eKtab
EN ع
حيونة الإنسان
Read free sample

حيونة الإنسان

by ممدوح عدوان

Page 1

/1/تقديم

سأعترف، من دون أن أدّعي التواضع، بأنه تنقصني صفات عديدة يجب أن تتوفر في المرء لكي تنطبق عليه صفة الباحث.

فأنا أتعامل مع الأدب على نحو أساسي، أكتب الشعر والدراما وأعمل في الصحافة. وهذا يعني أن تناولي لأي موضوع، وحتى الموضوع الذي يشبه البحث، مثل موضوعنا هذا، إنما هو تناول بعقلية الأديب ومزاجه وأسلوبه، وليس بعقلية الباحث ومنهجيته. ومن ثم فإنني لم أكن أسعى لطرح نظرية أو تأييد أخرى. كما أنني لم أكن أسعى لنقض نظرية أو تفنيدها. ولهذا أتوقع ممن يتفهمون مزاجي هذا أن يسوغوا لي عدم الإيراد الدقيق لمرجعيات الاستشهادات التي أوردتها في هذا النص.

وربما كان هذا هو السبب الذي دفعني إلى الإكثار من الاعتماد على شهادات الأدباء ومعالجاتهم لهذه المسألة التي أنا بصددها.

والمسألة هي أنني أرى أن عالم القمع، المنظم منه والعشوائي، الذي يعيشه إنسان هذا العصر هو عالم لا يصلح للإنسان ولا لنمو إنسانيته. بل هو عالم يعمل على "حيونة" الإنسان (أي تحويله إلى حيوان). ومن هنا كان العنوان. ولعل الاشتقاق الأفضل للكلمة هو "تحوين الإنسان". ولكنني خشيت ألا تكون الكلمة مفهومة بسهولة.

إن تصورنا للإنسان الذي يجب أن نكونه أمر ليس مستحيل التحقق، حتى وهو صادر عن تصور أدبي أو فني. ولكن هذا التصور يجعلنا، حين نرى واقعنا الذي نعيشه، نتلمس حجم خسائرنا في مسيرتنا الإنسانية. وهي خسائر متراكمة ومستمرة، طالما أن عالم القمع والإذلال والاستغلال قائم ومستمر. وستنتهي بنا إلى أن نصبح مخلوقات من نوع آخر كان اسمه "الإنسان"، أو كان يطمح إلى أن يكون إنسانًا، ومن دون أن يعني هذا، بالضرورة، تغيرًا في شكله. إن التغير الأكثر خطورة هو الذي جرى في بنيته الداخلية العقلية والنفسية.

وإذا كان الفلاسفة والمتصوفون والفنانون والمصلحون والأنبياء يسعون، كل على طريقته، إلى السمو بالإنسان نحو أن يعود جديرًا بالجنة التي فقدها أو الكمال الذي خسره أو اليوتوبيا (أو المدينة الفاضلة) التي يرسمونها، أو يتخيلونها، له؛ فإنني أحاول أن أعرض هنا أي عملية انحطاط وتقزيم وتشويه تعرض لها هذا الإنسان.

ولقد سبق لي في كلمة الغلاف للكتاب النثري الذي أصدرته في طبعة سورية قبل أكثر من عشرين عامًا بعنوان ‹دفاعًا عن الجنون› أن كتبت العبارات التالية: "كان لدى الإنسان حلم جميل حول نفسه. وكان يصبو إلى السمو على شرطه الإنساني. ولكن تتالي الأحوال فتح في هذا الحلم جرحًا. وبدأ الحلم ينزف ويضمحل. وراح يتخذ، مع ضموره، أشكالاً وتسميات.

وبين حين وآخر ينتبه الإنسان إلى خسارته الفاجعة، هذه، فيدرك أنه صار يجهد لمنع نفسه من الانحدار عن مستواه الإنساني إلى مستوى الحيوان. وحين يقاوم تتخذ مقاومته نوعًا من أنواع الجنون.... ".

وهنا أود أن أستشهد بعبارة من كتاب ‹تأصيلاً لكيان› لمحمود المسعدي: «يتردد الإنسان متأرجحًا بين منازل مختلفة. فمن الناس من لا يختلف كثيرًا عن الحيوان، ومنهم من يبقى طوال حياته يتخبط في البهيمية إحساسًا وشعورًا وتصورًا وحياة ومسؤولية. ومنهم من يرتفع عن ذلك درجة أو درجات. ومنهم من قد يصل في الارتفاع إلى أن يشرف على أفق عالم الملائكة أو عالم الآلهة».

وكان الأمر قد بدأ مع ترجمتي كتاب ‹التعذيب عبر العصور› لبرنهاردت ج. هروود، والذي صدر عن دار الحوار في اللاذقية عام (1984 م)، ثم صدر عن دار الجندي، بعنوان ›تاريخ التعذيب›. وكان المفروض أن يصدر أولاً عن دار أخرى. وقد اقترح عليّ القيّمون على تلك الدار أن أكتب مقدمة للكتاب. وبعد أن بدأت بكتابة المقدمة، واستنفار أفكاري وذاكرتي حول الموضوع، حدث خلاف جعلني أحول الكتاب إلى الصديق نبيل سليمان الذي قام بنشره في دار الحوار. ولكن ظلت لدي أفكاري المستفزة حول الموضوع، ولم أرض أن أتخلى عنها.

وإذا كنت أريد أن أحقق فائدة ما من العودة إلى إثارة هذا الموضوع فلا أقل من أن أطمح إلى أن أثير في نفس القارئ شيئًا من الأسف والحرقة على حلمه المفقود (وهل أتجرأ على الطموح إلى إثارة الغضب؟). ويبدو أن ما أسعى للوصول إليه مع القارئ هو، مرة أخرى مسعى أدبي انفعالي. وقد يكون أقل بكثير مما هو الهدف من مسعى الباحث المتمكن المتمرس.

ولعل أول ما أتمنى أن أثيره، إضافة إلى الأسف، هو التخلص من تعوّدنا على وحشية العالم. فلقد سبق لي أن أشرت إلى فكرة حول التعود لا أعرف أين قرأتها، وقد أوردتها في روايتي ‹أعدائي› على النحو التالي: «نتعود؟ تعرف ماذا تعلمنا يا أبي؟. ذات يوم شرحوا لنا في المدرسة شيئًا عن التعود. حين نشم رائحة تضايقنا فإن جملتنا العصبية كلها تتنبه وتعبر عن ضيقها، بعد حين من البقاء مع الرائحة يخف الضيق. أتعرف معنى ذلك؟ معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت فلم تعد تتحسس. ومن ثم لم تعد تنبه الجملة العصبية. والأمر ذاته في السمع، حين تمر في سوق النحاسين فإن الضجة تثير أعصابك. لو أقمت هناك لتعودت مثلما يتعود المقيمون والنحاسون أنفسهم. السبب نفسه: الشعيرات الحساسة والأعصاب الحساسة في الأذن قد ماتت. نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات فينا شيء».

ولكي تعرف المعنى الحقيقي للتعود اقرأ معي هذا المقطع من رواية ‹من وراء القضبان› لكارل تشيسمان:

«واكتشف هو وزملاؤه في هذا القطاع آلاف الجثث اليابانية التي كانت ممزقة ومتحللة. وكان النتن الهائل المتصاعد منها يمنع هؤلاء الرجال من الراحة والنوم والأكل. بعد ذلك ألف الرجال ذلك، وصاروا يستخدمون رؤوس اليابانيين بعد معالجتها، بحيث يكشفون الجمجمة الملساء الملتمعة، يستخدمونها زينة لمكاتبهم».

أتريد تعودًا آخر؟.

في التفاصيل التي نشرت عن الرياضيين الذين تحطمت طائرتهم في جبال الأنديز شيء آخر، فبعد أن انتهى كل ما لدى الناجين من طعام وهم محاصرون في تلك الجبال الجليدية تحت العواصف الثلجية، نصحهم أحد زملائهم، وهو طالب طب، أن عليهم أن يتناولوا البروتين لكي يتمكنوا من مقاومة البرد ومن البقاء على قيد الحياة. وليس هناك أي مصدر لهذا البروتين إلا جثث زملائهم وأهلهم الذين قتلوا في الحادث، كما أن عليهم الإسراع بنبش الجثث لأن تراكم الثلوج وضعفهم المتزايد سيزيدان في صعوبة الوصول إلى هذه الجثث.

وبعد حين ينجح اثنان منهم في جلب نجدة في طائرة هيلوكوبتر، ويقول الطيار (في كتاب ‹أحياء› الذي يروي القصة)، إنه حين أطل على مكان وجود الأحياء الناجين رأى أمامه عظامًا آدمية متناثرة على مدى النظر. «وكأن قطيعًا من الوحوش المفترسة قد داهم تجمعًا بشريًا».

حين استغرب الطيار استغربوا من استغرابه، فقد أكلوا كل جثة استطاعوا إخراجها من الثلوج. وبين الجثث أهلهم وأولادهم وزوجاتهم.

لقد استغربوا من استغرابه لأنه لم يتعود، بينما هم تعودوا على الأمر وتآلفوا معه.

هل تعودنا نحن على أمور غير مقبولة؟.

إن الشخصية في رواية ‹أعدائي› تنهي كلامها بالعبارة التالية: «تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا».

أعني: إذا كان الأمر كذلك، فكم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟! وحتى صرنا نقبل هذا العنف والتعامل غير الإنساني الذي نُعامل نحن به أو يُعامل

به غيرنا على مرأى منا في الحياة أو حين نقرأ عنه أو نراه على شاشات التلفزيون. (وسنتجاهل أننا نحن نعامل غيرنا أحيانًا بهذه الطريقة: أولادنا أو مرؤوسينا أو الذين يقعون بين أيدينا من أعدائنا مثلاً، أو السجناء الذين بين أيدينا، مفترضًا أن بعض من يقومون بهذه المهمات يمكن أن يقرؤوا ما أكتب).

وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعد أن تعذيب السجين أمر مفروغ منه. لم نعد نتساءل عن أثر ذلك التعذيب في السجين الضحية، حتى بعد خروجه من السجن، كما إننا لم نعد نتساءل عن أثر التعذيب في منفذه. وهل يستطيع بسهولة أن يعود إلى حياته اليومية العادية بعد خروجه من غرفة التعذيب، كما لو أنه خرج من المرحاض لكي يستأنف حياته.

وهذه هي أول مرة أجمع بها أفكاري حول هذا الموضوع بعد محاولات عديدة ومقالات مبعثرة في أكثر من مكان.

Page 2

/2/التوصيف

أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرًا أن ترده، أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه، ولا حرية لك ولا قدرة لديك على رده، هناك تجرب الإحساس الحقيقي بالضرب، بألم الضرب . . لا مجرد الألم الموضعي للضربة... إنما بألم الإهانة. حين تحس أن كل ضربة توجه إلى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى إلى كيانك كله، إلى إحساسك وكرامتك، ضربة ألمها مبرح لأنها تصيب نفسك من الداخل... الضرب، ذلك النوع من الضرب، حين يتحول المضروب إلى أنقاض إنسان مذعورة، أنقاض تتألم. وبوعي تحس نفسها وهي تتقوض إلى أسفل. وبإرادتها الخائفة تمنع نفسها من أن ترد، ويتحول فيها الضارب إلى أنقاض إنسان من نوع آخر، وكأنه إنسان يتهدم إلى أعلى، يسعده الألم الذي يحدثه في ابن جنسه، ويستمتع بإرادة. وبإرادة أيضًا يقتل الاستجابة البشرية للألم في نفسه فلا يكف إلا ببلوغ ضحيته أبشع درجا التهدم والتقوض، وبلوغه هو أخس مراحل النشوة المجرمة.

يتحدث يوسف إدريس، هنا، كما هو واضح، عن التعذيب في السجون، وذلك في قصته الشهيرة ‹العسكري الأسود›.

يمكننا تصنيف هذه القصة ضمن ما سمي بِ(أدب السجون)، وهو نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن والتعذيب، خلال فترة سجنهم وتعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم.

والتعذيب، تعريفًا، هو ذلك الفعل المؤذي الذي يمارسه الإنسان على الإنسان الآخر عقوبةً ردعية أو قمعية أو تربوية أو لإجباره على أمر ما، كفعل معين أو البوح بمعلومات في التحقيق، وأحيانًا كطقس ديني أو تجميلي أو لسبب اقتصادي وأحيانًا كممارسة تدريبية أو . . (وهذا هو المخيف) للاستمتاع فقط.

(وهناك تفاصيل وافية عن التعذيب وأنواعه ووسائله في كتاب ‹التعذيب عبر العصور› الذي ترجمته وأشرت إليه في التقديم).

هذا التعذيب مادي وجسدي، وهناك تعذيب وتنكيل من أنواع أخرى، لكننا سنقول إجمالا:ً إنه ممارسة الإيذاء المادي أو المعنوي.

وهو بوصفه فعلاً قمعيًا أو إيلاميًا أو ضمن تحقيق لانتزاع معلومات هو ما سنحاول دراسته أولاً للبحث عن أسبابه وعن نتائجه على مستوى الفرد والمجتمع والدولة وربما البشرية كلها.

أول ما يمكن التطرق إليه في هذا المجال هو التعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات. وهو أسلوب يلجأ إليه العدو عند السيطرة على الأسرى لمعرفة أكثر ما يستطيع عن الطرف الآخر، يريد معرفة عدد القوات وأنواع الأسلحة وأسرارها ومناطق التمركز والانتشار وأسماء القادة وكلمات السر وطرق حل الشيفرات.. إلخ.

كما تلجأ إليه السلطات عند اعتقال عناصر شبكة معينة (سياسية أو إجرامية) لمعرفة بقية العناصر وأسلوب العمل والمتعاونين وأماكن الاختباء وأسلوب التواصل.. إلخ.

هذا يعني أن هناك شخصًا لديه معلومات لا يريد الكشف عنها، وهناك طرف يريد انتزاع هذه المعلومات، ولو بالقوة.

و«ولو بالقوة» هذه تشتمل على التعذيب بكافة أنواعه التي ابتكرها الإنسان في مسيرته "الحضارية". إنها معركة بين صمود صاحب المعلومة وقدرته على تحمل الألم، وبين المحقق وجماعته الذين يوقعون بالمعنيّ أصناف الآلام.

الاعترافات المأخوذة بهذه الطريقة ليس لها صفة قانونية، فالتعذيب قد يضطر من يتعرض له إلى الاستجابة لطلبات المشرفين على التعذيب بتحمل مسؤوليات لا علاقة له بها أصلاً، وربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يخفف التعذيب عن نفسه ولو إلى حين.

لكن السلطات التي تمارس هذا النوع من التعامل لا تهتم بتصنيف تعاملها من الناحية القانونية أو الأخلاقية.

يحدث امتزاج بين طلب المعلومات والرغبة الخالصة في الإيذاء وإيقاع الألم والرعب، ويصل الأمر أحيانًا إلى نسيان سبب التعذيب، فيظل التعذيب هدفًا ووسيلة وغاية مستقلة.

ويحار ضحية التعذيب في وسيلة للخلاص منه، فلا الاعتراف يكفي، ولا الاستسلام حتى مشارفة الموت يكفي.

يصل الضحية إلى درجة الاستعداد لتبني أي جريمة تنسب إليه أو يراد منه تبنيها.

ومن "أجمل" الشهادات على مواقف من هذا النوع ما ورد في رسالة مايرخولد إلى مولوتوف قبل إعدامه. يقول: «وجدت نفسي منفصمًا إلى شخصين: الشخص الأول يحاول أن يعثر على أثر للجرائم التي يتهم بها فلا يجد، والشخص الثاني يخترع الجرائم حين يعجز الشخص الأول عن اختراعها، وفي هذا المجال كان ضابط التحقيق يقدم لي عونًا لا يقدر بثمن حيث رحت، أنا وهو، نخترع معًا في عمل ثنائي ناجح، وهكذا حين كانت مخيلتي تعجز عن اختراع الجرائم كان المحققون يهرعون لنجدتي».

ولكن للمسألة وجهها الآخر غير المتعلق بالقانون، ونحن معنيون بدراسة الآثار المترتبة على التعذيب عند طرفيه، ضحيته وممارسه.

Page 3

إذا كان بعض الواقعين تحت التعذيب يريدون كتم المعلومات أو الصمود ببطولة، فإن كثيرين آخرين لا يستطيعون الصمود فيقدمون اعترافاتهم. ومهما بعدت المسافة بين الصامدين والمستسلمين فإنها لا تكون كبيرة، لأن للجسم البشري حدودًا لاحتمال الألم. وأول دفاع غريزي يقوم به هذا الجسد هو الإغماء، لكي ينعدم الإحساس بالألم، ونهايته الموت طبعًا، وللجلادين أساليبهم في إيقاظ هذا الإحساس، مثلما أن لهم أساليب متقنة لتجنب موت الضحية.

وهناك من يقعون تحت التعذيب وهم أبرياء وجاهلون بما يحقق الجلاد فيه. وهؤلاء يكتمون المعلومة ببساطة، لأنهم لا يعرفونها، مثلما أن هناك من يستمر في التعذيب وهو لم يعد يريد معلومات، يريد أن يذل الطرف الآخر أو أن يتسلى.

وسواء خرج ضحايا التعذيب أصحاء أم مشوهين جسديًا، سنحاول معرفة: ما الذي يحدثه هذا التعذيب فيهم من الداخل؟.

ولا ننسى أيضًا أن الجلاد (الذي يمارس التعذيب) ليس هو، في كثير من الأحوال من يطرح الأسئلة، إنه يقوم بالتعذيب فقط، وعند وصول الضحية إلى الاستسلام يتم أخذ هذا الضحية إلى حيث تدلي باعترافاتها أمام المسؤول المعني، الذي ربما حضر "حفلات" التعذيب، وربما لم يحضرها.

ولكن كيف يقوم الجلاد بعمله؟ ولماذا؟ وبماذا ينعكس عليه؟.

في محاضرة ر. د. لينغ بعنوان ‹الواضح›، وهي المنشورة في كتاب ‹ديالكتيك التحرر›، بالإنكليزية، يشرح لنا لينغ التجربة التي قام بها الدكتور ستانلي ملغرام في جامعة ييل الأمريكية (وهي ذاتها التجربة التي قدمها فيلم ‹أنا المقصود بإيكاروس/ I For Icarus › من إخراج هنري فرنويل وتمثيل النجم الشهير إيف مونتان).

تجري التجربة على البشر بهدف الوصول إلى جواب عن السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان في إيقاعه الأذى بإنسان آخر، أو تسبيب الألم له، وهو الذي لا تربطه به أي رابطة سلبية أو إيجابية (وحتى معرفة مسبقة أو حب أو حقد أو مصلحة)؟.

ويكون الجواب، في الفيلم، أن أكثر من (60%)من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يصلون إلى أقصى الحدود المفترضة (القتل)، «طالما أن هناك سلطة يحترمونها أو يخافونها، وهي التي توجه إليهم الأمر»؛ ومن ثم تتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية.

وقد بلغ المقدار عند الدكتور ملغرام (26) من أصل (40) أي بمقدار (65%). ويعلق بطل الفيلم إيف مونتان قائلاً: «إذًا فإن ثلثي السكان في مجتمعنا المتحضر الذي يدعي الديموقراطية مستعدون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعًا».

وقبل أن يحاول أحد أن يتخلص من عبء هذه النتيجة المخيفة، بالقول، كما جرت العادة، إن هذه هي أمراض المجتمع الرأسمالي، أسارع إلى القول إن المقدار قد يكون عندنا وعند غيرنا أعلى مما هو عليه في الولايات المتحدة، وسنتحقق من ذلك عند متابعة منطق التجربة.

يسوغ أحد النماذج، ممن أجريت عليهم الاختبارات، عند سؤاله عما إذا كان يحق له أن يوقع ذلك الأذى بالطرف الآخر بقوله: "مسألة يجوز أو لا يجوز، هذه، متعلقة بالهيئة التي أصدرت الأمر. إن الطيار الذي يتلقى أمرًا بقصف قرية لا يسأل عما إذا كان عمله هذا جيدًا أم سيئًا. هذا ليس من شأنه، عليه، فقط، أن ينفذ الأوامر".

ويشرح الدكتور المشرف على التجربة، في الفيلم، كيفية حدوث المجازر الجماعية. السؤال هو: "كيف يستطيع الديكتاتور توفير العناصر اللازمة لتنفيذ مجزرة جماعية"؟، والجواب: بتوزيع المهمات والمسؤوليات، هناك من يقومون بعمليات الاعتقال، وآخرون بالتجميع، وغيرهم بنقل المعتقلين بالسيارات، وغيرهم أيضًا بحراسة معسكرات الاعتقال. وكل منهم لا يحس أنه ينفذ مجزرة، بل إنه ينفذ أمرًا محددًا صدر إليه ويتعلق بتفصيل يمكن عده منفصلاً عن المجزرة، ثم تأتي عمليات القتل النهائية والتي تقتضي وجود بعض العتاة الذين لا يصعب العثور عليهم أو تدريبهم وإعدادهم لكي يصيروا ملائمين لهذه المهمة، (وسنرى لاحقًا كيف يتم إعدادهم).

إن توزيع المسؤوليات، هذا، والذي يهدف إلى تخفيف نصيب كل شخص أو طرف من العبء الناجم عن مسؤولية عمليات التقتيل الجماعي، لا يلغي أن كل طرف قد قرر، بينه وبين نفسه على الأقل، التغاضي عما سيفعله الآخرون لإعفاء النفس من المسؤولية (أمام الذات والآخرين).

وهذا التوزيع في المسؤوليات قد رأيناه ينفذ في مجزرة صبرا وشاتيلا المعروفة(1) بين(16 و 18 أيلول/ سبتمبر 1982 م). فمن متابعة الأقوال والتصريحات بعد اكتشاف الأمر تبين أن المجزرة التي استفرد فيها مسلحون صهاينة وكتائبيون بأهالي المخيمين العزل طوال (36) ساعة قد تم الإعداد لها وتنفيذها على النحو التالي:

* إجبار المسلحين الفلسطينيين على الانسحاب من بيروت والمخيمات من أجل أمن إسرائيل (كهدف معلن للغزو الذي تم منذ أول شهر حزيران حتى منتصف شهر أيلول من عام (1982 م) وعرف باسم "اجتياح بيروت")، مقابل تعهد دول عظمى، بينها، وعلى رأسها، الولايات المتحدة الأمريكية، بحماية المدنيين العزل في بيروت والمخيمات.

* مقتل بشير الجميل الذي حاولت إسرائيل فرضه رئيسًا للجمهورية اللبنانية في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

* الجيش الإسرائيلي يدخل بيروت الغربية "لمنع الكتائب من القيام بعمليات انتقامية" كما أعلن المسؤولون الإسرائيليون. وكان هذا يعني حرفيًا حماية المدنيين الفلسطينيين والمسلمين العزل في بيروت الغربية من انتقام الكتائب.

* تطويق المخيمين (صبرا وشاتيلا) من قبل القوات الإسرائيلية.

* السماح لمسلحي الكتائب بالدخول إلى المخيمين بذريعة "البحث عن الفدائيين الفلسطينيين الذين خلفتهم منظمة التحرير وراءها"، ولا ننسى طبعًا أن الكتائب كانت في حينها طرفًا في حرب أهلية ضارية استمرت منذ عام (1975 م) (أي منذ سبع سنوات).

* الجنود الإسرائيليون لم يفعلوا شيئًا، حسب تصريحات قادتهم، إلا منع خروج أحد من المخيمين ومنع دخول أحد إليهما بعد دخول مسلحي الكتائب.

* المساعدة الإضافية الوحيدة التي قدمتها القوات الإسرائيلية، كما صرح قادتها، هي إلقاء القنابل المضيئة ليلاً على المخيمين.

وهكذا استفرد مسلحون حاقدون ومطلقو الصلاحية مدة ست وثلاثين ساعة بآلاف الناس العزل.

وسنكتفي بشهادة لطبيبة فرنسية أدلت بأقوالها لصحيفة "صدى المعركة" ونشرت في العدد (161) تاريخ (26 أكتوبر/تشرين الأول 1982 م). تقول الطبيبة: "كانوا يدفنونهم أحياء، كانوا يربطون الفتى بسيارتين تسيران في اتجاهين مختلفين، كانوا يقتطعون من اللحم البشري بالسكين، ويضعون اللحم المدمى في فم صاحبه، اغتصبوا وهتكوا، قطعوا الأيدي، خنقوا وشنقوا، أحرقوا بشرًا أحياء، تراهنوا على من يقتل أكثر في دقائق محددة، والخاسر كان يجرب حظه في مباريات جديدة".

وقد استطاعت التحقيقات أن توضح دورًا أكبر للإسرائيليين، ولقائدهم شارون، في تلك المجزرة، وهذا ما دعا إلى إقامة الدعوى على شارون في بلجيكا. وحين أحس الإسرائيليون أن إيلي حبيقة (قائد القوات التي اقتحمت المخيمين) يستعد للإدلاء بالمعلومات التي لديه، قاموا بقتله.

بين الضرب في الزنزانة واللهو بالتقتيل سيكون مجال بحثنا في هذا اللون من العنف البشري وتأثيراته على الطرفين: من يمارس التعذيب والتقتيل ومن يُمارَس عليه.

Page 4

/3/ورطة الإنسان الأعزل

النتيجة التي يصل إليها الدكتور ملغرام في دراسته لاستعدادات الإنسان "لإيقاع الأذى بأخيه الإنسان" هي أنه يعتمد على تجيير المسؤولية نحو "السلطة التي تعطي الأوامر". ولكن تحديد هذه المسألة بمجرد "بإطاعة الأوامر لأنها صادرة عن سلطة مرهوبة أو محترمة" لا يكفي لتغطية مسوغات الأفعال التي حدثت في مجزرة مثل صبرا وشاتيلا (أو غيرها من المجازر المعروفة في التاريخين القديم والمعاصر).

من جهة الدوافع (بشأن مجزرة صبرا وشاتيلا التي ندرسها مثلاً) هناك الكثير: انتقام نابع من الحقد المتراكم بعد سلسلة المجازر المتبادلة خلال سنوات الحرب الأهلية، ورغبة الكتائبيين بترويع الفلسطينيين لكي يهاجروا من لبنان (بالأسلوب ذاته الذي تم ترويعهم فيه قبل وفي أثناء حرب الثمانية وأربعين من أجل إجلائهم عن أرضهم في فلسطين)، وانتقام الجيش الإسرائيلي لأكثر من سبب معروف من الفلسطينيين الذين قاوموه ثلاثة أشهر، وحتى من الأطفال الذين فاجؤوه في معارك الدبابات (فتيان الآر بي جي)، ورغبة قوى لبنانية أخرى بإخراج "الغرباء" جميعًا من بلادهم بعدما "دمروها"، واقتناع أطراف لبنانية بأنها ليست عربية؛ إضافة إلى رغبة الصهاينة في إبادة الفلسطينيين.. إلخ.

إذا قبلنا الصيغة الأولى للرواية التي عممت عن مجزرة صبرا وشاتيلا، فقد يكفي الاعتماد على أوامر السلطة "المحترمة أو المرهوبة" وعلى فكرة توزيع المسؤوليات لتسويغ أعمال الجندي الذي سمح بدخول المسلحين إلى المخيمين، ثم منعَ أحدًا من الدخول وراءهم . وقد يكفي لتبرير أعمال الجندي الذي كان يلقي بالقنابل المضيئة لتسهيل أعمال القتلة. ولكن هذا لا يكفي لتسويغ أو تفسير السلوكيات الفردية لكلٍّ من الذين مارسوا أعمال التقتيل أو صاروا يلهون بالتقتيل (ممن ذكرتهم الطبيبة الفرنسية في شهادتها).

المجازر الجماعية هي المثال الأكثر شمولية لـ "الأذى الذي يوقعه إنسان بإنسان آخر". وهي أكثر ما يخافه الإنسان في الحروب. وبخاصة بعد استسلام المقاتلين لأعدائهم، أو دخول الجيوش إلى المناطق المدنية المعادية.

ولنذكر بعض الإحصائيات السريعة: في الحرب العالمية الأولى قتلت الأطراف المتحاربة أكثر من ستة ملايين أسير بعد استسلامهم لأعدائهم، ويكفي التذكير بالمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الأرمن في هذه الحرب، وفي الحرب العالمية الثانية هناك المجازر التي ارتكبها النازيون ضد الغجر والبولونيين واليهود والسوفييت وغيرهم.

وقد أدت الفظائع التي ارتكبت في هاتين الحربين بحق الأسرى والمدنيين، وفي الحرب العالمية الثانية على نحو خاص، إلى انعقاد مؤتمر جنيف بدعوة من هيئة الصليب الأحمر الدولية تحت رعاية الحكومة السويسرية. ونجمت منه أربع اتفاقيات رئيسة هي: اتفاقية معاملة الجرحى في الحرب البرية، واتفاقية معاملة الجرحى والغرقى في الحرب البحرية، واتفاقية معاملة أسرى الحرب، واتفاقية معاملة المدنيين.

الجرحى والأسرى والغرقى والمدنيون العزل هم الذين يحاول القانون الدولي حمايتهم في الحروب.

أي أن الإنسان، بذاته، ومن خلال الممارسات الشنيعة عبر تاريخ الحروب، لم يكن ميالاً إلى الحفاظ على حياة هؤلاء، فالحروب تقوم لأهداف يراها القادة والزعماء وتجعلهم يعلنونها ويشنونها، ولكن هذه الأهداف تصل إلى الأفراد بطريقة خاصة تجعلهم مؤهلين للقتل من أجلها في الميدان، غير أن تأهيلهم لهذا القتل لا ينتهي عند استعدائهم على الخصم المحارب لقتله أو إيقاع الهزيمة فيه، بل يمتد إلى قتل الجريح والأعزل والمستسلم ثم المدني المسالم؛ ما يمكن تلخيصه بالرغبة في إبادة الطرف الآخر إبادة نهائية.

والهيئات الدولية، بصفتها التعبير الأسمى عن الضمير العام المشترك، تحاول حماية هؤلاء الضعفاء، أو الذين انتهت فاعليتهم القتالية، من أخصامهم الأقوياء. وتتوسع الدائرة التي يطالب الضمير الإنساني العام المشترك نفسه فيها بالتدخل لتشمل (نظريًا) حماية الأقليات داخل الدول، ثم حماية الأفراد أنفسهم من الحكومات التي تحكمهم، وقد يصل الأمر إلى حماية التلاميذ من أساتذتهم والأبناء من أهلهم والزوجات من أزواجهن.

ولقد أفردت ندوات وأبحاث خاصة لدراسة العنف الموجه إلى المرأة، سواء خلال تربيتها المنزلية عند أهلها أو عند زوجها بعد الزواج، وحتى في العمل وفي الحياة العامة وفي الشارع، ومن خلال القيم المتوارثة.

وثمة من قال إن السائر في الليل في شارع خال قد يحس بالخوف حين يشعر بأن هناك خطوات تتبعه. وأسباب هذا الخوف عديدة، وهي مشتركة بين الرجال والنساء، ولكن يضاف إلى هذه الأسباب سببان متعلقان بالمرأة وحدها: الأول هو الخوف من خطر التعرض للاغتصاب. والثاني لمجرد كونها امرأة.

ولنلخص الحالة على نحو مجرد:إنسان قوي بسلطته أو بسلاحه أو بماله أو بعضلاته، وبين يديه، أو أمامه، إنسان آخر ضعيف لأنه أعزل أو جريح أو مهزوم أو معتقل أو ضعيف أو لأنه صغير أو لأنه امرأة.

هناك رغبة "إنسانية" في حماية الضعيف في هذه الحالة حتى لو كان هذا الضعيف قد قرر المواجهة باختياره، كما يحدث في مباريات الملاكمة والمصارعة، حيث توقف المباريات "لعدم التكافؤ" و"لأسباب إنسانية"؛ وذلك لأن هناك إمكانية "إنسانية"، أيضًا، لأن لا يتوقف الخصم حتى عند استسلام المهزوم قبل القضاء عليه قضاء تامًا(2).

ما الذي يدفع الإنسان الأول إلى إيقاع الأذى أو التشويه في الإنسان الثاني بعد تحقيق النصر وإيقاع الهزيمة؟.

Page 5

حين يرى الإنسان السوي جثة حيوان فإنه يبعدها لكي يبعد رائحتها و"منظرها"، وحين يرى الإنسان السوي جثة إنسان آخر ينفعل، ثم يسارع إلى دفنها، ليس فقط لأنه يريد تجنب رائحتها؛ بل هو لا يريد أن يرى تفسخها ونهش الكلاب لها وتفجر الدود منها، لماذا؟ لأن الجثة لإنسان مثله، وهناك احترام ضمني للرابطة المشتركة بين الإنسان والإنسان، ولعل الإنسان لا يريد أن يرى مصيره القادم في مثال هذه الجثة، ولذلك فإن أبشع أنواع المجرمين هم الذين يحفرون المقابر ويعبثون بالجثث.

فماذا نقول إذًا حين يكون العبث والتشويه بالجسد الإنساني الحي؟، وحين يكون الجسد لإنسان ضعيف وأعزل ومسالم؟، وماذا نسمي من يضع إنسانًا مقيدًا أو عاجزًا أمامه ثم ينهال عليه ضربًا وتجريحًا وتقطيعًا، ليس في مباراة للفوز، بل في زنزانة، حين يكون معتقلاً وبين يدي من نسميه الجلاد أو خبير التعذيب؟.

في كتاب ‹العسف›، عن الثورة الجزائرية، عرض لتجارب أناس تعرضوا للتعذيب، وفيه استنتاجات: "نميز بين صنفين مرتبيين من الجلادين: هناك الذين قبلوا أن يجعلوا من هذه المهنة القذرة وسيلة للحصول على خبزهم اليومي، وهناك الذين يدافعون، بشعور منهم أو غير شعور، عن المواقف الاجتماعية والامتيازات التي تخصهم بها سلطة مثل هذه الأجهزة.. وكما في كل مكان، الأوائل يعتصمون خلف أدوارهم كمنفذين. والآخرون يجدون مسوغات لأعمالهم في الترسانة الإيديولوجية".

ها نحن نعثر على سبب آخر غير إطاعة الأوامر، أو أننا نضع أيدينا على الخطوة الأولى في إعداد القتلة وتدريبهم وتأهيلهم.

إن منفذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معين وعواطف وأحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة "للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها" أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة، هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة (الإثنية). (الخصم "الحر" يجب أن يصنف على أنه «لا إنساني»، كما يقول دافيد كوبر في ‹ديالكتيك التحرر›، «وغير الإنساني يصبح غير إنسان... وبهذا يمكن تدميره تدميرًا تامًا من دون أي احتمال لشعور بالذنب».

ويقول سارتر في تقديمه لكتاب فرانز فانون ‹معذبو الأرض›: «لما كان لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله إلا ويكون قد اقترف جريمة فقد أقروا [يقصد المستعمِرين] هذا المبدأ: وهو أن المستعمَر ليس شبيه الإنسان. وعُهد إلى قواتنا [يقصد القوة الاستعمارية الأوربية] بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطن معاملته للدواب. إن العنف الاستعماري لا يريد المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبَدين؛ وإنما يحاول أن يجردهم من إنسانيتهم».

كما ينبهنا سارتر إلى اللغة التي يتكلم بها المستعمِر عن المستعمَر، فهي ذاتها اللغة المستخدمة في وصف الحيوانات، «إنهم يستخدمون تعابير: زحف العرق الأصفر، أرواث المدينة الأصلية، قطعان الأهالي، تفريخ السكان... إلخ».

والجلاد إذًا يرى في (الضحية-الخصم) أذى للبشر لأنه عدو للبشر أو أنه من غير البشر. ولم تكن النظرة العرقية، في البدء، تجعل الجلادين يحسون بأنهم يؤذون بشرًا، بل هم يخلّصون البشرية من أنصاف البشر الضارّين (فالنصف الآخر في كل منهم شرير وحقير وغير إنساني ومؤذ للإنسانية) أو هم يروّضون أنصاف البشر، هؤلاء، كما يروضون الجياد والبغال والحمير، لكي يصبحوا صالحين لخدمة " البشر الأسوياء ".

وتزداد هذه النظرة إلى الخصم عمقًا واتساعًا، فلا يكتفي الجلاد، والجلاد هنا ليس فقط ذلك الذي يمارس التعذيب؛ بل هو الذي يقوده ويوجهه، بأن يرى الخصم حيوانًا؛ بل يرى الطرف الآخر كله (القبيلة الأخرى كلها، الحزب الآخر، الشعب الآخر، القومية الأخرى) حيوانات. ومن هذه النظرة الفوقية الاحتقارية للآخرين تتولد نظرية الامتياز العرقي (الامتياز القومي، وشعب الله المختار).

ويجب أن نلاحظ أن الأقليات المنكمشة هي أقليات عانت من الاضطهاد، واضطرارها للعيش داخل دائرة الاضطهاد يدفعها إلى نسج نوع من الشرنقة حول نفسها لتؤمن الحد الأدنى من الحماية الذاتية مع الحفاظ على ملامح الهوية أو التشبث بها، والقدرة على الحفاظ على هذه الملامح، مع قسوة الحياة أو استحالتها، هي التي تجعل أبناء الأقلية المضطهَدة يحسون بنوع من الامتياز. كما أن الميادين الاستثنائية المتاحة والتي يسمح لهم بأن ينشطوا ويصرفوا طاقاتهم فيها تجعلهم يتميزون ويبرزون فيها؛ ما يعزز هذا الإحساس بالامتياز. وبحيث إن النظرة المجملة من قبل أبناء الأقلية لتاريخها يوصلهم إلى نتيجة تتلخص في القدرة الاستثنائية لهذه الفئة، وإلى تصور أن فئة أخرى ما كانت لتستطيع الصمود أو البقاء أو التماسك لو واجهت الأحوال ذاتها. وحين تتاح الفرصة لهذه الفئة المستضعفة أن تتنفس وتخرج إلى النور، أو أن تسود وتتسلط، فإنها تريد أن تؤكد هذا الامتياز بحس انتقامي من الآخرين هو نوع من الانتقام من الماضي.

ولكن الإحساس بالاصطفاء والاختيار الإلهي أو التميز العرقي ليس وقفًا على الأقليات المضطهدة، فالنازية قامت على الشعور بالتفوق العرقي، وسعت إلى تنقية العرق الآري، وكان من بين إجراءاتها، إضافة إلى الإبادة، محاولة تعقيم الأجناس الأخرى لضمان إنهاء وجودها، وهتلر هو الذي كان يتحدث عن «حيوات غير جديرة بالحياة».

وكلمة (تحسين النسل/ Eugenics) مشتقة من كلمة يونانية تعني «الجيد بالولادة» أو «النبيل بالوراثة». وتقول النظرية إن الإنسان يمكن أن يتحسن بالتربية والتوليد مثل النبات، وكان داروين من الداعين إلى ذلك، ومثله كان برنارد شو، وكانت النظرة إلى الموضوع على أنه نظرية تقدمية، أو متقدمة، وعلاجية للتطور، ولكن الأمر لا يقف عند النازية.

فقد نشرت الغارديان البريطانية تحقيقًا فضائحيًا عن هذا الموضوع جاء فيه:
 

Page 6

«يخطر لنا أن التجارب العلمية التي تجري على البشر قد توقفت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن هناك الكثير مما لم يتوقف ومما لم يتم الإعلان عنه بعد. وقد تم مؤخرًا اكتشاف أن السويد مثلاً، ويضيف التقرير أن الأمر ذاته يحدث في جميع الدول المتقدمة، قد ظلت إلى ما قبل عشرين سنة تجري تجارب تحسين النسل على مواطنيها. ومنذ (1935 م) وحتى (1976 م) هناك أكثر من (600) ألف مواطن سويدي جرى تعقيمهم (إصابتهم بالعقم المتعمد) من دون إرادتهم، أو من دون أن يعرفوا بما كان يجري لهم، وهؤلاء، موضوع التعقيم، هم المعوقون جسديًا أو عقليًا، وغير المرغوب بهم اجتماعيًا، والنساء اللواتي لديهن عدد كبير من الأولاد ويعشن حياة «سيئة»، والنساء اللواتي يحسبن غير قادرات على تربية الأولاد، أو غير قادرات على اختيار طريقهن في الحياة بطريقة «صحيحة». وبين المعقمين غجر ومشردون والذين هم «ليسوا من العرق السويدي الأصيل». ويتساءل الكاتب في ‹الغارديان›: «بماذا يذكرنا هذا؟» وهو يقصد أن هذا يذكر بما فعله النازيون.

ويضيف ويليم بلاف في ‹ملحق نيويورك تايمز› الخاص بالكتب أن هذه الإجراءات الهادفة إلى تنقية العرق والتخلص من «الدم الفاسد» ليست وقفًا على السويد بل هي شائعة في الدول الإسكندينافية كلها وفي سويسرا واليابان وفرنسا، التي تقول إحدى المجلات إن ما يزيد على (15) ألفًا تم تعقيمهم فيها.

وفي بريطانيا كانت مسألة تحسين النسل إشكالية مطروحة أيام حرب البوير. وحتى عام (1950 م) ظلت بعض الجمعيات البريطانية الخيرية ترسل الأطفال الفقراء وغير الشرعيين إلى أوستراليا لكي يصبحوا خدمًا من دون عقود أو أجور. (وحسب نظريات تحسين النسل فإن أوستراليا، التي كانت مأهولة بالأولاد غير الشرعيين وبالمجرمين، يجب ألا تكون إحدى أكثر الدول التزامًا بالقانون، وخلال الحرب كان تشرشل يرسل الجنود الأوستراليين، وليس البريطانيين، إلى سنغافورة حيث الخطورة أكبر، إن من الممكن التضحية بهم لأنهم ذوو «دم فاسد»).

وفي الولايات المتحدة وخلال عام (1972 م) وحده تم تعقيم (16) ألف رجل وثمانية آلاف امرأة بالقوة. وتصر جمعيات التعقيم الأمريكية على أنه يجب تعقيم (10 %) من السكان لكي يتم إنقاذ العرق الأبيض من الاندثار. ولم يُلغَ قانون التعقيم إلا عام (1973 م).

ويجادل البروفسور توربجورن تانسجو في جامعة ستوكهولم قائلاً إن التعقيم قد اكتسب السمعة السيئة من تصرفات النازيين، وإنه علينا أن نتحرر من كابوس التجربة النازية والنظر إلى التعقيم بمنظار آخر، فالتعقيم يتم لأسباب عديدة، هناك أسباب عرقية كما يعترف، ولكن هناك أيضًا أسباب نسلية «لمنع انتقال الأمراض القابلة للتوريث» وديموغرافية «لوقف التضخم السكاني» وإنسانية «لضمان أن الأطفال سيولدون عند آباء قادرين على العناية بهم».

وفي البلدان المتقدمة، وبعد فضيحة استمرار عمليات التعقيم البشرية والكشف عنها، كُشف أيضًا عن أمور أخرى تقوم على التعامل مع بعض الناس مثلما يتم التعامل مع فئران المخابر وحيوانات التجارب. ومن ذلك إجبار المئات من الأطفال المعاقين عقليًا على أكل أطعمة تحتوي على مقدار كبير من السكريات لدراسة تأثيرها في الأسنان. وقد دافع الأطباء عن أنفسهم بالقول إن هذا من أجل الصحة السنية للبلاد.

وربما كان لدى كل شعب من شعوب العالم نوع من الاعتزاز الذي ينطوي على إحساس بالتميز عن شعوب الأرض الأخرى، وهو ما يسميه إيريك فروم بـ «النرجسية الجماعية»، ولكن هذه النظرة لا تتجلى في شكلها المؤذي إلا حين يتفوق هذا الشعب فعليًا في ميدان من الميادين؛ وخاصة في الميدان العسكري.

وبعيدًا عن هذه النظرة العرقية يندرج البشر كلهم في إطار تشويه الخصم. والدكتور شموئيلي موريه (الإسرائيلي)، المحاضر في (جامعة القدس – قسم اللغة العربية)، أكثر وضوحًا ودقة في طرح المسألة وتحليلها. في كتابه ‹الصراع العربي – الإسرائيلي في مرآة الأدب العربي› يقول: «في حالات الصراع بين شعبين يحاول كل طرف أن يشوه شخصية الطرف الآخر.. وأن يدقق في سلبياته بواسطة عدسة مكبرة. ويؤدي التوتر الناجم من هذا الصراع إلى تصعيد الاتجاه نفسه، لدى كل طرف من الطرفين، صوب إبراز التناقضات الاجتماعية والثقافية والدينية وتشويهها إلى درجة التأكيد على التمايزات في المظهر الخارجي، مثل اللباس وبنية الجسم وتقاطيع الوجه ولون الشعر والجلد وما إلى ذلك … ويستهدف الطرح لدى كل من الطرفين التأكيد على اختلاف أبناء الشعب العدو وغرابتهم وتسويغ علاقات العداء والرفض لهم. إضافة إلى ذلك هناك هدف مزدوج كامن في الأمر: تسويغ الدعوة لإبادة العدو على الصعيد الخارجي؛ ورفع المعنويات وتحويل الصراع إلى أسطورة قومية على الصعيد الداخلي». مجلة ‹أوراق›، العدد (8 شباط/ فبراير 1984 م).

ولقد جاء في محكمة الشعب الدولية في اليابان (1983 م) للتحقيق في جرائم الغزو الإسرائيلي للبنان ما يلي: «كما أننا شاهدنا صورة جندي إسرائيلي شاب يقف على ناصية شارع في بيروت، هذا الجندي قال للمصور الذي قدم لنا شهادته إن أسلوبه [أي أسلوب الجندي] في التغلب على الخوف الذي كان يحس به من هول ما يجري هو أن يعد الناس الذين حوله غير بشر».
 

Page 7

ولعل ما جاء في مسرحية ‹الشلال› لطاغور يلخص هذه النظرة المتبادلة بين الخصمين، فالخصومة قائمة بين أهل أوتاراكوت وأهل شيفتاري. ولنقرأ ما يقوله كل طرف منهما عن الآخر:

أهل أوتاراكوت:

المعلم: مولاي. اليوم ستكرمون مهندسنا الملكي بيبهوتي، لذا جئت بتلاميذي للمشاركة..

راناجيت: أظن أنهم يعرفون جميعًا ما فعله بيبهوتي، أليس كذلك؟

الصبية: "وهم يتواثبون ويصفقون بأيديهم" نعم، نعم، لقد حجز مياه الشرب عن شيفتاري.

راناجيت: ولم فعل ذلك؟.

الصبية: لتعذيبهم.

راناجيت: ولم يعذبهم؟.

الصبية: لأنهم أشرار.

راناجيت: أشرار كيف؟.

الصبية: الكل يعرف ذلك، إنهم أشرار جدًا، أشرار للغاية.

راناجيت: ولكنكم لا تعرفون لم هم أشرار.

المعلم: بالطبع يعرفون يا مولاي المهراجا، هيا، ألم تقرؤوا؟ ألم تقرؤوا في كتابكم؟ "هامسًا" ديانتهم ديانة بشعة.

الصبية: نعم، نعم، ديانتهم بشعة جدًا.

أما أهل شيفتاري فيتحدثون على النحو التالي:

1 – أي وجوه هي وجوه أهل أوتاراكوت ! كأني بالخالق قد بدأ يشكل كتلة من اللحم، ولم يسعفه الوقت لإكمالها.

2 – وما أضيق ملابسهم ! شيء مضحك، أرأيت مثلهم؟

3 – لقد عبؤوا أنفسهم في عبوات خشية ضياع قطعة صغيرة منهم.

1 – لقد ولدوا، كما ترى، للبؤس والعبودية، ولكنهم لا يفعلون شيئًا سوى التسكع في الأسواق والحوم حول القوارب والمراكب.

3 – إنهم جهلة لا ثقافة لهم، خذ مثلاً كتبهم التي يسمونها مقدسة، ماذا فيها؟

1 – لا شيء، لا شيء إطلاقًا، لقد رأيت حروف كتابتهم كطابور زاحف من نمل أبيض.

2 – أصبت. إنهم كالنمل يقضمون ويدمرون كل شيء بثقافتهم.

3 – ثم يدفنونه تحت جحورهم.

1 – نعم، يقتلون أجسادنا بأسلحتهم، وعقولنا بكتبهم.

2 – إنهم غارقون في الخطيئة، يقول مرشدنا إن مجرد ظلهم في الطريق نجاسة.

ولكننا يجب أن ننتبه إلى أن التربية على العنف، بذريعة توجيه العنف ضد الأعداء، تتسبب في ارتداد العنف على المجتمع نفسه. فقد تبين من إحصائية نشرها مجلس حماية الأولاد الإسرائيليين أن إسرائيل تتصدر سلم العنف بين تلاميذ المدارس عالميًا. إذ إن مقدار (24 %) من تلاميذها تعرضوا للعنف خلال عام (1999 م) (أوستراليا في الدرجة الثانية 14 %، والولايات المتحدة 10 %).
 

Page 8

ويعقب البروفسور يوسي يونا، المحاضر في كلية التربية في جامعة النقب: «إن مجتمعًا يخضع للقوة ويقرر أنه بواسطتها يمكن أن يحمي وجوده هو مجتمع تطبع مع العنف. إنه يحول العنف إلى جزء طبيعي، لا بل إلى جزء لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي، وأكثر من ذلك أنه يعلمه بأن القوة هي السبيل الوحيد لحل المشكلات... نحن نريد أن يكون أولادنا عنيفين فقط تجاه الأعداء، ولكننا لن نستطيع منع ذلك المسار الطبيعي بأن ترتد القوة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه».

ونختم هذا المقطع بالتصنيف المتبادل بين العرب واليهود: ففي كتاب دان أرويان ‹شخصية العربي في المسرح الإسرائيلي› يورد مقابلات حول مسرحية ‹مدينة واحدة›. وفيها يبدو العربي شخصية سلبية في الأساس: قديم جدًا وقبيح ومنتن وبطيء وأناني وشرير وسكير.. وفي مقابل ذلك تجد اليهودي الإسرائيلي شخصية إيجابية بطولي جدًا ومتفائل ومعترف بالجميل ومنكر لذاته ووسيم ومباشر ومتعال وسريع.. ويقول أحد العرب عن نفسه في المسرحية: «أنا عربي. لي شارب. أرتدي كوفية، وأنا قذر عفن همجي جبان منافق ماكر. لدي عقلية عبد. لذا أنا مخادع من دون ثقافة. أنا خائن لا يمكن الاعتماد علي..»

إن المجزرة، بوصف محايد، هي عملية تقتيل جماعية لأناس غير مسلحين،

أو مستسلمين، يقوم بها أناس أقوياء ومسلحون نمّيت لديهم أحقاد واستعدادات وحشية من خلال الإلغاء الذهني للآخر إلى حد عده من غير البشر.

بعد متابعة المجازر التي ارتكبها الأمريكيون في فييتنام يقول فيليب سلاتر في كتاب ‹السعي نحو العزلة›: «هناك نوعان من الإبادة البشرية تتم ممارستها في فييتنام، وربما كانا يحتاجان إلى نوعين من التفسيرات. أولاً هناك الإبادة من النوع الذي قام به جنود "هوي"، إبادة في منطقة محددة حيث يستطيع القاتل أن يرى الدم الذي يسفكه ويستمتع به كما هو واضح [ومجزرة صبرا وشاتيلا من هذا النوع]. والثاني، وهو الأكثر شيوعًا، ولا سيما بعد التطور الهائل في الأسلحة، الإبادة عن بعد، ويكون فيه القتل أكثر شمولاً، وبحيث إن القاتل يفكر على أساس المناطق على الخارطة أكثر مما يفكر بالأفراد [قصف هانوي أو قصف هيروشيما أو قصف بيروت أو أسلوب ما يسمى بسياسة الأرض المحروقة. وقد اعترف أحد الضباط الأمريكيين الذي أعطى الأوامر بتقتيل لواء من جنود عراقيين منسحبين في حرب الخليج (1992 م)، وشارك هو بنفسه في التنفيذ، بأنه شعر بأن الأمر شبيه بلعبة الغيم (GAME)، التي يمارسها الأولاد على الكومبيوتر أو الأتاري]. وفي الحالتين لا تُرى الضحايا بشرًا... ولكن في الحالة الأولى يرى القاتل، على الأقل، النتائج المباشرة لعمله؛ بينما لا يرى ذلك في الحالة الثانية».

وفي مقال للبروفسور رالف روزنتال في ‹المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع› يقول: «لكي تنجح الإبادة يجب أن تتوفر لها أربعة عناصر، أولاً أن يكون منفذو الإبادة على اقتناع تام بصحة عملهم، وبأنهم يتصفون بالامتياز العنصري والإنساني من غيرهم. ثانيًا: أن يكون أمام المنفذين مجموعة تستحق الإبادة [من وجهة نظرهم]. ثالثًا: أن تتوفر الأسلحة القادرة على التنفيذ بالسرعة المطلوبة. رابعًا أن تتم العملية وسط جو سياسي ومعنوي خاص لا يكترث لعملية الإبادة، وإنما يقابل هذه العملية بالتفرج عليها».

هل اقتربنا من فهم المجزرة؟.

إذا دققنا في الآداب الأوربية نرى هذه الفوقية العرقية التي يتعامل بها الإنسان الأبيض مع ملوني الأرض: (لكي يطرح ألبير كامي أزمة بطله في ‹الغريب› ابتدأ بالقتل، ولكي لا ينشغل القارئ بشخصية القتيل فإنه يختار لبطله أن يقتل عربيًا جزائريًا «لأن الشمس كانت ساطعة»، ثم يتابع مشكلة البطل)، ثم كيف يصوّر الياباني أو الفيتنامي أو الصيني أو الأفريقي أو العربي أو المكسيكي أو الهندي الأحمر في قصص وأفلام الوسترن والحروب والعصابات؟، وأي مقدار من الشر موجود لدى هؤلاء، وغيرهم، بحيث إنهم يشكلون ذلك الخطر الهائل على البشرية إذا تمكنوا من التقدم علميًا وتمكنوا من امتلاك سلاح مدمر؟، (الإنسان الأبيض الأوربي أو اليهودي في كثير من الأحيان هو المنقذ من هذا الشر ابتداء بطرزان ربيب القرود وانتهاء بجيمس بوند التكنولوجي).

ما هي صورة الهندي الأحمر في التراث الغربي (الأمريكي على نحو خاص)؟، ما هي صورة العربي في الأدب الأوربي، حتى ما ليس صهيونيًا منه؟، وأخيرًا ما هي صورة الإنسان الأسود؟، «وإن كتب التاريخ تقول إنه ما من شيء ذي قيمة يحدث ما لم يصل إنسان أبيض»، كما يقول الزعيم الزنجي ستوكلي كارمايكل، «وأعتقد أن الشاب الأبيض الذي في سني في الغرب اليوم لا يدرك عنصريته غير الواعية، وذلك لأنه يتقبل كتابات الغرب التي دمرت التاريخ وشوهته وكذبت فيه حتى جعلت هذا الشاب ينطلق من افتراض أساس لتفوقه غير المدرك». ويقول فيليب سلاتر: «لدينا [أي الأمريكيين] ميل مزعج لرؤية غير البيض، والشرقيون بخاصة، على أنهم غير بشر. وأن نتعامل معهم على هذا الأساس. وفي السنوات الأخيرة توسعت هذه النظرة لتشمل شعوب الدول الاشتراكية عامة. وبحيث أنه في الوقت الحاضر تصبح أغلبية سكان الأرض مرشحة للإبادة لسبب أو لآخر».

تجربة الإنسان الأسود والسكان الأصليين في القارة الأمريكية أو الأسترالية وحدها تكفي للقول إن "إطاعة الأوامر من سلطة عليا" محترمة أو مرهوبة ليست مسوغًا كافيًا لتفسير قدرة الإنسان على إيقاع الأذى المتعمد (والذي يصل إلى حد الإبادة) بالإنسان الآخر المستضعف.

هل نتحدث عن "فروات رؤوس" الهنود الحمر التي كانت تؤخذ للذكرى وتعلق في بيوت الأرستقراطية الأوربية، والأمريكية، الراقية و"الديموقراطية"، بينما كانت نساؤها يغمى عليهن عند رؤيتهن الفأر؟، أم نتحدث عن سفن الرقيق التي كانت تنقل الأفارقة المسروقين بالملايين من غاباتهم وقبائلهم إلى العالم الجديد لبيعهم رقيقًا من أجل خدمة الأرض؟، وهل هناك حاجة للتذكير بأنه حتى ثورة أبراهام لنكولن، المعروفة بثورة تحرير العبيد، لم تكن إلا تحريضًا من الشمال الصناعي لعبيد الأرض الزراعيين كي يهجروا الجنوب ويتجهوا شمالاً (وهم "أحرار") حيث الحاجة ملحة إلى هذه اليد العاملة الرخيصة؟.

إن سجل الأدب الذي يسجل هذه المعاناة سجل ضخم. ولا حاجة لسرد المراجع والكتب حول هذه المسألة. ويكفي التذكير بكتابات جيمس بالدوين وريتشارد رايت وستوكلي كارمايكل ولوروا جونز.. ولا بأس من التنويه بكتاب ألكس هالي ‹الجذور› الذي تحول إلىمسلسل تلفزيوني شهير يحمل العنوان ذاته. وقد شاهده معظم أبناء منطقتنا.

هناك سبب اقتصادي يبدأ من "حاجة" الجلاد إلى راتبه وينتهي إلى "حاجة" شعب إلى نهب شعب آخر. ولا يتم سد هذه "الحاجة" إلا بالقضاء على قدرة هذا الشعب الآخر على المقاومة، أو الرغبة فيها، وإيصاله إلى حد السكوت المستكين وهو يرى السرقة تتم أمام عينيه، بل والانتقال إلى جعل الشعب يرى نفسه لا يستحق هذه الثروات التي في بلده، وأن من يستحقها هو ذلك الآخر القوي المتجبر، وهذا لا يتم إلا بإذلال هذا الشعب، أو الشخص، وتسخيره والاستمرار في تجهيله (الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا بناء على عدّ هذا الشعب المنهوب أقل من البشر أو بإيصاله إلى مستوى يصبح فيه أقل من البشر فعلاً).

ولكن هذا السبب أيضًا غير كاف، ولا يحيط بالمسألة كلها.

يريد المضطهِد أن يقمع شيئًا محددًا في المضطهَد هو جوهر حياته، أو أحد أهم المستلزمات لحياته، لأنه يريده نصف حي. النصف الآخر "الزائد" هو الإرادة أو الحرية والكرامة. وهذه فوائض في المضطهَد لا يريدها المضطهِد. وهذا النصف إن لم يمت فإن الاضطهاد والاستغلال لا يمكن أن يستمرا. النصف الثاني هو التلبية الطوعية لعمل السخرة (الذي يمتد من العمل اليدوي إلى تحويله إلى جندي مسلح لحماية عدوه أو خوض الحروب التي يدفعه إليها هذا العدو، وكثيرًا ما تكون ضد أبناء قومه أو ضد من يشبهونهم. ولنتذكر أن الجيش الفرنسي الذي كان يحتل سورية، مثلاً، كان يحتوي على عدد كبير من السنغاليين والجنود المغاربة، وهم أبناء الشمال الإفريقي العربي).

ونعود إلى سارتر، يقول: «ومع ذلك لم يتحقق الهدف في أي مكان، لم يتحقق في الكونغو حيث كانوا يقطعون أيدي الزنوج، ولا تحقق في أنغولا حيث كانوا يثقبون شفاه المتذمرين ليقفلوها بأقفال. ولست أدعي أن من المستحيل أن تبدل إنسانًا فتجعله بهيمة، وإنما أقول: إنك لاتصل إلى ذلك إلا بإضعافه إضعافًا كبيرًا. واللطمات لا تكفي أبدًا. لابد من المبالغة في التجويع».

ويتابع سارتر: «وهذه هي المشكلة المزعجة: إنك حين تجعل فردًا من أفراد نوعنا البشري أشبه بالدابة فإنك تقلل إنتاجه، والإنسان الذي يصبح حيوانًا أهليًا يكلف من النفقات أكثر مما يعطي من الأرباح، ولهذا السبب يضطر المستوطنون إلى وقف الترويض في منتصف الطريق، وتكون النتيجة أن لا يكون هذا المستعمَر إنسانًا ولا بهيمة؛ وإنما يكون من نوع السكان المحليين ».

ولكن لا يزال هناك جانب يحتاج إلى تغطية.

Page 9

/4/هل نحن جلادون

يشير كتاب ‹التعذيب عبر العصور› بحذر إلى استمتاعنا جميعًا برؤية مشاهد العنف والقسوة في السينما والتلفزيون والأدب. وهناك الجلاد الذي يعذب ضحاياه وهو لم يعد يريد معلومات أو اعترافات، يعذب ليستمتع.

وهناك تجارة "فنية" واسعة تقوم على تسويق أفلام تحتوي على نحو أساس على التعذيب. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى آخر ما توصلت إليه هذه التجارة التي تقوم أصلاً لإرضاء أذواق مستهلكيها، وهي تجارة الأفلام المهربة، وهذه أفلام لا يمكن لأي سلطة مهما كانت بدائية أو متحضرة أن تسمح بعرضها على جمهورها، أي لا يمكن لها أن تتحمل مسؤولية الاعتراف بأن الناس، لديها، يستمتعون بهذه الوحشية. ولكن بالمقدار ذاته لم تستطع أي سلطة منع تهريبها، ولهذا تظل التجارة قائمة، وتُرصد لها الملايين لكي تجنى منها الأرباح بالمليارات. ما يعني استمرار وجود من "يستهلكونها"، أي يستمتعون بها.

آخر ما توصلت إليه هذه التجارة، وتقوم صناعتها في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتسوّق إلى كل مكان في العالم وحتى في البلدان التي تصنّعها، وقيام عصابات بسرقة أطفال وبالغين من الجنسين، من أمريكا اللاتينية تحديدًا (حيث الجوع والمرض والفقر تجعل الأهل راغبين في التخلص من أبنائهم لكي لا يموتوا جوعًا بين أيديهم(3) فيبيعونهم أو يطردونهم أو لا يسألون عنهم حين يختفون)، والتعاقد مع فتيات فقيرات بأعمار مختلفة،كبغايا وفنانات، ثم يجلب هؤلاء الأطفال والفتيات إلى الإستوديوهات لتصوير أفلام الجنس والشذوذ والعنف والتعذيب. وفي هذه الأفلام خاصية تجعلها تختلف عن غيرها من الأفلام المعروفة. وهي أنه ليس فيها أي خدعة سينمائية. في هذه الأفلام يمارس الجنس فعلاً مع الأطفال الرضع وتعلق الفتيات من أثدائهن فعلاً ويتم جلدهن بالسياط وتقطيعهن بالبلطات أمام الكاميرات.. ثم تختفي الجثث. وتسوّق الأفلام.

ما الذي يطيعه فاعل هذه الأفعال؟، الجشع وحب المال؟، ربما، ولكن

ما الشيء الذي يشبعه الطرف الآخر (المستهلك) الذي قامت هذه التجارة الشنيعة على تلبية رغباته؟، وإلى أي مدى نجرؤ على الاعتراف بأننا نحن أيضًا صرنا نشاهد هذه الأفلام أو ما يشبهها ونستمتع بها، ولو تحت قناع الفضول؟.

ولنعد قليلاً إلى الوراء.

في كتاب ‹التعذيب عبر العصور› يأتي هذا التلخيص:

«مع أن الإنسان المعاصر قد فاق الرومان في ما يتعلق بالقسوة المجردة إلا أنه حتى رجال السينما في هوليوود وشينيشتيا لم يستطيعوا الاقتراب من عظمة الحفلات الخيالية التي أغرقت الإمبراطورية الرومانية ذات يوم بالدماء. وكما بدأت أفلامنا الصامتة بدأت الألعاب الرومانية ببساطة... كانت الألعاب في البدايات تحتوي على مباريات رياضية وسباقات بالعربات على شرف الآلهة، ومع تزايد شعبية هذه السباقات صار التنافس فيها أشد وصارت خطورتها أكبر. ولم يمر وقت طويل حتى كان الناس قد بدؤوا يستمتعون بمشاهدة حوادث الموت العنيفة بمقدار ما يستمتعون بالسباقات ذاتها... ثم بدأت مبارزات المصارعين، وهذه أيضًا بدأت على مستوى بسيط ومصغر، ولكنها، مثل السباقات، ازدادت شعبيتها "كرياضة ووسيلة ترفيه". ومع الأيام تحولت إلى تجارة رابحة. فبما أن المصارعين كانوا عبيدًا ليس إلا فإن استبدالهم كان سهلاً. وفي كل مرة ينتهي فيها العرض إلى مقتل المشاركين الذين هم أقل مهارة، كان المتفرجون المتعطشون للدماء يحصلون على متعة لا تعوض. وفي النهاية بدأ السياسيون يُخضعون هذه الألعاب لتكاليف باهظة من أجل كسب ود المواطنين. ومع الأيام لم يعد التنافس الفعلي في الميدان أو في الحلبة؛ بل بين مقدمي العروض أنفسهم. وصارت المعركة حول من يستطيع تقديم المشاهد الأكثر وحشية والأكثر دموية ". وعند تنفيذ عقوبات الإعدام " كلما كان التنفيذ أكثر دموية وكان الموت أكثر إبطاء ازدادت متعة المتفرجين». ويخلص الكتاب إلى القول: «إن هذه المشاهد كانت تعني للمتفرج في حينها ما يعنيه التلفزيون لمتفرجنا المعاصر. ويكفي أن نتذكر هنا أن أبشع تعذيب أوقعته روما في تاريخها كان ضد المسيحيين الأوائل. كانت النتيجة بعد ذلك التعذيب كله أن روما أصبحت عاصمة المسيحيين في العالم. ولكن روح روما لم تتبدد؛ بل تسرب شيء منها إلى عقلية المسيحيين أنفسهم. وباسم الدفاع عن الدين المسيحي الداعي إلى المحبة والتسامح مارس رجال الدين المسيحي عمليات تعذيب لا تقل قسوة ووحشية أيام محاكم التفتيش». ونضيف تذكيرًا بالدور الذي لعبته البعثات التبشيرية في تغطية مجازر الأوربيين في العالم الثالث (المستكشَف).

وعلينا، عند دراسة هذه المسألة، أن نتجنب التبسيطية العقائدية كأن نقول إن الأمريكيين يحبون العنف لأنهم يعيشون في مجتمع رأسمالي، فهذا وحده لا يقدم تفسيرًا كافيًا، ونحن نعرف أن التعذيب قد مورس أيام ستالين كما مورس أيام هتلر، وأن شعوب الأرض كلها مارست تجارة الرقيق والاستعباد.

علينا أن نبحث في أنفسنا أكثر، وعلى أحدنا أن ينتبه إلى احتشاد أبناء مجتمعه لرؤية فيلم سينمائي من تلك الأفلام القاسية والقائمة على العنف والدم والوحشية. وعبارة "للبالغين فقط"، أو "للكبار فقط" تعني أن الفيلم يحتوي على مشاهد جنسية أو مشاهد دموية. إن كلاً من هؤلاء الموجودين في الحشد المقبل للفرجة يتجاهل السبب الذي يدفعه للدخول. ثم يتغاضى عن أنه يعرف السبب الذي يدفع الآخرين ضمن تواطؤ اجتماعي عام، إنه شيء نفعله جميعًا، ونرى أنه ممتع مع قذارته. ولذا لا داعي للبحث فيه، شيء شبيه بالعلاقة الجنسية بين الأزواج. نتجاهلها جميعًا لأنها أمر طبيعي. ولكننا نعرف أن استمتاعنا بالعنف شيء مخجل وقذر. مع أننا نفعله جميعًا. واحتشادنا لرؤية هذه الأفلام شبيه بوقوفنا للدخول إلى المراحيض العامة، وفي ظلام دور السينما نسترخي من دون رقابة لنمارس هذه السادية السرية بارتياح. ويزيد من هذا الارتياح وجود الآخرين، فهم يجعلوننا نحس بأننا لسنا شواذ. نحن مثل الآخرين. ووجودنا مع الآخرين يلغي إحساسنا بالمسؤولية الشخصية.

Page 10

والنتيجة التي يصل إليها كتاب ‹التعذيب عبر العصور› هي أن الشعبية التي يتمتع بها أي كتاب (ومن ثم أي فن) إنما تعكس ذوق المجتمع الذي يروج فيه. «ومن هنا نستطيع أن نفهم سر شيوع موجة الكتابات والأفلام العنيفة». ثم يقول: «إن الذين لا يستطيعون، لسبب أو لآخر، أن يخلقوا الجحيم الذي يتوقون إليه؛ يشبعون رغباتهم في العالم الخيالي للكتب وأفلام السينما والتلفزيون».

لقد أصبحت لدينا إذًا رغبات خفية (أو معلنة) في ممارسة العنف المؤذي أو مشاهدته. وبمعزل عن السياسة المباشرة فإن السلطات التي تهتم بمواطنيها وبتطويرهم روحيًا وأخلاقيًا (إضافة إلى ما لابد منه من تحسين أحوالهم المعيشية) هي التي تحسب حساب الثقافة المساعدة وتحارب ثقافة الغرائز الحيوانية التي نراها تملأ دور السينما والكتب والمسلسلات والمجلات. وكما يحارب المرض بالتلقيح المضاد قبل وقوعه وبالحمية بعد وقوعه فإن من الممكن التفكير بتطوير الإنسان وتخليصه من أمراض هذا العصر الحيواني الذي لا يريد إلا حيوانات ضارية حاكمة تستمتع بقمع حيوانات مذعورة، وحيوانات تستمتع بقتل حيوانات أخرى، أو بالفرجة على قتل الحيوانات الأخرى وتعذيبها.

وهذا العنف غير المشبع، كما يقول أنتوني ستور في ‹العدوان البشري›، يبحث دومًا عن ضحية بديلة. ويجدها دومًا فيحلها فجاءة محل المخلوق الذي أثار الغضب. وهو مخلوق آخر ليست له أي صفة خاصة لاستجلاب صواعق العنف سوى أنه مستباح للاعتداء عليه. ومن هنا جاءت فكرة الأضحية.

ويعتقد رينيه جيرار في ‹العنف والقداسة› أن فكرة «كبش المحرقة» تخفي عن الناس حقيقة عنفهم التي لم يستطيعوا التعايش معها فيتحد العنف مع المقدس ومع القوى التي تضغط عليهم من الخارج كالموت والمرض والظواهر الطبيعية.

وإذا عكسنا الفكرة وجدنا أن الإنسان يستعين بالمقدس لكي يجد تسويغًا لممارسة العنف. فالعقاب فكرة تسويغية سواء كانت عقابًا تربويًا أم مسلكيًا أم قانونيًا. وهي تنطلق من فكرة الثأر أصلاً. ومن الشرائع الأولى شريعة تاليون، وهي تقول بإيقاع الأذى بالمجرم يشابه الأذى الذي أوقعه المجرم بالضحية. والمبدأ العام هو «العين بالعين، والسن بالسن» (من شريعة حامورابي إلى أن تبنتها التوراة). وفي شريعة الياكوتوس البدائية فكرة أن دم الرجل المقتول يستصرخ الثأر. وهذا يذكرنا بفكرة «طائر الصدى» في تراثنا العربي. وهي التي تقول إن طائرًا خرافيًا يخرج من قبر القتيل، أو من هامته، ويصرخ طالبًا الثأر إلى أن يتحقق.

ويقول ألبرتو مورافيا في مقابلة سنصل إلى تفاصيلها لاحقًا: «الإيطالي لا يؤمن بعدالة الدولة. فحين يجد نفسه مغبونًا ينتقم وحده».

ويرى إيريك فروم أن رغبة الإنسان في الثأر تصعيد لوضعه الشخصي، بحيث يعد نفسه فارض القانون ومحق الحق... أي أنه يضع نفسه في مكانة شبيهة بمكانة الخالق.

وعلى المستوى الجماعي يتحول «ثأر الدماء»، التسمية لإيريك فروم، إلى واجب ديني له رموزه الدينية مثل صلب المسيح ومقتل الحسين. كما أن الإيذاء، وحتى إيذاء النفس، يرتدي صبغة دينية. إن الرقص في حمى الاحتفال يدفع إلى تجريب الإيذاء الذاتي. وهذا ما نراه في حفلات الزار أو حفلات عاشوراء أو في حفلات الرقص لدى أهل بالي. وفي الحالات كلها يريد الراقص أن يوحي بقداسته التي تعني عدم التأثر بالأذى عند التعرض له. ولا ينجح دومًا في ذلك ولكن الجمهور يستمتع دومًا وتأخذه الحمية الدينية. وقد تصل هذه الحمية الدينية إلى درجة إيقاع الأذى المتعمد في الذات، تعبيرًا عن التفاني في المعبود أو المحتفى به أو الحالة كلها.

وإذا توقفنا قليلاً عند مسألة الأضحية والقربان كان لا بد من أن نتذكر أن القربان في الأصل كان قربانًا بشريًا. ومثلما كان الفراعنة يضحون بالبشر بإلقائهم في النيل، كان اليونانيون يضحون بفتياتهم قبل الخروج إلى الحرب. في التراث اليوناني هناك قصة أغاممنون الذي يضحي بابنته قبل الذهاب إلى حرب طروادة. ولدينا أيضًا قصة إبراهيم الخليل الذي رأى أنه يقدم ابنه قربانًا، وإن مبادرة الأب لتنفيذ رؤياه، واستعداد الابن للطاعة في أمر كهذا، دليل على أن الأمر كان مألوفًا ومصبوغًا بالقدسية. وإن الله، كما جاء في الرواية التوراتية أو القرآنية، هو الذي أرسل من يستبدل الكبش بالابن، وهذا هو الاستبدال الأول: أضحية مقابل إنسان.

ولا ننسى أن "المذبح" لا يزال، ولو رمزيًا، جزءًا من أجزاء الكنيسة.

وتبقى الأضحية، حتى وهي رمزية في كبش أوطائر، ذبيحة يتم إسقاط المعنى على دمها. ولهذا فإن العامة لا يزالون يغطون أيديهم في دماء الذبيحة لمباركة ما ذبحت من أجله. (البيت أو السيارة) بتلطيخه بالدم أو بجعل من ذبحت تكريمًا له يمشي فوق الدم.

وهنا ننوه بأن الذبيحة - القربان كانت مطلوبة بذاتها، ثم بعد ذلك جاء التحول نحو الاستفادة من لحمها لإطعام الفقراء.

هناك من يجتهدون لإيجاد تعريف موجز ومختصر للإنسان، فيقولون إنه حيوان ضاحك أو حيوان ناطق أو حيوان مالي أو حيوان يتمتع بالذاكرة أو حيوان سياسي أو حيوان طوره العمل... إلى آخر الصفات. ولكن هذه التعريفات كلها تتفق على منطلق واحد هو أن الإنسان حيوان.