eKtab
EN ع
حياة اسبينوزا - من الطائفة إلى الدولة
Read free sample

حياة اسبينوزا - من الطائفة إلى الدولة

by د. عبد القادر الجموسي

Page 1
تقديم
 
إن فلسفة باروخ سبينوزا عبارة عن مشروع معرفي، يسعى إلى تقديم قراءة شاملة للوجود، قراءة تنطلق من إيمان راسخ بقدرة العقل الإنساني على فهم نظام الطبيعة الشامل. لكن هذا الطموح المعرفي العقلاني أثار من حول الفيلسوف جدلاً واسعاً، دفع بالعديد من قرائه إلى اتهامه بتعليم الإلحاد، فيما اعتبره آخرون، ويا للمفارقة! فيلسوفاً منتشياً بحب الله. وتكاد تكون النقطة التي لا يختلف حولها الدارسون، على مدى تعاقب الأزمنة، هي سمة العمق والتعقيد التي تميز طروحات سبينوزا ورؤيته للعالم، التي ما تزال تثير الأسئلة وتعدد التأويلات. وهي السمة نفسها التي دفعت بأقرب أصدقائه ومحاوريه، أثناء حياته، إلى التعبير عن دقة موضوعاته، فكانوا يلحون عليه لتقديم المزيد من الإيضاحات؛ لتسليط الضوء على آرائه ونظرياته الفلسفية المستجدة. وفي تقديري الشخصي، فإن الأسباب التي جعلت أعمال هذا الفيلسوف العظيم تتسم بالغموض وتستعصي على الفهم تعود إلى اعتبارات عدة نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: أولاً: اختياره للمنهج الهندسي في عرض أفكاره ومعالجة إشكالاته الفلسفية، ثانياً: انطلاق قرائه من أحكام عقائدية وإيديولوجية مسبقة تعوق إدراكهم لأفكاره في سياقها وأفقها المعرفي الجديد، ثالثاً: اقتصار معاصريه على نصوص محددة، مما جعل قراءتهم تكون مجزأة ولا تلم بمبادىء ومقاصدها فلسفته في نسقها وشموليتها، رابعاً: اختلاف السياقات التي ارتبطت بها فلسفته من سياق ديني واسكولائي ودكارتي وسياسي. أما اليوم، فتبدو المسافة النقدية مع مشروع سبينوزا الفلسفي ملائمة، لإعطاء فكرة أوضح عن الفيلسوف وحجم إسهامه في تاريخ الفكر الفلسفي الإنساني. وما هذه السيرة التي أقدمها بين يدي القارىء العربي سوى محاولة لرسم صورة حية للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، أتتبع فيها أطوار مساره الفلسفي فيعلاقتها مع حياته الشخصية، وذلك على قاعدة أن سيرة حياة أي فليسوف هي بمثابة مفتاح لولوج عالمه واستقبال أفكاره ونظرياته. ولعل القارىء يتبين في هذه السيرة مصدر نشوء العديد من أفكار سبينوزا، من رحم تفاعله وسجالاته مع رجالات عصره، من علماء وفلاسفة أمثال كريستيان هيجنز وروبرت بويل وليبنز.
 
ابتدأت فكرة الكتابة عن سبينوزا منذ سنوات إقامتي بمدينة لاهاي (1995-2001)، حيث اكتشفت هذا الفيلسوف الهولندي الكبير، الذي حول مسار الفكر الفلسفي الإنساني برمته، مما جعل فيلسوفاً مثل هيغل يقول عنه إما أن يكون المرء سبينوزيا أو لا يكون فيلسوفاً على الإطلاق. وما ساعدني على الاقتراب من عالم الفلسفة السبينوزية هو انخراطي بخزانة مدينة ليدن العريقة، التي مكنتني من الاطلاع على ذخائر من المخطوطات والمراجع من مختلف اللغات. وكنت في كل مرحلة من مراحل اكتشافي لعالم سبينوزا أزداد دهشة وفضولاً لبذل المزيد من الجهد لفهم مقاصده، التي لم تكن تخلو من تعقيد ودقة اعترف بها حتى المتخصصون في فلسفته. وتدريجياً وجدتني أقرأ أعماله الكاملة ورسائله وسير حياته المتاحة، متمحصاً ومدققاً ومقارنا. وكم كانت دهشتي أكبر وأنا أكتشف المفارقات الكبرى والمواقف المتضاربة التي أثارتها حياة هذه الفيلسوف وأفكاره، مما جعله أقرب إلى الأسطورة. ولم أجد بداً من التخلي عن فصول كاملة ألفتها عن فلسفته، والتركيز على سيرة حياته في محاولة مني لتقديم، لربما بشكل غير مسبوق في العربية، صورة حية للفيلسوف أتابع فيها أطوار مساره الفكري والفلسفي، في علاقته المتوترة والمتشعبة مع سيرة حياته الشخصية والعائلية، ومدى تفاعله مع تيار عصره، وتجاذبات المحيط الاجتماعي والثقافي والسياسي لبلده هولندا على وجه الخصوص، وأوروبا بوجه عام. ووفقاً لهذا الاختيار، دأبنا على رسم، بأكبر دقة ممكنة، لأهم المحطات التي أثرت في اختيارات الفيلسوف ومواقفه من حياة الطائفة التي احتضنته فانشق عنها، ومن سياسة بلده ومنظومتها الفكرية، التي ساهم في تطويرها، من خلال التنظير الفلسفي والانخراط في حركات المجتمع المدني الطلائعي، والمشاركة في الجدل العام الذي نشطت فيه العديد من الجمعيات المدنية والدينية، التواقة للتحرر من رواسب الفكر القروسطي والمدرسي العتيق. وقد عمدنا في كتابة هذه السيرة إلى تحري أسلوب جديد في رصد مسار حياة الفيلسوف، أسلوب مقارن وهادىء ينأى عن مجمل الصيغ الإنشائية المتحمسة، التي قد تمجد الشخص أو تسعى إلى التشهير به. ولا يفوتني، بهذه المناسبة، أن أنوه بالمجهود الخاص الذي بذلته شريكة حياتي، وحيد منى، في قراءة مسوداتي ومراجعتها وتصويب ما انحرف منها. ولها، عاشقة الفلسفة، أهدي هذا العمل.
 
 
 
عبد القادر الجموسي
 
لندن: أبريل 2008
Page 2
 سقوط غرناطة (1492)
 
ينحدر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677) من عائلة يهودية نزحت من شبه الجزيرة الإيبيرية، إثر نهاية الحكم العربي بإسبانيا وبداية حكومة فرناندو الكاثوليكي والملكة إيزابيلا. بسقوط مملكة غرناطة عام 1492، انتهى عهد التعايش إبان حكم المسلمين بالأندلس، حيث كان اليهود ينعمون بحماية أمراء الممالك العربية، ويعيشون حالة اندماج وتفاعل أقر بها المؤرخون والدبلوماسيون والرحالة، الذين كانوا يزورون شبه الجزيرة الإيبيبرية آنذاك. بل وأكثر من ذلك، شارك اليهود في مختلف مناحي الحياة بالأندلس، وساهم علماؤهم في عملية الإحياء الكبرى لفلسفة أرسطو التي قادها الشارح الأكبر، أبو الوليد ابن رشد (1126-1198) ومن بعده موسى بن ميمون (1135-1204) اللذان شكلا، مع العديد من المفكرين والعلماء، العلامة البارزة لحقبة أساسية عرفت حركة نهضة ثقافية مهمة لا يزال يشار إليها بالعصر الذهبي بإسبانيا(1). أصدر ملوك قشتالة وأراغونا، فرناندو الكاثوليكي والملكة إزابيلا، مرسوم الحمراء (13 مارس 1492) الذي يطالب اليهود إما باعتناق المسيحية، في صيغتها الكاثوليكية الأرثوذكسية، أو مغادرة المملكة. أذعن العديد من اليهود للأمر الواقع، فيما اختار البعض الآخر الرحيل، هرباً من سعير محاكم التفتيش الإسبانية، لتحتضنهم بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا. هذا فيما اختارت غالبية اليهود وجهة المملكة البرتغالية المجاورة. إلا أن المقام لن يطيب لهم هناك طويلاً؛ إذ سرعان ما ستبتدع البرتغال صيغتها الخاصة للتنكيل بالوافدين، وذلك في عهد الملك مانويل الأول (عام 1496)، الذي شن حملة تطهيرية ضارية على يهود إسبانيا أو ما كان يعرف بـالمسيحيين الجدد لتشهد حملته فيما بعد مضاعفات أكبر من مثيلتها الإسبانية، وتتسع أشكال الاضطهاد والملاحقة لتطال الفئات المستهدفة حتى في المستعمرات البرتغالية بالبرازيل وكاب فيردي وغوا. على خلفية هذه الأحداث، انتقلت أسرة دي سبينوزا من إسبانيا والبرتغال إلى هولندا، في أواخر القرن السادس عشر. أما عوامل الجذب التي جعلت من أمستردام وجهة مهمة لاحتضان النازحين، فهو ما تميزت به هذه المدينة من ازدهار اقتصادي وسمعة في التسامح واحترام الحريات. يؤرخ الكاتب ماثيو ستيوارت لرحيل عائلة سبينوزا من شبه الجزيرة الإيبيرية، تحديداً بسنة 1590، حيث غادر التاجر إسحاق دي سبينوزا رفقة أخيه أبراهام وأفراد أسرتهما مدينة فيديغويرا البرتغالية، متوجهين إلى مدينة نانت الفرنسية، التي لم تكن بدورها ملاذاً آمناً، حيث تم طرد اليهود منها بقرار رسمي عام 1615. وبعد فترة قصيرة، سيغادر أبراهام فرنسا نحو روتردام، ومنها إلى أمستردام، ليساهم في تأسيس مجمع الجالية اليهودية هناك. وبعد فترة قصيرة سيلتحق به ميكائيل دي سبينوزا، أب الفيلسوف، وهو في سن الثالثة والأربعين من عمره، للزواج من ابنة عمه راشيل، التي ستقضي نحبها بعد سنوات معدودة؛ ليتزوج ثانية من قريبته حنة ديبورا دي سبينوزا، وينجبا مريام وغابريل وباروخ سبينوزا عام 1632. وبعد ست سنوات من ولادة باروخ ستموت أمه ديبورا.
Page 3
أمستردام (1632-1660)
 
أمستردام: مدينة حرة: 
 
عاشت هولندا عصرها الذهبي في النصف الأول من القرن السابع عشر، حيث توافرت لديها عوامل سياسية واقتصادية تضافرت في سياق مرحلة تاريخية ملائمة جعلت من هذا البلد، الحديث العهد بالاستقلال، قوة تجارية عالمية ونموذجاً ثقافياً يضاهي المراكز الثقافية الأوروبية التقليدية، على أكثر من صعيد. ففي هذه المرحلة تمكنت الأراضي الهولندية من التصدي للاستعمار الإسباني، عن طريق تأسيس اتحاد أتريخت (1568) وقدح زناد ثورة العمالات المتحدة، المشهورة بحرب الثمانين سنة، ضد الاستعمار الإسباني، والتي ستنتهي بمعاهدة ويستفاليا (1648) مانحة الاعتراف الدولي الرسمي بالأراضي المنخفضة الهولندية ككيان مستقل. ساعدت الثورة الهولندية على استقطاب الطبقة التجارية الكالفينية، التي هاجرت من المدن الجنوبية بإقليمي الفلاندرز والبرابانت، ونخص بالذكر مدينة بروج وخينت ثم أنفرس، التي كانت تعدّ حينئذ أهم وأنشط ميناء في العالم. كما أفادت العمالات الهولندية بشكل كبير من هجرة يهود إسبانيا والبرتغال الذين جلبوا معهم خبرات متعددة وشبكة كثيفة واسعة النطاق من العلاقات التجارية من شبه الجزيرة الإيبيرية وأمريكا الجنوبية. وقد ساعد على ذلك ما عرف عن الهولنديين من تسامح وتساهل جعل الوافدين الجدد ينخرطون في صيرورة الحركة الاقتصادية المتنامية ويقدمون خبرتهم، المكتسبة سابقاً، من دون قيود أو تمييز قائم على العرق أو الدين. وإلى جانب تطور وعي تجاري على مستوى عال، برز لدى الهولنديين إحساس كبير بقيمة الحرية وممارستها على أرض الواقع الجديد، مما جعلهم محط أنظار غيرهم من الأوروبيين ومبعث دهشتهم وانبهارهم. ولعلنا نجد في كلمة أدلى بها السفير الإنجليزي السير وليام تيمبل في سعبينات القرن السابع عشر، بياناً لذلك حيث قال إنه لأمر لا يكاد يصدق كيف أن كل أشكال العنف والاحتداد التي ترافق عادة الاختلافات الدينية في بلدان أخرى، تبدو مسالمة وطيعة هنا بفضل الحرية العامة التي ينعم بها الجميع في هذا البلد... إن الناس يعيشون هنا كمواطنين للعالم تربطهم روابط الإنسانية المشتركة، في ظل حماية عادلة للقوانين، مع توافر حريات متساوية في التفكير والبحث(2). واللافت للانتباه أن هذا الشعور القومي بالحرية سيتجاوز تدبير الشأن الداخلي ليتخذ شكل مسعى حثيث من لدن الهولنديين لتحقيق الذات على صعيد دولي، عبر المطالبة بالحرية التجارية العالمية والحق في المشاركة في تجارة الهند الشرقية(3)، لتدخل هولندا بذلك عهد التنافسية على الأسواق الآسيوية، ساعدها على ذلك ما حققته من تطور ملحوظ في صناعة السفن الحربية والصناعات البحرية. وفي ارتباط مع العوامل السالفة الذكر، عرفت هولندا تحولاً ثقافياً بارزاً تجسد في تسرب روح النهضة الإيطالية إليها، مما جعلها تشهد بدورها نهضة فكرية وعلمية وفنية، وتطوراً ملحوظاً في مجال الحريات المدنية، أصبحت معه قطباً جاذباً وملاذاً آمناً للفلاسفة والعلماء 
Page 4
 الفارين من الاضطهاد الفكري، بحثاً عن مساحات أرحب من التسامح وحرية التعبير، نذكر منهم على وجه الخصوص مدشن الثورة العلمية الحديثة روني ديكارت الذي سيكون له بالغ الأثر في مختلف الأوساط الأكاديمية والعلمية في هولندا وأوروبا على حد سواء. يقول فؤاد زكريا في هذا الصدد: فالأمر الذي لا شك فيه - والذي شهد به سبينوزا نفسه - إن بلاده كانت، بالقياس إلى غيرها من البلدان في ذلك العصر، تشجع التسامح الديني وحرية الفكر، وإن يكن ذلك التحرر الفكري نسبياً فحسب. وأدى ذلك إلى نهضة علمية وفنية وفلسفية كبيرة. ففي ميدان العلوم، تمت في هولندا كشوف هامة في الطبيعة والفلك والميكانيكا، وكان من معاصري سبينوزا العالم الطبيعي المشهور هيجنز، والعالم البيولوجي الكبير ليفنهويك. أما ميدان الفن فقد اشتهرت المدرسة الهولندية في الرسم، وعلى رأسها رامبرانت الذي رسم لوحة مشهورة لاسبينوزا. وفي ميدان الفلسفة، كانت هولندا هي البلد الذي آوى ديكارت، حيث هاجر من فرنسا. كما كان الفكر الحر، الخارج على التقاليد السياسية والدينية، أمراً مألوفاً، وإن كان المفكرون المتحررون لقوا، رغم ذلك، نصيبهم من الاضطهاد(4). في ظل هذا المناخ المشجع نسبياً، تمكن يهود أمستردام، منذ بداية وصولهم إلى هولندا عام 1590، من الانتظام في شكل جالية منسجمة استطاعت كسب ثقة محيطها المسيحي، والانخراط في دورة الحياة الاقتصادية والتجارية، إلى درجة أنه في أواسط القرن السابع عشر كان أفراد الجالية اليهودية يمتلكون أكثر من 51 في المائة من التجارة الخارجية لأمستردام(5). فاستطاعوا تدريجياً الحصول على اعتراف رسمي بالإقامة (1615)، ثم على الحق في مزاولة الشعائر الدينية بشكل علني (1619). بينما كان عليهم الانتظار إلى حدود سنة 1657 للاعتراف بهم كمواطنين للجمهورية الهولندية(6). على المستوى الديني والتعليمي، عرفت المدرسة التلمودية البرتغالية، التي تعلم فيها باروخ سبينوزا، حظوة كبيرة وسمعة دولية نالت إعجاب كل حاخامات أوروبا الذين قاموا بزيارتها. ومرد ذلك استقطابها لمدرسين على قدر كبير من الأهمية والكفاءة، نخص منهم بالذكر الحاخام الأكبر شاول ليفي مورتيرا الذي ولد في البندقية ودرس الفلسفة والطب على يد الطبيب البرتغالي الشهير باسم دكتور مونتالتو، حيث قضى أربع سنوات ككاتبه الخصوصي في بلاط الملكة ماري دي ميديتشي بفرنسا. وإلى جانب مورتيرا كان هناك مناسى بن إسرائيل الذي يعدّ المؤسس الأول للصحافة العبرية المكتوبة بأمستردام، عام 1926، وهو مؤلف ودبلوماسي معروف بنزوعه المعتدل وانفتاحه على الحياة الفكرية والفنية، كما كانت له صداقات مع رموز النهضة والإبداع في عصره، كالمنظر السياسي والقانوني هوغو غروتيوس، والرسام الشهير رامبرانت. وحسب الكاتب روجر سكراتن، فإنه بتأثير ملحوظ من مناسى بن إسرائيل بدأ سبينوزا يتمثل بقوة الثقافة الهولندية الدنيوية العلمية(7). ولج باروخ سبنوزا المدرسة اليهودية المحلية بأمستردام في سن السابعة من العمر؛ لتعلم اللغة العبرية ودراسة كتب اللاهوت والتقاليد اليهودية وفن التجارة. وحسب كاتب سيرته لوكاس، أظهر الطفل نبوغاً استثنائياً لفت انتباه معلميه شاول ليفي مورتيرا ومناسى بن إسرائيل، اللذين توسما في تلميذهما أملا كبيراً،وكان مبعث فخرهما في المدرسة. تميزت شخصية سبينوزا، في وقت مبكر، بنزوع نحو الاستقلال الفكري أدى به تدريجياً، وهو شاب ما يزال، إلى رفض متابعة الدراسة الثانوية في اللاهوت اليهودي التقليدي، التي كان من شأنها أن تؤهله لمنصب الحاخامية، وذلك رغم إلحاح والده ميكائىل دي سبينوزا، الذي كان متديناً محافظاً يشغل مكانة مهمة في أوساط طائفته، كما في مجلس المجمع اليهودي الذي انتخب لعضويته مرتين. اتجه سبينوزا إلى دراسة فلاسفة اليهود، وعلى رأسهم موسى بن ميمون، لكنه لم يجد في أعمالهم ضالته المعرفية الكافية لتجيب عن قلق أسئلته الوجودية والفكرية الكبرى. فكانت مساءلاته الجريئة مصدر إرباك وإزعاج لمعلميه؛ لما تطرحه من قضايا مستعصية على أي فكر متزمت جامد.
Page 5
 تاجر أمستردام:
 
 في الفترة ما بين 1649-1654 شرع سبينوزا في مزاولة التجارة في شركة أبيه، حيث أبدى كفاءة ملحوظة، فشكلت نشاطاته التجارية ملاذاً تحرر بواسطتها من ضغوطات طائفته الدينية وملاحقاتها، كما تعرف من خلالها على المجتمع التجاري اللبرالي الهولندي المنفتح على العالم الخارجي، فطور في المرحلة نفسها علاقات وصداقات مع نخبة من المسيحيين غير الأرثوذكسيين، وخصوصاً منهم أعضاء حلقة المجمعيين، الذين كانوا يعتبرون مسيحيين بلا كنيسة كناية عن تحررهم من الطقوس الدينية الصارمة، وكذلك جماعة المنونيين الذين كانوا قد انتظموا حول أفكار القس الهولندي سيمون مينو منذ انشقاقه على الكنيسة الكاثوليكية سنة 1536. وكان أعضاء طائفة المنونيين معروفين بالبساطة في أداء الشعائر الدينية ونبذ العنف كوسيلة للتعريف بأفكارهم التحررية، إضافة إلى اهتمامهم بمستجدات العلوم والفلسفة الجديدة، التي كان رائدها الأول آنذاك هو العالم الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت(8). زاد تعاطف سبينوزا مع المجمعيين والمنونيين، الذين كانوا محط ارتياب وموضع اضطهاد من طرف الأوساط والهيئات المسيحية الأرثوذكسية، من شكوك ونقمة أعضاء الطائفة اليهودية، الذين بدأوا يجدون في سلوك باروخ سبينوزا مدعاة للقلق ليس فقط في الإيمان وإنما، بشكل أخص، على صورة الطائفة وسمعتها ومصالحها في المجتمع الهولندي، لا سيما وأن معظم أعيان هذه الطائفة كانوا موالين سياسياً لحكم آل أرانج الملكي، وذوي أسهم في شركات تجارة الهند الشرقية. يسجل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه سبينوزا أن هذه الاعتبارات السياسية والدوافع الاقتصادية، ضمن عوامل أخرى، هي التي كانت من وراء إصدار قرارات الفصل من الطائفة، ليس فقط ضد الفيلسوف سبينوزا وحده، إنما كذلك ضد معلمه مناسى بن إسرائيل، الذي مورست عليه عقوبة الحرم لمدة وجيزة (عام 1640) لانتقاده تصرفات شركة الهند الشرقية، وذلك رغم مكانته العلمية وحظوته في أوساط الجالية اليهودية.(9) لا يستبعد الكاتب كليفر أن يكون سبينوزا قد ارتاد حلقات الدرس، التي كانت تنظمها نخبة من المفكرين المتحررين في شكل مجمعات علمية وفلسفية، ويرجح أن يكون الفيلسوف الشاب قد تعرف في رحابها على أعمال ديكارت، التي كانت متوافرة في طبعات متعددة في هولندا منذ سنة 1637، مشكلة بذلك مادة علمية مثيرة للجدل والنظر الفلسفي في مختلف الأوساط الأكاديمية واللاهوتية، التي تلقتها بدرجات متفاوتة من الترحاب والرفض على حد سواء. ومن خلال هذه الأوساط يبدو أن الفيلسوف أخذ يدرك أهمية ونجاعة اللغة 
Page 6
اللاتينية، التي كانت هي لغة العلم والفلسفة في ذلك العهد.(10) وقد تزامن هذا النزوع لدى سبينوزا مع تأسيس المدرسة اللاتينية، على يد الطبيب فرانسيسكوس فان دن إنده، الذي كان نشيطاً في دوائر المجمعيين ومعروفاً لديهم بأفكاره التحررية، التي كانت تصل أحياناً إلى حد الطوباوية. وقد استطاع فان دن إنده تحقيق سمعة جيدة لمدرسته الجديدة، مكنته من كسب احترام وثقة العديد من العائلات بأمستردام، التي عهدت إليه بأبنائها لتعلم اللغة اللاتينية واليونانية والفلسفة، حتى إن صفوف الدرس كانت تضم العديد من أبناء الأسر الراقية والجاليات اليهودية، سواء من هولندا أو ألمانيا من كلا الجنسين. وقد كان سبينوزا أحد الطلاب الواعدين الذين تعهدهم فان دن إنده برعاية خاصة. ولا أدل على ذلك من أن الفيلسوف الشاب سيتخذ من منزل معلمه هذا، فيما بعد، مقاماً له، ومن مؤسسته فضاء للتعلم ومزاولة التدريس في آن واحد. وحسب روجر سكراتن، فإن سبينوزا تلقى في هذه المرحلة، على يد فان دن إنده، مبادىء الفلسفة الإسكولائية (المدرسية) وفلسفة ديكارت، ومبادىء العلم الحديث، الذي لم يكن سوى علوم الهندسة والرياضيات وفلسفة الطبيعة، التي اشتهر بها علماء العصر الكبار، أمثال غاليلي غاليليو، وفرانسيس بيكون، وتوماس هوبز، وروني ديكارت، وكريستيان هيجنز. كما يشير كوليروس في سيرة الفيلسوف إلى أن سبينوزا تلقن اللغة اللاتينية على يد ابنة معلمه كلارا ماريا فان دن إنده، التي أحبها لنبوغها وذكائها، كما رغب في الزواج منها، على اختلاف مرجعيتهما الدينية. إلا أنها فضلت عليه شاباً آخر من مدينة هامبورغ، كان قد اعتنق المذهب الكاثوليكي من أجل الفوز بها، فيما ظل سبينوزا بدون زواج طيلة حياته. والجدير بالذكر في هذا السياق، أن علاقة سبينوزا بمعلمه أثارت العديد من الأسئلة على كتاب سيرته، الذي ما فتئوا ينقبون في مدى تأثير فان دن إنده، هذاالديكارتي الراديكالي، على شخصية الفيلسوف. وقد ذهب البعض إلى حد اعتبار هذه المرحلة حاسمة في تكوين سبينوزا، واعتبار بعض أهم أفكاره كأصداء لأفكار فان دن إنده، التي وردت في بعض مؤلفات هذا الأخير السياسية والفكرية، والتي تم اكتشافها في وقت لاحق، كفكرة الله أو الطبيعة الشاملة، ونظريته السياسية، كما وردت في مؤلفه رسالة في اللاهوت والسياسة (عام 1670). إلا أن كل الذين كتبوا عن فان دن انده في تلك الفترة، وجهوا إليه تهمة تعليم النشء الإلحاد، وهو حكم ربما كان مبالغاً فيه غير أن الأمر الذي لا شك فيه هو أنه كان من النفوس الثائرة على التقاليد(11) مما جعله محط ارتياب مختلف الدوائر الدينية المتشددة، هذا ناهيك عن أفكاره السياسية المتحررة في مجال الفن والسياسة ونبذ الرق، فاعتبره العديد من الدارسين الطفل الشقي لطليعة التنوير الهولندي حسب تعبير كليفر. ويبدو أن فان دن إنده أدى، في وقت لاحق، ثمن مغامرته الفكرية غالياً، حين حاول تنظيم مؤامرة بفرنسا ضد الملك لويس الرابع عشر، لينكشف أمره ويتلقى جزاءه شنقاً في سجن لاباستيل الشهير في نوفمبر 1674. لقد شكلت هذه المرحلة بحق نقلة نوعية في اختيارات سبينوزا العلمية والفلسفية، حيث مكنته من دراسة العلوم الرياضية وعلوم البصريات التي سيتخذها صنعة لإجراء تجاربه العلمية، ثم حرفة ناجحة لضمان استقلاله المادي بعد موت والده عام 1654 ومغادرة فان دن إنده إلى باريس. ثم إتقانه للغة اللاتينية وتمرسه على فلسفة الطبيعة فتحا له آفاقاً جديدة للنظر الفلسفي لجأ على إثرها إلى دراسة علماء اللاهوت اليهودي، بعقل نقدي فاحص أدى به إلى استناجات حاسمة، شكل بواسطتها آراء جريئة تجاه طريقة تفكير أبناء طائفته من اليهود، معتبراً أنهم غارقون في براثن الفكر الخرافي والجهل، حسب الحاخام مورتيرا نفسه، حينما أوكلت إليه مهمة النظر والفصل في حالة تلميذه الذي اعتبره أول الأمر مبعث فخره وأهله ليكون وريثه الروحي.(12)
Page 7
 الخروج على الطائفة: 
 
تمت محاكمة سبينوزا من طرف أعضاء المجمع اليهودي عبر مراحل، حيث أصبح في البداية محط شبهة من جراء مناظرته المباشرة لمعلميه بطرح أسئلة متحدية للفكر اللاهوتي الدغمائي، ثم عرف الأمر تصعيداً لما لاحظه أبناء طائفته من فتور من جانبه في أداء الشعائر، ثم انفتاحه على دوائر فكرية متحررة وارتياده للحلقات الدراسية الباعثة على الارتياب، هذا فضلاً عن تجرئه على الجهر بأفكار جديدة تحمل بذور الهرطقة والإلحاد من منظور الطائفة الضيق. في ضوء كل هذا قرر أعضاء مجلس المجمع اليهودي إعداد نص قرار الحرم بأعنف لهجة ممكنة. لكنهم تراجعوا عن ذلك لفترة وارتأوا دعوة باروخ سبينوزا للاستماع إلى رأيه في التهم المنسوبة إليه، ومنحه فرصة للتوبة والتراجع عن أفكاره، أو على الأقل التفاوض معه على صيغة تجنبهم الفضيحة. بل ذهبوا إلى حد تقديم عرض مادي مقابل تكتمه وصمته إلى حين. يبدو من خلال هذه المقاربة البرغماتية التي تعامل بها حاخامات الطائفة مع حالة سبينوزا، أن وضع الجالية اليهودية كان دقيقاً ويحتاج إلى توازنات أكثر لاعتبارات متعددة. على سبيل المثال، كان الوجود اليهودي بأمستردام محكوماً بمدونة سلوك تربطه مع السلطات الهولندية، يلتزم اليهود بمقتضاها باحترام قوانين الدين الموسوي وعدم المس بثوابت الدين المسيحي. وقد عرف هذا القانون المنظم لحريات اليهود في هولندا باسم قانون Remonstrantie وكان قد أعده الفيلسوف وفقيه القانون الدولي الشهير هوغر غروتيوس سنة 1618. ينص القانون على وجوب اعتراف جميع اليهود البالغين أمام السلطات علناً بإيمانهم بإله واحد خالق حاكم للكون، تنبغي عبادته، وبموسى والأنبياء، وبحياة أخرى يكافأ فيها المحسن ويعاقب المسيء. ومن مواد القانون أن كل يهودي ينكر ذلك يكون معرضاً لعقوبة الموت أو العقاب البدني حسب شدة الجريمة. ونص في حيثيات هذه المواد على أن المقصود هو ردع الملحدين الذين كانوا يظهرون من آن لآخر بين صفوف اليهود.(13) وقد كان أعيان الطائفة اليهودية أحرص ما يكونون على دفع تهمة المس بالدين المسيحي بكل الوسائل المتاحة، وإن اقتضى الأمر منهم التبرؤ من أفكار علمائهم وفلاسفتهم الأحرار، كما حدث لهم مع أوريل دا كوستا، الذي تعرض للنبذ مرتين بعد أن كان قد جاهر بنقده اللاذع للنزعة الشعائرية الطقوسية المفرطة لدى الطائفة وأنكر فكرة خلود النفس، وتجرأ على إجراء قراءة تاريخية للكتب المقدسة، مما أحدث جدلاً عنيفاً وشرخاً قوياً في صفوف الطائفة، الشيء الذي عرضه لنقمة رجال الدين الذين أمعنوا في اضطهاده وإذلاله، إلى أن اضطر إلى وضع حد لهذه المهانة بإطلاق رصاصة الرحمة على نفسه. وكذلك الشأن بالنسبة لخوان دي برادو الذي مورست عليه عقوبة الحرم عام 6561 بتهمة الترويج لفكرة فناء النفس مع الجسد، وعدم
Page 8
 ضرورة فكرة الإيمان في حياة الإنسان. وحسب وثائق تم اكتشافها في السنوات الأخيرة الماضية،فإن سبينوزا كان على اتصال بخوان دي برادو خلال سنتي 1658-1659 مع العلم أن قراري فصل كل من سبينوزا ودي برادو جاءا متزامنين، كتصفية حساب من طرف الطائفة، لاستئصال كل العناصر المثيرة للجدل. بالإضافة إلى ذلك، هناك عنصر آخر يبرز رهانات الجالية اليهودية على الصعيد الأوروبي، حيث كان يتم التحضير سنة 1656 لإيفاد مناسى بن إسرائيل، أستاذ سبينوزا الأكثر تنورا واعتدالاً، إلى لندن لإجراء مفاوضات مع حكومة كرومويل الجمهورية، حول إمكانية عودة اليهود إلى إنجلترا بعد مئات السنين من طردهم على يد الملك إدوارد الأول عام 1290. وهو حدث حمل دلالات لاهوتية وسياسية في آن واحد. إلا أن الأهم، في سياق سيرة سبينوزا، هو أن غياب مناسى بن إسرائيل عن أمستردام، ترك فراغاً استغله زعماء الجالية اليهودية، فبادروا إلى اتخاذ قرار الفصل عن الطائفة وتنفيذه في حق الفيلسوف الشاب. إلى جانب كل هذا الاعتبارات، هناك تفسير مغاير لمسألة الطرد طرحه أوديت فليسن، مفاده أن والد سبينوزا خلف عند وفاته سنة 1654 وضعا اقتصادياً متأزماً، بعدما تعرضت مراكبه التجارية للسطو من طرف القراصنة من جهة أولى، ومن طرف الإنجليز من جهة ثانية، بسبب الحرب الإنجليزية - الهولندية الأولى (1660-1654) حول الهيمنة على التجارة البحرية. وتقول هذه الرواية إن سبينوزا، الذي كان يزاول التجارة في شركة العائلة، نصب محامياً عام 1656 للدفاع عن مصالحه التجارية، وكان على وشك أن يقحم الطائفة اليهودية بأمستردام في مشاكله المالية، مما دفع أقطاب الطائفة، وهم من النخبة التجارية بأمستردام، للمبادرة إلى فك كل ارتباط معه، تلافياً للمحاسبة المالية، وذلك بالتبرؤ منه بواسطة تهمة الهرطقة والنبذ. وهو الأمر الذي يبرر، حسب هذه الفرضية، اللهجة القاسية، بل الأعنف من نوعها، التي تضمنتها ديباجة الفتوى اللاهوتية الموجهة ضد سبينوزا.(14) صدر قرار الفصل في 27 يوليو 1656عن الكنيس اليهودي بأمستردام، في غياب سبينوزا الذي لم يجشم نفسه عناء الحضور، وكذلك في غياب معلمه مناسى بن إسرائيل بإنجلترا للاعتبار الذي أشرنا إليه من قبل. ولعل في نص هذه الفتوى تبريرا لدواعي القرار وذرائعه: منذ بعض الوقت وأقطاب الطائفة يسمعون بالأفكار السيئة التي يتبناها سبينوزا. وقد حاولوا جاهدين، وبكل الوسائل، أن يحولوه عن هذا الخط السيء. ولكن عبثاً. ففي كل يوم نتلقى فيه أخباراً جديدة عن الهرطقات المرعبة التي ينادي بها ويعلمها. وقد أوصل لنا شهود عديدون وموثوقون أخباره، التي لا تحتمل الشك، والتي تدل على أنه مذنب ومنحرف فعلاً. وبعد أن أخذ أقطاب الطائفة رأي السادة الحاخامات، قررنا فصل هذا الرجل من أمه بني إسرائيل. وصدرت في حقه الإدانة التالية: باسم الملائكة والقديسين فإننا نفصل ونلعن هذا الشخص المدعو سبينوزا. إننا نصب عليه كل اللعنات اللاهوتية الموجودة في الشريعة. ليكن ملعوناً في النهار، وملعوناً في الليل. ليكن ملعوناً عندما ينام، وملعوناً عندما يستيقظ. ليكن ملعوناً في الدخول والخروج. لعنه الله لعنة أبدية سرمدية لا تحول ولا تزول إلى أبد الآبدين. وليصب الله عليه جام غضبه وليحرمه من عفوه وغفرانه. وإننا لنخبر الجميع بأنه ممنوع على أي شخص أن يتحدث معه شفاهة أو يراسله كتابة. وممنوع على أي شخص أن يقيم معه أي علاقة أو يقدم له أي معونة. وممنوع على أي شخص أن يسكن معه تحت نفس السقف، وأن يقرأ له أي مقالة أو كتاب.(15) لم 
Page 9
 يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عمل أقطاب الطائفة على تأليب رأي السلطات الدينية المسيحية على اليهودي المارق الذي يعادي كل دين، حسب رأيهم. ومن جهته، لم يسعَ سبينوزا إلى الدفاع عن نفسه، بل قام بتجاهل القرار والإصرار على الابتعاد عن الحياة الطائفية وفك ارتباطه معها، تأهباً لحياة جديدة. ويتضح هذا الاختيار الحاسم في مجموعة من المؤشرات الدالة. فبعد نطق قرار الفصل حاولت أخته ريبيكا دي سبينوزا استغلال وضعه الجديد كمنفي من حرم الطائفة لحرمانه من الإرث الأبوي. فلجأ سبينوزا إلى القضاء مطالباً بحقوقه كأي مواطن هولندي حر. وبعد صدور حكم المحكمة المدنية لصالحه قرر الفيلسوف، بمحض إرادته، التخلي عن الإرث الأبوي جملة وتفصيلاً، وفي الآونة نفسها قرر التخلي عن مزاولة التجارة في شركة أبيه، كما سيتوقف عن أداء الواجب المادي الذي يؤدى عادة من طرف المنتسبين لفائدة الطائفة. ولا يعرف بالتأكيد هل كان امتناع سبينوزا هذا راجعاً لتدهور تجارته أم كشكل من أشكال التعبير عن تخلصه التدريجي من رواسب الحياة اليهودية. ويرجح كليفر الرأي الأخير. ولا أدل على ذلك من إقدامه على تغيير اسمه من باروخ دي سبينوزا، ذي الأصل العبري إلى بندكتوس سبينوزا على طريقة الإنسانيين الأوروبيين، معلناً بذلك قطع صلاته بجميع رواسب انتمائه القديم، وانخراطه في أفق مغاير ودائرة انتماء جديدة. هكذا، ورغم أن عقوبة الحرم الكبرى التي نفذت في حق سبينوزا لم تخلف لديه أثراً نفسياً بليغاً، فإنها ظلت علامة فارقة في حياته ومساره الفكري. ومع ذلك فهو لم يفوت هذه الفرصة دون أن يعلن عن موقفه وأفكاره، فجاء رده عبارة عن رسالة دفاع عن النفس تحت عنوان أبولوجيا، كتبها بلغته الإسبانية المتقنة، لا كنوع من الاعتذار أو الاعتراف بالذنب، كما فعل صديقه دو برادو الذي امتثل لإكراهات الطائفة من قبل، وإنما كنوع من التفسير والشرح لقناعاته وأسباب اختياره الخروج طواعية عن طريقة الطائفة التقليدية. وفي شهادة يعود تاريخها إلى سنة 1694، يقول معاصره سلمون فان تيل، أستاذ بجامعة ليدن، القريبة من لاهاي، إن سبينوزا لم يبعث برسالة دفاعه لأعضاء الطائفة وذلك تبعاً لنصيحة أصدقائه، ولكنه ضمن محتوياتها في كتابه الذي سيؤلفه في وقت لاحق تحت عنوان رسالة في اللاهوت والسياسة(16) الذي يدعو فيه إلى مشروع دولة حديثة تقوم على التعايش والتسامح والحرية الفكرية والسياسية. وكأننا بالفيلسوف يضع ها هنا، بحس استشرافي مبكر، اللبنات الأولى لفكرة الدولة الحديثة، الحاضنة للتعدد والحرية والتسامح، كبديل واضح لمنطق الطائفة وسياجها الدغمائي النابذ لكل اختلاف واجتهاد عقلاني. إذا صح ما ورد ذكره عن رسالة أبولوجيا، فإنه يبدو أن سبينوزا ظل مصراً على موقفه لفك الارتباط مع تراث طائفته بشكل لا رجعة فيه، خصوصاً وأن مناخ أمستردام بات مشحوناً بالكراهية ضده، سواء من طرف مؤسسة الحاخامات التي حرمته من حقوقه الدينية أو من طرف السلطات الدينية الكالفينية، التي حكمت عليه بحظر الإقامة بالمدينة لفترة. وقد وجدت هذه الكراهية تجسيدها الصارخ في محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الفيلسوف على يد متعصب يهودي أثناء مغادرته لإحدى قاعات المسرح بأمستردام. فالأكيد من خلال هذا السلوك هو أن سبينوزا أصبح محط استهداف، أو بعبارة أخرى شخصاً غير مرغوب فيه من مختلف الأوساط المتشددة، فما كان أمامه سوى مغادرة المدينة، مرغماً، بحثاً عن مكان آمن يضمن فيه سلامته الشخصية، كما يواصل فيه بحوثه العلمية وتأملاته الفلسفية بمنأى عن منغصات أي عداء خارجي. وليس غريباً أن ينعت الدارسون الفترة التي تلت عقوبة الحرم مباشرة بالمرحلة المظلمة(17) في تاريخ حياة سبينوزا، وذلك لما اعتراها من ندرة في المعطيات حول طريقة عيشه في مستقره الجديد خارج المدينة. ومع ذلك فإن هناك نقطاً مضيئة تسمح بمعرفة بعض اختيارات الفيلسوف آنذاك. يقول روجر سكراتن مثلاً إن سبينوزا عاد إلى المدينة بعد فترة قضاها ببلدة أوفركرك، في ضواحي أمستردام. وإلى حدود 1660 ظل يعتمد على نفسه بإعطاء دروس خاصة في الفلسفة الديكارتية، ومزاولة حرفة صقل العدسات(18). وفي ذلك الإبان توطدت علاقته مع العديد من رجالات العلم والفلسفة، نذكر منهم على وجه الخصوص، يارخ يليس الذي سيصبح راعي أعماله فيما بعد، وسيمون دوفريس، الذي سيوصيلسبينوزا بمنحة سنوية ضمن ميراثه بعد وفاته، اعترافاً بقيمة الفيلسوف ودعماً لأفكاره الطلائعية الجديدة.
Page 10
 بلدة رنسبرخ (1661- 1663)
 
سبينوزا وهنري ألدنبرغ:
 
 في سنة 1661 ينتقل الفيلسوف إلى بلدة رنسبرخ، المحاذية لمدينة ليدن الشهيرة حيث مقر إقامة أعضاء حركة المجمعيين. ويبدو أن صيته كان قد انتشر آنذاك بشكل واضح، سواء في أوساط أمستردام أو في مقر إقامته الجديد. ولا أدل على ذلك مما أورده كليفر عن رحالة دنماركي يدعى أولاوف بورك كان قد تحدث في يوميات سفره إلى هولندا، بتاريخ 17 ماي 1661، عن هراطقة أمستردام الديكارتيين، ومن بينهم ذلك اليهودي المارق في إشارة إلى سبينوزا. وبعد ذلك يتحدث عن بلدة رنسبرخ حيث يقيم اليهودي الذي يوشك على الإلحاد، على حد تعبيره، لكنه مع ذلك معروف بحسن سلوكه وفضائله واشتغاله بصناعة التلسكوب والميكروسكوب(19). وهي صناعة كانت مستحدثة في ذلك العهد وأبدع فيها سبينوزا، حتى إنه حظي باعتراف أبرز علماء عصره في علوم البصريات، أمثال العالم الهولندي كريستيان هيجنز، والفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنز اللذين أشادا بجودة العدسات التي كان يصنعها سبينوزا، بل وبادرا إلى التعرف عليه شخصياً ومحاورته في جوانب عديدة من صناعته وفلسفته الجديدة التي ترتكز، على غرار سلفه ديكارت، على أساس علوم الرياضيات والفيزياء الحديثة. ويذكر ماثيو ستيوارت أن العدسات التي خلفها سبينوزا بعد موته بيعت في المزاد العلني بأسعار جيدة، نظراً لجودتها وقيمتها العلمية العالية. وبخصوص هذا الملمح من الشخصية العلمية لسبينوزا، يؤكد كليفر على الحس التجريبي الذي عرف به الفيلسوف في الأوساط العلمية في عصره، وتفوقه في التنظير والتجريبالعلمي، وصناعة الآلات العلمية الدقيقة، كالمكروسكوب والتلسكوب، حتى إن ليبنز صرح بأنه لا يوجد في هذا الحقل من يضاهيه دقة وتفنناً. والاعتراف نفسه صدر عن هيجنز الذي لم يتوقف عن الاهتمام بأعمال الفيلسوف وأفكاره، وذلك حتى خلال مقامه بباريس، حيث كان يطلب معلومات من أهل العلم عن أحدث استنتاجات التجارب العلمية التي كان يجريها الفيلسوف سبينوزا بهولندا(20). ومن أهم الأحداث التي وسمت مرحلة رنسبرخ، تلك الزيارة التي قام بها السير هنري ألدنبرغ من لندن إلى منزل سبينوزا ملتمساً صداقته، فكان هذا اللقاء الوحيد، الذي تم بينهما في شهر غشت 1661، كافياً لتدشين علاقة عمر تجسدت في مراسلات متواصلة شملت قضايا متشعبة، علمية وأخلاقية وميتافيزيقية. وكانت هذه العلاقة مع ألدنبرغ على قدر كبير من الأهمية، حيث أتاحت لسبينوزا التعرف على آخر مستجدات الكشوفات العلمية على عهده، خاصة منها تلك التي كانت تنجز بإنجلترا. كما أن ألدنبرغ أصبح، بالنسبة إلى سبينوزا، مصدراً أساسياً فيما يتعلق بما يروج في أوروبا من إصدارات وأطروحات واختراعات مستحدثة، علماً بأن هنري ألدنبرغ سيصبح، بعد فترة وجيزة من تعرفه على الفيلسوف، أول سكرتير للجمعية الملكية البريطانية بلندن، التي كانت قد أحدثت بمقتضى مرسوم ملكي بإنجلترا لتختص بالعلوم التجريبية. والأكيد أن سبينوزا أفاد من دينامية ألدنبرغ وشبكة