eKtab
EN ع
حز القيد
Read free sample

حز القيد

by محمد عيد العريمي

Page 1
إضاءة
 
لا يبدأ السجن بالدخول إليه، ولا ينتهي بالخروج منه، لأن السجن أوسع من مكان ناءٍ في أطراف الصحراء، وأكبر من جلادين يتلذذون بتعذيب البشر وإذلالهم، إنه حالة الخوف والشلل إزاء فكرة السجن·· لهذا تثير رواية (حز القيد) جملة من الأسئلة، وتتعمـد رغم وضوحها الظاهري أن تظل قولاً مضـمراً، يلمـح دون أن يصرح، ويشي دون أن يوضـح، ويوحي دون أن يشير، تاركـاً للقـارئ حـرية اكتشـاف الأمكـنة والأزمنـة، والأسماء والإشارات، وتأويل الأحداث والتفاصيل·
 
ولعل أولى الأسئلة التي يمكن أن تثار هي عن (قحطين) البلد الذي تقـع فيـه أحداث الرواية، والذي هو فضاء متخيل لا يتعين على خارطة الجغرافيا، لكن مضمر السرد يحيل القارئ إلى أزمنة ماضية أو حاضرة أو آتية أو ربما إلى أحداث بعينها وذكريات وشخوص ووقائع، وهي إذ تنوس بين تخوم البوح وأطلال الذاكرة، تحتمي بالمتخيل باعتباره فضاء الرواية الأوسع، لكن مناخ الخوف والترقب، والفقر والظلم، والشعور بالضآلة والتلاشي أمام سلطة باطشة ومهيمنة، وما يجـري في السجون مـن تعذيب وامتهـان لكرامة الإنسان، كل هذا يجعل من قحطين (حز القيد) حالة عربية قابلة للتعميم، ومرآة لأوطان كثيرة·
 
إن القيد الذي تتقصاه الرواية قد يكون واسع الدلالة، فهو ربما قيد مادي أو نفسي أو فكري··إلخ وهو قد يطبق على فرد أو على جماعة أو قـد يكون ربقاً يقيد وطنـاً كبيراً مثل (قحطين)، لكن (حز القيد) لا تكتفي بالدلالة على القيد، بل تفتح أفق الرؤية لتأمل آثاره الهائلة، فالقيد قد يزول، ولكن حزه يحفر عميقاً في النفس الإنسانية، ويترك في الداخل جرحاً غائراً ما ينفك ينزف ألماً وخوفاً، ورغبة يائسة في النسيان! لذا لا ينتهي القيد إلا بزوال الخوف الجاثم على النفس، وهذه هي نهاية القيد وبداية الحرية·
 
ناصر صالح الغيلاني
Page 2
حكاية الـبداية
 
في البداية خُلقت قحطين الأرض، ولأن الأرض لا تصير وطنا إلا إذا استوطنها البشر، ظلت قحطين (أرضا لا وطناً)·· لا أحد يعرف أين تقع ولا أحد يعرف الطريق إليها!
 
أما وقد وصل (كولومبوس) إلى أرض الفرص والعجائب، ودار (ماجلان) حول رأس الرجاء الصالح، ونفي القتلة واللصوص إلى الجزر البعيدة·· أما وقد حدث كل ذلك، فكان لا بد من أن يعثر الإنسان ـ ولو بالصدفة ـ على قحطين الأرض· فعبر إليها المغامرون البحار، وقطع المستكشفون الرمال، وسافر إليها الساعون وراء المال، وجاء إليها الطامعون في الحكم والسلطة ومعهم الجند والعسكر، وغدت قحطين قبلة الفقراء ووجهة المشردين ووطن من لا وطن له!
 
وأصبحت قحطين وطنا بعد أن كانت أرضاً يباباً، وتوزعت إلى مدن وحواضر على السواحل، وبلدات وقرى في الدواخل، وانقسم سكانها إلى قلة تملك كل شيء وكثرة تملك لا شيء!
Page 3
القبض على سعد
 
لم يدر بظني، وأنا أبحث عن مكان أقرب إلى طاولة المحاضرين، أن الأقدار رسمت لي طريقا أخرى بعد تلك الأمسية، وأن تعرفي على أحد المشاركين في الندوة سيقلب موازين حياتي رأسا على عقب·· لاسيما أن دوافع حضوري هذه المرة لا تختلف عن دوافع سواها من فرص مضت·
 
لم يكن مظهر (سعد ثابت بن مرة)، كما قدَّمه عريف الندوة، يوحي بشيء مختلف، ولكن عندما تحدث وتجاوز في طرحه المعهود من الكلام، بدا وكأنه يتحدث في مكان آخر خارج فضاء قحطين·· الوطن والمدينة·
 
ومقارنة بما ذهب إليه المشاركون الذين تحدثوا قبله وبعده، كان سعد فعلاً (يغرد خارج السرب)! إذ لم يتردد، ولم يتلعثم وهو يتطرق إلى قضايا لا تناقش عادة على الملأ وبأصوات مسموعة!
 
وبدت تلك الندوة فرصة قلما تتكرر لشخص مثل سعد· فالحديث على منبر ثقافي كبير وأمام حشد واسع من الناس، بمختلف مشاربهم وأطيافهم السياسية والاجتماعية، مناسبة لا تتأتى كثيرا لمن يتحلون بالشجاعة الكافية، وعلى استعداد لتحمل ما يترتب على مواقفهم إزاء ثوابت يعتبر المساس بها تجاوزا للخطوط الحمر!
 
ولم تكن آراؤه فقط هي التي ميزته عن سائر المشاركين، وإنما عززها حضور شخصيته، وموهبته الخطابية أيضا· فمع استمرار النقاش الذي بدأ هادئا ثم ارتفعت حدته واشتدت، أظهر سعد قدرة فذة ومثيرة للإعجاب على الحوار، والاستحواذ على انتباه الجمهور!
 
وتوجست خيفة وأنا أرى وجه أحد المشاركين المادحين، وأسمع صوته ينبري معلنا في وقاحة فجة عن عظمة حريتنا المزعومة وديمقراطيتنا الأنموذج·· مذكرا الحضور أن المرحلة التي تمر بها قحطين تحتاج إلى تراص الصفوف، لا إلى من يثير الفتنة ويحث على الفرقة ويدعو إلى الشقاق·· وهو بذلك يشير إلى ما أثاره حديث سعد من لغط تباينت فيه المواقف بين مؤيد، ومتحفظ، ومعارض·
 
وحين بدأ النقاش يأخذ منحىً لعله أكبر من أن تتحمله تلك الندوة، تبادل بعض الحضور الهمس، وتململ بعضهم في جلساتهم، والتفت آخرون يبحثون بنظرات الشك عن أشخاص يعرفونهم أو وجوه يشكون في دواعي حضورها، وآثر بعضهم ترك المكان على استحياء!
 
وكنت أحس مرتجفا آنذاك، ارتعاشات خفيفة وأنا أدرك من كلام سعد المزيد من أبعاد فجيعتنا: نحن سكان حزام الفقر هنا وأهلنا هناك في مناطق الأطراف·· فجيعة غياب معظم الخدمات الأساسية الضرورية للإنسان·· تلك التي اجتمعت لتزيد من عزلة المكان وتعزز من هامشيته، فظل كما كان دائما مرتعا لويلات الفقر والمرض والأمية·
 
وكانت وطأة عجزي عن الكلام تتعاظم وأنا أتابع الحديث والنقاش، فكان الصمت قسرا ملاذي كعادتي دائما، ليس لأن لا رأي لي أو موقف في قضايا بهذا الحجم، وإنما تفاديا للفت الأنظار الذي عادة ما تثيره (لثغة) لساني فيفقد حديثي فحواه، وينتهي المطاف بي إلى اجترار جراحي ووعد أن لا أضع نفسي في مواقف أجني منها الحسرة والندم ليس إلاّ· بيد أن ذلك ما كان ليثنيني عن متابعة الفعاليات السياسية والثقافية وحضورها، التي تنظم هنا وهناك·
 
ولعل هاجسي الدائم لتعويض ما فقدته حين تركت الدراسة مجبرا كان وراء شغفي بالقراءة وحرصي على حضور مثل هذه الفعاليات، التي أجد في متابعتها ما يزيد من ثقافتي· كنت دائما أوخذ بتوهج الكلمة المسموعة·· تستدرجني خطابة المتحدثين، وأجد في متابعة النقاش، كلما اختلفت وجهات النظر وتباينت الآراء واحتدمت الأصوات وارتفعت، متعة ذهنية لا تضاهيها متعة·
 
ونويت التعرف على سعد للتعبير له عن إعجابي بجراءته وشكره على إثارة معاناة أهلنا سكان المناطق البعيدة التي قلما تجد لصراخها صدى في نفوس غير أبنائها· فمثله فقط، ومن خلال منبر كهذا، أقدر على إثارة الأسئلة ودق نواقيس الخطر!
 
بعد انتهاء الندوة تبعته إلى الخارج، وناديته باسمه· توقف والتفت· وقبل أن أصله مد يده يصافحني· وبددت التساؤل الذي تبدى في لمعة عينيه:
 
ـ حديثك كان قويا·· تمنيت المشاركة في النقاش لكن للأسف لا أجيد الكلام، ناهيك عن الوقوف والحديث أمام حشد من الناس· يمكن القول إني أجيد الإصغاء أكثر من الحديث!
Page 4
ـ إذن أنت معي في ما طرحت·
 
ـ ليس المهم أن أكون أنا أو غيري معك اليوم أو غدا، وإنما الأهم أن تتمكن أنت من مواصلة الحديث!
 
هز رأسه، ربما إعجابا، قبل أن يستفسر:
 
ـ هل لك أن توضح أكثر؟
 
أعرف جيدا أنه فهم كلامي، وأنه سأل ليستكشف لا ليستفسر، فابتسمت، وقلت معتذرا:
 
ـ ستفوتني الحافلة·
 
فقال، يستبقيني قليلا:
 
ـ آسف لن أُأخرك أكثر، لكن يوم الخميس القادم لدينا ندوة أخرى في (بيت الشباب) بمدينة الصفيح·
 
وعدته وودعته، وقبل أن أدير ظهري تذكرت أني لم أعرفه بنفسي، فقلت:
 
ـ لم أعرفك بنفسي، ولا أنت سألت!
 
فرد قبل أن أذكر له أسمي:
 
ـ أعرفك·
 
وقبل أن تكتمل الدهشة على وجهي، قال:
 
ـ علي الناصر، أليس كذلك؟
 
وسألته:
 
ـ كيف عرفت اسمي؟
 
ابتسم، وذكرّني:
 
ـ ستفوتك الحافلة!
 
ابتسمت·
 
***
 
بعد ذلك اللقاء العابر، أبدى سعد رغبة أكثر لتوثيق العلاقة بيننا! كنت أعلم أسباب تقربي منه، بيد أني لم أفهم الدوافع التي جعلته هو يهتم بي وبآخرين غيري من عمّال وصغار موظفي الشركة التي كنا نعمل فيها·· لاسيما أنه لا تجمعنا به مصالح ولا شئون مشتركة، إلى جانب فارق المستوى التعليمي والوظيفي والثقافي، وإن كان سعد واحداً من أبناء قحطين المسكونين بحبها ووجعها المستديم· ولعل منطقة (مرة) التي ينحدر منها ـ كما يشي اسمه ـ لا تختلف كثيرا عن (الهيفا) أو أي منطقة أو بلدة أخرى على امتداد أرض قحطين·
 
تعززت علاقتي بسعد خلال فترة قصيرة، وإن لم تأخذ طابع الصداقة بمفهومها الدارج· وأصبحنا نلتقي وعدد من موظفي وعمال الشركة، التي كنا نعمل فيها معا، وآخرون، في جلسات ثقافية أو توعوية كما يُحبِّذ تسميتها· وبدا سعد لنا وكأنه موسوعة متحركة· يعرف كل شيء ويجيب على كل سؤال· كنا ننصت له بافتتان شديد وهو يتحدث في مواضيع مختلفة، منها السياسي والاقتصادي، ومنها الفكري والثقافي· فعرفنا منه، ولأول مرة، معاني كلمات كنا نسمعها ولا نعرف شيئا عنها، وسمعنا منه كلاما في قضايا لم نعتد التطرق إليها!
 
وفي وجوده أو غيابه، أخذنا نناقش في لقاءاتنا الخاصة مسائل لم تكن في دائرة اهتماماتنا المتواضعة سابقا·· كحريّة التعبير، والوطنية، والديمقراطية، وسواها من قضايا وهموم· وأصبح سعد بالنسبة لي، ولآخرين غيري، قدوة لطالما تمنيت لو أتيحت لي الفرصة لاكتساب بعض من تجربته وثقافته وألمعية شخصيته· ووجدت فيه كثيرا مما كنت أفتقده وما كنت أتمناه·
Page 5
وذات ليلة شـؤم، دعاني سعد لمرافقته لمشاهدة فيلم كان يعرض في دار السينما بوسط المدينة· لا أدري أي إبليس وسوس له ليختارني أنا دون سواي، لاسيما أن علاقتي به لا تختلف كثيرا عن علاقات من التفوا حوله، ولعلها أقل، وإن اختلفت الدواعي وتعددت الأسباب! فمنهم من أراد الاستفادة من ثقافته وعلمه، وتقرَّب بعضهم إليه إعجابا بشخصيته وحضوره، وآخرون لأهداف وغايات لم تكنْ واضحة حينئذ·
 
وما زاد من غرابة تلك الدعوة المشبوهة دخول شخص أثناء عرض الفيلم، لم يسبق لي رؤيته - أقول المشبوهة لا تجنيا وإنما تأكيدا على أنها وراء ما أصابني، وما وقع عليّ من ضيم وظلم - تبادل ذلك الشخص الهمس مع سعد وخرج، وتبعه سعد بعد أن اعتذر بداعي إجراء مكالمة من الهاتف العمومي في بهو مبنى السينما· عاد·· لا لمواصلة مشاهدة الفيلم، وإنما ليعتذر· قال إنه لا يستطيع، لأسباب طارئة متابعة العرض، وأكد اعتذاره حين شدّد أن الأمر لا يحتمل التأجيل!
 
وقبل انتهاء الفيلم بوقت قصير توقف العرض، ودخل الصالة عدد من الرجال·· بعضهم عسكريون وآخرون مدنيون· تحققوا من البطاقات الشخصية للموجودين، ثم خرجوا· لم يكن الموقف غريبا ولا كان مثيرا للشك، فلقد اعتدنا على مداهمة رجال الأمن أماكن تجمع الجمهور، بحثا عن مطلوبين في قضايا جنائية أو ما شابهها من أسباب·
 
بيد أنه، وعلى خلاف ما جرى لمن كانوا معي في الصالة، أخذ الشرطي بطاقتي لشخص آخر كان يقف عند المدخل· كان أكبرهم رتبة كما بدا من تصرف الآخرين إذا اقتربوا منه أو تحدثوا إليه· ظل ذلك الرجل ينظر إليّ أثناء حديثهما، لكنه سرعان ما أعاد البطاقة إلى الشرطي، الذي سلمها لي وهو ينوه بضرورة تجديدها في أسرع وقت ممكن· اعتذرت، وشكرته على ملاحظته·
 
***
 
ما كنت أجهله منذ أن تعرفت على سعد، وأصبح كابوسا مخيفا جثم على صدري خلال ليال كثيرة بعد ذلك، اتضحت حقيقته عقب حادثة السينما· فالأيام التالية جاءت حبلى بالمفاجآت·· وأية مفاجآت!
 
فقد امتلأت جدران منازل المدينة والأماكن العامة بملصقات تحمل صور سعد وآخرين غيره ـ بينهم عدد من عمال الشركة ـ متهمون بتشكيل تنظيم سري مناهض للنظام، ويسعون إلى تغييره بقوة السلاح·
 
هذه الملصقات دعت المواطنين إلى التعاون مع أجهزة الاستخبارات للقبض عليهم، وأعلنت عن رصد مبالغ مالية متفاوتة القيمة ـ حسب أهمية كل واحد من المطلوبين ـ مكافأة لمن يقبض عليهم أو يدلي بمعلومات تسفر عن اعتقالهم· وكان لسعد وبعض من معه نصيب الأسد من هذه المبالغ·
 
كما أفاضت جرائد قحطين بأخبار وبيانات كشفت المزيد عن طبيعة هذه المنظمة وأهدافها ومن يقف وراءها· ففي افتتاحية جريدة (قحطين اليوم)، أشار كاتب الافتتاحية إلى سطحية الأفكار والمبادئ التي تنادي بها الحركة وسخر من الشعارات والأهداف التي تتبناها، ونعت من يقف وراء تلك الحركة بالكفر· في حين قال كاتب آخر إنهم ملحدون، ولا يقيمن للدين والقيم الاجتماعية اعتبارا·
 
وأثارت جريدة أخرى قضية أسمتها (الفتنة) التي كادت تقع لولا يقظة رجال الاستخبارات، وطلبت من المواطنين أخذ الحيطة من اندساس هؤلاء المخربين بينهم، وحذرت من مغبة إيوائهم والتستر عليهم·
 
***
 
سبق كشف المنظمة واعتقال بعض عناصرها انتشار ظاهرة لم تألفها المدينة من قبل، فقد أصبحت جدران المنازل والمباني القبلة الصباحية للكثير من سكان المدينة·· يقرؤون شعارات ورسائل تحريضية تذكرهم بحقوقهم المسلوبة وحريتهم المرتهنة لإرادة بضعة أفراد أعطوا أنفسهم حقا وإرادة مطلقة دون سائر الناس، ووضعوا أنفسهم في مراكز لا تخضع لقانون ولا يطالها مطالب!
 
لم تكن تلك الكتابات مجرد شعارات وأفكار، ولا كانت تطرح آراء لا تمت لمعاناة الناس بصلة، ولم يكن فحوى الكتابات عفويا، لاسيما أن أسلوب كتابتها ينم عن طرح تحريضي يرتكز على وعي ودراية بكيفية استفزاز شعور الجماهير وحشد غضبها·
 
كانت الكتابات تذكِّر الناس بجشع التجار، وتواطؤ النافذين في المؤسسات العامة مع الشركات التي تستغل حاجتهم، وتحتكر حركة البيع والشراء حتى في أبسط أشكالها· وكان بعضها يشير إلى تفشي الأمراض نتيجة سوء الخدمات الصحية، وتدني مستوى التعليم· ومثلما كانت تركِّز على الهموم اليومية لقطاعات واسعة من الشعب·· لاسيما الأقل حظا في الحياة، كانت تطالب أيضا بفسح المجال أمام الفئات المؤهلة والمثقفة للمشاركة في عملية صنع القرار!
Page 6
الرسائل التي تحملها تلك الكتابات، كان هدفها تهيئة الناس لبدء تحول جذري· هذا التغيير وإن لم يكن معلنا، إلا أن كل شيء آخر يشير إلى قرب وقوعه أو يكاد·· الأمر الذي حوَّل الجدران إلى ساحة صراع بين المخبرين ومن يقف وراء هذه الكتابات!
 
ولكي لا تُجر إلى معركة تعرف مسبقا أنها الطرف الخاسر فيها، وظفت أجهزة الأمن صباغين يجوبون الشوارع والأزقة نهارا لطمس هذه الكتابات ـ دون جدوى ـ لينهض الناس في اليوم التالي على كتابات أخرى·· في شوارع وحارات أخرى من المدينة·· أكثر قوة وأشد تحريضا عن ما سبقها من كتابات!
 
متابعة الكتابات الجدارية وقراءتها، وإن بدأت بين الفئات الأكثر وعيا والأكثر ثقافة، إلا أنها أخذت تجذب فئات أخرى من المجتمع، وذلك عندما انتشر خبر الصراع بين من وظفتهم أجهزة الأمن وكتاب الجدران، وإن كانت أدوات هذا الصراع لا تتعدى أصباغاً وفرشاة وجدران المنازل· وأصبح الصراع، الذي شبهه بعضهم بـ(لعبة القط والفأر)، محور حديث الناس، ومسليا للبعض منهم·
 
وإذا نفد صبر تلك الأجهزة، صدرت أوامر غير معلنة لكل تجار الأصباغ تأمرهم بتدوين أسماء كل من يشتري صبغا أو فرشاة وعناوينهم، ومعرفة غرض استخدامهما· وتحولت الأصباغ من مواد للتلوين والرسم والتجميل إلى مواد خطيرة يحظر تداولها، ويمنع استخدامها إلا بعد معرفة هوية المستخدم وغاية الاستخدام!
 
***
 
استمرت حملة الاعتقالات، وازداد عدد المعتقلين، وكان الأسلوب واحدا: يطوق العسكر منزل المطلوب، ويُؤمر سكانه عبر مكبر الصوت بإخلاء المكان ورفع أياديهم فوق رؤوسهم، ثم يُُفتش المنزل· كان التفتيش يطال حتى أحواض الشفط في المراحيض بحثا عن أسلحة أو كتب مهما كانت طبيعتها، أو آلات طباعة·· حتى الصور لم تنجُ من المطاردة!
 
وكانوا يضعون رؤوس المعتقلين في أكياس خيش تشبه أكياس الحبوب، ثم يُزجّون في صناديق شاحنات معتمة تأخذهم إلى حيث لا يعلم أحد مصيرهم·
 
كان العسكر في بداية حملة الاعتقالات، يظهرون أوامر اعتقال صادرة عن الادعاء العام، إلاّ أن هذه الأوراق فقدت قيمتها القانونية ولم تعد لها ضرورة عندما أعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وأصبحت قوانين الأحكام العرفية هي النافذة وفوق كل قانون· فبداعي الحفاظ على استقرار الوطن وصون وحدته، كانت التهم تطال كل من يرفع صوتا أو يبدي تذمرا·· لأي سبب كان!
 
توالت الكوارث·· تتابعت المصائب·· تدافعت الأحزان، وأصابت الكآبة النفوس وهربت الابتسامة من الوجوه! كانت المدينة تنام وتصحو على أخبار الاعتقالات، وتعيش يومها بلا بهجة، وليلا تتحول شوارعها وأزقتها إلى خرائب لا تسكنها إلا الريح والكلاب الضالة·
 
وفُقد الأمان·· تغلغل الرعب في الصدور، وتسلل الخوف حتى إلى قلوب الذين لا يكفون عن التأكيد أنهم غير معنيين بشؤون غيرهم، ولا يجدون حرجا إذا عرج حديث عابر إلى ما كان يجري في قحطين في قطع سير الحديث ومغادرة المكان وهم يرددون (أمشي على الحيط وأقول يا الله الستر)·· وظنوا أن السكوت، وحشر الأصابع في الآذان، ووضع الأكف على العيون، يضمن الأمان ويكفل لهم راحة البال، وما فعل!
 
ازداد قهر الناس· بانت الحيرة في وجوه الرجال، وتجلى الحزن في بكاء الأمهات واختناق الغصة في أصوات الزوجات، والأخوات، والبنات· فلقد طالت الاعتقالات أناساً كثراً، فمن لم يفقد ولدا، زوجا، أو أخا، فقد قريبا، جارا أو صديقا، ومثلما حُشرت رؤوس عمال وفقراء داخل تلك الأكياس، لم تسلم رؤوس وجهاء وأدباء، وفنانين منها·· حتى النساء أصابهن بعض ما أصاب الرجال· ولا شيء كان يشغل الناس غير القلق والترقب، وسؤال لا إجابة له (وماذا بعد؟)·
 
وبمرور الأيام، ازدادت القصص وتنوعت الحكايات·· بعضها واقع وأخرى أوهام من صنع الخيال، وبين قصة وحكاية تختلط الإشاعات بالحقيقة والخير بالشر، ويصبح الدعاء كالبكاء!
 
والألسن لا تكلّ ولا تملّ·
 
وكعادة الناس في مثل هذه الظروف، يضيفون على ما يسمعون ردود أفعالهم تجاه ما يحدث·· يبالغون ويغالون، وأحيانا يختلقون قصصا أساسها رغبات ليس أكثر! وإن كان لا أحد يجزم أن القصص والأخبار التي تتناقلها الألسن هي الحقيقية مائة في المائة، إذ إن معظم من يروي هذه الأخبار يبدأ حديثه وينهيه بلوازم لا تجزم الخبر ولا تنفيه·
Page 7
كان الأمر يبدو وكأني لا أدري أين أنا من كل ما كان يجري! لكن المؤكد أنه لم يكن بوسعي تجاهل ما كان يدور، ورؤية بعض منه والبقاء غير مكترث·· رابط الجأش وكأن لا صلة لي به·
 
لقد كانت تلك الأيام هي الأسوأ في حياتي كلها· فإن كانت علاقتي بسعد لم تتوثق كما أردت، ولم تتعد لقاءات متفرقة تخللتها نقاشات سياسية عامة لا تدخل في قائمة المحظور من الكلام، إلا أن اكتشاف وضعه القيادي في المنظمة، واعتقال عدد من موظفي الشركة وعمالها، التي نعمل فيها، بالتهمة نفسها، حول حياتي إلى كابوس شديد الوطأة·
 
أدمنت الوحدة والجلوس ليلا فوق سطح البيت·· أراقب النجوم، وأسهر مع هواجس وأفكار مضطربة· كانت الأسئلة كثيرة، وكانت التساؤلات، التي تبحث عن تفسير لما اكتنف علاقتي بسعد أكثر! لم تكن كفة العقل أرجح من غيرها عندما تكون الأسئلة غامضة ومشوشة وتفتقر للبعد الواقعي، وتركن لافتراضات غيبية هي أصلا أشد غموضا وأكثر مدعاة للحيرة، فأقف عاجزا عن القطع برأي أو التّيقن من إجابة·
 
ولم أكن وحدي في مخاوفي وهواجسي، فبحدسها الخاص، وإن حاولت إخفاءه، كانت زوجتي تعاني في صمت·· تتابع ما كان يجري بقلق· كانت تخاف كلما طرق أحد الباب أو مر عسكري في الشارع، أو توقَفتْ أمام بيتنا سيارة!
 
ظنت العفراء - وهي محقة، وعزز ذلك حديثي الدائم عن سعد، وإعجابي الذي لم أكن أخفيه بأفكاره وشخصيته - أن علاقتي به والمجموعة التي التفت حوله من عمال وموظفي الشركة، أكبر عن مجرد صداقة· وما زاد من مخاوفها أنها عثرت على منشور سري وقع في يدي بالصدفة، أو هكذا أراد أن يوحي لي من دسه دون علمي ـ أثناء وجودي في سوق المدينة ـ داخل كيس وضعت فيه مشتريات طلبتها مني·
 
فذات مساء، وكنت أتابع نشرة الأخبار من جهاز التلفاز، دخلت عليّ وطلبت مني أن آتي معها لحديث خاص· وعندما طلبت منها التريث حتى تنتهي الأخبار، أصرت على غير عادتها! وفي غرفة النوم، ودون أن تتكلم، مدت يدها إليّ بأوراق· وسألتها قبل النظر فيها:
 
ـ ماذا في هذا القرطاس؟
 
قالت: إقرأ·
 
جلست على طاولة القراءة وأضأتُ المصباح، وعلى رأس الورقة قرأتُ باللون الأحمر والبنط العريض (بيان رقم 1)· وجاء في صدر الورقة الأولى: (أيها الشعب الأبي على امتداد أرض قحطين·· لقد بلغ السيل الزبى، وغدا السكوت خيانة، والقبول بالواقع جبن، والانتظار خسة· فكان لا بد من أن تتضافر جهود الشرفاء والمخلصين من أبناء قحطين من أجل تحرير إرادة الوطن، وتحقيق العدالة والمساواة بين أبنائه، وإرساء قيم الحرية والديمقراطية···)
 
توقفت عند تلك الكلمات، ورفعت رأسي أنظر إلى وجه العفراء· كان شاحبا·· لم أرَ ذعرا على وجه أحد قط مثلما رأيته على وجهها في تلك اللحظة! وقفت، وفتحت ذراعيّ واحتضنتها· وكأني ـ إذ فعلت ذلك ـ أطلقت في فضاء تلك الغرفة العنان لخوف العالم كله وجزعه· كان بكاؤها المكتوم ونبض قلبها المرتاع يهز جسدها الضعيف كعصفور يخفق بجناحيه في ليلة شتاء ممطرة!
 
وبعد أن هدأ روعها، رَفعْتُ رأسها عن كتفي ومسحتُ دمعها بكفي، ونظرت في عينيها، وأقسمت لها أن لا علاقة لي بمحتويات تلك الأوراق وأني لم أرها من قبل، ولا بد أن أحداً دسها في الكيس أثناء وجودي في السوق أو في حافلة النقل العام·
 
تعذر عليّ تجاهل الأوراق المفتوحة أمامي على الطاولة، فطلبت منها الجلوس على كرسي بجانبي حتى أفرغ من قراءة الورق·· لعلمي أن خوفها سيغدو أشد لو طلبت منها مغادرة الحجرة للاختلاء بالمنشور·
 
كان المنشور، باختصار، إعلاناً عن تأسيس حركة سرية هدفها تحقيق المطالب الشعبية بالتغيير· بدا وكأنه كتب على عجل، ووزع في وقت غير وقته، إذ أعاد وكرر ما كان الجميع يعلمه ويسمعه· فبعد تلك المقدمة، سرد عيوب النظام وتخلفه عن ركب الدول المتقدمة، وأدان الأحزاب التي أطلقت على نفسها (المعارضة) في حين أن دورها لا يتعدى دور كومبارس لإضفاء شرعية زائفة على نظام فاسد· ووجه المنشور أصابع الاتهام إلى أسماء معروفة باختلاسات مادية من خلال التلاعب بأموال الوطن ومقدراته·
 
واستعرض البيان المطالب الشعبية للإصلاح، ووعد بالعمل ـ على المستويات كافة وبجميع الوسائل ـ على إحداث تغييرات جذرية في الحياة السياسية، وإدخال تعديلات دستورية ذات أهمية بالغة، تحقيقا للطموحات الشعبية والوطنية المشروعة· وانتهى البيان، دون إشارة واحدة، إلى من يقف وراءه وما هي خطتهم ووسيلتهم لتحقيق المطالب التي وردت فيه!
 
أعطيتها المنشور وطلبت منها تمزيقه أو حرقه لكي تطمئن أكثر أن لا علاقة لي به، وأكدت لها ذلك إذ قلت: (لو كنت منهم لما تركوني حرا حتى الآن) وظننت أن ما قلته كاف لتهدئة قلقها· وبدلا من أن تطمئن بعد أن أكدت لها أن لا صلة لي بما كان يجري، سال دمعها وهي تنظر إلى التوأمين اللذين كانا طوال تلك الفترة يداعب كل منهما الآخر دون اكتراث لما كان يجري حولهما!
Page 8
كانت جارتنا أم زيد المصدر اليومي لآخر أخبار الاعتقالات· تأتي وهي تعرف أن أمي تنتظرها أمام الباب بفارغ الصبر· وكان صوت صرير طقم الأسنان الاصطناعية يسبق صوت خطواتها وهي تمر خلف نوافذ بيتنا·
 
وتفتح أمي الباب مرحبة قبل أن تصله أم زيد، التي سرعان ما تتصنع التعب والإعياء حالما تقترب من باب البيت·· إشارة إلى رغبتها في تناول القهوة وقطعا من (لقيمات) أم علي ـ التي كانت أمي تحسن صنعها ـ قبل أن تفتح فمها بكلمة، وكانت قهوة أمي واللقيمات دائما جاهزة، بل تستعجل تحضيره حتى لا تتأخر عليها أخبار أم زيد·
 
كانت أم زيد تجيد نشر الأخبار، بل وفبركتها· فإذا لم تجد في الأخبار ما يشبع فضول بعض المستمعين ويثيرهم، كانت تؤلف: تضيف وتبالغ وأحيانا تكرر أخبار الأمس بتغيير أسماء وإضافة حواشي مبهمة على كل قصة ترويها· وكانت أمي تستمع إليها وعينيها تدمع، وتتضرع إلى الله (سبحانه وتعالى) أن يفك ضيقهم ويصبّر ذويهم·
 
ويوما سمعت أم زيد تقول، وهي تروي تفاصيل اعتقال صبي لم يتجاوز عمره السابعة عشرة، كان يعيش مع والده المسن وحيدين: (جاءت فرقة من العسكر المدججين بالسلاح إلى منـزل الشاب·· كسروا الباب بعد أن طرقوه ولم يستجب لهم أحد·· عج المكان بضجيج أحذيتهم واحتكاك بنادقهم، واقتادوه معصوب العينين ومصفود المعصمين دون أن يتيحوا له الفرصة لتغيير ملابسه· ورغم توسلات والده لمعرفة تهمته والمكان الذي سيأخذونه إليه، رفضوا الإجابة· وفي صباح اليوم التالي وجد الجيران العجوز ميتا·· لعله في المكان نفسه الذي كان واقفا فيه بالأمس ينظر إلى ولده بعين اغرورقت بالدموع!)
 
أما عندما انتشرت ظاهرة خروج دخان كثيف من بعض المنازل، عجزت أم زيد عن معرفة سبب ذلك· وإذ حاولت دخول بعض المنازل سُدت الأبواب في وجهها· وبعد فترة تبين سر الدخان المتصاعد· فقد أخذ بعض الأهالي يحرقون كتب أبنائهم وصورهم، وكل ما يمت بصلة أو يشير إلى علاقتهم ببعض المعتقلين وتوجهاتهم السياسية· ولم تسلم كتبي، رغم تواضعها، من ذلك الجنون الذي أصاب الناس، ولا نجت صوري حتى تلك التي جمعتني بفرقة الكشافة التي كنت عضوا فيها حين كنت تلميذا في المتوسطة!
 
وتوالت أخبار الاعتقالات وقصصها·· كان الناس ينامون على حكاياتها ويصحون: (عثروا على مخزن للأسلحة في بئر مهجورة على الطريق إلى الصحراء· اعتقلوا ذياب ابن رئيس المجلس البلدي بمدينة الصفيح· اعترضت دورية عسكرية ليلا سبيل شاحنة كانت تحاول عبور الحدود الجنوبية لقحطين·· تحمل أسلحة متطورة وذخائر وأموالاً، وقد جرى إطلاق نار بين الجانبين أسفر عن مقتل عسكري واحد، وواحد من المهربين وقد حول الرصاص جسده إلى غربال، وهرب ثان مصابا في رجله، لكنهم عثروا عليه ميتا صباح اليوم التالي في مكان قريب من موقع الحادثة)
 
ولم تقتصر الاعتقالات والإشاعات التي واكبتها على منطقة أو مدينة دون سواها، فقـد كانت الأخبار، التي ترد من الأقاليم، لا تختلف كثيرا عن ما تشهده قحطين المدينة ومناطق حزام الفقر المحيطة بها: (قبضوا على الشيخ عبدا لله، إمام جامع الهيفا، وعدد من أفراد أسرته وهم يعبرون الحدود شرقا·· وهو الذي اشتهر بخطبه اللاذعة وحرص سكان المدينة على أداء صلاة الجمعة معه)
 
(ألقى العسكر القبض على قافلة بغال بعضها يحمل حطبا وعلى ظهور الأخرى أسلحة وذخائر·· وهي مدربة للانتقال من مكان إلى آخر بين سفوح ومغارات سلسلة جبال (وهدان) العصية القريبة من الهيفا دون أن يرافقها أحد، فاستخدموها للوصول إلى بعض مخابئ عناصر المنظمة في الجبل·
 
والألسن لا تكل ولا تمل!
 
***
 
أخذ الناس يروون قصصاً بطولية عن سعد ومن فرَّ معه·· بعضها حقيقة وأغلبها رغبات ومن صنع الخيال! وكان ذلك ردَّ فعلهم تجاه ما أصاب الكثير منهم: (سعد تمكن من العسكر قبل أن يتمكنوا منه·· انسل من بين أياديهم وهم داخل بيته· فعندما داهموا منزله بعد منتصف الليل لاعتقاله، استسلم دون مقاومة، لكنه استطاع الإفلات من بين أياديهم!)·
 
أما وقد أصبح سعد بطلا في عيون بعض الناس، كان لا بد من إضفاء أخلاق الفرسان عليه! قالوا إنه طلقّ زوجته وشهّد العسكر على ذلك، ثم طلب منهم السماح له بارتداء ملابسه، فدخل غرفة النوم ولم يخرج· ولما طال الوقت ولم يرد عليهم كسروا الباب، فوجدوا الغرفة خالية والنوافذ مغلقة·
Page 9
ولأن العسكر أحكموا تطويق البيت بطريقة يتعذر على أحد الخروج منه دون أن يُشَاهد، جن جنون قائد الفرقة المكلفة بالمهمة، وطلب من العسكر تفتيش كل قطعة وزاوية في الغرفة حتى عثر أحدهم على سجادة صغيرة على الأرض تحت السرير تغطي لوح خشب· وعندما رفعوا لوح الخشب وجدوا أسفله فتحة نفق تحت الأرض يمتد إلى بيت مهجور بجوار بيت سعد·
 
لم يكن النفق عريضا، ولكن كانت له جيوب جانبية عثر بداخلها على أسلحة وذخائر وأجهزة اتصالات وآلات طباعة ومنشورات· بيد أن العسكر لم يكتفوا بأخذ ما وجدوه في النفق وإنما اعتقلوا زوجته أيضا· بعض الناس قالوا إنها كانت متورطة معهم، في حين أكد آخرون، ممن على اطّلاع بأساليب أجهزة الاستخبارات في التعامل مع المعارضين، أنهم أخذوها رهينة للضغط على سعد وإجباره على تسليم نفسه!
 
كبر سعد·· كبر في عيون أهله، وكبر في عيون أُسر المعتقلين الذين وجدوا في قصصه، الواقع منها والمتخيل، ما يعينهم على فراق أبنائهم وربما فقدهم· فلا أحد كان يعرف مصيرهم، والى أين أخذوهم؟ وهل سيحاكمون علنا؟ وهل سيسمح لهم بتوكيل محامين للدفاع عنهم؟
 
***
 
لم تكن قحطين ـ رغم العزلة التي فرضتها اعتبارات كثيرة·· لعل أهمها البعد الجغرافي والحروب الأهلية الصغيرة، التي كانت تدور هنا وهناك، على حداثة تاريخها ولأسباب كثيرة ومختلفة ـ لم تكن بمعزل عن ما كان يدور في محيطها الجغرافي! كانت المنطقة كلها تعيش تحولات جذرية بعد أن أصبحت بسبب موقعها الاستراتيجي، الذي تعزز أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة، وثرواتها الطبيعية، محط أنظار القوى الكبرى وميدان صراع تجاذبات إقليمية ودولية!
 
وقد كثرت الانقلابات والثورات، ومثلما تعددت وجوه الانقلابين والثوريين، تعددت أسبابهم وأساليبهم للوصول إلى كراسي السلطة·· منها ما كان سلميا ومنها ما أريقت فيها الدماء·· بعضها بدوافع لا يشك أحد في نبل أهدافها ووطنيتها، وأخرى مَرَدُّها أحقاد وأطماع شخصية وفئوية ضيقة·
 
***
 
لم يثر خبرٌ نقلته أم زيد عن اعتقال امرأة من شارع (طوبان) انتباهي في بادىء الأمر، فهي ليست أول امرأة تعتقل ولن تكون الأخيرة· وكونها من سكان حارة شارع طوبان، فذلك لا يثير الانتباه ولا يعني شيئا، فالحارة كبيرة ونساؤها كثر·
 
أما عندما بدأت جارتنا العجوز تتحدث عن سلوك المرأة وذكرت شيئا عن الشبهات الأخلاقية التي كانت تدور حولها·· حينئذ فقط أصبح الخبر غير عادي بالنسبة لي، وكان من الطبيعي أن أربط ما قالته أم زيد بتلك المرأة صاحبة الدار المشبوهة في المدخل الجنوبي لشارع طوبان·
 
حدود فضولي لم يقف عند الإصغاء لأم زيد باهتمام وهي تسرد الخبر وتُعقٍّب عليه كلما سألت أمي أو قطعت حديثها، وأنا الذي ما كنت أبذل جهدا لمداراة ضيقي وكبت خنقي من حضورها، ولم اكتفِ بما قالته لنا عن تلك المرأة، وإنما طرحت عليها عدة أسئلة عن مصدر الخبر وكيف آل إليها·· الأمر الذي أبهجها وفتح شهيتها للحديث أكثر فأكثر·
 
شغل ذلك الخبر تفكيري كله· فعلى حين غرة هاجت بي الذكريات لاستحضار صور أيام مضت·· اعتقدت أن الزمن غيَّبها وداست على ملامحها السنون· كان ذلك قبل بضع سنوات، حين كنا نقيم في شارع طوبان القريب من وسط المدينة· رأيتها ذات مساء·· لم تكن كغيرها من نساء المدينة: قامة هيفاء تمتشق الهواء كعمود مرمر·· قمحية البشرة·· عسلية العينين، وشـعر بلون الظلام، تركت ضفائر، جزء منه يتطاير في الهواء من تحت غطاء رأسها·· في إشارة تدل على تمرد نفس لم تجد شيئا غير ذلك للتعبير عن رفضها لواقع لا تعترف بنواميسه!
 
وفي المرات القليلة التي تخرج فيها من منزلها إلى دكان البقالة·· تجر خلفها خادمها، تصاب حركة الشارع باضطراب حين تباغت أنوثتها فحولة الرجال·· كل الرجال حتى أولئك الذين يتظاهرون بالورع، ويغضون البصر تكلفا، كانوا يقفون عاجزين أمام انفلات رغبات تعذر عليهم لجمها لاختلاس نظرات تنتزعها قسرا مكامن الفتنة في كل زاوية من جسدها وبروز·· مفاتن تذيب الوقار في عيون كل الرجال·· لا فرق بين تقي وشقي!
 
وعرفت أنها امرأة لعوب تعيش حياة فسوق ومجون، وتحوم حولها الإشاعات وتلوك سيرتها الألسن· قال عنها عثمان الترزي إنها بائعة هوى، وأكد سليم البقال أنها تنظم جلسات قمار وتبيع الخمور·
 
كل له قصة، وكل حكاية عن حكاية تختلف·· بعضها مبتدع وأخرى وجيهة، مردها الشكوك والريبة حول ما يدور داخل البيت المشبوه، حيث يخيم الهدوء في النهار على البيت وسكانه، وفي الليل تزداد الحركة بين بابه والزقاق المقابل له: أشباح ملثمة ـ رجال ونساء ـ تهرول إذا دخلت وتهرول إذا خرجت·· صخب ومرج·· تتداخل ضحكات خليعة وتأوهات وأصوات غناء هابط!
Page 10
ورغم ما يثار من إشاعات وأقاويل عن صاحبة البيت المشبوه وزوار الليل، والفجور الذي تفوح رائحته مع صخب السهارى ومجونهم، لكن لا أحد من بين سكان الحارة لديه الجرأة للتأكد من طبيعة ما يجري هناك· ليس ذلك وحسب، بل إنهم يتحاشون المرور بجوار دارها!
 
ويتداول همسا أن رئيس مخفر الشرطة حذر سكان الشارع من التعرض للمرأة أو إساءة معاملتها· ولعل ذلك ليس سوى عذر أقنع الناس به أنفسهم تبريرا لعجزهم عن معرفة حقيقة المرأة وطبيعة نشاطها الليلي·
 
ومنذ أن وقع نظري عليها أول مرة، وهي تقطع الطريق ما بين بيتها ودكان البقالة، سكنني الفضول وهيمنت عليّ رغبة جامحة لمعرفة سـر الصخب الليلي المتسلل من بيتها، وسر أولئك الملثمين: أشباح الليل· فأمضي ساعات أسـترق السمع إلى حديث النساء وضحكهن الماجن·· أبحث عن ضحكة أخرى مختلفة كاختلاف صاحبتها ـ ذات القامة الهيفاء والمشية الراقصة ـ عن غيرها من النساء!
 
***
 
كانت مشاعري تجاه ما سمعت عن تلك المرأة خليطا من الخوف، والشفقة، والتعاطف، ولعل مشاعر خفية طغت على كل شيء آخر غيرها· فصورتها التي اِلْتَقَطَتْها عيناي أول مرة رأيتها وحفظتها ذاكرتي في مكان أقرب إلى القلب، ما برحت ذاتي طوال ما تبقى من ذلك النهار· ولم يعد بوسعي طرد الأفكار والوساوس من رأسي، وأمضيت الليل في سهد·
 
وفي الفجر حسمت أمري بعد أن سلب التفكير مني النوم كله، وقررت ـ أنا الذي ما كان سيهدأ لي بال ويستقر بي حال ـ التحقق من الخبر بنفسي· وكان لا سبيل لذلك غير الذهاب إلى حيث رأيتها أول مرة: شارع طوبان·· لاسيما وأن علاقتي ببعض رموزه لم تنقطع منذ أن تركنا الحارة، وظني أني سأجد عندهم ما يشبع فضولي ويجيب عن تساؤلاتي!
 
ولعل من غير المناسب، وأنا أتحدث عن المرأة بهذه الحميمية، الاستمرار في نعتها بـ(صاحبة البيت المشبوه)·· خاصة بعد أن عرفت عنها ما عرفت· والى أن تظهر الحقيقة، قررت أن أدعوها باسمها·· وعبثا حاولت تذكره! ولعلي لم أعرفه ولا سألت عنه طوال فترة إقامتنا في حارة شارع طوبان·
 
***
 
دخلت الشـارع· وكعادته كل صباح كان يستقبل اليوم الجديد بترنيمته المعهودة: تَدافعْ التلاميذ لصعود حافلات المدارس، ومنظر بائعات الخبز والحلويات المنزلية·· جلسن خلف صوان ضخمة على رصيف الشارع، ونساء مسنات يفترشن الأرض أمام باب المطعم يبعنَ لزبائنه اللبن الطازج، ودخان محركات شاحنات البضائع والدراجات النارية وضجيجها، والعتّالون وهم يسحبون خلفهم عربات نقل وضعوا عروات حبالها على أكتافهم كما تجر الخيول والبغال العربات، ونداءات الباعة وأصوات الزبائن، وتبادل تحيات الصباح كل حسب طريقته·· تختلف كلماتها وتتفاوت حدتها بين من يرفع عقيرته عاليا إلى أقصى حدود الصوت ومن يهمس في أذن جار أو صديق·
 
ولعل أبرز مظاهر الشارع، التي لم تتغير منذ أول يوم أقمنا فيه، وكان ذلك قبل سنوات مضت، صوت مذياع (المُصَََََلِّح) خميس الذي لا يكف عن الانتقال من محطة إلى أخرى·· يتابع أخبار الحروب والاقتتال في أكثر من جهة ومكان!
 
ولا شيء في وجوه السكان، والباعة، والحرفيين يدل على تَعَرُّض حارة شارع طوبان لما تعرضت له معظم أحياء المدينة والمناطق المحيطة بها، وبدا الشارع وكأنه كان بعيدا عن حملة الاعتقالات تلك! ولولا الملصقات التي ملأت الجدران على غرار معظم أحياء المدينة، التي وجد بعضهم فيها مادة لتزيين واجهات محلاتهم إلى جانب صور المطربين والممثلين، دون الاهتمام بما تحمله من رسالة·· لولا ذلك لظن المرء أنه في مكان آخر بعيد عن ما أصاب الناس وحل بهم من رعب وخوف·
 
وكنت أتوقع سماع الخبر على لسان من أعرف ومن لا أعرف، ولكن ما رأيته لا يختلف كثيرا عن المشهد الذي كان عليه الشارع يوم تحركت الشاحنة التي نقلتنا وحملت متاعنا إلى مدينة الصفيح· فلا شيء فـي وجوه السكان، والباعة، والحرفيين يشي بتعرض الحارة لما أصاب معظم الأحياء·
 
وسألت عن عثمان الترزي ولم أجده، وقال لي صبي البقالة إن (معلمه) سيتأخر قليلا· قررت انتظار سليم البقال: أعرفه أكثر من غيره·
 
طلبت الشاي بالحليب بعد أن جلست على مصطبة أصبحت بالية منذ آخر عهدي بها·· تابعتُ صخب الباعة، ونزق الحمالين، ولفت انتباهي الحلاق المجنون (حسون) الذي ترك زبونا لم يكمل حلق ذقنه، ووقف يحذر الناس بأعلى صوته، وهو يهز يده بعنف ملوحا بموسى الحلاقة، من تصديق الافتراءات والأكاذيب التي تطلقها (راديو) الـمُصلِّح خميس عن نزول (الكفرة) على سطح القمر!