eKtab
EN ع
حياتي مع بيكاسو
Read free sample

حياتي مع بيكاسو

by فرانسواز جيلو

Page 1

مقدمة

بابلو بيكاسو (1 8 8 1-3 7 9 1) شخصية فذة شغلت القرن العشرين برمته، وظلت سيرته وآراؤه وأعماله، التي قلبت موازين الجمال، تحتل حيزاً كبيراً من الثقافة المعاصرة. ويعد النجاح الفريد، الذي حققه بيكاسو في أثناء حياته، أمراً لميسبق له مثيل في تاريخ الفن، فقد كان على حد تعبير أمين متحف اللوفر، أول فنان في العالم يشهد دخول أعماله إلىمتحف اللوفر. وعلى الرغم من كل ما كتب عن عبقرية بيكاسو وأعماله، وما كتب ضده أيضاً، فإن الجانب الآخر من شخصيته لم يعرفعنه الكثير، فقد كان ذلك الوجه من حياته مخفياً إلاّ عن الناس الذين كانوا على تماس حقيقي معه، ومنهم فرنسواز جيلوالتي عاشت معه قرابة عشر سنوات. وهي في هذا الكتاب تحكي قصتها وقصته معاً، بصراحة متناهية وبصيرة نافذة، فهيأول من أمعن في الكشف عن شخصية بابلو بيكاسو بوجهيها الفني والإنساني: فهو عبقري متقلب المزاج، شكّاك، ملول،فصيح اللسان، شديد القلق، وهو رجل لم يتوقف عن محاربة الزمن والأعراف التقليدية، ولم يتوقف عن الإبداع. وقد
وجدت في شخصية كارلتون ليك، الصحفي الأمريكي المتتبع لحياة بيكاسو وآثاره، خير معين على مشاركتها في نشر هذاالكتاب. صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 4 6 9 1 في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم صدر عن دار بنغوين في بريطانيا عام6 6 9 1 (وهي النسخة المترجمة هنا). ولعل هناك من يتساءل عن جدوى ترجمة هذا الكتاب بعد مضي حقب طويلة،خصوصاً وأن بيكاسو الذي أسهم إسهاماً فعالاً في إرساء معالم الحداثة في الفن التشكيلي، قد تجاوزته الحركات الفنية منذالستين!أعتقد بأن افتقار المكتبة العربية إلى كتاب يبحث بمثل هذا التفصيل عن بيكاسو وفنه، يجعل من المفيد رفدها بمرجعيتطرق إلى جوانب متعددة من إنجازاته، كما أن هذا الكتاب يضعنا أمام الحقائق الفنية التي توصل إليها بيكاسو من خلالتجاربه، وكيف كان ينظر إلى الحداثة التي أسهم بها والمدى الذي وصل إليه. وبذلك يسعنا أن نفهم فهماً أعمق، التجارباللاحقة والمسار الذي اتخذته الحداثة فيما بعد، وفضلاً عن ذلك فإن هذا الكتاب يضعنا أمام حقائق أخرى عن طبيعة عملبيكاسو وسلوكه في الفن والحياة: قلقه، وشكّه، وتساؤله الدائم عن موهبته وطاقته وتنوع عطائه، وبحثه الدائم وراء الجديد،وعلاقته الوثيقة بالمدارس الكلاسيكية على الرغم من عملية الهدم التي ألحقها بالشكل التقليدي للوحة، فقد كان بيكاسو شديدالحفاظ على جوهر ذلك البناء وعدم خروجه عنه. ومن هنا يمكننا أن نفهم أن حداثة بيكاسو هي تلك التي تعدّ، في فنالتصوير، امتداداً لتراث أساطين الفن، وإن كانت في النحت تعد تجربة رائدة، فحداثته في هذا المجال مقطوعة الجذور عنكل ما هو تقليدي ومتوارث، على حد تعبير هيربرت ريد في كتابه موجز تاريخ النحت الحديث 9 8 9 1.لقد أثار هذا الكتاب، إبان صدوره، حفيظة بيكاسو، ووجد فيه هجوماً سافراً عليه، لما تضمنه من تفاصيل دقيقة عن حياتهوسلوكه، وولعه بالنساء، وهو الذي كان يعيش تحت هاجس الشك والتكتم في كل أموره الحياتية، على عكس سلوكه معالآخرين والتمتع بفضحهم والسخرية منهم. ومن يقرأ الكتاب لا يحس أن المؤلفين، ولاسيما فرنسواز جيلو التي تقدم هنا
سيرة ذاتية، يهدفان إلى المس بسمعة هذا الفنان، بقدر ما يحس مدى الحب الذي تحمله هذه المرأة لبيكاسو وإعجابها الكبيربطاقته الخلاقة.
فرنسواز جيلو من مواليد عام 1 2 9 1، متخصصة بالأدب والقانون من جامعة السوربون، بدأت ترسم في سن العشرين،والتقت بيكاسو عام 3 4 9 1، ثم عاشت معه حتى عام 3 5 9 1، وتأثرت تأثراً كبيراً بأفكاره وآرائه ومعارفه، وعلىنحو خاص ماتيس الذي التقته عام 6 4 9 1، وكان لحديثه معها ورسائله إليها أثر كبير في تطور فنها. عرضت أعمالهافي عواصم أوروبية كثيرة، ولها أعمال في متحف الفن الحديث في باريس ومتحف الفن الحديث في نيويورك، كما أسهمت
برسم كتب لأندريه فيرديه وإيلوار وأندريه ميكيل وجاك بريفير.أما كارلتون ليك فقد حرّر، حين كان مقيمًا في باريس، كتاب قاموس فن التصوير الحديث، وعمل منذ عام 0 5 9 1مراسلاً فنياً لصحيفة كرستيان ساينس مونيتور، وكان ينشر في صحيفة نيويوركر وأطلانتك الشهرية وغيرها منالدوريات، وكانت موضوعاته الرئيسية، التي نشرها في الأطلانتك عن بيكاسو وشاغال وهنري مور، قد أكسبته شهرةواسعة، وأعطت صورة وافية عن رواد الحداثة الفنية.

 
Page 2

مقدمة الطبعة الثانية

كانت الطبعة الأولى من ترجمتي لكتاب حياتي مع بيكاسو تأليف فرنسواز جيلو، وكارلتون ليك، قد صدرت في بغداد عام3 9 9 1 عن دار المأمون للترجمة والنشر، دون إشرافي ومراجعتي، لأنني كنت مقيمة خارج العراق. وجاءت تلكالطبعة مليئة بالأخطاء، مما جعلها غير صالحة للتداول، كما جعلها عرضة لنقد حاد، جاء على صواب في أغلبه، إذااستثنيت ما مسني منه شخصيًا. وقد اضطررت إلى الطلب من الدار سحب النسخ، وعدم التداول بها. وكان الكتاب، علىالرغم من ذلك قد لاقى رواجًا كبيرًا، وقد تلقيت عليه من الشكر بقدر ما تلقيت من الاتهامات. وبقي في عنقي دين لا بد من
الإيفاء به لكل من أحب الكتاب أو لم يحبه.وأثناء مراجعتي للكتاب، وتصويبه، لاحظت من جديد، وربما بعين أشد وعيًا من السابق، القيم الفنية الكبيرة التي تضمنها
من خلال نقل أقوال فنان يعد بلا منازع أكبر قوة فنية مؤثرة في العالم مرت بالقرن العشرين. ففن بيكاسو يحتوي كلالحضارات، وهو حلقة وصل بين عصور متباينة، وهو وإن كان نقطة تحول حاسمة بين الكلاسيكية والحداثة، فإنه أيضًانقطة انطلاق نحو آفاق لا حدود لها من التمرد على المفاهيم الفنية المتوارثة. وكان بيكاسو قد أدرك، منذ العقد الأول منالقرن العشرين، خطورة هذا التوجه الذي قد يقود إلى الفوضى، واختلاط القيم، وهو ما حصل فعلا، فأراد أن يوجد قوانين
بديلة، فابتكر مع زملائه، ما عرف بالأسلوب التكعيبي، ولكنه أدرك أن الطريق له مسار واحد، وهو المضي قدمًا. وكانبيكاسو، الذي صدم العالم برؤيته الحديثة، وأربك أبصارهم، وزعزع مفاهيمهم، هدفًا للثورة الفنية التي أعقبت الحربالعالمية الثانية، واتهمته بالرجعية فكرًا وأسلوبًا. لقد توفي بيكاسو في عام 3 7 9 1، فيا ترى لو قدر له أن يعيش إلىاليوم، ويرى ما آلت إليه حرية التعبير، مادة وشكلا ومضمونًا، فماذا سيقول؟ما زال الغرب يحتفي بهذا العبقري الذي أصبح جزءًا من تاريخ العالم، وما زالت المكتبة العربية تفتقر إلى معرفة الكثيرعن منجزاته، وعن عبقريته الفنية، وحبذا لو تكون هناك مساهمات أخرى تعزز من هذه المعرفة، وتكشف عن قيمة الأسسالمتينة التي قامت عليها العبقريات، وتقوم.
مـيّ مظفّـر
البحـرين: حزيران 0 0 0 2

تمهيد

تابعت أعمال بيكاسو وحياته عن كثب على مدى سنوات كثيرة، شأن الكثيرين المهتمين بقضايا الفن المعاصر، وحاولت أنأراه من خلال عيون أكبر عدد ممكن من الذين كتبوا عنه، وكانت أولاها عيني (فيرناند أوليفيه Fernande Olivier)،رفيقة بيكاسو في أيامه المبكرة التي أمضاها في (باتو لافوار Bateau Lavoir) في مونمارتر، والتي نقلت إليَّ عقبسنوات لاحقة، ذكريات حلوة مرة عن تلك الأيام، وذلك حين كانت تأتي إلى دارنا في باريس، لتدريس زوجتي اللغة
الفرنسية.وقبل حوالي اثنتي عشرة سنة، وصفت لي (أليس توكلاس Alice Toklas) زيارة قامت بها مؤخراً لبيكاسو وفرنسوازجيلو في منطقة (ميدي)، وتحدثت عن فرنسواز بقليل من الثناء بكل تأكيد، غير أنها على عكس ما أرادت، استطاعت أنتقنعني من خلال حديثها المسهب، بأن فرنسوا جيلو كانت شخصية مثيرة جداً للاهتمام، وبعد عدة أشهر، شاهدت أحدىلوحاتها معلقة في (معرض مايس Salon de Mai)، فازداد اهتمامي بها أكثر، غير أن ذلك كان قبل أن ألتقيها ببضع
سنوات.وفي أثناء عملي على موضوع رئيسي عن بيكاسو لمجلة (أطلانتك) الشهرية، عام 6 5 9 1، تحدثت إلى فرنسواز جيلوللمرة الأولى، وقب أن ننهي حديثنا بوقت طويل من بعد ظهر ذلك اليوم، أدركت بأنها كانت تكن إعجاباً متناهياً لفكربيكاسو، وعمله، بل كان أعجابها به أعمق وأصدق من إعجاب أي انسان آخر قابلته. ومنذ ذلك الحين، تبادلنا على مدىالسنوات، أحاديث كثيرة عن بيكاسو وعمله. وعندما كنا نتناول الغداء في (نوي)، ذات يوم من أيام شهر كانون الثاني
القاسية، اكتشفنا بأننا كنا نعمل لتحقيق هذا الكتاب.ومن خلال عملنا عليه، كنت شديد الإعجاب بقدرتها على التذكر إلى الحد الذي يمكن أن ينطبق عليها مصطلح الاستذكارالشامل، الذي أسيء استخدامه إساءة بالغة، لقد أدركت فرنسواز بكل دقة ما قالته وما قاله بيكاسو، في كل خطوة على مدىالسنوات العشر، أو ما يزيد قليلاً، التي قضتها معه، وكانت الأقوال المباشرة التي أدلى بها بيكاسو، متطابقة تماماً مع كل ما
قالته.تقصيت معها مرات ومرات، أثر خيوط تلك الحكايات الكثيرة، وكنا في كل مرة نتناولها من زاوية مختلفة، فنمحصها إلىحد تقصي أدق اللمسات المتعلقة بتكوين الجملة والأسلوب، والاستخدامات المجازية - على الرغم من مرور أسابيع، بلأشهر، بين مناقشتنا الأولى للموضوع وعودتنا إليه، وعلى امتداد هذا المسار، تبين أن الكثير من النقاط التي كان بيكاسو قدتناولها معي مباشرة بشيء من التفصيل في (كان)، بعد عيد ميلاده الخامس والسبعين، والتي كنت قد أدرجتها بحضورهحينذاك، ظهرت ثانية في الحوار الذي دار بيني وبين فرنسواز جيلو، وبالصيغة ذاتها تماماً، مع اختلاف واحد فقط وذلك
أنّ فرنسواز كانت تتكلم بلسان بيكاسو.كما أصبح من الممكن إجراء المزيد من التدقيق والسيطرة على المعلومات، بعد أن سمح لي بالاطلاع على رسائل بيكاسو
التي بعثها إليها، وعلى ملاحظاتها الخاصة ويومياتها عن تلك المرحلة، وغيرها من الوثائق الكثيرة المتعلقة بهذاالموضوع، فقد كانت هناك ثلاثة صناديق مليئة بهذه الوثائق، كانت قد نجت بمعجزة من المصير الذي آلت اليه الممتلكاتالشخصية الأخرى التي احتوتها دارها في جنوب فرنسا عام 5 5 9 1، إذ كانت هذه الوثائق مخزونة في غرفة على سطحالدار.
كارلتون ليك
Page 3

الفصل الأول

التقيت بابلو بيكاسو في شهر أيار سنة 3 4 9 1 إبان الاحتلال الألماني لفرنسا، كنت في الحادية والعشرين، وكنت قدتوصلت إلى أن فن الرسم هو كل حياتي. كنت أستضيف في ذلك الحين صديقة لي من أيام المدرسة تدعى (جنفييف)، وقدقدمت من دارها القريبة من مونبلييه، في جنوب فرنسا، لتقضي معي شهراً. وفي يوم الأربعاء من أحد الأيام، ذهبت معهالتناول العشاء في مطعم صغير يتردد عليه كثيراً الرسامون والكتّاب، وكان بصحبتنا الممثل (ألان كوني (Alan Cuni،ويقع المطعم (لو كاتالان (Le Catalan، في شارع (ديو غراند أوغسطين)، على الضفة اليسرى من النهر، بالقرب مننوتردام. وحين وصلنا إلى هناك في ذلك المساء وجلسنا، رأيت بيكاسو للمرة الأُولى، وكان يجلس على المائدة المجاورة ومعهمجموعة من الأصدقاء: رجل، لم أتعرف عليه، وامرأتان عرفت إحداهما، وهي (ماري لور Marie-Laure) فيكونتيسةنويلي، التي تملك مجموعة مهمة من اللوحات الفنية، وقد أصبحت الآن بشكل من الأشكال رسامة. في ذلك الوقت، وعلىالرغم من أنها لم تكن قد امتهنت الرسم - علنًا في الأقل - إلا أنها كانت قد أصدرت كتاباً شعريّاً صغيراً عنوانه (برجبابل). كان لها وجه طويل وضيق، يشي ببعض الانحطاط، يحيط به شعر مجعد، فذكرتني بالصورة الشخصية التي رسمها(ريجو (Rigaud للويس الرابع عشر في اللوفر.وهمس بأذني (آلان كوني) ليعلمني بأن المرأة الثانية كانت (دورا مار Dora Maar) المصورة الفوتغرافية والرسامة منأصل يوغوسلافي، وكانت، كما كان يعرف الكل، رفيقة بيكاسو منذ عام 6 3 9 1، وكان من اليسير التعرف إليها، لأننيكنت أعرف أعمال بيكاسو خير معرفة، وكان بإمكاني أن أرى أنها المرأة التي ظهرت في (الصورة الشخصية -بورتريت- لدورا مار) في أشكالها الكثيرة والمتنوعة. كان لها وجه بيضوي الشكل جميل، ولكن بفك ضخم، غدا سمةكادت تطغى على جميع الصور الشخصية التي رسمها لها بيكاسو. كان شعرها أسود مربوطًا إلى الوراء بتسريحة بالغةالحدة، وقد لاحظت عينيها النفاذتين بلونهما الأخضر البرونزي، ويديها الرشيقتين وأصابعها الشمعية الطويلة. وأكثر ماأثار إعجابي بها سكونها الخارق، فهي لم تتحدث إلا قليلا، ولم تصدر عنها أية حركة على الإطلاق، وكان في هيئتها شيءيفوق الرصانة - هو نوع من الجمود، وقد ينطبق عليها المثل الفرنسي: كانت لها هيئة قربان مقدس.وفوجئت بعض الشيء بمظهر بيكاسو، فقد كان انطباعي عن الصورة التي يجب أن يكون عليها، قائمًا على صورةفوتوغرافية بعدسة (مان راي Man Ray ) نشرت في العدد الخاص عن بيكاسو، الذي أصدرته المجلة الفنية (دفاتر الفن(Cahiers d'Art في عام 6 3 9 1: شعر غامق، وعينان براقتان نابضتان، وجذع مربع قوي البنية - حيوان جميل.أما الآن فإن شعره الأشيب ونظرته المغيبة - التي تبدو مشتتّة أو ملولة - قد أعطياه مظهراً شرقياً انطوائيًا، ذكرني بمنحوتة(الناسخ) المصرية في اللوفر. لم يكن ثمة ما هو نحتيّ أو ثابت في سلوكه حين يتحرك، ومع ذلك فقد أومأ، التوى والتفت،نهض وتحرك بسرعة إلى الوراء وإلى الأمام.لاحظت أن بيكاسو كان يراقبنا في أثناء تناولنا وجبة الطعام، ويحاول أن يلفت انتباهنا بين حين وآخر، وكان من الواضحأنه قد عرف (كوني)، ونبّت عنه بعض الملاحظات التي كان يعتقد بأنها لابد أن تصل إلى أسماعنا بوضوح، وكان كلماقال شيئاً، خاصة إذا كان مسلياً، يبتسم لنا لا لرفقاء عشائه فقط. وأخيراً نهض من مكانه وتوجه إلى مائدتنا، وقد حمل معهصحناً من الكرز، قدم لنا منه، وهو يقول بصوت هادىء (سيريس cerisse) وكان ينطق بلكنة إسبانية، مشددًا علىحرف السين.كانت (جنفييف) فتاة جميلة، من سلالة كاتلانية فرنسية، ولكنها كانت ذات طابع إغريقي، وكان أنفها امتدادًا مباشرًالجبهتها، وقد أخبرني بيكاسو، فيما بعد، إنه شعر وكأنه قد رسمها من قبل في لوحاته التي تعود إلى المرحلة(الأنغرية Ingresque ) أو الرومانية، وغالباً ما كانت (جنفييف) تؤكد تلك السمة الإغريقية، كما فعلت في ذلكالمساء بارتدائها ثوباً فضفاضاً كثير الطيات.قال بيكاسو: حسن يا (كوني)، ألا تعرّفني بأصدقائك؟.قام (كوني) بتقديمنا، ثم قال: فرنسواز هي الذكية بينهما، وقال مشيراً إلى (جنفييف)، وهي الجميلة بينهما، ألا تبدو تماماًمثل تمثال رخام إغريقي؟هز بيكاسو كتفيه وقال: إنك تتحدث مثل ممثل، كيف يسعك أن تشخّص الإنسان الذكي؟كنت أرتدي، في ذلك المساء، ربطة خضراء في شعري غطت جزءاً كبيراً من جبيني وخديّ، فردت عليه جنفييف قائلة:فرنسواز عذراء فلورنسية. وأضاف كوني: ولكنها مختلفة، فهي عذراء علمانية وضحك الجميع.وقال بيكاسو: إذا لم تكن من النوع المألوف، فإن ذلك يجعلها أكثر إثارة للاهتمام، ولكن ماذا تعمل صاحبتاك اللاجئتان منتاريخ الفن؟أجابت جنفييف: نحن رسامتانانفجر بيكاسو بالضحك، وقال: هذا من أكثر ما سمعت اليوم إضحاكاً، فتيات بهذا المظهر لا يمكن أن يكن رسامات. فقلتله إن جنفييف كانت في عطلة في باريس، وإنها كانت تلميذة مايول (Maillol) في (بانيول Banyuls)، وإنه على الرغممن أنني لم أكن تلميذة أحد، إلا أنني كنت رسامة، ولدينا في الواقع معرض مشترك للرسم والتخطيطات، يقام الآن، فيصالة تقع في شارع (بواسي دانكلاس) خلف (بلاس دو لاكونكورد).تطلع إلينا بيكاسو من الأعلى في دهشة ساخرة: حسن، أنا رسام أيضاً، وعليكما أن تأتيا إلى مشغلي وتريا بعضاً منلوحاتي.
تساءلت: متى؟
غداً، بعد غد، متى شئتما.
تبادلنا أنا وجنفييف الإشارات، ثم قلنا له ربما لا نأتي غداً أو بعد غد، ولكن قد نأتي في مطلع الأسبوع القادم. انحنى بيكاسوقائلاً: كما تشاءان. صافحنا جميعاً، وتناول إناء الكرز وعاد إلى مائدته.كنا ما نزال جالسين على مائدتنا حين غادر بيكاسو وأصدقاؤه المكان، كان المساء بارداً، وكان يرتدي معطفاً سميكاً ضدالمطر، ويضع على رأسه قبعة صوفية (بيريه)، وكانت (دورا مار) ترتدي معطفاً من الفراء، بكتفين مربعتين، وحذاء منالطراز الذي كانت ترتديه الكثيرات من الفتيات خلال سنوات الاحتلال، حين كان الجلد نادرًا، كشأن أشياء كثيرة أخرى،وكان ذا نعل خشبـي وكعــب عالٍ. لقد بدت بالكعب العالي والكتفين المبطنتين، والهيئة الكهنوتية، ملكة أمزونية، قامتهاأطول من قامة الرجل ذي المعطف المشمّع القصير والقبّعة الصوفية.
Page 4
في صباح يوم الإثنين التالي، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة، تسلقت وجنفييف درجاً ملتوياً ضيقاً ومظلماً، مخفيًا فيزاوية من زوايا باحة بأرضية من أحجار ملساء، في (7 شارع دو غراند أوغسطين)، وطرقنا باب شقة بيكاسو. وبعدانتظار قصير انفتح الباب بمقدار ثلاثــــة أو أربعــة إنجــات، ليطــل منــه الأنف الطويل النحيف لأمين ســره (جيمسابارتيه Jaime Sabartés). لم نره من قبل، ولكننا عرفنا من كان، فقد شاهدنا صورته في مستنسخات لتخطيطاتبيكاسو، كما أخبرنا (كوني) إن (سابارتيه) قد يكون الشخص الذي يستقبلنا. نظر إلينا بارتياب وسأل: هل لديكما موعد؟قلت نعم، فسمح لنا بالدخول، وبدا قلقاً وهو يتطلع من خلف نظارته ذات العدستين السميكتين. سرنا نحو غرفة داخلية فيها طيور كثيرة: حمامات قمريات، وأنواع أخرى غريبة، داخل أقفاص من أعواد الصفصاف،وفي الغرفة نباتات لم تكن جميلة، بل كانت من النوع الشوكي الأخضر الذي كثيراً ما يشاهد في أوانٍ نحاسية تزين مكاتبالاستقبال، إلا أنها كانت منظمة هنا تنظيمًا جذابًا، ولا سيما أن موقعها أمام الشباك العالي المفتوح كان له تأثير مريح. كنتقد شاهدت قبل شهر إحدى هذه النباتات، في أحدث لوحة رسمها لـ (دورا مار)، وكانت، على الرغم من الحظر الذيفرضه النازيون على أعمال بيكاسو، معروضة في قاعة (لويز ليري Louise Leiris)، بعيدًا عن الأنظار، في شارع(داستورج). كانت صورة شخصية (بورتريت) رائعة باللونين الوردي والرمادي، ويظهر في خلفية الصورة مجموعةألواح شبيهة بزجاج نافذة عتيقة كانت أمامي هنا، كما ظهر في اللوحة قفص الطيور، وإحدى تلك النباتات الشوكية.تبعنا (سابارتيه) إلى قاعة أخرى طويلة جداً، كان فيها بضعة كراسٍ ومقاعد طويلة من طراز لويس الثامن عشر، وقدانتشرت فوقها آلات كيتار وماندولين، وغيرها من الآلات الموسيقية التي صورها بيكاسو، حسبما اعتقدت آنذاك، فيمرحلته التكعيبية، ولكنه أخبرني فيما بعد إنه اشترى تلك الآلات بعد أن رسم الصور وليس قبل ذلك، واحتفظ بها هناكذكرى أيامه التكعيبية. كانت محتويات القاعة راقية، وكان كل شيء فيها مكررًا بست قطع أو سبع. فعلى المنضدة الطويلةالتي امتدت أمامنا، إلى جانب الحائط الأيمن، منضدتان خشبيتان طويلتان جداً، إحداهما خلف الأُخرى، تكدس فوقها ركاممن الكتب والمجلات والصحف والصور وأشياء مبعثرة متنوعة. وعلى إحدى هذه المنضدات قطعة من حجر(الأماثيز) الحر بحجم رأس الإنسان تقريباً، وكان في وسطه تجويف صغير داخلي يبدو مملوءًا بالماء، وفي أسفلالمنضدة رف عليه بذل رجالية مطوّية، وثلاثة أزواج أو أربعة من الأحذية القديمة.وعندما تجاوزنا المنضدة الطويلة، لاحظت في وسط القاعة، أن (سابارتيه) دار حول شيء بني كئيب، مسجىً فوقالأرض بالقرب من الباب الذي يؤدي إلى القاعة المجاورة، وباقترابي منه رأيت أنه كان منحوتة لجمجمة مصبوبةبالبرونز.كانت القاعة التالية مشغلاً (ستوديو) مليئًا بقطع منحوتة، ورأيت هناك تمثال (الرجل والخروف)، وقد صب الآن بالبرونز،ووضع على إحدى ساحات منطقة (فالوري)، وكان ما يزال في مرحلة الجبس فقط حين رأيته. وكان هناك أيضًا عدد كبيرمن رؤوس نساء كان بيكاسو قد نفذها في (بواجيلوب) عام 2 3 9 1، ومواد كثيرة انتشرت بفوضى، بينها مقوددراجات، ولفافات من قماش الرسم، وتمثال خشبي إسباني للمسيح متعدد الألوان يعود إلى القرن الخامس عشر، وكذلكمنحوتة لامرأة نحيلة كالمغزل تحمل بإحدى يديها تفاحة، وباليد الأُخرى شيئاً بدا مثل كيس مطاطي لحفظ الماء الساخن.ومع ذلـك فقــد كــان من أكثر مــا يلفـــت النظر، لوحة وهاجة لماتيـــس: (حياة جامدة still life ) تعود لعام 2 1 9 1،يظهر فيها إناء عميق مليء بالبرتقال على منضدة مغطاة بشرشف وردي، على خلفية من مزيج لوني اللازورد والورديالمشع، كما أذكر جيداً أننـــي رأيت لوحات لـ (فويارد Vuillard) و (دوانييه روسو Douanier Rousseau)
و(مودلياني Modigliani)، غير أن بريق ألوان ماتيس كان يشع من بين الأعمال النحتية في ذلك المشغل ذي النورالخافت، فلم أستطع أن أمنع نفسي من القول: آه ما أجمل هذه اللوحة الماتيسية! فالتفت سابارتيه وقال باستغراب: هنا لايوجد غير بيكاسو.ثم تسلقنا سلمًا آخر ملتويًا صغيرًا في نهاية القاعة، وصعدنا إلى الطابق الثاني من شقة بيكاسو، حيث كان السقف أوطأكثيراً. سرنا في مشغل كبير، ثم رأيت في الجانب الآخر منه بيكاسو محاطاً بستة أشخاص أو ثمانية، كان يرتدي سروالاًعتيقاً تدلى بتراخ عند الورك، وقميص بحارة قطنيّاً مخطّطاً بالأزرق. حين رآنا شع وجهه بابتسامة لطيفة، ثم تركالمجموعة وتقدم نحونا، تمتم سابارتيه بشيء حول موعدنا، وعاد إلى الطابق الأرضي.سألنا بيكاسو: هل تحبون أن أريكم المكان؟، قلنا إننا نرغب بالتأكيد، وكنا نأمل بمشاهدة بعضاً من لوحاته، إلاّ أننا لم نجرؤعلى هذا الطلب، وعاد بنا إلى الطابق الأرضي حيث مشغل النحت.قال لنا: قبل أن آتي إلى هذا المكان، كان الطابق الأرضي مشغلاً لحائك، أما الطابق العلوي فقد كان (ستوديو) للفنان (جانلوي بارو Jean-Louis Barrault)(3)، وقد رسمت هنا، في هذه القاعة، لوحة الغرنيكا Guernica . ثم استقرفوق إحدى موائد لويس الثامن عشر أمام نافذتين مزدوجتين، وتطلع نحو الخارج حيث الباحة الداخلية، وقال: عدا عنذلك، ومع أنني نادراً ما أعمل في هذه القاعة، فقد عملت هنا منحوتة (الرجل والخروف). قال ذلك وهو يشير إلى منحوتةكبيرة من الجبس للرجل الذي يحمل الخروف على ذراعيه، وأضاف: ولكنني أرسم لوحاتي في الطابق العلوي، وأنحت فيمشغل آخر لي يقع على مسافة قريبة من هذا الشارع.
ثم قال: ذلك السلم الحلزوني الذي أوصلكما إلى هنا، هو السلم الذي تسلقه أحد أبطال (بلزاك): وهو الرسام الشاب فيرواية (رئيس العمال المجهول)، حين حضر ليرى (يوربوس) العجوز صديق الرسام (پوسن Poussin ) الذي رسمصوراً لم يفهمها أحد. آه إن المكان مليء بالأشباح التاريخية والأدبية، فلنعد إلى الطابق العلوي. نزل من على المنضدةوتبعناه فوق الدرج الملتوي، وقادنا لنقطع معه المشغل الكبير، ودرنا حول الأشخاص المتجمعين هناك، فلم يتطلع أي منهمإلينا أثناء مرورنا، ودلفنا إلى قاعة صغيرة في ركن قصي.قال: وهنا أقوم بأعمال الحفر engraving. ثم قال: تعالا وانظرا هنا، وتوجه نحو المغسلة ففتح الحنفية وجرى الماء،وبعد قليل تكوّن بخار كثيف. أليس ذلك رائعاً؟ لدي ماء ساخن على الرغم من الحرب. وأضاف قائلاً: بإمكانكما أن تأتياإلى هنا للاستحمام بالماء الحار في أي وقت تشاءان. لم يكن الماء الحار موضع اهتمامنا الحقيقي، على الرغم من ندرةالماء الحار في ذلك الوقت، فتطلعت إلى جنفييف متمنية لو أنه يتوقف عن الحديث عن الماء الحار، ويرينا بعض صوره.ولكنه بدلاً من ذلك أعطانا درساً قصيراً عن طريقة عمل الراتينج (resin)، وفي تلك اللحظة أدركت بأننا قد نغادرمن غير أن نرى أياً من لوحاته، وربما لن نعود إلى هذا المكان ثانية، ولكنه خرج بنا إلى مشغل كبير وبدأ يعرض علينابعضاً من لوحاته. أذكر أن إحداها كانت صورة ديك، زاهي الألوان، قوي المظهر، يصدح بشهوانية، وثمة لوحة أخرىتعود إلى المرحلة نفسها، يظهر فيها ديك شديد الضراوة، بالأبيض والأسود..وفي حوالي الساعة الواحدة، انفضت المجموعة من حولنا، وبدأ كل منهم يغادر المكان، ومما أدهشني، وكان أشد ما رأيتغرابة في اليوم الأول، أن المشغل بدا معبداً لعبادة بيكاسو، وبدا لي أن زواره هناك كانوا منغمسين جميعهم في ذلك الدين -جميعهم باستثناء الرجل المعبود، فقد بدا له أن ذلك من المسلمات، وهو غير ذي أهمية لديه، كأنه يحاول أن يرينا بأنه لارغبة لديه بأن يكون الشخصية المحورية لهذه العبادة.
وحين أردنا الانصراف، قال بيكاسو: إذا شئتما العودة ثانية، فتعالا على الرحب والسعة، ولكن لا تأتيا كما لو كنتما حاجتينقادمتين إلى أرض مقدسة، بل تعالا لأنكما تحبان أن ترياني، لأنكما تجدان متعة في صحبتي، ولأنكما تريدان أن تقيما معيعلاقة بسيطة ومباشرة. إذا كنتما تريدان مشاهدة لوحاتي وحسب فبإمكانكما أن تذهبا إلى المتحف.لم أعتقد بأنه كان جادًا في ملاحظته، وذلك لأنه لم يكن بالإمكان مشاهدة أية لوحة من لوحاته في متاحف باريس آنذاك، ولميكن بوسع أية قاعة خاصة من قاعات الفنون أن تعرض أعماله علناً أو بعدد كبير، لأنه كان من ضمن الفنانين الذين حظرالنازيون تداول أعمالهم، كما أن مشاهدة أعمال الفنانين مستنسخة في كتاب، لا تحقق أي اكتفاء للرسام، ومن كان يرغببمشاهدة المزيد من أعماله، كما أرغب أنا - فليس أمامه سوى أن يذهب إلى مكانه: 7 شارع دو غراند أوغسطين.بعد مرور أيام قليلة على زيارتنا الأولى تلك، ذهبت إلى الصالة التي كنت أنا وجنفييف نقيم فيها معرضنا، وأخبرتني مديرةالقاعة بحماسة شديدة، إنه دخل إلى هنا قبل قليل، رجل قصير القامة ذو عينين سوداوين نفاذتين، وكان يرتدي قميصبحارة مخططاً بالأزرق والأبيض، وأنها أدركت، بعد الصدمة الأولى، أنه كان بيكاسو. وقالت لي إنه تفحص اللوحاتبإمعان، ثم خرج دون أن يقول أي شيء. ولدى عودتي إلى الدار أخبرت جنفييف بزيارته، وقلت لها إنّه ربما ذهب ليرىإلى أي حد كانت أعمالنا سيئة، وليثبت لنفسه حقيقة ما قاله عند لقائنا في مطعم (لوكاتالان) وهو أن فتيات بمظهر كمظهرنالا يمكن أن يكن رسامات. كان لجنفييف رأي أكثر مثالية، فقالت: أعتقد بأنها لفتة إنسانية لطيفة، وتكشف عن اهتمامه الحقيقي بالفنانين الشباب.
ولم اقتنع، وشعرت بأنه في أحسن الأحوال، كان دافعه الفضول: لقد أراد فقط أن يرى إن كان في أعماقنا أي شيء.قالت جنفييف: إنك شديدة التهكم، يبدو لي أنه شديد العطف، ومنفتح الذهن، وبسيط.قلت لها: أعتقد بأنه ربما كان يتظاهر بالبساطة، غير أنني نظرت في تلك العينين، ورأيت شيئاً مختلفًا كل الاختلاف، معأن عينيه لم ترعباني، بل إنهما في واقع الأمر تحثاني على زيارته ثانية. تريثت لمدة أسبوع آخر، وبعد ذلك عدت ذاتصباح، تتبعني جنفييف، إلى شارع (دو غراند أوغسطين)، ففتح لنا الباب (سابارتيه) أيضًا، وامتد رأسه إلى الخارج مثلثعلب صغير.. وسمح لنا بالدخول بلا تعليق. . كان مما علق بذاكرتي، من لقائنا الأول، المدخل اللطيف جداً بنباتاته الكثيرة وطيوره الغريبة داخل أقفاص من أعوادالصفصاف، يأتيها الضوء من الشباك العالي، لذلك رأينا أن نضيف بعض اللون إلى النبات الأخضر، فحملنا في أيدينا آنيةزهور.ضحك بيكاسو حين رآنا.
وقال: لا أحد يحمل زهوراً لرجل عجوز. ثم لاحظ أن ثوبي كان بلون الأزهار أو أن الأزهار كانت بلون ثوبي، فقال: إنكتفكرين بكل شيء، وبوسعي أن أرى ذلك. فدفعت جنفييف أمامي وقلت لأذكره: هذا هو الجمال، يتبعه الذكاء.تفحصنا بإمعان ثم قال: ذلك ما سيتبين، فأنا لا أرى الآن غير أسلوبين مختلفين وحسب: أحدهما إغريقي عتيق، والآخرأسلوب (جان كوجون Jean Goujon )لدى زيارتنا الأولى، عرض علينا صوراً قليلة من أعماله، غير أنه عوضنا في هذه المرة، فقد وضع الواحدة فوق الأخرى،وكان على المسند لوحة، فعرض لوحة أخرى إلى جانبها، ثم أضاف إليهما لوحات أخرى، حتى بدت شبيهة بهرم بشريبني بتوازن ماهر. وقد اكتشفت لاحقاً، بأنه اعتاد على هذا الترتيب كل يوم تقريباً، وكانت اللوحات دائماً تتماسك بقدرةإعجازية، ولكنها سرعان ما تتساقط إذا ما مسّها شخص آخر غيره. تضمنت موضوعات اللوحات التي شاهدناها في ذلكالصباح صور ديوك مختلفة، كما كان فيها منظر لمائدة طعام مفتوحة (بوفيه) من مطعم (الكاتالان)، وعليها صحن منالكرز على خلفيّة من ألوان البني والأسود والأبيض. وعرض علينا بضع لوحات صغيرة (حياة جامدة)، يظهر في عددمنها حبات ليمون، ومعظمها تصوّر أقداحاً وأكواباً وإبريق قهوة أو فواكه على شرشف مائدة ذي مربعات، لقد بدا وهويفرد أمامنا اللوحات ثم يرمي بعضها فوق بعض، كما لو أنه يلهو بالألوان. كانت هناك لوحة كبيرة لامرأة عارية، ومنورائها منظر يحتل ثلاثة أرباع المساحة الخلفية، بحيث يمكن للمشاهد أن يرى المشهد الخلفي والأمامي في وقت واحد،وكانت ذات ألوان أرضية متدرجة، قريبة من ألوانه التي استخدمها خلال المرحلة التكعيبية. ورأينا أيضًا لوحات تصورمشاهد من (فير كالانت)، ذلك الرأس الصغير للجزيرة(Ile de la cité ) بالقرب من الجسر التاسع (في بريس)، وفيهامجموعة أشجار، في كل غصن من أغصانها بقع لونية منفصلة، وقد نفذت بأسلوب قريب جدًا من أسلوب (فان كوخ).وثمة لوحات تحمل روحية البدائيين الكاتالانيين، تصور أمهات بصحبة أطفال جسيمين، تصل رؤوسهم إلى حافة قماشاللوحة.كان جزء كبير من اللوحات التي عرضها علينا في ذلك الصباح يدور في إطار موضوعات المطبخ - أرانب مسلوخة أوحمام مع البازلاء - وهو نوع من أنواع التعبير عن الأوقات العصيبة التي كان يمر بها معظم الناس في الحصول علىالغذاء، وكانت هناك لوحات أخرى وقد ألصقــت فوقهـــا قطـــع من السجـــق، على غرار تقنــية الورقالملصـــوق Papier collé، على خلفية مغايرة ذات تكوينات متقنة، ومنها بضع صور لنساء يرتدين قبعات، وفوقهاشوكة طعام أوسمك، وأصناف طعام أخرى. وأخيراً عرض علينا مجموعة صور لـ (دورا مار)، بوجه معذب إلى حدبعيد، وكان قد رسم هذه الصور خلال السنتين الماضيتين، وأعتقد أنها من بين أفضل اللوحات التي أنجزها على الإطلاق،ويأتي تصوير الشخصية بأشكال مختلفة، فوق خلفيّة بيضاء بياضًا غير ناصع، وقد أرادها أن تكون رمزاً للمأساةالإنسانية، لا مجرد تحريف لوجه امرأة كما قد تظهر على المستوى السطحي.
وفجأة وجد أنه أطلعنا على ما يكفي من الأعمال، فقرر أن ينصرف عن هرمه.قال شاهدت معرضكما. وكان ينظر إليّ، فلم أملك الجرأة على طلب رأيه بالمعرض، واكتفيت بإظهار الدهشة، فاستمرقائلاً: لديك موهبة كبيرة للرسم، وأعتقد بأنه ينبغي لك الاستمرار في العمل - بجهد كبير - وكل يوم، سأكون تواقًا لرؤيةعملك وتطوره وأتمنى أن تطلعيني على أعمال أخرى بين حين وآخر. ثم قال مخاطباً جنفييف: أعتقد بأنك وجدت المعلم الصحيح في شخص (مايول)، فالكتلاني الجيد يستحق كتلانياً جيدًا آخر.ثم قال لنا في ذلك الصباح شيئاً آخر دونته عميقاً في داخلي، غادرت شارع (دو غراند أوغسطين) أكاد أطير، فقد كنتمتلهّفة للعودة إلى مشغلي لأبدأ بالعمل.
Page 5
بعد الزيارة الثانية بوقت قصير، عادت (جنفييف) إلى (ميدي) وأردت أن أذهب وحدي إلى شارع (دو غراند أوغسطين)،غير أنني شعرت بأن الوقت كان مبكراً بعض الشيء لعرض أعمالي الجديدة على بيكاسو، مع هذا، فهو لم يكن مجاملاحين دعاني لزيارته كلما أردت. لا بد من الاعتراف بأنني كثيرًا ما تساءلت، ترى لو يلقاني وحدي هل أكون موضع اهتمامه؟ لقد كان يرى فينا، حين نكونأنا وجنفييف معًا، مضمونًا طالما تغلغل في أعماله كافة، وتجلى بوضوح في لوحاته التي أنجزها خلال الثلاثين: امرأتانمعاً، إحداهما شقراء والأخرى سمراء، إحداهما ذات خطوط ملتوية، والأخرى تكشف عن صراعاتها الداخلية، بشخصيةتتجاوز الصورة المرسومة. إحداهما امرأة تحيا معه حياة تشكيلية وجمالية خالصة، والأخرى من النمط الذي تنعكسطبيعته في تعبير محتدم. وحين رآنا في ذلك الصباح، رأى في (جنفييف) صورة من كمال الشكل، ورأى فيّ، أنا التيتفتقر إلى مثل ذلك الشكل الكامل، طبيعة قلقة كانت في الحقيقة صدى لطبيعته هو. كنت متأكدة أننا أنشأنا لديه صورةموحدة، حتى أنه قال: إنني أرى مخلوقتين رسمتهما قبل عشرين عاماً، وكان ذلك بالتأكيد أحد الأسباب الرئيسية لاهتمامهبنا.
وبعد وقت قصير من عودتي إلى زيارته، بدأ يفصح عن جانب آخر من طبيعة اهتمامه بي.كنا نجد لديه دائماً أعدادًا كبيرة من الناس ينتظرون رؤيته: بعضهم ينتظر في القاعة الطويلة في الطابق السفلي، حيثيتصدر (سابارتيه)، وآخرون في المرسم الكبير في الطابق العلوي. وسرعان ما لاحظت أن بيكاسو كان يبحث دائمًا عنعذر ما ليبعدني إلى قاعة أخرى، حيث كان يمكنه أن يختلي بي لبضع دقائق. كانت الحجة في المرة الأولى، حسبما أتذكر،أصباغاً كان يريد إعطاءها لي،ولأنني كنت أدركت أن وراء ذلك شيئًا أبعد من الأصباغ، سألته، لماذا لا يجلبها لي. فردّعلي بسؤال آخر لماذا؟ لأنني إذا كنت سأمنح امرأةً هدية ما، فإن أقل ما يمكنها أن تفعله هو أن تسعى وراءها.في صباح يوم آخر، ذهبت إلى هناك على دراجتي الهوائية التي كانت الوسيلة الوحيدة للتنقل المريح في تلك الأيام، وفيطريقي إليه بدأت السماء تمطر، فتبلل شعري. قال بيكاسو مخاطباً (سابارتيه) - حسبك أن ترى الفتاة المسكينة، لا يمكنناأن نتركها على هذه الحالة. وجذبني من ذراعي قائلا: تعالي معي إلى الحمام، ودعيني أجفف لك شعرك.قال (سابارتيه)، تمهل يا بابلو، ربما يستحسن أن أدعو (اينيس) لتتولى الأمر، وستفعله بشكل أفضل.
قال بيكاسو: دعك من (إينيس)، فلديها عملها. وقادني إلى الحمام، ثم جفف شعري بعناية.لم يكن بالإمكان أن تسنح لبيكاسو فرص كهذه كل مرة، وكان عليه أن يصطنع فرصه، وهكذا فقد تكون الحجة القادمة أنهيريد منحي أوراق رسم من نوع خاص، كان قد أخرجها من إحدى الزوايا المتربة التي لا تحصى في مرسمه، ولكن مهماكانت الحجة فقد بدا واضحاً جداً أنه كان يحاول أن يكتشف إلى أي حد يمكن أن أتجاوب معه. ولم تكن لدي الرغبة فيإظهار ما يجعله واثقًا من موقفي أيًا كان، فكنت أتمتع بمراقبته وهو يحاول أن يصل إلى تصور ما .وقال لي ذات يوم: أريد أن أريك متحفي. ثم اصطحبني إلى غرفة صغيرة ملاصقة لمشغل النحت. كان على الحائط فيالجهة اليسرى خزانة زجاجية طولها سبعة أقدام وعرضها خمسة أقدام وعمقها قدم واحدة، كانت تحتوي على أربعة رفوفأو خمسة، وعليها الكثير من الأعمال الفنية المختلفة. قال: تلك هي كنوزي. ثم سار إلى منتصف الواجهة الزجاجية للخزانة، وأشار إلى قدم خشبية مذهلة جداً فوق إحدىالرفوف، وقال: تلك هي المملكة القديمة، وكل مصر تكمن في هذه القدم، وبجزء مثل هذا لا أحتاج إلى بقية أجزاء التمثال.كان على الرف الأعلى عشرة تماثيل نساء برونزية رشيقة جداً، يتراوح ارتفاعها بين قدم واحد وقدم ونصف: لقد نحتُّ هذهبالخشب في عام 1 3 9 1. ثم قال انظري إلى هنا. ودفعني بلطف شديد إلى نهاية الخزانة، ونقر بيده الزجاج مشيرًا إلىمجموعة أحجار صغيرة حفرت في داخلها وجوه نساء جانبية، ورأس ثور ووحش، وقال لقد عملت هؤلاء بهذه. ثم أخرج
من جيبه سكيناً صغيراً يحمل علامة (أوبينيل Opinel ) بشفرة مطوية واحدة. وعلى رف آخر، مجاور لليد الخشبيةوالذراع اللتين كان من السهولة معرفة أنهما من (إيستر آيلاند)، لاحظت قطعة من العظم صغيرة ومسطحة، طولها ثلاثةإنجات تقريباً، رسم على جانبيها خطوطًا متوازية تحاكي أسنان المشط، وفي الوسط، بين صفيّ الأسنان، توجد خرطوشةوفوقها بقتان تتقابلان عند الرأس في حالة صراع، إحداهما على وشك أن تبتلع الأخرى. وسألت بيكاسو عما كان ذلكفأجاب: ذلك مشط للقمل، قد أعطيك إياه ولكن لا أظن أنك بحاجة لاستخدامه. ثم مرر أصابعه بشعري وفرقه من جذوره:لا، إنك تبدين سليمة.
رجعت إلى الوراء قليلا، ورأيت قالب منحوتته (قدح الأفسنتين) بارتفاع تسعة إنجات تقريباً، وفيها ثقب محفور داخلواجهة القدح، وفوقه ملعقة حقيقية وفيها مكعب سكر مصنّع. قال بيكاسو: لقد عملت هذا قبل أن تولدي بزمن طويل، وكانذلك في عام 4 1 9 1، صنعته بالشمع ، ثم أضفت إليه ملعقة حقيقية، ثم عملت منه ست نسخ برونزية، وبعد ذلك رسمتعلى كل منها شيئاً مختلفاً. وإليك ما سيسليك هنا. لف ذراعه حولي، وتحول إلى جانب آخر من الخزانة وهو يسحبني معه.رأيت علبة كبريت صغيرة مرسوم عليها رأس امرأة بأسلوب ما بعد التكعيبية، وسألته متى عمل ذلك؟ قال: قبل سنتين أو ثلاث، وتلك أيضاً. ثم أشار إلى مجموعة من علب سجائر رسم عليها نساء جالسات على كراسٍ لهامساند يدوية، ولاحظت أن ثلاثة منها كانت تحمل تاريخ 0 4 9 1، وقال: هل ترين؟ لقد أنشأتهما من نحت بارز بلصقأجزاء أخرى من الكارتون في أماكن مختلفة، وقال، مشيرًا إلى عمل آخر في الوسط: القد خيّطت هذه على سطح الجزءالوسطي من الجذع، لاحظي الشعر، إنه جميل وقريب من الشعر الطبيعي، مع أنه سلك. هذه الأعمال، كما أعتقد، تقع ما
بين الرسم والنحت. ولاحظت أيضاً أنّ جزءاً من إطار الكرسي الذي تجلس عليه المرأة ذات الجذع المخيّط، كان مصنوعاًمن سلك معقود.على الرف الأسفل كانت هناك مجموعة من تصاميم مسرحية صغيرة ومتعددة داخل علب (السيجار)، وفوقها يقف ممثلونمن كارتون ملون لا يزيد حجم الواحد منهم على حجم دبوس أمان صغير. ومع ذلك فإن من أغرب ما رأيت، مجموعةنحوت بارزة reliefs، بأسلوب سوريالي، تجمع بين أشكال غير متجانسة - أعواد كبريت وفراشة وزورق من لعبالأطفال وأوراق أشجار و أغصان- بحجم 12x10 إنجاً لكل قطعة. سألته ما هذه، فهز كتفيه وقال، كما تبدو لك تماماً،فقبل عشر سنوات كنت مسحوراً بعمل أشياء كهذه فوق سطح قماش لوحات صغيرة، أو على الجانب السفلي منها، ثمجمعت التكوينات -بعض هذه الأشياء مخيطة- ثم غطيتها بالصمغ والرمل.بعد أن انتهيت من مشاهدة النحوت البارزة المغطاة بالرمل، مددت رأسي من باب على الحائط الخلفي للقاعة، كان ينفذ إلىغرفة أخرى صغيرة مليئة بالأُطر، فرأيت خلفها صورة فوتغرافية لفلاح كتلاني بالحجم الطبيعي، بدا لي كما لو أنه قائمعلى حراسة كنوز المتحف. وعدت ثانية، فرأيت على الجهة الأخرى من القاعة، جانب الخزانة، منضدة مليئة بالعدداليدوية، سرت نحوها وتبعني بيكاسو.
قال: إنني أستخدم هذه لوضع اللمسات النهائية على منحوتاتي. ثم رفع بيده مبرداً وقال: وهذا ما أستخدمه طوال الوقت.أعاده ثانية إلى مكانه، والتقط واحداً آخر: وهذا لعمل سطوح أشد نعومة. وراح يمسك الواحد بعد الآخر: ملاّسة، كمّاشات،مسامير من كل الأنواع (لأغراض الحفر على الجبس)، وأخيرًا المطرقة، وكان مع كل واحدة منها يزداد اقتراباً مني. وبعدأن أعاد القطعة الأخيرة إلى مكانها على المنضدة، التفت فجأة وقبلني من فمي، فلم أعترض، ونظر إليّ باندهاش. قال متسائلا: ألا تمتنعين؟ قلت: وهل ينبغي لي؟ بدت عليه الصدمة، وقال اذلك أمر مقزز، كنت في الأقل تبعديني، وإلا قدأظن أن بوسعي التمادي كما أشاء، فابتسمت وطلبت منه أن لا يتوقف. لقد أصبح الآن مغلوبًا على أمره، وكنت أعرفجيداً أنه لم يكن يدري ما يريد أن يفعله - أو هل يقدم على فعله - وظننت أنني بالرد عليه ردًا واثقًا بنعم، قد أثبطت عزيمتهعلى القيام بأي شيء على الإطلاق، لذلك قلت له: إنني طوع بنانك. نظر إليّ بحذر وتساءل، هل أنت مغرمة بي؟ قلت: إنّهلم يكن بوسعي أن أضمن ذلك، ولكنني، في أقل تقدير، معجبة به وإنني كنت أشعر بالراحة الشديدة معه، ولم أر سبباً يدعوإلى وضع أية تحديدات مسبقة لعلاقتنا. وكرر قوله: ذلك أمر مقزز، كيف تتوقعين مني أن أغوي امرأة تحت ظروفكهذه؟ إن كنت لن تقاومي - فالأمر إذن ميؤوس منه، وعليّ أن أعيد النظر . ثم عاد إلى مشغل النحت لينضم إلىالآخرين.
وبعد أيّـام قليلة، أثار المسألة بأسلوب مشابه، فقلت له إنه لم يكن بوسعي أن أعده بأي شيء مسبقًا، ولكن بوسعه دائماً أنيجرب ويرى بنفسه، فاغتاظ مني وقال: لدي انطباع بأنه على الرغم من صغر سنك، فقد مررت بتجارب كثيرة. قلت: لا،لم تكن لدي تجارب حقيقية، فقال: حسن، أنا إذن لا أفهمك، وتصرفك غير معقول. قلت: لا حيلة لي بذلك، إن كان الأمرمعقولاً أم غير معقول، ثم إنني لم أكن أخشاه، لذلك لم يكن بوسعي أن أؤدي أداء جيدًا دور امرأة تخشاه. فقال: إنني أجدكمعقدة جدًا. وذلك ما جعله يتريث معي لمدة أطول.وبعد ما يقرب من أسبوع ذهبت للقائه، وباتباعه الأسلوب الذي غدا مألوفًا لدي، فقد نجح في مناورتي وسحبي إلى غرفةنومه. التقط كتاباً كان على كرسي قرب سريره وسألني: هل قرأت المركيز دوساد؟ قلت له: لا، فقال، وقد بدا عليه الزهوبنفسه: آه لقد صدمتك. أليس كذلك؟ قلت: لا، وعلى الرغم من أنني لم أقرأ (ساد)، إلا أنّه لا اعتراض لي عليه، وإننيقرأت (كوديرلوس دو لاكلوس - Choderlos De Laclos) و(ريستيف دو لابرتون - Restif De LaBretonne)، وبينت له أنه كان بوسعي الاستغناء عن (ساد)، ولكنه (أي بيكاسو) قد لا يستطيع ذلك ، وإنني في أي حالمن الأحوال،لم أكن معنية بمبدأ الضحية والجلاد ، ولا يناسبني أي من الدورين.
قال: لا.. لا.. لم أعنِ ذلك، لقد تساءلت فقط عما إذا كان ذلك يصدمك. بدا خائب الظن بعض الشيء: أعتقد بأنك إنكليزيةأكثر مما أنت فرنسية ، فلديك ذلك التحفظ الإنكليزي.
ثم خفّت حملته بعد ذلك، غير أنه بقي ودوداً معي صباح الأيام التي كنت أذهب فيها لزيارته، ولأنني لم أشجع محاولاتهالمبكرة، فقد بدا تردده واضحاً في الإقدام على المزيد من المحاولات، لقد نجح تحفظي الإنكليزي بردعه، وذلك ما أسعدنيأيضاً.في صباح أحد الأيام الأخيرة من حزيران، أخبرني بأنه يريد أن يريني المنظر من خلال الغابة، وتشير هذه الكلمةبالفرنسية إلى مجموعة العوارض التي تستخدم لدعم سقوف البنايات. فاصطحبني خارج مرسمه ومررنا بمجاز يؤدي إلىالسطح العالي، كان هناك، عند زاوية في الحائط، سلم دائري يقود إلى الأعلى، حيث يوجد باب صغير على ارتفاع ثلاثأقدام. نحنى بيكاسو باحترام وقال: تفضلي. كنت مرتابة بعض الشيء، وبدا لي أن مناقشة الأمر غير ملائمة، لذلك تسلقتالسلم وتبعني مباشرة. دفعت الباب لأفتحه، ودخلت إلى غرفة صغيرة تحت الطرف الناتئ من السطح، كانت مساحتهااثنتيعشرة قدماً في عشرين، وكان على الجانب الأيمن من الغرفة شباك صغير مفتوح يكاد يصل إلى الأرض. مشيتنحوه ونظرت إلى الخارج، فواجهني تصميم تكعيبي تكوّن من سطوح الأبنية ومخارج المواقد الممتدة منها على الضفةاليسرى من النهر، فوقف بيكاسو خلفي ولف ذراعيه حولي: من الأفضل أن أمسك بك، فأنا لا أريد أن تسقطي وتلحقيبالدار سمعة سيئة. كان الجو قد ازداد حرارة في الأيام القليلة الأخيرة، وكان يرتدي ما بدا لي أنه لباسه المعتاد، الذييرتديه في الجو الحار حين يستقبل أصدقاءه في الصباح، وهو عبارة عن سروال قصير (شورت) ونعلين.وقال: جميلة سطوح باريس، وبوسع المرء أن يستخرج منها لوحة فنية. بقيت أتطلع إلى المنظر الخارجي، كان علىالجانب بناية فارغة يجري العمل على ترميمها، وكان أحد العمال قد رسم بطلاء أبيض فوق الجدار الخارجي قضيب رجلضخماً بطول سبعة أقدام، وزوّقه بزخرفة باروكية. مضى بيكاسويتحدث عن المنظر وعن السطوح الجميلة القديمة وتحتالضوء الأزرق الرمادي للسماء، ثم رفع يديه وكورهما فوق ثدييّ بخفة. لم أتحرك، لكنه قال بشيء من البراءة الشديدة كماظننت: انظري! ذاك الرسم بالطلاء الأبيض على الحائط هناك، ما هو حسب اعتقادك؟ حاولت أن أبدو على سجيتي بقدر ماكان يبدو، فقلت لا أعرف، وقلت إنه لا يرتبط كما يبدو لي بشكل معين على الإطلاق.أبعد يديه، ولكن لا على نحو مفاجئ، بل بجذر كما لو أن ثدييّ كانا خوختين جذبه إليهما لونهما وشكلهما، فاكتفىبقطفهما بعد أن وجدهما ناضجتين، ولكنه أدرك بأن وقت الغذاء لم يحن بعد.رجع إلى الوراء، والتفت نحوي فأصبحنا وجهًا لوجه، كاد وجهه يحمر، ولكنه بدا سعيداً. خامرني شعور بأنّه كان سعيداًلأنني لم أورط نفسي، سواء بالابتعاد عنه أو بالسقوط بين يديه بيسر شديد، وقادني بلطف من ذراعي خارج الغابة،وساعدني لوضع قدمي على السلم، فهبطت، وتبعني، وانضممنا إلى المجموعة في مشغل الرسم. كان الكل يتحدث بحيويةكأن أحدًا لم يلحظ مغادرتنا أو عودتنا.
Page 6
في ذلك الصيف، غادرت إلى قرية صغيرة تدعى (فونيتس) قرب (مونبلييه)، وكانت ضمن المنطقة الحرة آنذاك - غيرمحتلة من قبل الألمان - وذلك لقضاء إجازتي مع جنفييف، وفي أثناء وجودي هناك مررت بإحدى تلك الأزمات التي يمربها الشباب أحياناً وهم في طور النمو. لم يكن بيكاسو سبب الأزمة، فقد كانت مثل هذه الأزمات تعاودني بين حين وآخر،قبل الالتقاء به. وكانت نوعاً من المراجعة العقلية التي يحدثها الصراع ما بين حياتي التي انتهجتها حتى ذلك الوقت،والرؤية التي كانت لدي عن الحياة التي ينبغي لي التوجه نحوها.منذ طفولتي المبكرة كنت أعاني من الأرق، فأستغل الليالي بالقراءة أكثر مما أستغلها بالنوم، وبما أنني كنت قارئة سريعة،فقد استطعت أن آتي على عدد كبير من الكتب، وشجعني والدي على هذا التوجه. وكان أبي مهندساً زراعياً، اكتسب مهنته
بالتدريب، وبنى عدة مصانع تجارية لإنتاج المواد الكيمياوية، وكان أيضاً معنيًا بالأدب شغوفًا به، ولم يغلق مكتبته الواسعةأمامي قط. وحين بلغت الثانية عشرة كان قد قرأ لي قدراً كبيراً من الأعمال الأدبية الموجهة للأحداث مثل:(جوانفيل Joinville) و (فيّون Villon) و (رابليه Rabelais) و (و Poe ) و (بودلير Baudelaire)، وحـــينبلغت الرابعة عشرة قرأت كل (جاريJarry)، وفي السابعة عشرة كنت فخورة جداً بما حصلت عليه من معرفة، ومغرمةبالتخيل بأنني على دراية بأمور الحياة في كل جوانبها، على الرغم من أن معرفتي لم تأت إلا من خلال ما قرأته فيالكتب.
ولم أكن معنية جدا بمظهري الجسدي، كما لم أكن أراه معوّقًا، ولم أخش من شيء. كنت موضوعية، ومجردة في كلأحكامي، ومتحررة من شتى الأوهام التي تخامر الشباب لقلة تجربتهم، وباختصار، كنت أعتقد بأنني فيلسوفة محنكة،متنكرة بشكل فتاة صغيرة.حاول أبي أن يوقظني بقوله: إنك تعومين في الهواء، ومن الأفضل لك أن تضعي في قدميك حذاء من رصاص وتهبطيإلى الأرض، وإلاّ فلا مناص لك من صحوة قاسية، وجاءت تلك الصحوة حين قررت أن أصبح رسامة. في بداية الأمركان لدي إحساس بأن قدراتي محدودة، فأنا لم أواجه في دراساتي أية متاعب، حتى في المجالات التي لم تكن موضعاهتمامي كالرياضيات والقانون، غير أنني، حين اخترت الرسم، وبغض النظر عن أنني اخترت طريقي بنفسي، فقدتوصلت تدريجياً إلى أن أدرك عجزي عن تحقيق بعض الأمور. وواجهتني شتى المصاعب الذهنية والتقنية، وشعرت لمدةطويلة بأنني كنت أصطدم بجدار، ثم شعرت بأن جزءاً كبيراً من مشاكلي كان نتيجة تجربتي القليلة في الحياة. لقداستوعب ذهني أمورًا كثيرة، غير أنني في مجال التجربة العملية، أكاد أكون جاهلة جهلا كليًا.بدأت أرسم حين كنت في السابعة عشرة، وخلال السنتين الأخيرتين كنت أعمل تحت إرشاد رسام هنغاري يدعى(روزدا Rozsda)، وكنت في الوقت نفسه أدرس في السوربون للحصول على درجة الليسانس في الأدب (وهي معادلةللبكالوريوس تقريباً في الجامعات الأمريكية والإنكليزية)، وكنت أسعى أيضًا للحصول على درجة في القانون. ولم يسمحلي والدي بالتخلي عن الدراسة الجامعية وإعطاء وقتي كله للرسم، غير أنني كنت أقطع حصصي الصباحية، وأذهب إلىمشغل (روزدا) لأرسم.كان (روزدا) قد قدم إلى باريس من بودابست عام 8 3 9 1، وكانت أمه يهودية، فكان ينبغي له، بموجب قانونالاحتلال، أن يضع نجمة داود صفراء على ثيابه، ولأنه لم يضعها فقد كان يتمتع بحرية أكبر في التنقل، ولكنها كانتمجازفة كبيرة منه. وبما أن هنغاريا كانت تابعة لألمانيا، فقد كان على (روزدا) أيضًا أن يخضع للخدمة العسكرية النازية،وهذا لم يجعله يهودياً غير معلن وحسب، ولكنّه، من وجهة نظرهم، كان هارباً من الجندية أيضاً، وبذلك، كان معرضًالإرساله إلى غرف الغاز بتهمة مضاعفة، كان يواجه خطر انكشاف أمره بين يوم وآخر. كان بوسع أبي أن يكون قاسياًكالمسمار عندما تحبط إرادته، وكان بوسعه أيضاً أن يكون شديد الكرم حين يريد، وعندما أخبرته عن موقف (روزدا)،ساعده بالحصول على أوراق يمكن أن تعيده بأمان إلى بودابست. وحين غادر في شباط 3 4 9 1، ذهبت لوداعه إلى محطة القطار الشرقية، وأحزنني سفره لأنه كان صديقاً طيباً، كما كنتتعيسة لاعتقادي بأن سفره سيؤثر على التقدم الذي كنت أحرزه في الرسم، وقلت له إنني لم أكن أدري ما أفعل بشأن ذلكالأمر ، أو مع من أستطيع أن أعمل. وعندما أوشك القطار أن يغادر، وثب إليه وقال بصوت عالٍ: لا تقلقي فقد تتعرفينعلى بيكاسو في غضون ثلاثة أشهر. وكان على صواب إلى حد معرفة اليوم تقريباً.لم تكن مشاكلي مع الرسم المصدر الوحيد لما كنت أشعر به من إحباط، فخلال السنتين أو الثلاث التي انتهت بي إلى لقاءبيكاسو، كان معظم أصدقائي من الذكور يكبروني بعشر سنوات، وكان الكثير منهم أعضاء ناشطين في حركة المقاومةبشكل أو بآخر، وأعتقد بأنني كنت في نظرهم مجرد طفلة. ولعل ذلك ما دعاهم يتركونني وحيدة، وعلى الرغم من أنه لميكن لديّ اعتقاد بالقصص الديني التي سمعتها من راهبات الدومينيكان عن الجن، خلال إقامتي في القسم الداخلي للمدرسة،كما لم يستطعن إقناعي بأنها حقيقة، ، إلاّ أنني أعتقد، مع ذلك، بإن جزءاً منها ظل يردعني، فأنا لم أكن مقتنعة بوجوبإيماني بقصصهن، كما لم أكن واثقة من عدم إيماني بها.ما بين سن السابعة عشرة والعشرين من عمري، كنت مغرمة جداً بصبي في مثل سني، ويعاني ما أعاني من مشاكل تلكالمرحلة، وكنت أشعر في كل مرة بأن الاستسلام له كان أمراً مقبولاً، وكان يشعر بالحرج، وحين يمتلك جرأة أكبر، أكونأنا في ريبة. وأصيب ذات يوم بالالتهاب الرئوي، وكان والديّ آنذاك يحاولان التفريق بيننا، وحين ذهب لقضاء فترة النقاهةقررت أن أتجاوز ذلك العائق المسمى بالعذرية، وعندما عاد، لا بد أنني أخفته وأفقدته صوابه بسبب سلوكي الهجومي معه،ونتيجة لذلك صارحني بأنه لم يكن يحبني حقاً، وإن من الأفضل لي أن أُخرجه من حياتي.وبدلاً من أن أُدرك بأن أمامي متسعاً من الحياة، شعرت بأن الزمن كان يقصر، فقد بالغت من مدى تأثير هذا الرفض الأولإلى الحد الذي دعاني إلى التساؤل: هل بقي ما له أهمية لدي؟ لقد ذهب معلمي (روزدا)، وهجرني الفتى الذي أحببت، ولميعد لدي ما أخسر. كنت على ذلك الحال عندما التقيت بيكاسو، وبعد المناوشات القصيرة في أيار وحزيران، حين ذهبتإلى (ميدي) لقضاء الصيف مع جنفييف، كنت ما أزال مضطربة من جراء كل ما مر بي قبل لقائي به. كان والدايشريرين في نظري، وجل ما توصلت إليه من رأي، هو: أن كليهما أفسدا حياتي، وأنني بدءًا من الآن، سأتولى أمر نفسيبنفسي.كانت الخطوة الأُولى، كما بدا لي، مواجهة أبي وإخباره بقراري بأن أصبح رسامة، ومن أجل أن أمنح نفسي كلياً للرسم،فإنني أحتاج إلى التوقف عن دروسي الأخرى، ولأنني أعرف كم كانت إرادة أبي قوية، فقد أدركت بأن إعلانًا كهذاسيؤدي إلى القطيعة بيننا، ولكنني شعرت بأنني بتحملي للنتائج، سأجد نفسي في الجانب الآخر من الجدار الذي فصلنيحتّى الآن عن أي شيء أردته.كنت حتى ذلك الحين، مغلفة بالشرنقة التي كونها حولي وسطي الاجتماعيّ، وكان لدي انطباع بأن أصوات الحياة كانتتصل إليّ خافتة إلى حد أن علاقتي مع الواقع كانت مستنفدة، ولكنني كنت أعلم بأن الفنان يغرف من تجربته المباشرة فيالحياة، مهما كانت قيمة رؤيته التي يدخلها إلى العمل، وأنه كان عليّ أن أخرج من الشرنقة، وأعتقد أن هذه كانت أكبرأزمة عقلية ثقافية مرت بي، بل كادت تكون ولادة ثانية، وحين عزمت على الأمر أحسست بأنني عارية كعريي يوم ولدت.في شهر تشرين الأول، كتبت لأبي رسالة حاولت أن أشرح فيها كل ذلك، وكان ردّه أن أرسل أمي، التي كانت مثلي دائماًتحت سيطرته، لتعيدني إلى باريس حالاً. وحين وصلنا إلى الدار، كان في انتظارنا يشتعل غضباً، فقال لي: إنّ تصرفيكان مشيناً، ولا بد أنني فقدت صوابي، وإذا بقيت متشبثةبموقفي، فسيدرك بأنني مريضة مرضاً جدياً، وسيضعني تحتالرعاية، قال ذلك مهدداً. أمهلني نصف ساعة لأغير رأيي، وخرج في مهمة قصيرة الأمد. كان عليّ أن أتصرف بسرعة،فغادرت الدار دون أن أقول لأمي أي شيء، وهرعت إلى دار جدتي التي لم تكن بعيدة عن دارنا. كانت جدتي خارج الدار،وقررت أن أنتظرها حتى تعود، وبعد دقائق قليلة وصل أبي وأمي. لا بد أن أمي الآن قد اقتنعت هي الأخرى بأنني فقدتصوابي. كنت لغاية ذلك اليوم مطيعة له دائمًا ، وعلى الرغم مما عانيت من ألم من جراء هذه الطاعة، فقد أصبحت وأنافي الحادية والعشرين، وعلى حين غفلة، صلبة صلابة أبي.حين رأيتهما قادمين هرعت إلى الطابق العلوي، ولمعرفتي بالمزاج الذي كان عليه أبي فقد كنت على يقين من أنه سيحاولأن يجرني إلى الخارج، ويعيدني إلى البيت، ولو ابتعدت قدر الإمكان عن الباب الأمامي، فقد يجد بعض الصعوبة فيسحبي . ولكنه لحق بي إلى الأعلى، ولم أره قط على ذلك الحال من الغضب. كان عنيفاً دائمًا، وكان معتاداً على أن يجعلكل شخص - في البيت وبين بقية أفراد العائلة، وفي معمله، وفي العالم - يطيعه مباشرة. سألني إن كنت أريد العودة إلىالبيت، فقلت لا، وقلت له إنني عزمت أمري، فإن لم يوافق على شروطي، سأترك الدار، وقلت له إنني لن أطلب منه أيشيء، وقررت منذ الآن أن أعيش حياتي كما أراها ملائمة لي.بدأ يضربني بكل ما أوتي من قوة، ضرب رأسي وكتفيّ، ووجهي، وظهري، كان أكبر حجماً مني وأقوى بكثير، وكنتأعرف بأنه لم يكن بوسعي الصمود أمامه لو استمر على ذلك. جلست على السلم، واستطعت أن أمد ساقيّ من بين أعمدةالدرابزين، فأدخلت ذراعيّ بينهما وشبكت كفيّ معاً. تلك الطريقة حميت وجهي من اللطمات، فقد كان وجهي ينزف بشدة،والدم يسيل عليّ من بين الأعمدة ويسقط فوق ركبتي، كنت أشعر بأن إحدى عينيّ تورمت، ثم حاول أن يجرني بعيداً،ولكنني تشبثت بقوة. في تلك اللحظة سمعت الباب يفتح في الأسفل، ودخلت جدتي، فأسرعت إلى الطابق العلوي، وسألت أبي عما يجري،فأخبرها أن كل ما تراه كان من صنع يدي. قلت لها إن ذلك ليس صحيحاً، فقالت إنها في موقف لا يسمح لها بالوصول إلىأي رأي، وكان من الواضح أنني كنت في حالة يرثى لها، فوضعتني في السرير، وذهبت لتستدعي الطبيب فوراً، وقالتله: سننظر في الأمر غداً.كانت جدتي آنذاك في الخامسة والسبعين، وبعد وفاة جدّي، أي قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ، أصيبت بانهيار عصبي،وأمضت ما يقرب من ثلاث سنوات في مصح، ومنذ حوالي سنة عادت إلى دارها بعد أن استرجعت عافيتها. كانت والدةأمي، وكانت لها ثروتها الخاصة بها، ولم تكن محتاجة ماديًا لأبي. وبسبب ما جرى ، كانت أموالها تدار من قبل مُحامٍ كانصديقاً لأبي وطوع بنانه إلى حد ما، وقد استغل أبي حالتها ليشملها بتهديداته. قال: سأضعكما معًا تحت الوصاية، فكلاكمامجنونتان: وستجدان أن النقود لن تصل إليكما بهذه السهولة بعد الآن،وسنرى كيف تواجهان الأمر.فانبرت له جدتي، وقالت: امض بما تريد، وحاول ردعنا بكل ما أوتيت من وسائل، وأود أن أرى كيف تنجو من فعلك هذا،ومنذ الآن ستبقى فرنسواز معي إن شاءت ذلك، بل إنها ستخضع فعلا للفحص النفسي طوعاً، لمجرد مساعدتك علىتحقيق ما تريد.للحكم على حالة من حالات الجنون، وقبل التمكن من إخضاع أي شخص إلى المؤسسات الصحية، لابد، بمقتضى القانونالفرنسي، من توفير شهادتين متطابقين لطبيبين نفسانيين مستقلين. وقد أظهرت نتائج الفحص الذي أجراه عليّ أول طبيباستدعاه أبي، بأن قدرتي على الأداء كانت أقل من المعدل الطبيعي بنسبة ثلاثين بالمائة، وذلك ما دعاه إلى أن يستنتجبأنني كنت أعاني من الإرهاق الشديد. وبعد هذه الخيبة الفاضحة، عثر أبي على طبيبة نفسانية لم أدر إن كانت مقتنعة حقاًبقصة جنوني، أو كان لديها تعليمات من أجل أن تبين بأنها وصلت إلى هذه القناعة من خلال الحديث معي. فقد أمضتمعي ساعتين، كانت تختبرني خلالهما، وتتهجم عليّ وتهددني، من دون أن تحصل على أية نتيجة. وخضعت لبضعجلسات أخرى كان أبي قد خططها لفحصي، من ضمنها جلسة مع ابن عم له، وكنت بعد كل فحص أشعر بهدوء أكثر وبثقةأكبر بما اتخذته من قرار، حتى بلغ فصل تعذيبي نهايته.
Page 7
لأنني كنت الآن أعيش في بيت جدتي، فقد كانت لدي مشاكل مالية، فوالدي كان دائماً مصدر تمويلي، وكانت الملابسالوحيدة التي أملكها هي تلك التي كنت أرتديها يوم هربت إلى بيت جدتي، وكان من المستحيل، طبعاً، أن أُخرج أي شيءمن بيت أبي.كان بيته يقع خارج مدخل غابة بولونيا مباشرة، وكنت دائماً أقوم بجولات كثيرة على الحصان في الغابة. فذهبت لأرىأستاذي الذي كان يدربني على ركوب الخيل، وأخبرته بأني بحاجة إلى عمل، فعينني مدربة أمنح دروساً للمبتدئين، وكانعليّ في بعض الأيام أن أذهب إلى (ميزون لافيت Maison Laffitt)، وهو مركز ركوب الخيل والسباق، يقع علىمسافة اثني عشر ميلاً خارج باريس، وذلك ما جعلني مشغولة جداً.لم تسنح لي فرصة لزيارة بيكاسو ثانية قبل حلول شهر تشرين الثاني، وكانت السهولة التي بوسعي أن أتواصل بها معه،من الأمور التي تجلت أمامي بوضوح. فعلى مدى سنوات، لم أستطع أن أتواصل مع والدي، وغالبًا ما كانت علاقتيبالفتى الوحيد الذي كان في سني، والذي اعتقدت بأنني أحببته، صعبة ومعقدة، وسلبية تقريبًا، والآن، أصبحت فجأة أتفاهمبيسر مع رجل يفوق عمره ثلاثة أضعاف عمري، وكان من الممكن التحاور معه بأي موضوع، فكأنني أمام معجزة.لدى رؤيته بعد غياب أربعة شهور أو خمسة، وبعد أن مررت بمصفاة تجاربي الصيفية، كان لدي انطباع بأنني كنت عائدة
إلى صديق له طبيعة قريبة جدًا من طبيعتي. غالباً ما شعرت، خلال فترة مراهقتي، بأنني مثل رحالة أجتاز الصحراءوحيدة، وعلى الرغم من غروري الثقافي، فقد كنت أهاب المجتمع وغالباً ما كنت أبقى صامتة حتى بين الأصدقاء. والآنكنت في غاية الانبساط مع رجل لم أكد أعرفه، لم يكن بيننا ما يجمعنا نظريًا، غير أنّنا في واقع الأمر كنا نشترك في أشياءكثيرة. وحين قلت له ذات صباح، في ومضة دفء مغايرة تماماً لـ (التحفظ الإنكليزي) الذي كنت قد أظهرته من قبل، كم
أنّني كنت أشعر بالراحة معه، أمسك بيدي وانفجر قائلا بانفعال: وذلك هو شعوري تمامًا، حين كنت شاباً، حتى قبل أن أبلغسنك، لم أجد قط أي شخص يشبهني، فشعرت كما لو كنت أعيش في عزلة تامة، ولم أبح بمكنون قلبي لأي إنسان ، فلجأتإلى الرسم لجوءًا كاملا. ومع مضي الأيام، كنت ألتقي بالتدريج أُناساً كان بوسعي أن أبادلهم بعض المشاعر هنا وهناك،وكان لدي مثل هذا الإحساس معك أيضًا - الإحساس بأننا نتحدث بلغة واحدة، ومن اللحظة الأُولى عرفت أن بإمكاننا أننتواصل معاً.فقلت له إن ذلك يمنحني شعوراً مريحًا، وأخبرته إنني خامرني قبل تلك العطلة بعض الشعور بالذنب بسبب ترددي عليهبكثرة، كما أخبرته إني لم أكن أريد أن أزعجه الآن بكثرة زياراتي له.قال: دعينا نتفاهم حول هذا الأمر، دائمًا يوجد لدي من يزعجني، سواء أتيت أم لم تأت، حين كنت شاباً لم يكن يعرفني أحدولم يزعجني أحد فكنت أعمل طوال النهار. لو جئت حينذاك، فربما كنت ستزعجينني حتى من غير أن تتفوهي بكلمة
واحدة، أما الآن فهناك الكثيرون غيرك الذين يتسببون في إزعاجي. وبصراحة - هنا انفرج وجهه عن ابتسامة صغيرة بعدأن كان شديد الجدية - هناك من يبعث فيّ الملل أكثر منك.وبدأت أمضي صباح الأيام التي لم يكن علي أن أعطي فيها دروسًا- ليومين أو ربّما ثلاثة في الأسبوع - في شارع (دوغراند أوغسطين). كان معظم من رأيت هناك، أشخاص يترددون كل صباح تقريباً، فإذا شعر بيكاسو برغبة في إطلاعهمعلى بعض الصور، كان بإمكانهم أن يشاهــدوا أعماله، وبخــلاف ذلـــك كانــوا يكتفـون بالجلوس في المكان، وقلمايتحدثــون، ثــم ينصرفــون في موعـد الغداء. لم يكونوا مجرد أشخاص متطفلين، وإنما كانـوا على علاقــة بحيـاة بيكاسوعلى نحوما: كان بينهم مثلا (كريستيان زيرفوس Chriustian Zervos)، ناشر مجلة (دفاتر الفن)، والذي كان يجمعمعلومات لطبع دليله عن أعمال بيكاسو، وغالباً ما كان يصطحب معه مصوره الفوتغرافي ليلتقط صوراً لآخر لوحاتبيكاسو وتخطيطاته.
ثم كان هناك البارون (جان موليت Jean Mollet)، الذي كان أمين سر الشاعر (غيوم أبولونير GuillaumeApollinaire)، يوم كان (أبولونير) الناطق الرسمي لحركة التكعيبيين، وقد مضى على وفاته خمسة وعشرين عاماً، غيرأن البارون كان ما يزال دعامة مستمرة تقريباً من دعائم مشغل بيكاسو.
ومـــن الأشخـــاص الذيـــن كانـــوا يترددون كثيــراً في ذلك الوقت، (أندريه دوبوا André Dubois) الذي أصبح فيمابعد مدير شرطة باريس، ثم عمل في مجلة (ماتش Match)، وكان يعمل آنذاك في وزارة الداخلية، وبما أن الألمان كانوايبحثون عن طرق لمضايقة بيكاسو، بل قد ضايقوه أكثر مما ينبغي، فقد كان (أندريه دوبوا) يأتي كل يوم تقريباً ليتأكد منأن الأمور تسير على ما يرام. وكان (جان پول سارتر Jean- Paul Sartre) يتردد كثيـراً، وكذلــك (سيمــون دو
بوفـــوار Simon du Beauvoir) والشاعـــر (بيير ريفـــردي Pierre Reverdi). كان سارتر وسيمون دوبوفواريتحدثان فيما بينهما معظم الوقت، وحين يتحدث سارتر مع بيكاسو، فكان ذلك يدور عادة في زاوية بعيدة، وكان يبدو شديدالغموض والسرية، فشعرت بأنه كان ولا بدّ يتكلم عن (المقاومة)، وعن بعض منشوراتها السرية. وكلما تحدث سارتر، لميكن حديثه عامة عن الرسم، أو عن رسوم بيكاسو خاصة، ووجدت حديثه، في أغلب الأحيان، تعليمياً إلى حد كبير، لذلكاعتدت على الحديث مع شخصيات أخرى مثل الشاعر (جاك بريفير). لم يكن معظم الأشخاص يمزحون كثيراً، ولكن(بريفير) كان على الأغلب يجد موضوعًا مسليًا. كان لبيكاسو منحوتة برونزية جديدة، فأراد (بريفير) ذات يوم أن يسلينفسه والآخرين، فوضع اليد البرونزية في كمه وراح يصافح بها الآخرين، ثم يمضي بعد أن يترك اليد البرونزية فيأيديهم.وفي صباح أحد أيام ذلك الشتاء، ذهبت إلى شارع (دو غراند أوغسطين) حاملة معي بضع لوحات كنت قد أنجزتها حديثاً،وأردت أن أعرضها على بيكاسو، ولاحظت أن عددًا من الأشخاص الذين اعتدت رؤيتهم في مشغل الرسم في الطابقالأعلى، موجودون في القاعة الطويلة في الطابق الأسفل، حيث كان (سابارتيه) يعمل. دا (سابارتيه) مرتاباً، وأشار لي أنأتبعه، وحين أصبحنا خارج القاعة همس لي: بإمكاني أن أصطحبك إلى الطابق العلوي كما قال لي، ولكنه لن يرى اليومأحدًا آخر، إنك ذاهبة إلى رجل سيصدمك لقاءه.وحين وصلنا إلى مشغل الرسم، رأيت بيكاسو يتحدث إلى رجل نحيف أسمر وحاد، لا بد أن أعترف أنه صدمني، فقد كانأندريه مالرو. كان مالرو في ذلك الوقت مثالاً يحتذي به جيلنا، أكثر من أي شخص آخر، وكنا جميعاً قد التهمنا كتبه -الفاتحون، وقدر الإنسان، والأمل - وكنا نمتلىء حماسةً لا بقراءة كتبه فقط، وإنما بالأعمال البطولية لمالرو ذاته، فيالصين وفي الهند الصينية وفي أسبانيا، وبوصفه الآن أحد قادة حركة (كوريز Correze) السرية للمقاومة الفرنسية.قدمني بيكاسو لمارلو، وطلب مني أن أعرض عليهما لوحاتي، ففعلت وأنا متهيبة، ثم أشرت إلى شيء في إحدى اللوحاتعلى أنه مستوحى من ذكرى رحلة قمت بها إلى (لي بو Lee Beaux) في الصيف الماضي، وذلك ما جعل بيكاسو
يتذكر أنه ومالرو التقيا هناك في يوم من أيام عيد الميلاد قبل حوالي خمس سنوات، وقال: لذلك المكان سحر عالم آخر،تشعر به وأنت واقف تتطلع إلى الأسفل إلى (وادي الجحيم) الذي يذكرني بدانتي Dante.أجاب مالرو لا بد له أن يذكرك، فعندما نُفي دانتي من فلورنسا، ذهب إلى هناك أثناء تجواله في فرنسا، وذكر ذلك المشهدفي (الجحيم L'Inferno).بعد أن ذهب مالرو، قال بيكاسو: آمل أن تقدري الهدية التي قدمتها لك الآن. سألته أية هدية؟ قال سمحت لك بالتحدث إلى
مالرو، وعلى كل حال لا ينبغي لأحد أن يراه هنا، فالأمر بالغ الخطورة، وقد تسلل إلينا الآن من حركة المقاومة السرية.أخبرته إني لم أكن أدري عما إذا كنت ممتنة لذلك أو لا، لقد كنت سعيدة بالأسطورة الرومانسية، غير أني بلقائه هنا للمرةالأولى، أصبت بالخيبة من رؤية وجهه الملتوي بحركاته العصبية.في الطرف الآخر من هذه التركيبة السياسية وغير السياسية، كان هناك (جان كوكتو)، الذي جاء في صباح يوم من أيامذلك الشتاء مع صديقه الممثل (جان ماريه)، أو (جانوت Jeannot) كما كان يسميه - ليخبر بيكاسو أن (ماريه) سيقومبدور (بيروس) في مسرحية (أندروماك) لـ (راسين)، وقال كوكتو مؤكداً: سيحقق صغيرنا (جانوت) نجاحاً ضخماً، وكانجانوت قد قام أيضًا بتصميم المشاهد والملابس، ومضى كوكتو يصف ذلك بإسهاب، ويتحدث بحماسة عن التضادّ المحتدم بين الملابس البيض، وأعمدة للقصر السود، ويقول: لو كان بإمكان بيكاسو أن يتصور إلى أي حد بدا (جانوت) ملكيالمظهر بعباءته الأرجوانية الساحرة التي يبلغ طولها أكثر من خمس عشرة قدماً، وهو منكبّ على رأسه أسفل السلم، فيأحد المشاهد المؤثرة جداً، ولكن بقيت مشكلة واحدة: فقد كان (جانوت) بحاجة إلى صولجان، فهل بإمكان (بابلو) أن يصممله واحداً؟
فكر (بيكاسو) للحظة، ثم قال: هل تعرف سوق الشارع الصغير، في شارع (دو بوسي)؟ بدت الدهشة على (كوكتو)و(ماريه)، ولكنهما قالا إنهما يعرفانه.
Page 8
حسن قال بيكاسو اذهبا إلى هناك واجلبا لي عصا مكنسة. بدا الاثنان مرتبكين بعض الشيء، غير أنهما في النهاية خرجاوعادا بواحدة، فتناولها بيكاسو وقال لهما: عودا بعد يومين. سأصنع منها شيئاً.بعد مغادرتهما، أخذ قضيباً حديدياً يستخدم مسعرًا للنار، ثم سخنه في موقده الكبير، وأحرق الزخرفة البدائية المحفورة علىطول العصا. سألته عما إذا لم تكن العصا طويلة جداً، فأجاب: ذلك ما سيمنع (جانوت) من أن يتعثر بعباءته الساحرةالأرجوانية ذات الخمس عشرة قدماً، وبوسعه أن يتكئ عليها أيضاً. وفي موعد الافتتاح، لم يكن بيكاسو راغبًا بالذهاب، ولا برؤية (جانوت) وهو يشهر صولجانه الذي صنعه له،لذلك أعطاني بطاقة الدعوة. وكان من المتوقع أن ترتدي النساء ثيابًا محتشمة من الأعلى إلى الأسفل، والرجال يتنقلونبمرح مثل (جرذان الأوبرا)، ويرتدون تنورات قصيرة تكشف عن سيقانهم وبطونهم إلى أقصى حد.وكانت أعمدة القصر السود من أكثر المشاهد إمتاعًا في المسرحية ، فكلما اتكأ (بيروس) على أحدِها، تلطخت كفه بالدهانالمائي الرخيص، وحين كان عليه أن يعانق أندروماك، في أحد المشاهد الدرامية، ترك طبعة من ذلك الدهان على ثوبهاالأبيض الفضفاض. وبعد وقت قصير لم تعد تبدو إغريقية بقدر ما بدت شخصية ثورية، فزعق المتفرجون، وسرعان مابدأوا يصفرون ويطلقون هسيساً ودوياً. أعتقد أن المسرحية توقفت بعد ثلاثة أيام.كان المصور الفوتغرافي (براساي Brassai) واحداً من الشخصيات الأخرى التي اعتادت التردد على المشغل، وقد كانيأتي عادة لتصوير منحوتات بيكاسو. كان بيكاسو يجد متعة في استفزازه، وكان دائماً يبادره بالتحية بقوله: وماذا ستدمرلي اليوم؟ كان براساي كثير التعرض للحوادث، وإن ملاحظة بسيطة كهذه كانت كافية لردعه. في ذلك الحين كان بيكاسويعمل على منحوتة القطة الحامل بذيلها البارز خلفها بصلابة، وحين كان براساي ينصب قاعدة كاميرته الفوتغرافية، قال لهبيكاسو: بحق السماء لا تقترب من ذلك الذيل، فتسقطه. فانسحب براساي مطيعًا ليبتعد عن القطة، ثم سحب القاعدة، وقامبحركة جانبية، فكسر ذيل القطة. وفي الوقت الذي تمكن فيه من إخراج نفسه من المنحوته، بدأ يسحب قاعدته نحوها، فقالله بيكاسو: من الأفضل أن تتوقف عن سحب هذه القاعدة، وأن تسحب عينيك منها ولم يكن تعليقًا رفيقًا، لأن براساي كانيعاني من حالة ما - الغدة الدرقية ربما - مما جعل عينيه تجحظان خارج رأسه، غير أني استطعت أن أرى منذ البداية أنهلا أحد يمضي غاضباً من سخريات بيكاسو. دأ (براساي) يضحك بقوة، إما لأنه وجد الأمر مضحكاً أو لأنه ظن أنه كان لابدّ أن يضحك، مما جعل ساقيه تشتبكان بأرجل القاعدة، وسقط إلى الوراء داخل حوض كبير مليئ بالماء، كان بيكاسويحتفظ به في المشغل من أجل (كاسبك) :كلبه الأفغاني. وما أن سقط (براساي) حتى تتناثر الماء وبلل كل الموجودين،وكان ذلك كافياً لوضع بيكاسو في مزاج حسن طوال ذلك الصباح:وقد أخبرني بيكاسوفيما بعد: إذا لم يكن لدي زوار في الصباح، فلن يكون لديّ عمل بعد الظهر، لأن هـــذه اللقاءات هيإحدى الوسائل لشحن بطاريتي، حتى وإن لم يكن للزيارة علاقة مباشرة بعملي، إنها مثل شعلة الكبريت، تضيء لي نهاريكله.ولكن لم يكن كل زوار بيكاسو ممن يرحب بهم، فقد منع الألمان عرض أعماله في أي مكان، لأنه كان في نظرهم فناناًمنحطاً بل أسوأ من ذلك، كان عدواً لحكومة (فرانكو)، وكانوا أبداً يبحثون عن حجج لإثارة المشاكل معه. وكان كل أسبوعأو أسبوعين يأتي عدد من الألمان بزيهم العسكري، ويسألون بلهجة منذرة بالشر: أليس هذا مسكن السيد (ليبجتز)؟ وكانسابارتيه يرد: كلا، هنا مسكن السيد بيكاسو. فيقولون: آه، لا. نحن نعرف بأن هذه هي شقة السيد ليبجتز. فيرد سابارتيهقائلا: لا، إنها شقة السيد بيكاسو. فيقولون أليس السيد بيكاسو يهودياً؟فيرد سابارتيه: طبعاً لا. ، ولأنّ تحديد كون الشخص آرياً أو ليس آرياً يتم على أساس شهادة تعميد الجدين، فإنّه لم يكنبوسع أحد أن يقول إن بيكاسو كان يهودياً. ولكنهم كانوا يأتون في كل الأحوال ويقولون إنهم جاءوا يبحثون عن النحات(ليبجتز)، مع أنهم يعرفون جيداً أنه كان في أميركا آنذاك، وأنه لم يسكن قط في ذلك المكان، غير أنهم كانوا يدعون بأنعليهم أن يتأكدوا بأنفسهم من أنه لم يكن هناك، ولذلك كانوا يقولون: نريد أن نتأكد، وإننا سندخل لنبحث عنبعض الأوراق. ويدخل ثلاثة منهم أو أربعة مع ضابط في منتهى الأدب يتحدث الفرنسية. كانت الفوضى التي تعم كلمكان تثير فضولهم، وكانوا يبحثون حول كل شيء وخلف كل شيء.كان بيكاسو قد تعرض إلى تحرشات الألمان قبل أن أعرفه، وقد أخبرني بذلك في يوم ما بارتياح كبير. فمن الأمور التيأقدم عليها الألمان في عام 0 4 9 1، بعد الهدنة مباشرة، جَرْدُ الموجودات المودعة في أقبية المصارف، وكانت ممتلكاتاليهود تصادر، أما ممتلكات الآخرين فكانت تثبت في سجل لتكون جاهزة قيد الطلب، وكانت السندات والأسهم الأجنبيةوالمجوهرات والأعمال الفنية الثمينة موضع اهتمام الألمان أكثر من أي شيء آخر.وما إن بدأ الجرد، حتى سارع أغلب الناس، الذين كانوا خارج باريس بالعودة إليها، ليكونوا حاضرين لدى فتح صناديقهمأو أقبيتهم، وقد أدرك كل منهم في البداية، قبل أن يصل الفنيون الخبراء من ألمانيا، بأن التعامل معها سيكون عشوائياً إلىحد ما، من قبل الجنود المحتلين، وبذلك فقد تكون لديهم فرصة حماية ممتلكاتهم الثمينة، وذلك ما قامت به عائلتي، وبيكاسوأيضاً، كما علمت فيما بعد. وكان بيكاسو يعنى بإداعاته الخاصة، كما كان يُعنى بممتلكات ماتيس كذلك.كان ماتيس قد أجرى عملية خطيرة في بطنه، وكان قد ذهب للعيش في جنوب فرنسا، وكانت لوحاته مخزونة في قبوملاصق لأقبية بيكاسو في المركز الرئيسي للمصرف الوطني للتجارة والصناعة(B.N.C.I.) ، وحين فتحت أقبية بيكاسواشترط عليهم أن يكون موجوداً هناك. كانت هناك ثلاث غرف كبيرة مليئة باللوحات في سرداب المصرف: اثنتان تعودانله والأخرى لماتيس. كان مدير المصرف صديقاً لكليهما، ولأن بيكاسو كان إسبانياً، فقد كان من الصعب على الألمان أنيقتربوا من ممتلكاته لو كانت أوراقه نظامية، ولكن بما أنه كان شخصًا غير مرغوب به (Persona non grata) منقبل نظام (فرانكو)، فإن وضعه كان معرضًا للخطر، كما أنه و (ماتيس) كانا من صنف الفنانين المنحطين، من وجهةنظر النازيين، فقد كان متوجساً لأسباب كثيرة. كان المفتشان جنديين ألمانيين نظاميين جدًا، ولكنهما لم يكونا ذكيين كماأخبرني، وكان قد أربكهما جداً، فكان يقودهما بسرعة من غرفةلأخرى، فيسحب اللوحات ويتفحصها ثم يعيدها ثانية إلىمكانها، ويقود الجنديين حول الزوايا، ويدور دورات غير منتظمة، حتى أصبحا في نهاية الأمر كتائهين في عرض البحر.ولأنهما لم يكونا قد ألفا عمله أو عمل ماتيس، فلم يدركا ما كانا ينظران إليه بغض النظر عن الغرفة التي كانا فيها. كان قد
استعرض، خلال عملية الجرد، ثلث لوحاته فقط، وحين جاء إلى أعمال ماتيس قال: آه، لقد رأينا هذا. ومن غير أن يفرقابين لوحة وأخرى، سألاه عن قيمة هذه اللوحات جميعها، فقال لهما إنها تساوي (0 0 8 ) فرنك، أي ما يعادل (0 7 5 )باونداً اليوم لكل لوحاته، ومثلها للوحات ماتيس، فصدقاه، ولم يأخذا أياً من أعماله أو أعمال ماتيس إلى الخارج، لا بد أنهالم تبد لهما ذات قيمة.قال: يقيم الألمان دائماً اعتبارًا للسلطة، بغض النظر عن طبيعة هذه السلطة، ولأنني في واقع الأمر شخص معروف لدىالكل، وإنني قدمت لهم تفاصيل دقيقة عن أحجام الأعمال وأسعارها وتواريخها، فقد ترك لديهم كل ذلك انطباعاً جيداً جداً،ومن غير المتصور لديهم أن يدلي أي إنسان بمعلومات قد تكلفه غالياً لو تبين لهم أنها غير صحيحة.كان ثمة شك كافكائيّ يحيط ببعض الأشخاص الذين يترددون على مشغل بيكاسو في تلك الأيام، كان أحدهم مؤرخ فنٍمشكوكاً به إلى حد ما، ومصوراً فوتغرافياً كان يأتي من وقت إلى آخر بمهمات غامضة. وقد ظن بيكاسو بأن هؤلاء كانوا
جواسيس، غير أنه لم يكن لديه ما يثبت ذلك، كما لم يكن لديه أي سبب لرفض وجودهم هناك، وما كان يخشاه هو أن يأتياليوم الذي يقوم فيه أحد هؤلاء الألمان المريبين - المصور، مثلاً، الذي كان يتردد أكثر من غيره - بزرع أوراق تدينه،بحيث إذا حضر الجستابو في المرة التالية للتفتيش فإنهم قد يجدون شيئاً ما.
لقد تطلب بقاؤه هناك في أثناء الحرب شجاعة كبيرة جداً بعد أن أعلن هتلر عن رفضه للوحاته، وبعد أن وقفت سلطاتالاحتلال هذا الموقف القاتم من المثقفين،وكان العديد من الفنانين والكتّاب - ليجيه، أندريه بريتون، ماكس إرنست، أندريهماسون، زادكين وغيرهم - قد رحلوا إلى أمريكا قبل وصول الألمان، ولا بد أن كثيرًا منهم قد رأى أنه من الحكمة عدمالتعرض لخطر البقاء، وقد سألت بيكاسو ذات يوم عن سبب بقائه:فقال: إنني لا أجازف، وقد لا يهمني أن أكون على جانب من السلبية، وأخضع للقوة أو الإرهاب. أريد أن أبقى هنا لأننيموجود هنا، والقوة الوحيدة التي تجبرني على الرحيل ستكون الرغبة في الرحيل، وبقائي هنا ليس دليلا على الشجاعة،وإنما هو شكل من أشكال البطالة. أعتقد أني أفضّل أن أكون هنا فقط مهما كان الثمن.
Page 9
مع استمرار حضوري المنتظم صباحاً في شارع (دو غراند أوغسطين)، كان (سابارتيه) يزداد وجوماً، وحين كنت ذاتصباح مع بيكاسو في مشغل الرسم، ولم يكن أحد غيره معنا، كان من الواضح أنه وجد دبلوماسيته قد طال أمدها،وخامرني الشك بأنّهما كانا يتحدثان عني قبل أن أصل في ذلك الصباح. ولكن بعد دقائق قليلة، قال (سابارتيه) وكأنهيضيف رأياً آخر إلى حديث كان يجري فعلاً لبعض الوقت: كل ذلك يبدو لي في غاية السوء يا بابلو، وستكون النهاية سيئة،فأنا أعرفك كما ترى، فضلاً عن أنها تغير من ثيابها بكثرة، وتلك علامة سيئة.كان ذلك حقيقة، فقبل أسبوع أو أسبوعين تغيرت مشاعر أمي، وقامت بتهريب بعض ثيابي،وجلبتها لي إلى بيت جدتي،وأعتقد بأنني كنت أستخدمها أقصى استخدام، بعد أن أمضيت أسابيع أرتدي فيها الزي ذاته كل يوم.قال بيكاسو: اهتم بعملك يا (سابارتيه)، إنك لا تفهم شيئاً.، ولا تملك الذكاء الكافي لتدرك أن هذه الفتاة تسير على حبلمشدود، وتغرق في نوم عميق فهل تريد إيقاظها؟ هل تريدها أن تسقط؟ حسبك أنك لا تفهمنا نحن السائرين في النوم، وإنما لا تفهمه أيضاً هو حقيقة أني أكنّ وداً لهذه الفتاة، ولو كانت صبياً لما قلل ذلك من ودي لها. إنها في الواقع تشبه رامبوبعض الشيء، فاحتفظ بأفكارك الكئيبة الشريرة لنفسك، ومن الأفضل لك أن تنـزل إلى الأسفل وتقوم بعمل ما.بدا سابارتيه غير مقتنع، نفث حسرة كبيرة ثم نزل إلى الأسفل، وهز بيكاسو رأسه.قال: أي ثروة من اللافهم هذا؟ إنك تقذفين كرة في الحياة أملاً في أن تصل إلى جدار ما، فتقفز ثم تعود من أجل أن تلقى
ثانية، وتأملين أن يوفر لك الأصدقاء مثل هذا الجدار، ولكنهم لا يكادون يكونون أي جدار، وأنهم مثل شراشف سريرعتيقة مبللة، وحين تقذفين بتلك الكرة، فتضرب الشراشف المبللة، فإنها تسقط فقط، ولا ترجع أبداً. وإذ راح ينظر إليّ منزاوية عينه قال: أعتقد بأنني سأموت دون أن أعشق. فضحكت وقلت: ليس من المجدي أن تحكم رأيك الآن، إنك لم تصلإلى هناك بعد. غدا بيكاسو هادئاً لوهلة ثم قال: هل تذكرين حين ذهبنا نتسلق الدرج الملتوي ذاهبين إلى الغابة حيث كان
بإمكاننا أن نتطلع من هناك إلى قمم السطوح؟ قلت له إنني أتذكر فقال: ثمة شيء أوده كثيراً، وهو أن تبقي هناك ابتداء منالآن، فوق في الغابة، اذهبي فقط واختفي كلياً بحيث لا يعرف أحد أنك كنت هنا. سأجلب لك الطعام مرتين في اليوم،وبوسعك أن تعملي هناك بكل سكون، وسيكون لي سر في حياتي لا يستطيع أي أحد أن ينتزعه مني. قد نخرج في الليلمعاً، نتجول حيثما نريد. إنك لا تحبين زحمة الناس، وستكونين في منتهى السعادة لأنه لن يكون عليك أن تهتمي ببقية العالم
ولا تهتمي إلا بشأني. قلت: إنني أعتقد أنها فكرة طيبة، غير أنه أخذ يقلب الفكرة وقال بعد ذلك: لا أدري إن كانت فكرةطيبة أم لا، لأنها ملزمة لي أيضاً، فإذا كنت موافقة على أن لا يكون لديك المزيد من الحرية، فإن ذلك يعني أنه لـن يكونلي المزيد منها أيضاً.كان بوسعي أن أرى أنه من الشاق عليه أن يتخلى عن الفكرة أيضاً، واسترسل قائلاً: ومع ذلك فإنه لأمر جميل أن تعيشيهنا من غير أن تري أي إنسان آخر سواي، تكتبين أو ترسمين، وسأعطيك كل المواد التي تحتاجينها من أجل عملك،وسيكون بيننا ذلك السر نتقاسمه. قد نخرج في الظلام فقط، ونذهب فقط إلى أحياء لا يمكن أن نلقى فيها أشخاصاً نعرفهم.
لا بد لي أن أعترف، بأن الفكرة بدت لي في تلك اللحظة جذابة جداً، بوجهها الشعري في الأقل: أن أعيش وحيدة هناك فيالأعلى معزولة عن جميع الناس الذين أرغب تجنبهم، وأن أكون على اتصال مع إنسان واحد يهمني أمره إلى حد كبير،إنسان كان من الممكن أن يغنيني في ذلك الوقت. عرفت أن العشق لم يكن قد حان وقته، ولكنني عرفت أيضاً بأن هناكإعجاباً متبادلاً قوياً جداً بيننا، وحاجة إلى أن نكون معاً.حين غادرت في ذلك الصباح، قال لي بيكاسو: إنني سئمتُ، كما سئمتِ أنت حتماً، من الاستماع إلى (سابارتيه) متبرماً منوجودك هنا في الصباحات، ولأنه لا يكون موجوداً قط بعد الغداء، فلماذا لا تأتين لزيارتي بعد الظهر من الآن فصاعداً.؟ .قلت إنني أحبذ ذلك، ولكن لا تتوقع مني قرارًا في الوقت الحاضر بشأن موضوع (الغابة)، فقد كنا في فبراير، وقد خطرلي أنني قد أجد المكان هناك في الأعلى تحت إفريز السطح، بارداً بعض الشيء.قال: موافق، ولدي ما هو أفضل لشهر فبراير، بما أنه لا يسمح لأحد بالدخول هنا بعد الظهر، وبما أنني لا أرد حتى علىالهاتف إذا رن، فإننا سنكون بمنأى تماماً عن أي إزعاج، وسأعطيك دروساً في فن الحفر engraving، فهل ترغبين
بذلك؟ قلت: أعتقد بأنني راغبة.قبل زيارتي الأُولى بعد الظهر إلى شارع (دو غراند أوغسطين)، اتصلت ببيكاسو هاتفياً في الصباح لأحدد موعد زيارتي،وجئت في الموعد مرتدية ثوباً من المخمل الأسود تزينه ياقة عالية من الدانتيل الأبيض، وكان شعري الأحمر الداكنمرفوعاً بتسريحة كنت قد اقتبستها من لوحة (إنفانتا) لفيلاسكيزVelasquez. أدخلني بيكاسو وفغر فاه ثم تساءل: هل هذالباس مناسب ترتدينه وأنت مقبلة على تعلم فن الحفر؟قلت له كلا، ولكن بما أني كنت واثقة من أنه ليس لديه أية نية لتعليمي فن الحفر، فقد ارتديت الزي الذي بدا لي أنه يلائمالمناسبات الحقيقية، وبكلمات أخرى، قلت له إنّني كنت أحاول أن أبدو جميلة وحسب.رفع كفيه وقال: رباه! يا لجرأتك! إنك تفعلين كل ما باستطاعتك لتزيدي الأمور صعوبة، ألم يكن بإمكانك في الأقل أنتتظاهري بأنك فوجئت كما تفعل النساء عادة؟ إذا كنت لا تنخدعين بمراوغاتي فكيف سيتسنى لنا أن نمضي معاً. حينئذتوقف، وبدا عليه أنه كان يعيد النظر بانتقاده، ثم قال ببطء أشد: أنت محقة حقاً. هذه الطريقة أفضل. أقصد بعينين
مفتوحتين ولكنك تدركين أنك إذا كنت لا تريدين أي شيء غير الصدق - أي بلا مراوغات - فإنك لا تريدين أن يبقى لكأي شيء، ضوء النهار الواضح قاس إلى حد ما، أليس كذلك؟ ثم توقف وقفة قصيرة كما لو أنه أحس بعدم الثقة، وقال:سنرى، فلدينا الكثير من الوقت.تبعته إلى الغرفة الطويلة، حيث يعمل سابارتيه صباحاً، كانت الغرفة فارغة الآن ولكنها مبعثرة. ترك بيكاسو الغرفة لدقائقثم عاد يحمل محفظة كبيرة للصور (ألبوماً). نحّى جانباً أكوامًا من الأوراق والكتب المكدسة على المنضدة الطويلة في قلبالغرفة، ثم وضع المحفظة، وفتحها. كان في الداخل مجموعة سميكة من الرسوم المطبوعة.وقال: هل ترين؟ سنشرع أخيراً بتناول موضوع الحفر. هذه مجموعة من أعمال الحفر المنفذة على المعدن etching، إنهامائة طبعة كنت قد عملتها لـ (فولاردVollard) خلال سنوات الثلاثين.كان على رأس المجموعة ثلاث صور محفورة لوجوه مرسومة، اثنان منها بالألوان المتدرجة (أكواتنت aquatint)تصور تاجر الأعمال الفنية (إمبرواز فولارد). ضحك بيكاسو وقال: لم تحظ أجمل امرأة عاشت على الأرض بتصويرها،رسماً أو تخطيطاً أو حفراً بقدر ما حظي به (فولارد) من قبل سيزانCezanne، ورنوار Renoir، وروو Rouault،وبونار Bonnard، وفورين Forain. لقد رسمه كل واحد منهم، وأعتقد أن الكل أقبل على رسمه من باب التنافس، وكل
منهم كان يريد أن يصوره أفضل مما صوره الآخر. كان لذلك الرجل زهو امرأة، فقد صوره رينوار مثل مصارع ثيران،وهو في حقيقة الأمر قد سرقموضوعي، غير أن صورتي له، بالأسلوب التكعيبي، هي أفضل واحدة على الإطلاق.ثم انتقل إلى صورة أخرى لامرأة ذات شعر فاتح تجلس عارية وترتدي قبعة مغطاة بالزهور المرسومة، وأمامها تقفامرأة عارية مغطاة جزئياً بقماش، لها شعر داكن وعينان داكنتان. أشار إلى المرأة الواقفة، وقال: إليك، هذه أنت، ألا ترينذلك؟ هل تعرفين بأن قلة من الوجوه تسحرني دائمًا، ووجهك واحد من هذه الوجوه؟ ثم انتقل إلى صورة أخرىتظهر فيها امرأة عارية أخرى مغطاة جزئياً بقماش، وتقف إلى جانب رجل يمسك بيدها، وله ملامح غريبة. إنه رسام كماكان واضحاً، لأنه بدا وهو يحمل بيده الأخرى ملوانة (باليت palette) وفَراشٍ، كان رجلاً كث الشعر يرتدي قبعة مجعدةخشنة. قال: هل ترين هذا الشخص الشرس هنا، ذا الشعر المجعد والشارب؟ إنه (رامبرانت Rembrandt) وقد يكونبلزاك Balzac، لست واثقاً، إنه بين الاثنين كما أظن. أمر غير مهم حقاً، إنهما الشخصان الوحيدان اللذان يسحرانني منالناس، كل كائن بشري كما تعلمين هو مستعمرة كاملة.ثم قلّب بضع صور أخرى، كانت مليئة بأشكال رجال ملتحين، وآخرين حليقي الوجوه، وكذلك صور لمخلوقات أسطورية كالمينوتور والسنتور، وأشخاص يشبهون الوحوش، ونساء من كل صنف، تظهر الواحدة منهن عارية أو شبه عارية،ويظهرن كأنهن يؤدين مسرحية من قصص الأساطير الإغريقية.قال: تدور هذه الأحداث على جزيرة مرتفعة في البحر الأبيض المتوسط، مثل كريت، فهناك يعيش أعداد من المينوتور،على امتداد الساحل، وهم سادة الجزيرة الأغنياء، يعرفون أنهم وحوش، وأنهم يعيشون في كل مكان شأنهم شأن كلالمنمَّقين وهواة الثقافة. ذلك النوع من الوجوه التي تنضح برائحة الانحطاط، يسكنون بيوتًا مليئة بالأعمال الفنية للرسامينوالنحاتين المرموقين اليوم. وهم يحبون أن يُحاطوا بنساء جميلات، فيوعزون إلى صياد المنطقة ليبحث لهم هنا وهناك عنفتيات من الجزر المجاورة، وبعد أن يزول حر النهار، يأتون بالنحاتين وموديلاتهم لإقامة الحفلات المصحوبة بالموسيقى والرقص، ويحشو كل واحد منهم نفسه بالحلزونات البحرية والشمبانيا حتى تخمد الكآبة وتنتشي الغبطة، وفي تلك اللحظةتبدأ جلسات المجون.بعد ذلك تحول إلى صورة أخرى يظهر فيها المينوتور راكعاً على ركبتيه، وفارس محارب يصوب نحوه بالخنجر ضربة الرحمة، ومن خلف الحاجز تتلصص جمهرة من الوجوه معظمها لنساء يتطلعن إلى المشهد. قال بيكاسو: علمونا أنثيسيوس جاء وقتل المينوتور، ولكنه كان واحداً من كثيرين غيره. وذلك ما يحدث في كل يوم أحد، إذ يأتي شاب إغريقيمن البر الأكبر، وحين يقتل المينوتور، فإنه يسعد كل النساء، ولا سيما الكبيرات منهن. تعيش نساء المينوتور عيشة رغد،ولكنه يحكم بالرعب، لذلك يسعدهن مقتله.ثم قال بيكاسو، وقد بدأ يتحدث الآن بصوت أشد هدوءاً: إنه من غير الممكن للمينوتور أن يجد من تعشقه لذاته، وهو يدركذلك في الأقل، لأن عشقه أمر مخالف للمنطق كما يبدو له، لذلك فإنه يلجأ إلى إقامة الحفلات الماجنة. وهنا انتقل إلىصورة أخرى يظهر فيها المينوتور يتطلع إلى امرأة نائمة. قال: إنه يدرسها، محاولاً أن يقرأ أفكارها، ويحاول أن يستنتجعما إذا كانت تحبه لأنه وحش. ثم رفع رأسه ونظر إليّ وهو يقول: افالنساء غر يبات إلى هذا الحد كما تعرفين. وراحيتطلع إلى اللوحة ثانية، وقال: من الصعب معرفة ما إذا كان يرغب بإيقاظها أو قتلها.
Page 10
وتحول إلى لوحة أخرى، فقال يكاد الرسامون يكونون بعيدين عن الواقع، انظري إلى هذه: أحدهم يأتيه بفتاة فماذا يرسم؟إنه يرسم خطاً، إنه لا يشخّص، ولكنّ الرسامين يعيشون في الأقل حياة أكثر نظامية من النحاتين. لاحظي أنه، حيثماوجدت حفلات ماجنة، توجد لحى. هؤلاء هم النحاتون : لحم دافئ في كف، وشمبانيا باردة في الكف الثانية. لا شك أن النحاتين شديدو الصلة بالواقع.وقلّب بضع صور أخرى من المجموعة، حتى جاء إلى امرأة عارية ذات شعر فاتح تستلقي بين ذراعي نحات،وعلى القاعدة الحجرية المجاورة لهما، توجد صورة جانبية لرأس امرأة شبيهة بالمنحوتة التي كنت قد رأيتها في مشغلللنحت التابع له. إن النحات هو الآخر مشوش كما ترين، وهو ليس واثقاً من مسلكه. ولاشك أنك لو لاحظت الأشكالالمختلفة الأحجام والألوان، والنماذج (الموديلات) التي قامت عليها أعماله، لاستطعت أن تدركي الفوضى، إنه لا يعرف مايريد، فلا عجب أن يكون أسلوبه غامضاً هكذا. لقد صور الطبيعة في بداية الأمر، ثم جرّب التجريد، وانتهى مستريحاًيداعب نماذجه، وانظري هنا. قال ذلك وأشار إلى (موديل) واقف أمام عمل قيد الإنشاء لنحات بدا أنه مكون من كرسيبمسندين من طراز الروكوكو، كانت بعض عناصره قائمة على شكل امرأة، وتساءل مبتسماً: من ذا يقدر على عملنحت من مخلفات أشياء كهذه؟ ثم قال مبتسماً: إنه ليس جاداً، مع أنه، بطبيعة الحال، يعتقد أنه جاد: والدليل على ذلك لحيتهالتي أطلقها. قال ذلك وهو يشير إلى لوحة أخرى فيها امرأة (موديل) شقراء ترقد بين ذراعي نحات. وقال: اكما أنه يلفأطواق الزهر حول شعرهما... ثم اقترب بنظره، وقال: اأعتقد بأن هذا النبات الذي يزين شعرها هو (الكليماتيس)،أما هو فإنه يضع اللبلاب حول شعره، الرجال دائماً أشد إخلاصاً من النساء!
ثم انتقل إلى الصورة التالية: نحات يقوم بنحت رأس، ويبدو شديد الرضى عن نفسه، وقد انبثقت من الرأس خيوط منشعاع. قال: أترين؟ إنه، وهو ينحت الرأس، واثق من عبقريته الخالصة. وانتقل إلى صورة أخرى، يظهر فيها النحاتجالسًا أمام عمله، والمرأة (الموديل) تقف بينه وبين المنحوتة: إنها تقول له:لم أكن في يوم ما على هذا الشكل أبدًا. وألقىنظرة أخرى على الورقة ثم نظر إليّ: طبعاً هذه أنت ثانية في ذلك الموديل، لو كان عليّ الآن أن أصوّر عينيك، لجاءتاشبيهتين بهذين العينين تماماً.وظهر في الصورة التالية الرجل ذو اللحية السوداء، شبيه (رامبرانت)، وهو يقف أمام رسام شاب يرتدي قبعة آسيوية من
(فريجيا: Phrygian)، فزفر بيكاسو، وقال: يعتقد كل رسام بأنه رامبرانت، حتى هذا، وبوسعك أن تعلمي ذلك منقبعته التي كانت رائجة قبل مجيء رامبرانت بثلاثة آلاف عام في الأقل، الكل لديه الوهم ذاته.صورة أخرى تظهر فيها امرأة عارية، تنحني فوق نحات مستلقٍ، وقد تحدد ثقل جسدها وانحنائه بخطوط قليلة رشيقة، قال:اعلى وجهه صفاء شديد، أليس كذلك؟ فحين ينجح بتحقيق عمله من خلال خط واحد فقط، فلابد أن يكون واثقًا من أنه أوجدشيئًا ما. إذا كان النحت جيدًا - أي حين تكون الأشكال تامة، والكتل ممتلئة - وسكبت على الرأس ماءً، فالتمثال كله يبتل
بجريانه إلى الأسفل.ثم انتقل إلى صورة أخرى: تظهر فيها امرأة (موديل) مغطاة جزئياً، تقف إلى جانب امرأة (موديل) أخرى وقد جلست أماملوحة مرسومة تشبه إكليل ورودتتفجر: هذه التي تجلس في الأسفل شبيهة بواحدة من نساء (موديلات) ماتيس، فقد قررتأن تجرب رساماً آخر، وأنها تتطلع الآن إلى النتيجة، وتتمنى لو أنها لزمت دارها، فالأمر كله مربك. أما الأخرى فتقوللها: إنه عبقري. هل ينبغي لك أن تفهمي الأمر كله؟ وتطلع نحوي ثم قال: حول أي شيء يدور كل هذا، هلتعرفين؟ قلت إنني لم أكن واثقة من الأمر برمته، ولكن لدي تصور أولي عن الفكرة.قال: هذا يعني أنك قد رأيت ما فيه الكفاية، فيكفي ما رأينا هذا اليوم. أغلق المحفظة، وقال: لنذهب إلى الطابق الأعلى، أودأن أكوّن فكرة عن شيء ما أيضاً.تسلقنا السلم المتعرج الذي يؤدي إلى الطابق الأعلى، فوضع بيكاسو يده في يدي وقادني إلى غرفة النوم، ثم توقف فيمنتصف الغرفة والتفت نحوي: قلت لك أريد أن أكوّن فكرة عن شيء ما، إن ما عنيته حقاً هو أنني أردت أن أرى إذا كانت
الفكرة التي عندي صحيحة! وسألت عما تكون تلك الفكرة.قال: أريد أن أرى إن كان جسدك يتطابق مع الصورة التي رسمتها في ذهني، كما أريد أيضاً أن أرى كيف يتناسب مععقلك. وقفت هناك ومضى يعريني، وعندما انتهى، وضع ثيابي على الكرسي، ثم رجع إلى الوراء قرب السرير، ووقفعلى بعد تسعة أقدام مني أو عشرة، وبدأ يتفحصني، وقال بعد وهلة: أتعرفين أنه أمر لا يصدّق، فجسدك يطابق تصوريله. لا بد أنني ظهرت على شيء من عدم الثقة بنفسي، وأنا أقف هناك في منتصف الغرفة. جلس على السرير وطلب منيأن أذهب إليه، فسرت نحوه وسحبني ليجلسني على ركبتيه. أعتقد أنه أدرك حرجي، وأنني كنت سأقبل بكل ما يطلبه مني،لا لأنني كنت حقاً أريد ذلك، ولكن لأنني كنت قد عزمت على ذلك. لا بد أنه شعر بكل ذلك، وأدرك أنني لم أزل مترددة
إلى حد ما، ولم تكن لدي رغبة حقيقيّة، لأنه مضى يطمئنني، وقال إن ما يريده مني هو أن أكون إلى جانبه، ولم يشعر بأندورة علاقتنا قد اكتملت بعد، مثل دقة الساعة، التي لا بد أن تأتي في موعدها المقرر، وقال إن كل ما دار بيننا أو ماسيدور هو شيء رائع بلا شك، وعلى كل منا أن يشعر بأن له كامل حريته، وأن كل ما كان سيحدث ينبغي له أن يحدثلأننا نريده.قلت إنني كنت أريد أن آتي لرؤيته، وأنا مدركة لما قد ينتج عن ذلك، وكنت مستعدة لقبول النتائج، ولكنني لم أكن راغبةحقاً، وإن كل ما سأفعله لن يكون بكامل رضاي، بل من أجل إرضائه فقط. لقد أدرك الفرق بين الاثنين من اللحظة التيعرّاني فيها وأخذ يتفحصني، وأنا واقفة هناك في منتصف الغرفة. وبدأت نظرتي كلها إلى الموضوع تتغير، ففعله ذاكأحدث لدي صدمة، وشعرت فجأة بأني قادرة على أن أثق به ثقة كاملة، وأنني كنت أعيش بداية حياتي، إذ ليس منالضروري أن يعيش المرء بداية حياته عند بدايتها.طلب مني أن أستلقي على الفراش، واستلقى إلى جانبي، فنظر إليّ بدقة بالغة، وبحنان شديد، وهو يحرك يده بخفة فوقجسدي، مثل نحات يتحسس تمثاله ليتأكد أن قوالب الشكل كانت كما ينبغي. كان بالغ الرقة، وأن الانطباع الذي رافقني حتى
هذا اليوم، هو رقته الفائقة.أخبرني إن كل ما كنت سأقوم به أو يقوم به، منذ ذلك اليوم، هو أمر في غاية الأهمية: فكل كلمة تقال وكل إيماءة يمكن أنيكون لها معنى، وأن كل ما قد يحدث بيننا يمكن أن يجعلنا نتغير باستمرار، وقال: من أجل ذلك أتمنى أن أوقف الزمن فيهذه اللحظة، وأبقي على الأشياء عند هذا الحد تماماً، لأنني أشعر بأن هذه اللحظة هي بداية حقيقية. لدينا في متناول أيديناتجربة محددة ولكن مقدارها غير معلوم، فحالما تنقلب الساعة الزجاجية، يأخذ الرمل بالانحدار، وأنه حين يبدأ، لا يمكن أنيتوقف إلاّ بعد نفاده، لذلك أتمنى لو استطعت الإمساك به عند البداية. ينبغي لنا أن نطلق أدنى حد من الإشارات، ونتفوهبأدنى حد من الكلمات، بل أن نرى بعضنا بأقل ما يمكن لو كان ذلك من شأنه إطالة كل شيء. نحن لا نعرف كم نملك منالأمور التي تنتظرنا، لذلك علينا أن نحتاط ما وسعنا كي لا ندمر جمال ما نملك. كل شيء يوجد بكميات محددة، ولا سيماالسعادة، فإذا ما ولد الحب، فذلك لأنه مقدر علينا، وكذلك زمنه ومحتواه. إن استطعت أن تصلي إلى غايتك بكل قوة منذاليوم الأول، فسينتهي كل شيء عند اليوم الأول، فإذا كنت تريدين لأمر ما أن يطول أمده، فعليك أن تكوني في منتهىالحذر من الإفراط بطلبه مهما كان بسيطاً، فمن شأن ذلك الإفراط أن يعيق تطوره ليبلغ أقصى مدى في أطول زمن.كان يشرح لي وجهة نظره وأنا مستلقية بين ذراعيه في سعادة كاملة، دون أن أشعر بالحاجة إلى أي شيء آخر غير بقائنامعاً. وأخيراً انتهى من حديثه، وبقينا مستلقيين هناك، دون أي كلام، فشعرت بأنها كانت بداية شيء رائع جداً بكل ما تحملهالكلمة من معنى. كنت على علم من أنه لم يكن يدعي، ولم يقل إنه يحبني - كان ذلك مبكراً جداً، ثم قالها وأظهرها، ولكنبعد ذلك بأسابيع. لو كان قد امتلكني عندئذ بقوة جسده، أو أعلن حبه بإظهار سيل من العواطف، لما صدقت أيّاً منها، ولكنبما أن الأمر جرى على ما جرى عليه، فقد آمنت به إيماناً كاملاً.
كنت أعده حتى ذلك الحين، الفنان العظيم الذي يعرفه كل فرد ويعجب به، إنساناً في غاية الذكاء، سريع البديهة، ولكنه غيرشخصي، ومنذ ذلك الحين غدا شخصاً محددًا. إلى ذلك الحين كان مجرد شخص أثار اهتمامي وأسر عقلي، أما الآن فقدأصبحت عواطفي ومحبتي داخل نطاق ذلك الأسر. لم أكن أظن، قبل ذلك الوقت، أن بإمكاني أن أحبه قط، ولكنني عرفتالآن أنه لم يكن أمامي غير ذلك السبيل. كان قادرًا، كما يظهر، على تخطي كل الأشكال النمطية الثابتة في علاقاتهالإنسانية، كما يتخطاها في فنه، وبوسع المرء أن يدرك تلك الأنماط الثابتة حتى لو لم يكن قد خبرها جميعاً. لقد أمسكبزمام الموقف حين أوقف المناورات الفكرية، وتخطى اللعبة الجنسية، وجعل علاقتنا قائمة على الأسس الممكنة وحسب،من أجل أن تكون لها قيمة لديه ولدي أيضًا، وهذا ما أدركته آنذاك.
أدركت بأن الوقت قد حان لانصرافي، فقلت له ذلك. قال: ينبغي أن لا نلتقي كثيراً، لو أردت أن تبقى أجنحة الفراشةلامعة، فعليك أن لا تلمسيها، ينبغي لنا أن لا نسيء استعمال ما من شأنه أن يحمل النور إلى حياتنا. كل شيء آخر فيحياتي يرهقني ويغلق عليّ منافذ الضياء، ويبدو لي أن هذا الذي بيني وبينك مثل نافذة تنفتح، وأنا أريدها أن تظل مفتوحة.علينا أن نلتقي، ولكن ليس بإفراط، كلما أردت لقائي، اتصلي بي وأعلميني بذلك.عندما غادرت المكان في ذلك اليوم، علمت أن كل ما سيأتي- مهما كان رائعاً أو مؤلماً أو الاثنين معاً - سيكون في غايةالأهمية. فعلى مدى ستة أشهر كنا ندور حول بعضنا بطريقة لا تخلو من السخرية، والآن، وبحدود زمن لا يتجاوزالساعة، فـي أول مواجهة حقيقية بيننا، غابت السخرية وأصبح الأمر شديد الجدية، بل غدا حالة من حالات التجلي.كان يوماً بارداً مكفهراً من أيام فبراير، غير أن ذكرياتي عنه مليئة بشمس منتصف الصيف.