eKtab
EN ع
حياة أخرى
Read free sample

حياة أخرى

by هدى عيد

Page 1
القسم الأوّل

في مارماريس المدينة البحرية الجميلة

... والبعضُ نحبُّهم

لكنّنا لا نجدُ صدىً لهذا الحبّ في قلوبهم...

فننهارُ وننكسرُ

ونتخبّطُ في حكاياتِ فاشلة...

جبران خليل جبران

[1]

يقول لي بابتسامٍ ساخر:

ـ أنظري يا فاطمة، لا بدَّ أنّه الباص الذي سيوصلكِ إلى جهنم الّتي تعدينني بها دائماً، هه، لقد وصلَ أخيراً.

بقيت العبارة معلّقة في رأسي، واستمرَّ خوفي معلّقاً.

في تلك اللحظة ما عاد زمنه مهماً، باتَ زمني هو الأهمّ، بات هو الأكثر كثافة، وحضوراً، أسمعه ولا أسمعه، أنظر إليه ولا أراه.

لا، ليس ما بي الإحساسُ بالخسارة، وإنّما هو إحساسٌ واضحٌ بالعجز، بانعدام القدرة على فعل شيء ما استطعت يوماً فعله.

ورقةً طائشة تتبدّى لي الحياة، أستطيعُ ركلها بقدمي، شوطها بعيداً، وحين يعلو صراخنا، تستحيلُ الحياة عينُها تياراً مائيّاً يمسكني من قدميّ، ويشدّني إلى الأسفل، يشدّني عميقاً، يقذفني من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، ورأسي ذاهلٌ عن قياس المسافات.

ـ إلى الجحيم يا فاطمة، اذهبي ركضاً إليه، أو استقلّي الباص إذا شئت. الأمر سيّان.

يقولها لي، والسخرية تسيل من عينيه.

لكنّ الطائرة حطّت بخير، وتوقّف لساني عن قراءة الآيات القرآنية التي ما برحت أتلوها مُذ أقلع الطيّار.

اكتشفت مجدّداً أنني مؤمنة، رغم الجهود المتكرَّرة التي سفحتها خلال سنوات كي أكون مُلحدة، الرّحلة أكّدت لي فشلي، مازال قلبي عامراً بالإيمان.

أردت ألّا أُكلّمه إطلاقاً قبل مغادرتي المنزل، لكنني لم أستطع.

وقفت أمام باب الغرفة التي تشهد جُلّ معاركنا، طاف نظري على كل ما فيها، وابتسمت على قدر ما سمح لي اضطراب جوفي. سأفتقد سريري والمرآة، أمّا الجحيم فلا.

ـ هل تريدُ شيئاً من هناك؟

ـ تِسْ، لا.

تسيلُ الصّفرة من ابتسامته.

ـ مع السّلامة اذهبي، وانبسطي. وافرحي.

يهزّ رأسه بأناة، أغادر المكان.
Page 2
[2]

يختم موظّف الأمن العام التركي الباسبور.

وجهُه محايد، يدفعه إليّ، أبتسم له بحكم العادة، لا يردّ ابتسامتي بأحسنَ منها.

أضع الباسبور في حقيبة يدي، أقفلها جيّداً.

ألحق بمجموعة المسافرين الذين ترجّلت وإيّاهم من الطّائرة، كانوا قد ابتعدوا قليلاً عني، استدللتُ عليهم من الفيليبنية التي تحمل الصبي الصّغير، الهواء في الخارج ناعمٌ لطيف، أسرعت الخطو، مازال ربّ تلك الأسرة على تعاليه، يتحدّث مع زوجته بتمرّد، صفع ابنته التي بدت لي في الثامنة من عمرها، ونترها من يدها بعنف. ركل ابنه الأصغر سناً على قفاه حين أراد المرور ضمن أعمدة الحاجز الحديدي، والتأرجح فيما بينها، ينهرُ بين حين وآخر الخادمة الفيليبنية عندما يرتفع صوت الصبي الذي تحمله:

ـ أَسكتيه.

تهزّ رأسها، ولا تجيب، تحاول إسكاته.

الزوجة تغرق في لامبالاتها، لا تعبأ به، هو لا يعبأ بالآخرين. اقتربتُ أكثر، داخلني اطمئنان ووجوهٌ كثيرة رأيتها في الطائرة عادت تحيط بي، زوجان شابان يتناغشان، طوال الرّحلة، هو يداعبها، ويقبّلها، وهي تزداد دلالاً ويزغرد صوتها، نظرت إليهما أكثر من مرّة.

وجوهٌ أخرى كثيرة لم أعرفها من قبل، لكنني راقبتها وقت الطيران، حين أنزع عينيَّ عن الغيوم، وقبلها عن الجبال والسهول التي تتوالى بعيدة صغيرة لا تكاد تبين، أحدّق إلى الغيوم البيضاء والرّمادية وقتاً، أستملح نعومتها، أنظر إلى الشاشة التي تشير إلى حرارة الخارج إلى ما دون الصّفر، أتملّى الوجوه بملل، لا أحسّ بألفة حيال أحد، رغم لطافتي العميقة، إلّا أنيّ لا آلف البشر بسهولة.

اخترت مقعداً متقدّماً في البولمن المريح الذي تولّى نقلي، وسائر المسافرين اللبنانيين القادمين برحلة استجمام، يستجمون من أجواء الوطن، يستريحون من حبّهم العنيف له.

المشاهد متنوّعة ما بين أشجار شامخة كالسّرو، والصّنوبر والشربين، ومساحات أخرى امتلأت بالأشجار المثمرة كالزيتون، والتّفاح، والخوج والتين، وسواها من الأشجار المتوسطيّة التي تعرفها بلادي جيّداً، لربّما انتقلت من هناك بحكم التاريخ الذي جمع البلدين، أيْ نعم هو تاريخٌ مشينٌ قابل للتجدّد وفقاً لمسار الأمور، لكن لا بدَّ أنّ فيه بُقعاً بيضاء قدَ زينته، قد تكون أشجار تين وزيتون، لِـمَ لا؟

أحبّ أن أنظر إلى مشهد البيوت المتفرّقة، والتي تنتشر على مسافات متباعدة، تباعدها يعيدني إلى جوّ قروي فقدته في بلادي، إلتهم العمران كلّ شيء في الآونة الأخيرة، قضم الأخضر واليابس، فَرَمَ كلّ زاوية، وقرش حتى الحجر، تلالٌ بأسرها تختفي في أزمان قياسية، وتقوم مكانها بناياتٌ ذاتُ نوافذ وأبواب، أكوام من الحجارة والزجاج، جدران تنتصب بصلابة وبتحدّ أمام الوجوه.

الرّحلة ما بين مطار Dalaman ومارماريس تستغرق ساعتين، أكثر ما ميّزها هذا التوالد الهادئ لمشاهد الطبيعة الجميلة التي لا تكاد تنتهي، طبيعة بكر، وأخرى نسقتها يد الإنسان، لكنها في الحالين ممتعة جميلة.

سأحاول قدر الإمكان الاستمتاع بهذه الرّحلة، نصحتني بذلك نادية، قالت لي وعيناها تدمعان:
Page 3
ـ سافري، ابتعدي قليلاً، ارتاحي وستكونين أفضل.

عانقتها وهي تبكي.

ـ لم يكن ينقصك غيرُ موت مسعود.

قالت ذلك، وعاودت البكاء.

أزحتها عن صدري، أكره البكاء.

ربّما أفادتني رحلة الاستجمام هذه، ربّما أفادني الانتقال من المكان، على ألّا أحمله في داخلي.

جوف الإنسان متسع المساحة، اتّساعه مخيفٌ أحياناً، يبتلع أشخاصاً وأمكنة، ومشاعر وهلوسات، أفكِّر بذلك من حين لآخر، مساحته تستطيع ابتلاع الأخضر واليابس، لكنّ مشكلتي الآن عسر الهضم الذي أعانيه، ما عاد جوفي يتسع.

البولمن يتقدّم بأناة، الطّريق رحيبة جميلة، أشجارٌ وخضرةٌ وهواءٌ لطيف. ثمّة أطفالٌ يتحرّكون حولي، آخرون تعبوا من الرّحلة، التزموا أماكنهم، بدا النعاس على وجوه، وأخرى بقيت متيقظة.

ـ مَامي، مامي، متى نصل؟

ـ بعد قليل جُو، إهدأ قليلاً.

ـ فندقنا جميل؟

ـ إنّه جميل جدّاً.

ـ أستطيع أن أسبح بمجرّد أن نصل، الپيسين جميل، هل ينزل ميشال معي؟

ـ إفعل ما تريد، إهدأ الآن، الپيسين جميل، وكلّ شيء جميل.

يقوم الصبي من جواري، ثمّ يعود...

جلس إلى جانبي لأنْ لا رفيق معي، وحيدة كعادتي. احتلت الأم وزوجها مقعدين متجاورين، وأشارت له نحو المقعد المجاور لمقعدها، والمتقابل مع مقعديهما. حركته الزّائدة أزعجتني قليلاً، حاولت تجاوزها، ابتسمت له بداية، لكنه لم يتوقف عند ابتسامتي، قد يكون أحسَّ بافتعالها، أعرف أن الأطفال أذكياء، استمرّ بالحركة وبطرح الأسئلة، صرفت وجهي نحو الخارج، وعدت إلى وحدتي:

ـ كلنا نسافر وحدنا في النهاية.

أين قرأتُ ذلك؟

في موسم الهجرة إلى الشمال، أحببت الرّواية كثيراً، قرأتها أكثر من مرّة، أصبحت القراءة متعتي الوحيدة بعد أن استفحل الكَيدُ بيني وبين حيّان. الآن أحاول متعة أخرى.

المشهد جميل، صدري ينفتح شيئاً فشيئاً، ومارماريس المدينة التركية البحرية الجميلة بدأت تظهر هناك في الأسفل،، تبدو لي وأنا أبصرها من نافذة البولمن من عَلٍ، تحوطها الجبال، وتستقرّ هي عند أقدامها على مساحة متسعة، بيوتٌ مقرمدة حمراء، و؟يلات وشاليهات، راحت كلّها تتبدّى لنظري، أطلقته نحو مسافات متقدّمة، سفنٌ تظهرُ بصواريها قريبة من الشّاطئ الطويل الذي تنفتح عليه المدينة، سفنٌ بنيّة خشبيّة داكنة، وأخرى بيضاء اللون جذابة، المشهد يدفعني إلى الإحساس بالانتعاش، وبالاختلاف.

أفكّر بالإنسان وبلهاثه وراء الاختلاف. سرابٌ خدّاع.

طوني، الموظّف المنتدب من قِبل شركة (نخّال للسياحة والسّفر)، والذي استقبلنا فور خروجنا من مطار Dalaman يستمرّ يثرثر، لا يتوقف عن الكلام، وعن ذكر مواصفات المدينة السياحية، وعن كمّ السّياح الهائل من الأجانب، يقصدونها كلّ عام لتمايزها، أما عن النشاطات الترفيهيّة، فيشير إلى اجتماع في صباح يوم الغد، عند التاسعة تماماً:

ـ نفصّل عندها كلّ شيء ـ يقول ـ لا تقلقوا، أنا هنا في خدمتكم.
Page 4
الصبي إلى جواري لا يهدأ، في كلّ مرّة ينهض متجهاً إلى أمّه يحدّثها، أو يطرح عليها سؤالاً، أو يطلب إذناً لأمر ما ينوي فعله، تصرفه عنها متلهية بالصبي الآخر الذي تناغيه في حضنها.

يعود إلى مقعده، يعاود الحراك، أنتبهُ إلى أنّ عليّ ألّا أنزعج، وأن أفكِّر في جمال الأطفال بالمقابل، وفي انطلاقهم، وفي تحرّرهم من قيودي، وفي الشوق الذي عاش في صدري حيالهم زمناً ثمّ انطفأ، لا في أيّ شيء آخر.

ولكن هل انطفأ شوق الأمومة في ذاتي حقّاً؟ في زمن ما، في وقت مضى، كان الألم ينهشني في كلّ مرّة تعاودني الدّورة الشهرية، أكل روحي الألم، وفتّتها مرّات ومرّات. أستمرُّ خلال الفترة التي تتوسط الزمن الفاصل بين دورة وأخرى أحرص على مضاجعة حيّان بانتظام وبدقّة، وبحسابات لا تعرف الخطأ ولا التساهل، حتى حين كان يبدو أحياناً متعباً أو متململاً، كنت أتحايل عليه، أتزين وأنتقي العطور المثيرة التي يحبّها، أحياناً أشتري Baby Doll جديدة مثيرة أستحث همته، أفعل ما عليّ فعله، نقوم باللازم، وبعد ذلك أنتظر بقلق.

وهو، في السنوات الأولى من الزواج، لم يكن ينقصه الحماس، بمجرّد أن ألوِّح له كان يستجيب، كامل الرّجولة، كامل الفحولة، هكذا كنت أجده، أو هكذا صوّر لي ذاته، بعدها كرّت السّنوات، الواحدة تلو الأخرى، الشهر فيها ينطح الآخر، ودورتي على انتظامها، لا تقدّم ولا تؤخر، تأتيني كلّ ثلاثين يوماً، تتدفّق دمائي بحرارة، ويتدفق ألمي وخيبتي، وإحساسي بالخذلان، وبالغضب المكتوم. ونادية تهدئني.

أسأل نفسي المرّة تلو الأخرى فيم أنا مقصّرة؟ فيمَ يقصّر هو؟ أسأل الأطباء، وأشتري المجلات التي تتحدّث عن العلاقات الزوجية، تشرّح وتفصِّل أصولها ووضعياتها لأتأكد أنّ كلّ ما يجب فعله، أفعله، ويفعله زوجي، وأكثر من ذلك كنت أحبّ زوجي، وأغرق بحبه، وأحسّ أحياناً أنني أذوب بين ذراعيه إذ يحتضنني، وأن روحي تتعالى وتتخبّط بين جدران صدري إذ أبلغ سعادتي.

مطحنة الأيّام آلة شيطانية.

البولمن يسلك الآن الطريق المستوية، بعد أن انتهى من كلّ الطرقات المنحدرة الكثيرة المنعطفات، ودخل فعلياً أرض المدينة. المندوب يعلن:

ـ نحن الآن في منطقة المارينا، متنزه كلّ السّياح.

إذا أحببتم نقوم معاً عند الحادية عشرة ليلاً باستكشافها، لكن الآن لا بدَّ من إيصالكم إلى فنادقكم.

ترتفع الأصوات مرحِّبة بالكلام.

[3]

مجموعات الركّاب تبدأ بالنزول تِباعاً في الفنادق المترامية على طول الشاطئ.

ربّما كنتُ الأخيرة التي غادرتِ البولمن مع زوجين شابين، حجز لي حيّان غرفة في فندق Grand Azur ، ونبهني أكثر من مرّة إلى كونه فندقاً ذا خمسة نجوم، كأنه يمنّني، لم أُبالِ، أمورٌ كثيرة ما عدتُ أعبأ بها، أكتفي بهزّ رأسي، وبالصّمت ملاذاً آمناً من النقاشات الفائرة التي بات يُغرقني بها. أهرب إذ أسمع صوته يتعالى، أتظاهر أني لم أعد أسمع، سمعي خفيف.

الغرفة التي نزلتُ فيها لطيفة مريحة، الشراشف نظيفة، وهو أمرٌ أحرص عليه دائماً: نظافة الغرفة، وإزالة كلّ ما يفسد صفاءَها، وتلميع كلّ ما فيها كأنّي ألمّع حياتي وأجلوها، لكنني أجدها أبداً ملأى بالبقع من كل نوع ولون.

مشهد الحديقة الذي أطلّ عليه من الشرفة الصّغيرة أنيقٌ جميل، نخيلٌ وورودٌ وأعشاب.
Page 5
أقضي وقتاً أرتّب أشيائي، أسوّي بعض الـ تي شرت التي ابتعتها خِصيصاً لهذه الرّحلة، أجعلها فوق السّروايل الملائمة لكلّ منها. أعلّق الفساتين التي حملتها معي.

أضع فرشاة الأسنان والمعجون، والمشط في الحمام، أتحمس قليلاً عند رؤية المرآة المتسعة التي تعكس نظافة البورسلين والبانيو، أنظر وجهي في المرآة:

ـ لا بأس به، بعد كلّ ما كان.

أحادث نفسي، وألوي شفتيَّ.

أتمدّد على السّرير المرتّب، أنظر إلى السقف والسّتائر، أرفع ساقيَّ في الهواء، أحرّكمها بشكل نصف دائري، تمرين أتقنه منذ الصّغر، أحياناً حيّان ينهرني حين يراني أفعل ذلك:

ـ كأنك مازلت صغيرة، ألا تنظرين إلى وجهك في المرآة؟

ـ أنظره، ولا أجد آثارك عليه.

أجيبه في داخلي، لا يغادر الصّوت شفتيَّ.

أستمر في تحريك ساقيَّ.

أدندن بأغنية أُم كلثوم التي مازلت أفضلها على ما عداها «يا حبيبي يا عبير الشّوق يا حبيبي».

أفكّر بأن حيّان لم يفلح بقتل كلّ ما فيَّ، الحبّ كلّه، والشوق كلّه.

سأحاول أن أبعد طيفه عن رأسي، لا أريد أن أفكِّر فيه بعد الآن. ماذا يفعل؟ أين يذهب؟ من يلتقي؟ فليذهب إلى الجحيم، لا بأس.

أنظر ساعتي:

ـ الثّامنة إلّا عشر دقائق.

البوفيه المفتوح الذي يقدّم العشاء يبدأ عند الثّامنة.

ـ Message تصلني عبر الآي فون، صديقتي نادية، تقول: الحمد للَّه على السلامة، استمتعي بإقامتك.

المجنونة، رفضت أن ترافقني، تخاف أن تترك البلدة لئلا يصل يحيى أثناء غيابها. مجنونة حقيقية لا أدري كيف استمرت العلاقة بيننا، فيها ما يزعجني في الآونة الأخيرة.

ـ ربّما كان جنونها هو السّبب؟

ـ ربّما.

أسأل نفسي، وأجيبها، أحياناً تسليني هذه المحادثات.

مع الأيام اكتشفت أنّ بشراً كثراً يحادثون أنفسهم، غالباً ما أقبض على أحدهم، أو على إحداهن تخاطب نفسها أو نفسه بحماسة، بمجرّد أن يشعر الواحد بوجودي، يتنحنح ويصمت، أسرّ إذ أوقن أني لست وحدي وحيدة. أبدّل ملابسي بعد نهوضي عن السرير، أرتدي الفستان الأسود الأنيق الذي يُظهر جمال بشرتي وجسدي، أسوّي شعري، أطمئن: مازلت جذابة أنيقة.

مشاعري تربكني، لا تستقرّ على حال، مازلت حزينة على مسعود، موته آلمني في العمق، تمنيت لو لم أسافر إليه في السّنة الماضية، تمنيت لو لم أقترب منه ومن طيبته، ما كنت انقهرت بالشكل الذي حصل، أخواتي لم يحزنَّ حزني ربّما لأنهنّ لم يرينه منذ زمن بعيد، بعيد، فهو لم يزر لبنان منذ عشرين سنة. وفي الوقت عينه أحسّ خفّة ما، فرحاً صغيراً ينمو في صدري في كلّ لحظة أبتعد فيها عن حيّان.
Page 6
[4]

أفضّل الجلوس في الصّالة المبرّدة، حيث أتناول الطعام بهدوء، أختار طاولة منفردة قريبة من الجدار، أنتقي أنواعاً من السلطة، كوباً من الحساء، أختار الستيك المشوي طبقاً رئيساً، أكتفي بقطعة واحدة متوسطة الحجم، أنتقي قطعاً من البطاطا المقلية المحمّرة، أحبّها رغم الوحدات الحرارية العالية التي تشتمل عليها. أرتب أمامي الأطباق، أجلس، أتأمل طريقة وضعي للصّحون، لن يُفسدها حيّان هذه المرّة، باتَ في الآونة الأخيرة يعيدُ ترتيب كلّ شيء أضعه على طاولة الطّعام، بمجرّد أن يجلس يحرّك الصحون من أماكنها، يُبعد أكواب الماء والشاي التي أنتقيها، ينقل إبريق الشاي، إبريق الحليب الزجاجي الصّغير، لا يدع شيئاً في مكانه، أهدأ بداية، أتظاهر باللامبالاة، بعدها أعيد الأشياء إلى أماكنها، أعيد كلّ شيء، الصّحون والأكواب، وعلبة الخبز، يلوي شفتيه، وينهض بغضب مكتوم.

يتكرر المشهد عند كل وجبة مشتركة، أحياناً يتخلّف عن الطعام إثر نقاش بيننا، لا أبحث الموضوع معه، يبقى معلّقاً، كما علّقت أمور كثيرة.

يا له من هدر! أن ألوك أيّامي كما ألوك قطعة اللحم الآن في فمي، لا أنا أزدردها، ولا أنا أبصقها، حياتي مع حيّان باتت كقطعة السّتيك هذه، مشهدها في الصّحن شهيٌ مُغرٍ، لكنني حين ألوكها لا أتمكّن من ازدرادها بسهولة، تبقى عصية على الابتلاع.

النادل إلى جواري يملأ كوب الماء الذي فرغ دون أن أحسّ، أبتسم له:

ـ شكراً.

يبتسم بسخاء حانياً رأسه بتهذيب.

أي غبطة أن تجد من يعطيك دونما سؤال، قلّ العطاء في الحياة، لربما لذلك ينعدم الفرح.

حيّان ما عاد يعرف اللطف ولا اللياقة، قسوته تستحيل شجرة فارعة ذات أغصان لا يسهل تجاوزها.

لا يستحي الرّجل أن يحدّثني أحياناً عن بعض التفاصيل التي تحرجني، يجرح مشاعري ببساطة قاتلة، يخبرني مثلاً بأنّ زوجة صديقه قد وضعت مولوداً جديداً، ذكراً، كالذي أحلم به ـ يقول ـ أنت تعرفين طبعاً، ويكمل:

ـ أحضر حلوينة اليوم إلى المكتب احتفالاً.

يصمت بلؤم، ويبقى ينظر إليّ، أكتفي بالصّمت، أحياناً أغلق أذنيّ، وأغادر غرفة النوم حيث يحلو له الاسترسال بالكلام، ازدادت قسوته حدّة حين رحت أنقل له بعض ما يُقال عنه، أستفسر:

ـ هل هو فعلاً أكبر مُرتشٍ عرفته الدّوائر العقارية، واحد من الديناصورات التي تعرقل كلّ صغيرة وكبيرة حتى تتقاضى المعلوم؟

أسأله والاتهام يقفز من عينيّ، يسخر مني ومن عقلي المتخلف:

ـ ربّة الشرف والعفاف.

البارحة، وقبل مجيئي إلى هذا المكان الجميل، حلمتُ أنني أركب باصاً طويلاً عريضاً فاخراً، مقاعده جلدية أنيقة، كانت نادية صديقتي الحميمة التي تعرف كلّ أسراري معي، وقد جلسنا على المقعدين الأماميين، امرأة متنمّرة تجلس في الخلف، تنظر إلينا بعدائية لا مبررة، لم يكن ثمّة سائق لذاك الباص، قامت نادية من مكانها، راحت تحدّثني، حرّكت يدها لا أدري كيف، سمعنا صوتاً كأنه هدير محرّك، فإذا بالباص يندفع إلى الأمام ببطء بداية، وبسرعة لا تحدّ بعد ذلك. تنامى الذّعر في داخلي، إذ لا سائق لذلك الباص اللعين.

رحت أصرخ بنادية لتوقفه، وقلبي يخفق بشدّة، يرتجّ في صدري، ونادية بدت لامبالية، لا تستمع، تبتسم ببلاهة فقط، إذ علا صوت المرأة الجالسة في الخلف، راحت تضحك، ويهدر صوتها، وأنا أصرخ ولا أحد يسمع صوتي، ولا وجيب قلبي، والباص يعدو وينطلق بسرعة مجنونة، والأفق ينفتح أمامي على فراغ هائل يبتلعني، والهواء العاصف يصفر في كلّ اتجاه.

أزعجني المنام، خفت أن أركب الطائرة التي أقلّتني إلى هذا المكان؟ حين أخبرت حيّان بما رأيت، ضحك باستمتاع ما بعده، ثم قال لي:

ـ أنظري يا فاطمة، ها هو الباص الذي سيحملك إلى محبوبتك جهنم التي تنذرينني دائماً بها، انبسطي يا ستي لقد وصل.

انصرفتُ عنه. يتحوّل الشرّ إنساناً يحادثك!

مرّت الرّحلة بسلام، أستذكر حلمي الآن، أفكِّر بأنّ حياتي وحيّان ربّما تكون ذلك الباص الذي لا يريد أن يتوقف، أم أنا من لم يتخذ قرار إيقافه بعد!

أبتلع اللقمة بصعوبة، أشرب الماء مجدداً، أبعد معقدي عن طاولة الطعام، ثم أسير إلى الأمام.
Page 7
[5]

أتمشّى خارج صالة الطّعام، أخرج إلى حديقة الفندق.

تنسيق وأشجارٌ وزهورٌ وتنوّعٌ، طاولاتٌ وكراسٍ متفرقة، أناسٌ من جنسيات مختلفة يتوزّعون المكان، يجلس بعضهم في مجموعات، بعضهم يجلسُ بشكل ثنائي، ثمّة فرقة موسيقية محدودة العدد تحتلّ زاوية مرصوفة ببلاط ملوّن جُعل على شكل مربّع متوسّط الحجم، موسيقى ناعمة مختلفة النغمات تهيمن في الأجواء.

أدور في الناحية أستكشفها، أجد طريقاً ضيقاً بين الشجر الملتف، أسلكه، ينتهي بي إلى سور يحيط بالحديقة، بوابة صغيرة مفتوحة على الطريق العام، والطريق العام ينفتح على مياه بحر إيجه، وكأنّه ينفتح على الدنيا بأسرها، أقف مبهورة، تسعدني المفاجأة، هكذا، مسافة قصيرة وينقلب المشهد!

بشرٌ من جنسيّات مختلفة، اللكنات تختلط، الأصوات تتعالى مرحة، أتذكر قول المتنبي:

«ملاعبُ جِنّة لو سار فيها

سليمان لسار بترجمان»

أبتسم لذاتي لأني تذكرت الكلام، أو لعليّ أبتسم لأن الكل يبدو كذلك، تصميم إنسانيّ على الفرح وعلى الإنطلاق، الإرادة البشرية يُقال، أتأمل الملابس الملوّنة الخفيفة، الأحذية البسيطة في الأقدام، الصنادل، المشايات، الحلقات المعدنية في بعض الآذان والأنوف، الشّعور المسترسلة، والأخرى الملونة ألواناً فاقعة، أفكِّر بأنّ الأجانب ههنا قد كسروا القيود، لا يظهرون إلّا بما يفكرون، قناعاتهم تبدو على مشهديتهم، (لا يشبهوننا)، أقول في ذاتي.

أنطلق، أجد نفسي أسير وأسير، أتلفّت حولي، أذوب في الجموع السّائرة بعد وقت، أتقدّم أكثر، فأحسّ بالعدد يكبر حولي، أذوب أكثر، يتسرّب إليَّ منهم إحساسٌ ما بالتحرر، بالرّاحة، أحسّ بأن جسدي قد أصبح فجأة أكثر خفّة وسرعة، أفيضُ نشاطاً.

عن يساري مَقاهٍ لا حصر لها ولا عدّ، مقاهٍ ذات نكهات متعدّدة، بعضها هادئ، والآخر صاخب، بعضها ينير مئات اللمبات الكهربائية، الآخر خافت الإضاءة وضع العاملون فيها على كلّ طاولة شمعة يتلاعب ضوؤها.

كلّها تقدّم عروضات راقصة، احتفالية، تغصّ بالرّواد، يقف نادلان أمام كلّ مقهى تقريباً، يدعوانك بابتسام إلى الدّخول، أبتسم لبعضهم، أهرب بعينيّ من البعض الآخر، يحرجني الإلحاح.

أنحاز ناحية اليمين، مياه البحر تناديني، تلتمع في ضوء النجوم، ساحرة، الأمواج خفيفة كسلى، تضربُ الحصى على الشاطئ بنعومة فائقة، كأنها تقبّله، تتقدّم من السائرين ثمّ تتراخى بسرعة، أنثى ناعسة لا تريد مغادرة السّرير.

تغريني المياه، لكنّ العتمة البعيدة تُثير الخوف في ذاتي، أفضل السباحة في النهار، في عزّ الضوء، الوضوح حاجة مُلحّة لي، أحبّ أن أرى كلّ ما يحيط بي جيّداً، العتمة تُرعبني.

سأنتظر الصّباح، الآن عليّ أن أتابع السير الخفيف، خطوي سريع رشيق، شيءٌ ما طريفٌ يسترعي انتباهي، أتوقف لحظة أتأمل، لحظات، أسير، أسلكُ طريقاً حافلاً بالحياة، لا يشبه حياتي الأخرى، في المقلب الآخر. لا أريد أن أتوقف.

أحبّ شعور الذّوبان في ذاتي، كلّ شيء في داخلها يتفكك، ينحلّ، يتحرّر قلبي قليلاً من ألمه، أربت عليه، أحثّ خطاي أكثر، قدماي تهرولان، جسدي تزداد خفته ورهافته، أؤمن بنحافتي فجأة، أخاف من اندفاعي قليلاً، لكنّ الفرح يبدأ يغزو نفسي المتعبة، هرولتي تتحوّل ركضاً، مقاهي الحياة تتوالى أمام ناظري، الرّكض يحفّزني، ينعشني، هواء الليل النّاعم يتغلغل في خياشيمي، في رئتي، في صدري، يتغلغل حتى في أصابع قدميَّ.
Page 8
[6]

العاشرة صباحاً، ينزلق جسدي في المياه، برودة مرعبة تسري في جسدي، عضلات ساقيّ مازالت متصلّبة من هرولة الليلة الفائتة، بقيت أسير وأركض حتى الثانية عشرة ليلاً.

راقبت السّفن والناس في هذه المدينة الجميلة، تأملت الوجوه والأجساد التي لوحتها أشعة الشمس، بعضها بدا كالفرّوج المحمّر، يعبّ أصحابها الشمس بنهم، يختزنون قسطاً يحفظونه لبلاد باردة يعودون إليها.

عدت على المارينا مجرّد صبيّة فتية مغسولة بالنّشاط وبالاندفاع، أعدو بين الجموع التي لم تكن تعبأ بي، محصول الحداثة الأهم، بشرٌ تقوقعوا على ذواتهم، اهتمامنا افتراضي، تواصلنا افتراضي، وربّما بات وجودنا فيما بعد كذلك.

نُمت بعمق البارحة، تصالحت مع جسدي الذي تمرّد عليّ طويلاً في الآونة الأخيرة، أحّ المياه باردة للغاية، رغم الأشعة التي تتلألأ عليها، تغمرني مياه زرقاء صافية نظيفة، من خلالها ألمح الأسماك الصّغيرة التي تحاول الاقتراب بنعومة من قدميّ، المياه شفافة بلوريّة، الحمد للَّه أنّ أجساد البشر ورؤوسهم ليست كذلك، كارثة فعلية لو كانت، جسدي يكاد يتجمّد، المياه في بحر بلادي أكثر دفئاً ونعومة، لكنها قذرة، في الآونة الأخيرة راحت أكياس النفايات والفضلات تطفو على السطح، بتُّ أنفرُ من السباحة فيها، أفكِّر بأنّ كلّ قذاراتنا قد طفت على السطح، ما عدنا نسعى لإخفاء شيء، مات حياؤنا، أحرّك ذراعيَّ بقوّة، قدماي تضربان المياه، يتخلصان من ثقلهما بالتدريج، أندفع تماماً إلى الأمام، خفتي تصبح واقعاً مهيمناً، أتقدّم ببطء، لكن بثبات، أشقّ المياه، أستعذب البرودة، تستحيل انتعاشاً مع حركة جسدي وتقدّمه، أشقّ المياه كما شققتُ طريق حياتي مع حيّان بإصرار وبتصميم، اكتشفت فيما بعد حماقتي، سخفٌ لا معنى له كان ذاك الإصرار، تقضي حياتك تتناول دواء معتقداً بقدرته على شفائك، بعد ذلك تؤمن أنّه سبب علتك، يداي تضربان المياه المتدفقة بقوة كأنما أضرب كلّ الماضي الذي كان، أبعده من أمامي، أتقدّم لا أدري إلى أين، أصل إلى الحدّ الفاصل، لكنني لا أتوقف.

يندفع رأسي داخل المياه وخارجها، ومعه تندفع صورة نادية إلى رأسي بقوّة، أتذكر سباقنا في مياه الحمام العسكري، في مسبح السّاندزروك في منطقة الرّميلة، نادية تضحك بعذوبة، أسنانها اللؤلؤية تتراقص، أقول لها:

ـ أجمل ما فيك ابتسامتك، اضحكي.

ترميني بكميات متتالية من المياه، نضحك من قلبينا.

الحمقاء رفضت أن تأتي معي، الحمقاء التي لا تملّ الانتظار.

أغضب منها كثيراً، أشتمها، ألعن سلبيتها.

وانتظارها الغبي ليحيى، تنتظره منذ عشرين سنة، تؤمن بعودته من كندا ليتزوجها، ويجعلها عروسه؟؟ ترفض أن تصدّق ما قاله أخوه عماد من أن يحيى خلص:

ـ قد تزوّج هناك صبيّة من الجنوب، صحيح أنها مطلقة، لكن لا أولاد عندها، ومعها الجنسية، تعرف هذه مسألة هامّة، والدّنيا في نهاية الأمر قدرٌ ونصيب، نصيبه في غير منزلكم.

لا تصدّق الحكاية، ولا تصدّق أن نصيبه في غير منزلهم الذي استضافه أيّاماً وليالي، يأكل ويشرب وينام على ذراعيها بدعوى أنّها زوجته؛

ـ أنت زوجتي أمام اللَّه والناس أجمعين.

لا تصغي جيّداً لوالدها لا تعود تسمعه، هو لم يحبّ يحيى منذ البداية، لم يستطع أن يحبّه مذ رآه، لم يستملح عينيه الزرقاوين، قال إن فيهما خبثاً لا يخفى على عاقل.
Page 9
ـ فيهما غشّ، لا يلائمنا، ليس من طينتنا.

وهي تذوب من نظرة عينيه الزّرقاوين، تعشق التراب الذي يسير عليه، وتقبّل يديه في كلّ مرّة يضمّها بين ذراعيه لا تصدّق ما يحصل إذ يتقدّم لخطبتها، تقول لي:

ـ اقرصيني، لا أصدق.

تقف، وتزغرد طويلاً بين زميلاتها في المدرسة، تحمل لهن الحلوى ثلاثة أيام متواصلة.

بعد الحادثة أصابتها الحمى، ودخلت المستشفى، بقيت أسبوعاً، خرجت ذاهلة، كلّ شيء يضحكها، كلّ شيء يبكيها.

في ساعات الفراغ، تبقى تنظر إلى الكلمات بين السّطور، قلمها لا يتحرّك، أتركها حيناً، ربع ساعة، نصف ساعة، قلمها جامد، وبصرها يحدّق في الفراغ، أقترب منها، يدي تربّت كتفها برقة:

ـ ها، أين أصبحت؟

ـ لو يأتي فقط، أسأله أما كان ذاك حقيقيّاً؟

أحتضنها خفيفاً:

ـ تعالي نشرب القهوة.

ـ كان يحبّها مُرّة.

أقول، والحنق يخنقني:

ـ طظّ، انهضي، تجلسين كالبلهاء، يه، ما بك؟

تدمع عيناها، أشفق من قسوتي، أقول لها:

ـ لا رجل في الدنيا يستحقّ دمعة.

ـ أنظروا من يتكلم.

خدرٌ في عضلات جسدي، أنقلب على ظهري، أستردّ أنفاسي، أنظرُ السّماء الصّافية، صدري يعلو ويهبط لكن باستكانة، خدر السّباحة اللذيذ يتمدد في كلّ عضلاتي، ذراعي، ساقيّ، ظهري، عنقي، السّباحة رياضة عظيمة. مَسام جلدي تتراخى، تتفتح، تشتدّ، أستطعم جسدي، يختلفُ مذاقه بعد هذه السّباحة المتواصلة.

من عام تغيّرت نادية باتت ترفض السباحة معي، وترفض ارتداء المايوه.
Page 10
[7]

كنتُ قد شارفتُ على إنهاء عشائي حين اقتربتْ من طاولتي؛ لا تحمل صحناً في يدها:

ـ بإمكاني مشاركتك الجلسة؟

أبتسم لها:

ـ طبعاً، تفضّلي.

ـ مظبوط إذاً، أنتِ لبنانية؟!

ـ نعم، أنا كذلك.

سحبت الكرسي بقوّة، ألقت بثقلها عليه، وجهها احتلَّ الجلسة وحاصرني.

ـ محسوبتك تريز، لا يمكن لعيني أن تخطئ أعرفُ ذلك.

منذُ لمحتك قلت لجوزيف إنّها لبنانية، عيني لا تخطئ أبداً، أعرفُ اللبنانيين من بين ملايين البشر، جماعة class وحلوين متلك، بسّ مضى عليك يومان وأنت تجلسين وحدَك في هذه الزاوية، كأنك معاقبة، هل تُعاقبين نَفسك؟

لا، لا تفعلين، أنت وحدك ههنا؟... وتلبسين الأسود، منذ رأيتك، لائق عليك، كنت تلبسينه أليس كذلك؟ أرملة طازجة، هاهاها، عفواً، أقصد هل فقدت زوجك حديثاً؟ لا، الحمد للَّه، لا ليس زوجك، لكنك في فترة حداد؟ أجل، أجل، هذا واضح، وجهك يبدو class لكنه حزين، حزين رغم أنك تبتسمين لي الآن، أبوك؟ أمك؟ لا، إنّه أخوك. موجِـع، إنّه موتٌ موجع، صغيرٌ أم كبير؟ في الثامنة والأربعين، يا حرام، شبّ. أين مات في لبنان؟ أين تقولين؟ في أميركا، نيّاله، كان يعيش هناك. يا ليتني أموت في أميركا، أكيد الموت هناك له نكهة أخرى، ولكن ما لنا ولحديث الموت؟ أنا انتقلت إلى طاولتك لنتسلى قليلاً، لا لنحزن ونغتمّ. جوزيف، يقبر قلبي، يحبّ لعب طاولة النرد، وجد أحمق مثله يشاركه هذه الهواية، لا أطيقها بصراحة، يقرقع صوت أحجارها في رأسي، لكنني أحترمُها، أحترمها كثيراً لأنها تريحني منه بين فترةٍ وأخرى، الرجال لا يُطاقون أحياناً، يجب أن نرتاح. نحن النساء، منهم قليلاً، لِمَ لانزال نجلس هنا؟

نسيت، قلتُ في نفسي اخرجي معها إلى الحديقة الجميلة، تغيير جوّ، نجلس هناك، انظري تلك الطاولة فارغة من الزبائن، تعالي تعالي، سنتسلى، لكن علينا أن نحمل معنا صحني Dessert هناك، ترين تلك الطاولة المستطيلة، عليها أنواع حلويات هائلة، يعجبني هذا الأوتيل، ماذا لا تحبين الحلوى؟ تفضلين الفاكهة؟ لا بأس، خذي راحتك، أنا أفضّل الحلوى، يايّ كم أحبّ Tarte والقطايف Tiramisu ، وما هذا كاتو؟ أحبّه كذلك، وقطعة صغيرة من Cheese cake ، عال عال، اخترتِ فاكهتك، لا، لا، لم تعجبيني أبداً، لا تأكلين بشهية، فقط تفاحة وخصلة عنب؟ تخافين من البدانة؟ زوجك يحبّك نحيلة؟ على كلّ اسم اللَّه عليك نحيلة أم سمينة، أنت جميلة. ها ما رأيك بالجلسة ههنا؟ أليست أفضل من جلستك الأولى؟ بلى، أكيد، أكيد، وجهك الآن أكثر إشراقاً، لم تقولي بعد أنت هنا تستجمين ها؟... نعم، نعم برا؟و، وأنا كذلك، أحبّ المرأة التي تدلل نفسها، لكنني كذلك أعمل، لا أكتفي بالاستجمام I’m a business woman عندي محلّ للملابس الجاهزة، مرَّ عليَّ أسبوع وأنا أنتقل من محل إلى محلّ كان يجب أن أقصد استانبول، هناك محلات الجملة واللقطات، لكنني قلت نقصد مارماريس أضرب عصفورين بحجر واحد. ماذا؟ لا، لا، أشتريها جميعاً من هنا، هذه البضاعة لها زبائنها، أشتري كمّاً منها في الـ Sale لزبائن بأعينهم، وأشتري البعض الآخر من مصانع في بيروت، والضاحية، تعرفينها، هناك اليد العاملة رخيصة، وكل شيء رخيص، وفي هناك ناس لا بأس بهم، أجل، لا بأس بهم، بعضهم أصحابي، على كلّ وهذا سرّ لا أقوله لأيّ كان نحن من يقوم فيما بعد بإلصاق mark عليها، واحدة تركية، واحدة مغربية وأحياناً أقول إيطالية، وذلك للبضاعة النّظيفة، في طبعاً، نعم، نعم، لا تستغربي، ونحن نراعي بذلك نفسيات زبائننا حبيبتي، أنت تعرفين طبعاً أن اللبنانيين يموتون بالماركات، غرامهم في الواقع، يحبّون كلّ ما هو أجنبي، كلّ فرنجي عندهم برنجي، هاهاها، يرتاحون كذلك، وأنا أريد إراحتهم. عن ماذا تسألين؟ تسألين عن محلّي؟ متى فتحته؟ لا، ليس منذ زمن بعيد، منذ عشر سنوات فقط نعم، نعم في منطقة الأشرفية، ما بدّو مين يقلك، ماذا كنت أعمل قبل ذلك، كنت معلّمة، أعلِّم الفرنسية في مدرسة خاصّة، أُعلِّم الأولاد الصِّغار، يعني المرحلة الابتدائية: وجع قلب ووجع رقبة وراس ومفاصل، واللي بيعجبك، وفوق ذلك أتقاضى راتباً سخيفاً، لا يكفيني حتى منتصف الشّهر، ما كلّه غالي ببلدنا، حبيبتي، كلّه غالي إلّا البني آدم رخيص، بلد للسَّارقين والحرامية، وليس للأوادم، الآدمي بياكلها بالعتيقة، أكيد، أكيد، التجارة أفضل من التعليم، يه، طبعاً، هذا سؤال يُسأل حبيبتي؟ ولو، كلك نظر. ما في نسبة، التعليم مهنة بائرة، ها أنت كذلك معلّمة، كنتِ؟ لا يبدو عليك، لا أعرف، لكن لا يبدو عليك، المهم، التجارة أفضل صدقيني، مليون بالمية، أصلاً نحنا بلد تجارة وخدمات، بالدم يعني، واسألي من تريدين، واقرأي التاريخ والجغرافيا كذلك، على فكرة أنا أحبّ التاريخ، تسليني قراءته، ولاسيما قراءة الأمجاد، وبلدنا حافل بها، اسأليني، الآن لم أعد أقرأ شيئاً، اكتفيت، فقط بتّ أقرأ الأقمشة والأسعار، وعيون البشر. تعرفين العيون هي السرّ وهي المفتاح. من عيني الزبونة أعرف إن كانت ستشتري، أم أنّها تحاول تفحّص البضاعة فقط، ومن رقصة أجفانها أدرك إذا ناسبها السّعر، أم وجدته مرتفعاً، ومتى لاحظت أنّها مليانة وجلدها يحتمل أسلخها عندها بالسّعر، وأسلخ جلدها، وجلد اللّي خلفوها، لا، لا مش حرام هذه تجارة وشطارة.