البارزين وفي مقدمتهم الرفيقان الكبيران فرج اللَّه الحلو ونقولا شاوي، وإن كان هذان القائدان، وخصوصاً فرج اللَّه، أكثر الذين عانوا من هذا الأسلوب وأقل الذين ساهموا فيه. هذه المعاناة المرة وجدت في المؤتمر الثاني للحزب نهاية لها. لذلك كانت فرحة أرتين مادويان بالمؤتمر كبيرة. ولذلك أيضاً، يحتل الحديث عن هذا الأسلوب في حياة الحزب قبل المؤتمر الثاني حيزاً هاماً من مذكرات أرتين مادويان، حيث يكشف أرتين مادويان وقائع، وحوادث مؤلمة حقاً تعرض في خلالها رفاق مخلصون لحملات تشكيك ولاتهامات ولانتقادات ظالمة ولإجراءات وعقوبات تصل إلى درجة الطرد من الحزب...

وقد تكون الذاكرة قد خانت أرتين مادويان فلم يذكر كل الحوادث، أو بالغ في ذكر بعضها، أو لم يتصف بعض ما ذكره بالدقة الكاملة... ولكن ألا يكفي ما يعرفه من أسلوب، ومن وقائع لإعطاء الصورة الكافية عما كان يجري، وبالتالي لإعطاء جزء من الجواب عن السؤال الذي كان يشكّل، وهو اليوم يشغل، قسماً رئيسياً من كوادر الحزب حول أسباب عدم تطور الحزب في الماضي، وبصورة متناسقة وثابتة، بمستوى ما كانت تسمح به الظروف الموضوعية المؤاتية في البلاد.

لقد وضع أرتين مادويان ما كتبه حول تلك المرحلة في تصرف قيادة الحزب، وترك لها القرار حول ملاءمة النشر أو عدم ملاءمته. وبما أن الموضوع يتعلق بمذكرات شخصية، لم يكن لقيادة الحزب الحق في أن تدقق، أو في أن تصلح، أو في أن تؤكد هذه أو تلك من الحوادث. فأرتين مادويان يتكلم عن هذه القضايا على مسؤوليته الشخصية. ومن غير المستحسن أن يشطب بعض ما كتب عن قناعة مراعاة لهذا الاعتبار أو ذاك. ولم يكن الهدف من الموافقة على النشر وقوفاً عند الماضي لمعالجته من هذه الزاوية أو تلك، بل كان الهدف أن يعي رفاقنا الجدد اليوم ما كان يجري في حزبهم من ممارسات، ليحصنوا الحزب ضدها في المستقبل من خلال التمسك بمقررات وبروح المؤتمر الوطني الثاني في هذا المجال، كي يكسب الحزب مناعة ضد الآفات والأمراض التي يلحق استشراؤها أكبر ضرر في مسيرته.

* * *

لقد تحمل أرتين مادويان الكثير. ولكن ميزة أرتين مادويان الأساسية هي هذه الروح الثورية المثابرة التي لا تعرف الكلال. إنه المناضل «البولشفي» المثالي الذي لا حدود لتفاؤله التاريخي، ولا حدود لقناعته العملية بحتمية انتصار الاشتراكية، ولا حدود لتفانيه في ميدان النضال، وخدمة قضية الطبقة العاملة والإخلاص للحزب ولا تردد في مجال القيام بواجب أو تنفيذ مهمة، وبدقة مدهشة. إنه صاحب ثقافة ماركسية عميقة، ما زال يغذيها حتى اليوم بقراءات متنوعة يحتلّ لينين فيها باستمرار، حصة أساسية تسمح له أن ينطلق دائماً من منطلق طبقي في نظرته إلى الأحداث، وروح ثورية تزداد مع السنين ولا تهمد، وحس وطني مرهف وإخلاص أممي لا حدود له. ذلك هو أرتين مادويان الذي يقارب اليوم الثانية والثمانين من العمر، وهو ما زال يعطي بكل طاقاته وإمكانياته عطاءً مهماً، كمياً ونوعياً، للحزب، وللطبقة العاملة، وللبنان والأمة العربية، وللوطن الأم أرمينيا السو؟ياتية، وللأممية. فهو، في عمر الشباب من حيث الحماسة، ومن حيث توقد الذهن، ومن حيث الثقة بما يطرح، وبما يجعله قادراً على نقل قناعاته إلى محدثه دون الكثير من العناء. فمن يحدث أرتين مادويان ويسأله رأيه في قضية ما، يلمس من جوابه فوراً الصدق، والقناعة، والإخلاص لما يعتقد وفيما يقول. ولن يجد القارئ لهذه المذكرات صعوبة في الوصول إلى هذا الاستنتاج.

* * *
Page 6
ولنعد إلى البداية..

... قلت، إنني ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذه المقدمة... إلى أن وجدتني أستيقظ باكراً، في صبيحة يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول من العام الحالي 1985، في الذكرى الواحدة والستين لنشوء حزبنا الشيوعي اللبناني، فأبدأ بالكتابة، وقد تغلبت عندي الرغبة في الكتابة على كل تردد. فبالأمس عدت من مهرجان «الميناء» الذي أقيم إحياءً للذكرى الواحدة والستين، وتحية لطرابلس المحررة، وتكريماً لأبطال الحزب، وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أبطال تفجير وتدمير إذاعة العميل أنطوان لحد التي تشرف عليها المخابرات المركزية الأميركية والصهيونية.

إن الحزب الذي أسهم أرتين مادويان إسهاماً كبيراً في تأسيسه، والذي ما زال يعطيه حتى اليوم كل ما يملك، هو اليوم مالئ الدنيا وشاغل الناس. تتحدث عنه الإذاعات المحلية والدولية بإعجاب، ويمجد الكل بطولة مناضليه ودورهم في المقاومة الوطنية اللبنانية، هذه المفخرة التي تشكِّل أنبل ظاهرة ثورية في تاريخنا العربي المعاصر. أستمع إلى ما يُقال، وأقرأ ما يكتب... فلا أستطيع إلّا أن أزهو وأن أسترسل في النشوة... فترتسم فجأة أمامي صورة أرتين مادويان أمام المحكمة عام (1932)، وأسمع بأذني صوت المدعي الفرنسي يطلب العقوبة القصوى لأرتين مادويان، ويلح في استئصال شأفته، هو ورفاقه، قبل أن يصبحوا قادرين على فعل ما بدأه رفاق لهم في فيتنام، ألهبوا تلك البلاد ثورة تحت أقدام الاستعمار الفرنسي وأرى على وجه أرتين مادويان، الشاب آنذاك، علامات الغضب والثورة مشفوعة بابتسامة تكشف عن الثقة غير المحدودة بالشعب، بالطبقة العاملة، وبالحزب... ذلك الحزب الذي كان يشق بصعوبة خطواته الأولى آنذاك... وأرتين مادويان يفكِّر في الثورة، ويعمل من أجل الثورة، ويثق بنجاح الثورة ثقة مطلقة...

في مثل هذا اليوم المجيد من تاريخ حزبنا، يتوجَّب علينا، نحن الشيوعيين اللبنانيين، أن ننحني خشوعاً أمام هؤلاء المناضلين الأوائل أرتين مادويان ورفاقه كما ننحني خشوعاً أمام ذكرى شهدائنا الأبطال. فهم قد شقوا الطريق الذي يبدو اليوم أمامنا عريضاً وفسيحاً. وهم قد صنعوا الراية الأولى ورفعوها وحموها بدمائهم، وبعرق جبينهم، وبآلامهم، إلى أن وصلت إلى الأيدي التي ترفعها اليوم فوق المناطق اللبنانية المحررة بإباء واعتزاز. هم قد كتبوا بالنضال هذا التاريخ المضيء لشعبنا ولحركتنا الوطنية ولحزبنا. وإذ يكتب أرتين مادويان اليوم بعضاً من سيرة حياة قضاها «وراء المتراس» فهو يضعنا أمام ضرورات الوفاء لهذا التاريخ من جهة، وأمام العهد على متابعة النضال من وراء هذا المتراس دون كلال، إلى أن تنتصر القضية التي رفع هؤلاء المناضلون لواءها عالياً، قضية التحرر الناجز لبلادنا، قضية الديموقراطية والاشتراكية والسلم.

كلمتان عوضاً عن مقدمة

أيّ إنسان لا يتمنّى أن تبقى ذكراه، بعد وفاته، وأن تعيش في الناس على هذا النحو أو ذاك؟

إنّه شعور بديهي، ملاصق لطبيعة بني البشر.

إلّا أنني، على الرغم من هذه الحقيقة، لم أشرع في تدوين مذكراتي هذه، ولا سيّما في الجانب السياسي والحزبي، إلّا بعد إلحاح وإصرار متكرّرين من جانب الرفاق في الحزب، علّني أسهم بقسطي المتواضع، مع رفاق آخرين، في إنجاز تاريخ الحزب المتكامل مسهماً في الوقت عينه في تحضير المادة الأساسية لكتابة التاريخ الوطني والسياسي للأرمن في لبنان، وفي سوريا إلى حدّ بعيد، ذلك أن تاريخ الأرمن جزء من تاريخ الشعبين لا يتجزأ.

لقد كتبتُ هذه المذكرات في بيروت الغربية، خلال الحرب الأهلية. وبالأحرى خلال الاجتياح الإسرائيلي، وفي ظل الاحتلال بالذات:

أزمة متفاقمة؛ قصف متواصل؛ حالة عصبيّة مرهقة... إنها الظروف التي أتيح لي خلالها أن أمسك بالقلم وأشحذ ذاكرتي وأشرع في الكتابة!

بل أكثر من ذلك: في تلك الظروف القاسية اضطرّ الحزب، لدواعٍ أمنيّة، إلى إخفاء أرشيف الحزب وكنتُ في أمسّ الحاجة إليه لإنجاز مذكراتي: أوليست هذه المذكرات على خصوصيَّتها وتنُّوعها، جزءاً من تاريخ الحزب؟

وبالرغم من هذا الواقع فلقد سعيتُ إلى قول الحقيقة، بتجرّد وبساطة، وبصراحة قد لا تخلو من القساوة حول هذا الحدث أو ذاك. لكنني حاولتُ أن أعبّر بصدق، معطياً الصورة الحقيقية التي أراها منسجمة مع معطياتي عن الواقع التاريخي.

أعتقدُ أن ذاكرتي خانتني في بعض الأحداث والمشاهد. ويخالجني شعور بأنني نسيتُ أسماء غالية لرفاق وأصدقاء وطنيين عملوا معنا في مراحل معيّنة.

يتملّكني أسف عميق على ما غاب عن ذهني من صوَر.. ومن أسماء، وهذا هو الشيء الأساسي.

وأتمنّى على كلّ ذي مقدرة، أن يساعدني في المستقبل على تغطية هذا النقص، بل أكون له شاكراً وبه فخوراً.
Page 7
1904 ـ 1922

ولدتُ في 10 نيسان من العام 1904. محافظة كيليكية، منطقة أضنة، في بقعة كان اسمها غانفصاف زاده (وهي اليوم سوجو زادي).

اسم عائلتي مارديروس، وكان والدي قد اتخذ من صناعة الأحذية حرفة له، ثم اشتغل في زراعة الكرمة وفي حفر آبار المياه، ثم أصبح عامل بناء وبعدها حمّالاً في توزيع القطن لفرزه في المنازل. وهذا كله حتى الخامسة والعشرين من عمره (1). وكان يعيش في منزل والده دون أن يشارك في مصروف العائلة، بل يحتفظ بدخله لنفسه، الأمر الذي ساعده لاحقاً على إنشاء محل لصناعة الأحذية، مع أحد أرباب هذه المهنة ممّن يفتقر إلى المال. وما هي إلّا فترة قصيرة حتى تعلّم أبي أسرار المهنة، بمساعدة شريكه.

غير أنّ هذه الشراكة لم تدم طويلاً. فقد افترق أبي عن شريكه وفتح محلاً خاصاً به بمساعدة خالي ستيبان توتنجيان وعنايته، الذي كان يملك محلاً للأحذية ويتمتع بمكانة رفيعة في السوق.

برع والدي في مهنته مبتعداً عن الأسلوب التقليدي في صناعة الأحذية، وابتكر أسلوباً جديداً حتى اشتهر وذاع صيته. وبعد العام 1910 أصبح لديه عامل أو عاملان، أما في فترة الأعياد فكان العدد يزداد. وكانت عائلتنا على حظّ وافر من اليُسر. وعلى ما يرويه جدي فإن أسلافه قد وفِدوا من ديار بكر (يكراناكرت) قبل مئة وخمسين سنة، وحلّوا في أضنة حيث زاولوا الأعمال الزراعية وظلّوا على اتصال بأقاربهم في يكراناكرت المعروفين بإنتاج الحرير، وذلك حتى العام 1914.

كان والد جدّي، مارديروس، ملقباً بـ «خالو مادو»، ومن هنا أتى اسم عائلتنا «مادويان».

حـيُّنــا

كانت عائلتنا تسكن في حي شعبي ضمن مجموعة من السكان الأرمن والأشوريين والأتراك. وفي آخر الشارع كان سوق الخضار حيث كان يعيش العرب العلويون الذين عرفوا بالفلاحين، وكانت العلاقة بين المقيمين في شارعنا والعرب العلويين علاقة صداقة حتى 14 نيسان عام 1909، حين بدأت المجازر الجماعية ضد الأرمن والأشوريين.

كان تسعون بالمئة من السكان الأرمن والأشوريين يعملون في المعامل والمزارع وفي المهن الصغيرة. وكانت أكثرية السكان تنتقل في الصيف للعمل في حقول القطن حيث أقيمت لهم أكواخ خاصة يعملون من طلوع الشمس حتى الغسق في جمع القطن، أما حصتهم فعُشر ما يجمعون، وكان ممثل صاحب الأرض يُنقص عليهم بعض الوزن، وهو إلى ذلك، يبتاع حصتهم بثمنٍ متدنٍ.

أما عمال المصانع وعاملاتها فكان شغلهم على مقربة من الحيّ في معامل كوكيناكي ذوطوس ولوغوقيت بامبوكيان وشركائه، وهي معامل تتولى تنقية القطن، وكان ثمة فروع أخرى تُعنى بطحن الحبوب وإنتاج الثلج.

وكانت حياة العاملين والعاملات في غاية الصعوبة، فظروف العمل لم تكن صحيّة والرواتب منخفضة ولا توجد مساعدات مرضيّة ولا ضمانات ضد الحوادث والبطالة والشيخوخة، كما درج أصحاب المعامل على إهانة الشغيلة ولا سيما العاملات. وكل ذلك في غياب أيّ شكل من أشكال التنظيم النقابي والعمالي.
Page 8
انطباعات طفولتي الأولى

هناك ذكريات من طفولتي لا تزال مطبوعة في ذاكرتي بشكل واضح جداً.

خلال عام 1908-1909 ذهبت إلى روضة مدرسة ابكاريان في أضنة حيث سمعت للمرة الأولى في حياتي، الأناشيد الوطنية يؤدّيها التلاميذ بحماسة، ومن هذه الأغاني أتذكر:

«إرفع صوتك أيها الفدائي، لماذا أنت ساكت؟!».

و: «دوَّى صوت من جبال أرضروم الأرمنية».

وهي أناشيد لا تزال محفورة في ذهني لم تُمح حتى اليوم.

المجزرة

وفي مخيلتي عن الطفولة أيضاً، يتراءى مشهد ثان مطبوع فيَّ ولا يفارقني ألا وهو مجزرة الأرمن الرهيبة التي نفّذت ما بين 14 و17 نيسان عام 1909 (التقويم القديم 1ـ4 نيسان) ثم المجازر الرهيبة التي تكررت اعتباراً من 25 نيسان، أو ما حكاه أهلي من تفاصيل حول هذه المجازر الدموية آنذاك.

لقد كانت أياماً مرعبة حقاً.

كان بيتنا في وسط حديقة؛ أما الجيران فكانوا: خالي استيبان مع أهله، العربجي كريكور زوج خالتي مريام، كريكور الطحَّان، والميكانيكي البارع ابراهام وكان هذا الأخير أشورياً.

حركة غير عادية تدود في الحديقة. كان ذلك في الأول من نيسان، ونحن متكوّمون في البيت والنوافذ كلها مغلقة، ونراقب عبر شقوق الشبابيك، براميل من السمن تتدحرج في الشارع. إنها بعض ما يُسرق من المحالّ الأرمنية المجاورة. وبقينا على هذه الحال وبوّابة الحديقة محصّنة بما يجعلها منيعة.

وما إن انتصف النهار حتى ابتدأ الهجوم البربري. صراخ وضجيج في كل صوب. أنظر إنهم يقتربون! لقد ضربوا بوابة الحديقة بالفؤوس وفتحوها، ودخل العدو، واقتحم الرعب قلوبنا. نحن الصغار كنا تحت أوامر الكبار نركع ونتلو بصوت مرتفع: «أبانا الذي في السموات». أما الكبار فكانوا يرقبون الباب، يرتعدون ويتساءلون: تُرى، هل تصل القوات الفرنسية والإنكليزية لإنقاذ الأرمن من المجزرة؟

كريكور الطحان أطلق النار من بندقية صيد على المهاجمين فأصاب أحدهم وأرداه. أثار هذا خوف المهاجمين وتضعضعوا وعرف من صراخهم أنهم يتراجعون، على أمل الرجوع بقوة أكبر. استغل الموجودون في الحديقة هذه الفرصة وخرجوا من الباب الخلفي وذهبوا إلى منزل القاضي كيفورك أفندي الموجود على بعد 200 متر من بيتنا. ومن هناك رأينا المهاجمين يعودون، ويعملون في البيوت التي أخليناها، نهباً وحرقاً.

كان النجار هو؟سيب أفجيان يقوم بحماية مخبئنا ببارودة صيد. وبعد يومين من التصدي من جهتنا بدأ المهاجمون بشق حائط البناية من الخلف. وبدأت الحيرة في الداخل وأخذ الناس ينتقلون برعاية هو؟سيب افجيان إلى منزل تشيفجي باشي كيورك آغا (وكيل مزرعة) على بعد حوالى 200 متر وكان بيتاً كبيراً. وقد قتل على الطريق العربجي كريكور وجرح أخي الصغير هاكوب الذي توفي لاحقاً متأثراً بجراحه.
Page 9
خلال الهروب ضلَّ خالي ستيبان توتنجيان الطريق ووقع بيد العدو الذي قتله. وقد كنا جميعاً نحبه ونحترمه، وبعد قليل قام العدو المتوحش بالهجوم عل ملجئنا الجديد بقيادة حارس الليل العبد، وقد عُرف لاحقاً أن الحارس كان قد وضع صحناً نحاسياً على صدره لحماية نفسه من الرصاص، لكنه لم ينجُ من رصاص هو؟سيب افجيان فوقع على الأرض ممّا أتاح هروب المهاجمين على أمل الرجوع بعدد أكبر، كما أسلفنا.

في تلك الفترة توقفت المعارك وأُعلنت «مصالحة»، وصدر «عفو عام». لكن لم يكن للأمان وجود في حيِّنا، وكانت غالبية منازلنا مسروقة ومحروقة، فالتجأ الناس إلى الكنائس والمدارس الكائنة خارج الحي، وهذه الأماكن كانت تعتبر آمنة.

أما عائلتنا فقد لجأت مع عائلات أخرى إلى مدرسة اشخنيان للبنات، قرب كنيسة مار ستيبانوس للأرمن.

بعد عشرة أيام بدأت المجزرة من جديد، وهذه المرة بمشاركة «جيش التحرير الوطني» ـ اتحاد الأتراك القادم من سالونيك.

عندئذ، انتقل اللاجئون من مدرسة اشخنيان للبنات، إلى كنيسة مار ستيبانوس التي لم تتأثر بالحريق الذي تعرضت له المدرسة فيما بعد، ذلك أنها كانت مبنية بالحجر (2).

ثم انتقلنا إلى المدرسة الثانوية للآباء اليسوعيين (مار بوغوص) وتقع على بعد مئة متر من الأولى.

وعلى الطريق شاهدت الكثير من جثث الأرمن ملقاة على الأرض، والدخان لا يزال يتصاعد من المحالّ المحروقة.

أما الأرمن الذين نجوا من المجزرة فقد تجمعوا في مقهى «شافاك قهوسي» (مقهى الفجر)، الموجود على ضفاف نهر سيهون، وكنا من بين هذه العائلات، وكان هدف العدو ذبح الأرمن المجتمعين هناك، ورميهم في النهر.

في تلك الفترة عُزل السلطان عبد الحميد عن عرشه في اسطنبول وخلفه السلطان رشاد الذي أعلن العفو عن الأرمن الذين نجوا. وقد تمّ إخلاء سبيلهم بعد إجبارهم على قول «باديشاهم تشوك ياشا» (يعيش ملكنا).

الرجوع إلى بيتنا كان مستحيلاً، فقد دمر الحريق كل شيء، الحي لم يكن آمناً. فنقلنا إلى أرض فسيحة قرب معمل التبغ، حيث بُنيت مساكن جديدة في وقت لاحق، وسميت المنطقة «يني محله» أي الحي الجديد، وقد عشنا على هذه الأرض في خيم كانت قد أقيمت هناك مصادفة، وهنا توفيت أختي يفيسابت، كما قضى كثيرون نتيجة للوضع المأسوي.

بعد حوالى أسبوعين انتقلنا مع آخرين إلى معمل كبير للنسيج في تريبانه، وكان صاحب المعمل يونانياً. وكان جدي قد التجأ إلى هذا المعمل أول أيام المجزرة مع ستيبان كالوستيان وبانوس كيبينليان، وهما زوجا ابنتيه، وكانا يشتغلان على أرض يملكها جدّي وتبعد كيلومترات قليلة عن المدينة.

كان الجدّ يشتغل في هذا المعمل منذ تأسيسه، ويعرف صاحبه وأبناءه والعاملين فيه. وبعد وقت قصير انتقلنا إلى مخزن القطن الموجود قبالة المعمل.

وفي صباح أحد الأيام، فتحْنا أعيُننا ويا لهول ما رأيناه: فلقد وجدنا على مقربة من المخزن ستة مواطنين أرمن معلقين على أعواد المشانق في الشارع العام، بينهم والد هو؟سيب افجيان وقريبنا كيفورك أوفجي (الصياد) كيفورك، والقصاب ميساك وكانوا جميعهم أبرياء، وقد شنق كيفورك مكان ابنه.

بقينا في شارع آريا بازار (سوق شعبي) حتى مطلع العام 1910 حيث انتقلنا إلى منزل جدي في الحي القديم الذي لم يتعرض للحرق.

وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها وبدأتُ الدراسة في روضة كنيسة العذراء.
Page 10
الجو في بيتنا

لقد لعبت حكايات ليالي الشتاء في منزلنا دوراً مرموقاً في تكوين ملامح مشاعري الطفوليّة الأولى. فكان رجال الحيّ من جيران وأقارب ـ إذا جاء الشتاء بلياليه الطويلة ـ يتجمّعون في بيتنا، ولا سيّما ليالي أيام الآحاد، وكان البيت الفسيح يحتضن أحاديثهم الشائعة حول الشعب الأرمني، في ماضيه الناصع وفي حاضره الذي يلفّه الظلم والملاحقات، والمخاطر والمجازر. وكانوا يتطرّقون إلى التحركات الوطنية التحررية، إلى معارك زيتون وساسون المجيدة، فأبطال الشعب الأرمني والشخصيات السياسية والعسكرية المشهورة، يتجاذبون أطراف الحديث عن ذكريات مملكة كيليكيا والآثار الباقية، وعن مساعدة كيري (خالو) الروسي لتحقيق تحرير أرمينيا. وكانوا يصفون آلامهم ومتاعبهم اليومية، ويحكون عن حياة العمال والحرفيين والمزارعين الصعبة والمليئة بالعذاب، وفي المقابل، عن ظلم أصحاب المصانع والثروات وتعسُّفهم، وقيامهم بسرقة أراضي المزارعين الفقراء، والصراع بين هؤلاء المزارعين وكبار ملّاكي الأراضي.