eKtab
EN ع
هزائم المنتصرين - السينما بين حرية الإبداع ومنطق السوق
Read free sample

هزائم المنتصرين - السينما بين حرية الإبداع ومنطق السوق

by إبراهيم نصر الله

Page 1
السينما كطفولة مختلسة·· السينما كطفولة دائمة
 
.خلسةً، كنا نذهب إلى دور السينما، نسترق الأفلام كما تسترق آلة التصوير الزمن، وتبقى محافظة على براءة عينها الوحيدة، كما لو أنها لم تفعل شيئاً·· وكذلك نحن· لو كان ثمة فرصة لتظهير ما في داخلنا من صور، كلما عدنا متأخرين للبيوت وعلى أكتافنا حججنا الواهية، لاكتشف آباؤنا ما يشيّبهم في ذلك الزمان الكهل، الزمان الذي تسلقنا خرابه بفرح دون أن نعرف ما هو الخراب·.
 
.سعيدينَ كنا، رغم جهلنا بما هو خارج أراضي وأجواء حدود المخيم، لكن عبقرية الطفولة تكمن في قدرتها على ابتكار كل شيء من اللاشيء المتاح، وقدرتها على الخروج لمراودة المجهول بقوة الفضول·
 
.كان عليَّ أن أبلغ السادسة عشرة ربما، كي أصل بمفردي إلى مدينة تبعد عن عمان ثلاثين كيلو مترا، ولكن، كان بإمكاني أن أزور القاهرة ونيويورك ولندن وصحارى مكسيكو وأرض غاليباردي بثلاثة أو أربعة قروش، عبر أفلام تلك الأيام·
 
.وكما كانت القروش صعبة، كان الزمن، وكان الإفلات من عيون الأهل أصعب، حيث يقتضي واجب الأم في غياب الأب أن تُلقي نظرة على السهل الفسيح حيث نصطاد الطيور لترفع تقريراً إلى قلبها القلق بأنها رأتنا، وبأن كل شيء يسير على ما يرام··
 
.ولأن القروش الثلاثة صعبة، لم يكن من السهل علينا أن نتنازل لأي دار سينما عنها بسهولة، ولذلك كنا نُفضِّل تلك الدور التي تعرض فيلمين بتذكرة واحدة، حيث لم تكن دور السينما قد ابتكرت بعدُ، العروضَ الدوّارة التي لا تنتهي، والتي يتمتع بها اليوم جيل آخر لا يملك من طفولتنا تلك سوى عتمة دور العرض بعد أن اختفت السهول، ومعها، طيورُها الأخيرة·
 
.أي شيء كان سيحدث، لو أن العروض الدوَّارة هذه كانت أيامنا، ربما كانوا سيكتشفون هياكلنا العظمية نتابع بشغف فيلما قيل انه يعرض للمرة الأولى لـ (راجي كابور) أو (جوليانو جيما) أو (فرانكو نيرو)···
 
.كانت السينما هي الشيء الوحيد الذي لن نحس بالذنب فيما لو ضيَّعنا العالمَ كلَّه من أجله··
 
.وكيف نضيّعُ العالم وهي ذلك العالم؟!!
Page 2
.ذات مرة دخلت إلى سينما عمّان، ورأيت فيلماً لنورمان ويزدم، ضحكتُ يومها كشخص يكتشف الضحك للمرة الأولى، وحين انتهت حفلة الساعة العاشرة والنصف قرب الثالثة من بعد الظهر، صعدتُ عشرين درجة أو أقل لأرى فيلمه الثاني المعروض في سينما بسمان، لم أكن قد ضحكت من قبل بمثل هذا الانطلاق في أي عمل رأيته، سوى في فيلم (حلوة وشقية) لمحمد عوض وسعاد حسني!
 
.وقوعنا في حب ممثل أو ممثلة، كان يكفي كي نلاحق (أعماله الكاملة) من صالة إلى أخرى، حتى نراها كلها، وحين ننتهي نذهب مضطرين للبحث عن نجم أو نجمة أخرى وعيننا لم تزل تتلفت بحسرة نحو نجمنا الأول، لأننا لا نملك بذخ إعادة مشاهدة مجموعته الكاملة·
 
.لكن ذلك، لم يمنعنا من أن ندخل السينما لمشاهدة فيلم بعينه مرات متكررة، ليكون ذلك الفيلم بالتالي هو فيلمنا الخاص جدا، كما هم أهلنا، أخوة وأخوات، أب وأم·· وقد كنا نصاب في الصميم، حين يردد أحدنا ثملا بفتنة الزهو، أنه حضر فيلما ما عشر مرات أو عشرين مرة·· أي أكثر منا!
 
.وكان علي أن أعيش سبعة عشر عاما، قبل أن أفكر بدخول فيلم واحد بتذكرة واحدة، يا للتبذير!!
 
.إنه واحد من أفلام صوفيا لورين ومارسيليو ماستورياني عرضته سينما الخيام، ومهَّدت له بحملة إعلانية، لم نكن تعوّدنا رؤيتها، فانهارت تدابير وأسس مشاهدة الأفلام أمامها، وإن لم يكن بسهولة، في تلك الأيام التي لم يكن فيها التلفزيون قد سلب السينما جلالها، ولا الزمان قد سلب صوفيا لورين سحرها·
 
.لكن السينما التي حلَّقتْ بنا في عالم الخيال بعيداً، مع ما يتسلل لنا من أفلام رومي شنايدر ونتالي وود وراكيل والش والفاتنة الإيطالية السمراء كلوديا كاردينالي، ومع ليفان كليف ـ كم أحببتُ فيلمه غضبة السماء ـ والشرير الأزلي سانشو بانزا، وبالطبع كلينت إيستوود؛ لم تكن هذه السينما تنسى أن تذكرنا بين حين وآخر بظلال تشبهنا، فتقدم لنا: جميلة بوحيرد، غيفارا، في بيتنا رجل، وتبالغ في رسم صورة الشرير الأعظم محمود المليجي وذراعه الأيمن توفيق الدقن، إلى تلك الدرجة التي ستدفع بنا لابتكار ميتات خاصة له، لهما· لكن ثمة صورة هي الأجمل حتى اليوم، والأعمق تسكن خيالي، صورة جوليانو جيما في أحد أدواره النادرة بعيداً عن أفلام الكاوبوي، وقد شاهدت ذلك الفيلم في سينما الحمراء، حيث يلعب فيه دور ثائر يُلقى عليه القبض، ولكي لا يستطيع الفرار أبدا تُنتزع عنه ملابسه كلها، ويُلقى به في زنزانة قاتلة، في وقت ليس فيه حول السجن سوى صحراء ثلجية بلا حدود·
Page 3
.حتى اليوم لا تفارقني صورته تلك، صورة الرجل الذي يعدو فوق الثلوج عاريا، بعد أن غافل حرسه الذين كانوا على يقين أن قسوة الثلج في الخارج يمكن أن تطفيء نداء الحرية الحار في داخله··
 
.فيما بعد شاهدت (فراشة) هنري شارير، من بطولة داستن هوفمان وستيف ماكوين، ورأيت جان فالجان في (بؤساء) فيكتور هيجو، وبين فراشة شارير وبؤساء هيجو أكثر من خيط، خاصة ذلك الجوهر الأهم: الإصرار على تكرار محاولات الخروج للحرية، حد التطابق؛ لكنني لم أستطع بعدُ الخروجَ من تلك الصورة القديمة لجوليانوجيما العاري على الثلج، وخلفه الكلاب نابحةً والرشاشات··
 
.لو تم تظهير الأفلام التي في الداخل هنا، لتم اكتشاف كثير من الأفلام التي قيل أنها باتت مفقودة الآن، ولتم استخراج أرشيف سينمائي لا مثيل له··
 
.على أي حال، ليس بعيداً أن يحدث ذلك في المستقبل، ليس بعيداً أن يتم استنساخ ذاكرة العين وسيرتها··
 
.في تلك الأيام، كان حب السينما مُنزَّه عن أي ضرورة حياتية، وفي زمن ليس فيه أي بطل، كان يمكن لفريد شوقي أن يلعب هذا الدور، وفي زمن مائع لا تشير فيه أي بوصلة لعدو، كان يمكن لمحمود المليجي أن يكون ذلك العدو، يخفف عنه الحِمْلَ أحيانا صلاح نظمي، زكي رستم، و·· توفيق الدقن بالطبع··
 
.لا أدّعي أنني ذهبت يوماً لمشاهدة فيلم مدفوعا بهدف ما سوى أنه سينما، ولذا كان يمكن أحيانا أن أشاهد كل أفلام دور السينما التي تعرض فيلمين بتذكرة واحدة قبل أن تُغيِّرَ أي منها أفلامها المعروضة، وكان ذلك يُحدث ارتباكا عظيماً في الحياة، كما لو أن فراغا دستوريا قد حدث، إنه مرحلة من مراحل انعدام الوزن التي كنا نحسها، ولم نتعرف على اسمها بهذا الوضوح إلا بعد أن امتطى الأمريكان أفق العالم، حين حطوا على القمر·
 
.كالنار، شاهدنا كل شيء، النار التي لا تفرق بين ديوان المتنبي وأي كتاب للأبراج· ولم يكن باستطاعتنا أن نزن ما نراه بأي ميزان، نلتهم فقط، ونجري بين عتمة وأخرى قبل أن يبدأ الفيلم، فقد كان أكثر ما ينغص الحياة أن تدخل والفيلم قد بدأ، ولم يزل هذا الإحساس قويا حتى اليوم·
 
.في السنوات الأخيرة أُصبت بهذه اللعنة، مرتين، في فيلم واحد، هو (الغرينغو العجوز) المأخوذ عن رواية كارلوس فوينتس، فحين ذهبت لمشاهدته في سينما فيلادلفيا، وجدته قد بدأ، وحين عرفت أنه سيعرض في التلفزيون، قررت تسجيله، ولكنني اكتشفت أنه كان قد بدأ أيضاً، فظلتْ مشاهدتي له مجروحة، تأمل الشفاء··
Page 4
.من بين ذلك الركام من أفلام العالم التي كانت تُعرض بلا حسيب أو رقيب، من أفلام الوسترن الإيطالية، والأفلام الأمريكية من النوع ذاته، إلى أفلام الحرب التي كان لها هيبتها الخاصة، والتي شكلت بالنسبة لنا مركز الكون، هبت نكسة حزيران لتُغرِقَ فيما أَغرقتْ دورَ العرض بأفلام يونانية أحدثت زلزالا في أعمارنا المبكرة تلك·· فبعد أن كانت صورة تعرضها أي دار للسينما في واجهتها يظهر فيها عبد الحليم حافظ مُقبِّلاً آمال فريد مثلا، سببا كافيا لدخول الفيلم، كفيلم جريء ومعطاء!! وجدنا أنفسنا في مهب أفلام مثل: كيف ومتى ومع مَن، وحب فوق الحصان·· وسواهما··
 
.لقد كُسِرَتْ براءةُ السينما وبراءتُنا في لحظة واحدة، فلم يعد يقنعنا حجم الكرم الذي تبديه سعاد حسني في مشاهدها مع رشدي أباظة، ولا ما تبديه نادية لطفي مع صلاح ذو الفقار، ولا····؛ إلى أن أعادت ناهد يسري الاعتبارَ للسينما العربية بفيلمها الذي لا يُنسى (سيدة الأقمار السبعة)!!!!
 
.لكن، وبين ذلك الطوفان الهادر من الأفلام التي لا يصل بينها واصل، سوى أنها تُعرض كلها في العتمة، العتمة الداخلية للسينما، والعتمة الأشد خارجها، العتمة التي كانت تجبرنا على الهروب إلى عالم أقل قسوة·· بين هاتين العتمتين، ظلت هنالك في الذاكرة أفلام مضيئة، لا تُنسى، كما لو أن العقل الذي لم يملك أيامها فرص الوعي، قد ترك للقلب أن يلعب الدور دون أن ننتبه· وهكذا، ظلت أفلام بعينها هناك في الأعماق، كبشر ينتصبون فوق الشواطئ مناراتٍ وحيدةً ، ولا شيء حولهم سوى مخلوقات تتناسل وتتناسل حتى لتكاد تغمر بصيص النور في أعالي قاماتهم·
 
.منذ سنوات، قررت العودة لمشاهدة بعض الأفلام التي تركتْ أثراً لا يُمحى، وخاصة الأفلام العربية، كنت أريد اختبار معايير طفولتي ومراهقتي بمعايير وعيي اللاحق، لكن النتيجة كانت باهرة، إذ وجدتُ نفسي من جديد أقع في حب تلك الأفلام التي شاهدتها قديماً، بل ومسحوراً ببعضها: الحرام، ليل وقضبان، زوجتي والكلب، الفتوة، امرأة على الطريق، شيء من الخوف، اللص والكلاب، الزوجة الثانية، شباب امرأة، بين السماء والأرض ـ الذي صدمتني جرأته، إذ كيف يُصوِّرُ مخرجٌ فيلماً كاملا داخل مصعد معطّل؟! وبصورة أقل من هذه الأفلام: رجال بلا ملامح، غروب وشروق· أما عن الأفلام الأجنبية الكبيرة التي أحدثت هزة كبرى، وأوجدت معايير مختلفة تماماً، فقد كان أعظمها، وجاء متأخرا نسبيا (ابنة ريان) في مطلع السبعينات، وقبله فيلم الصيد الأخير، وصوت الموسيقى، ولعل شخصية ألان ديلون كانت الأكثر تأثيراً فيّ، خاصة لأنه كان يموت في كل أفلامه، وكيف لي أن أنسى ميتته على يدي جان غابان!! بعد أن هوى في حب زوجة الأخير، أو فيلمه الرائع الصيف الهندي!
Page 5
.لكن ما يقال هنا أيضاً، هو طريقة اختيارنا للأفلام في ذلك الزمان، إذ بإمكاننا اليوم مثلا، أن نفتح صفحات الجريدة ونبحث عن إعلانات العروض، أو يبحث البعض عن موقع الدار على شبكة الإنترنت!! وهكذا يمضي مطمئنا لخياره، في حين، كان يجب أن نكون في وسط المدينة حوالي التاسعة صباحا إذا أردنا حضور حفلة العاشرة والنصف، لا لشيء، إلا لأن علينا أن نعرف ما يُعرض في (الدور) كلها، حتى لا نقع في تسرُّع يجعلنا نندم؛ وهكذا، كان لا بد من جرد للأفلام، ولحسن الحظ، أن عمّان ليست بسعة القاهرة، فدور العرض، على تباعدها تظل قريبة، ففي شارع الملك طلال بتفرعاته، يمكن إلقاء نظرة على أفلام سينما الكواكب، الحمراء، البتراء، ودنيا، رغم أن (الأخيرة) لم تكن من دور السينما المفضلة، لسببين: الأول لأنها الأكثر ضآلة، والثاني لأنها بؤرة لكثيرين من أصحاب المشاكل، وقد كان الدخول إليها مغامرة يفرض الواقع علينا تجنبها، في زمان أسوأ ما يمكن أن يقوم به الفتى إيقاعَ أهله في مشكلة، فما بالك إذا كانت هذه المشكلة قد حدثت في السينما؟!!
 
.أما بقية دور السينما، فكانت سينما فلسطين وسينما الحسين ـ وما زالتا ـ في مبنى واحد تقريبا، نشاهد أفلام الأولى ونتطلع إلى مشاهدة أفلام الثانية، بعد انتهاء عرضها فيها، لأن سينما الحسين من ذوات الفيلم الواحد، وعلى مبعدة من الاثنتين، سينما زهران، وسينما ستوديو زهران، وبين الأولى والثانية مسافة لا يستطيع أمثالنا قطعها، رغم أن الدخول إليهما يتم عبر بوابة واحدة· أما سينما الخيام، على سفح جبل اللويبدة، فكان علينا أن نصعد طريقها الصعب، فقط، لمعرفة ما يُعرض فيها، للعلم، لأنها من دور الدرجة الأولى؛ وعلى سفح الجبل المقابل لها، سفح جبل عمان، نصعد درجا طويلا لمشاهدة مناظر الأفلام المعروضة في ستوديو الرينبو· أما السينما التي لم نملك يوماً جرأة الوصول إليها فهي سينما الرينبو، إنها في قلب جبل عمان، الحي الذي (كانت) تضرب بغناه الأمثال·
 
.كان ثمة رهبة حقيقية تنتابنا أمام دور عرض الدرجة الأولى، فهذه للعائلات، وحين أقول العائلات، فإن ذلك يعني توصيفاً طبقياً لا توصيفا يُرَدُّ في النهاية إلى دائرة الأحوال المدنية، خاصة في أعين هؤلاء الفتية الذين يأتون من ضواحي العاصمة إلى منتصفها مشياً على الأقدام كي يوفروا ثمن تذكرة الحافلة·
 
.بعد رحلة الاستكشاف هذه، يمكن أن يقرر الفتى أي فيلمين سيحضر، وفي الغالب، يمضي مضطراً، ومسرعاً، إلى دار عرض بعينها، وعينه مُعلَّقة بفيلم آخر يعرض في دار أخرى، لأن كل الأفلام تُحَبّ! لكن الوصول إلى قرار، يقتضي إجراء معادلات كثيرة، كي لا تكون الخسارة فادحة، ففي سينما الحمراء ثمة فيلم لفريد الأطرش مع فاتن حمامة، مع فيلم آخر تمتْ مشاهدته من قبل ليول براينر، في حين أن سينما البتراء تعرض فيلما لعبد الحليم مع برلنتي عبد الحميد، ولأننا نحب فاتن حمامة أكثر من الثانية، فإننا نبيع عبد الحليم ـ مؤقتا ـ من أجل عيني فاتن حمامة، لا من أجل عينيّ فريد الأطرش· ورغم هذا، تظلُّ صوابية القرار، أو عدمها، تلاحقنا، في العتمة وما بعدها، خاصة إذا لم ينل الفيلم كامل رضانا·
Page 6
.الآن يبدو لي مشهد ذلك الزمان مُربكاً، لقد كنا نذهب إلى السينما إلى حد يمكن أن نتصور معه، أننا لم نفعل شيئاً سوى مشاهدة الأفلام، وكنا نصطاد العصافير إلى درجة يمكن أن نحس معها بأننا لم نكن نفعل شيئا غير اصطياد العصافير، وكنا نتشيطن، إلى درجة أننا سنحس الآن بأننا لم نكن أكثر من متسكعين، وكنا ندرس، وننجح، كما لو أننا مجرد أطفال بلهاء لا تفارق أعينهم صفحات كتبهم· مع أننا لم نكن نجرؤ على البقاء خارج بيوتنا بعد السابعة أو الثامنة مساء تحت كل الظروف· وكنا عرضة للموت وأشكاله المتعددة كما لو أننا لم نولد أحياء، فكيف كان لذاك الزمان الضيق الشحيح أن يكون بهذا الاتساع؟!!
 
.إنه سؤال لا أستطيع الإجابة عليه أبداً، خاصة أننا لم نحس بتقصيرنا في إعطاء كل جانب من هذه الجوانب حقه كاملا·
 
.ومع تقدمنا في العمر! أصبح لزاماً علينا أن نتعرف خلال الدراسة، على أناس غير وحش الشاشة وسيدتها، أناس لا علاقة لنا بهم أبداً، كأفلاطون، وديكارت، وكانت!! إنهم ليسوا من هنا، إنهم سماويون، محلِّقون في الفضاء، لا شيء يربطنا بهم غير هذا الكلام المُحْكَم الصعب، حيث لم يقدموا شيئا يمكن أن نحسه قريبا منا، فخالد بن الوليد انتصر هنا، وصلاح الدين كذلك، وعمر بن الخطاب دخل القدس وشهداء معركة مؤتة أقرب إلينا مما يظن واضعو المنهاج أنفسهم··
 
.لكننا ما أن نصل إلى حد لا نستطيع معه احتمال العالمين، الماضي بتواريخه الدقيقة التي لا تقبل أي خطأ، والحاضر المُحلّق بقوة الفلسفة ، والذي لا نستطيع اللحاق به رغم كل ما فينا من أجنحة؛ ما أن نصل إلى هذا الحد، حتى ننسلَّ إلى عالمنا الآخر، عالم السينما، عالم العتمة المضيئة، لنخرج منه كما لو أننا ولدنا من جديد·
 
.في تلك الفترة بدأتُ الكتابة أيضاً، وبدتْ عالماً جميلاً، فها أنتَ تؤلف أفلامك التي تريد، لكن العالم الجديد، عالم الكتابة، لم يكن أكثر جمالاً من السينما· أما أجمل ما حدث حقا، فهو أن السينما قد فتحت الطريق للقراءة، ومهَّدته، فقرأنا (البؤساء وأحدب نوتردام والآمال الكبيرة) احتراما للممثلات اللواتي أَدَّين الأدوار في هذه الأفلام، وقرأنا (الوسادة الخالية) احتراما لعبد الحليم، و (في بيتنا رجل والنظارة السوداء) من أجل عيني نادية لطفي، وكذلك الأمر بالنسبة لـ (المرايا وميرامار وخان الخليلي) وقد مهدت هذه القراءات لمغامرة أكبر، حيث رحنا نقرأ كتبا لم يسبق لنا أن شاهدناها أفلاما: بائعة الخبز، آلام فارتر، الأخوة كارامازوف، والجريمة والعقاب بنسخها الشعبية، وروايات إميل زولا، وخاصة الأرض والتحفة، والرواية الباهرة لأوسكار وايلد (صورة دوريان جراي)، كما أن المجموعة القصصية (الجدار) لجان بول سارتر أحدثت هزة عنيفة، وأظن أن القصة التي تحمل المجموعة عنوانها هي النص الأدبي الوحيد الذي جعلني مستيقظا طوال الليل، لأول مرة في علاقتي العنيفة بالنصوص كقارئ، وكان النص الآخر الذي فعل فعله، وإن بصورة أقل من حرماني النوم، هو رواية (الجوع) لأديب السويد العظيم كنوت هامسون، وما زلت أحتفظ بنسختها منذ ذلك الزمان، بترجمة محمود العرابي التي راجعها ودققها جورج جرداق والصادرة يوم 02/11/5691 كما جاء في صدر صفحتها الأولى!!
Page 7
.لكن قراءة كتاب كانت أكثر مشقة من حضور فيلم، ففي ذلك الزمان كان ثمة ثلاثة أشياء تدل على فساد الابن: ارتياد المقاهي، حضور الأفلام، وقراءة الكتب غير المقررة· ورغم أن الأهل أميّون، إلا أن أغلفة الكتب وأشكال حروفها وأحجامها ـ هذا إذا ما أردنا التضحية بغلافها ـ تكفي لتحديد نوعية الكتاب·
 
.ويُطل السؤال: هل تكون السينما التي فتحت أبواب القراءة، هي التي فتَّحتْ أبواب الكتابة أيضا؟ ربما·
 
.في تلك الأيام كتبتُ روايتين قصيرتين، قبل أن أتمكن من كتابة أي قصيدة يزيد عدد أبياتها على خمسة عشر بيتاً، الرواية الأولى أسميتها (المُلتقى)، ولأنني لم أكن أتصور أن أحداثا يمكن أن تدور هنا في مخيم الوحدات أو في الأردن!! لأن الأحداث التي أراها لا تدور إلا في القاهرة!! فإن أحداث روايتي كان من الطبيعي أن تدور في القاهرة، بل وأن أمضي بالبطل ومعه البطلة، الجميلة بالطبع، إلى الإسكندرية ـ التي لم أرها حتى اليوم ـ ولأنني لم أكن أعرف سبباً لخراب السيارة، أي سيارة، سوى (البنشر) هذا السبب الخارجي الموجب لتوقفها، والثاني (البطارية) لأنه السبب الداخلي، فقد آثرت أن أكون عميقا في كتابتي بما يليق بكاتب تدور أحداث روايته ما بين القاهرة والإسكندرية، فقمت بتعطيل البطارية!!! في منتصف الطريق!!
 
.رغم هذه المعضلة الكبيرة، استطاع البطل، ومعه البطلة، بلوغ شاطيء المتوسط بسلام، بل وأثبتَ لها عمق حبه وأصالته حين ألقى بنفسه في البحر وأنقذها بعد أن أوشكت على الغرق·
 
.أما الرواية الثانية، فقد كانت تدور في أجواء العصابات والشرطة، والتهريب والقتل، ويبدو أن فكرة إرسالها لفريد شوقي شخصيا لكي يحولها إلى فيلم لم تكن بعيدة، خاصة وأنني منحته فرصة قتل شخص ما، يشبه محمود المليجي، بإلقائه من الدور الثالث فوق سور البناية الحديدي المدبب كالرماح!! كانت هذه، هي أقسى صورة للموت قد تصورتها؛ لكنني للأسف لم أرسل الرواية، ومصدر الأسف أنني رأيت أحد الأشرار يموت بالطريقة نفسها في أحد الأفلام العربية التي أُنتجت بعد عشرين عاما من كتابتي لروايتي تلك!!
Page 8
.هل كانت السينما تصوغ وعينا تلك الأيام؟
 
.أعتقد بأن الإجابة: نعم، وإن كان الوعي الذي اكتسبناه وعيين متناقضين، الجانب الإيجابي منه، ذاك الذي مثلته أفلام مهمة، أحسسنا بها، وكان يلزمنا الكثير من الزمن كي نفهمها، وهي أفلام عربية عموما، فثلاثية نجيب محفوظ على الشاشة حفرت عميقاً، وكذلك الأمر بالنسبة للناصر صلاح الدين، وبعض الأفلام التي سبق وأن ذكرتُ من قبل، ولعل السينما الرومانسية قد رققتْ مشاعرَنا تجاه الحياة والبشر في ذلك الواقع القاسي، فأدوار عبد الحليم مثلا كانت تحمل في عمقها باستمرار أصالة الشاب الفقير الصادق الذي يستطيع شق الطريق بإرادته الصلبة أحياناً، والمنهَكة أحيانا أخرى، كي يثبتَ أنه يستحق الحياة فوق الأرض لا تحتها؛ كان ثمة قيم تتصارع بين الفقر والغنى، بين الطيبة والقسوة، بين الحلم والواقع القاسي·· وكنا نتأثر بذلك كثيراً·
 
.وعلى الجانب الآخر، كان ثمة وعيٌ مضاد، يتسلل إلينا عبر ما تقدمه السينما من أفلام حول الهنود الحمر، وكيف كنا نهلل فرحاً كلما استطاع الرجل الأبيض النجاة منهم أو قتلهم، خاصة وأن أبطال الأفلام الذين نحبهم دائما من الرجال البيض!! كما أن الأفلام العنصرية عن سكان أفريقيا والهند مثلاً، كانت تتغلغل فينا كما يريد أصحاب تلك الأفلام، وظل طرزان بطلا مطلقا في غابة القرود والنمور والغزلان، دون أن يخطر ببالنا لحظة: ولماذا لم يَضِِعْ في الغابة سوى هذا الولد الأبيض، أليس ثمة أولاد سود يسكنون هناك، ويضيعون مثلما كنا نضيع ويضيع أخوتنا وأخواتنا، فعلا، في أزقة المخيمات؟ وليصبح بالتالي هو ملك الغابة، لا هذه الملك المستورد·
 
.حين كنت أشاهد النسخة الجديدة من طرزان (نسخة الكرتون) سألني ابني (8 سنوات): لقد كبُرَ بما فيه الكفاية، فلماذا لا ينبت له شارب ولحية؟!!
 
.قلت: هذا سؤال فاتنا أن نسأله أيضا؟!!
 
.وهكذا، كان يلزمنا أن يدخل الأمريكان حربا في فيتنام كي نحدد موقفاً مغايراً، ولأول مرة، من الرجل الأبيض· ولم يكن هذا الوعي، وليد نتائج تراكمت عبر مشاهدة مئات الأفلام، بل بسبب ظهور مناخ جديد للوعي مع ظهور المقاومة الفلسطينية·
Page 9
.راحت رياح أوائل السبعينات تعصف بكل شيء، وتشككنا في مصيرنا الإنساني على نحو مُفزع، ولذا فإن ثمار الوعي الحقيقية تفتحت في تلك الفترة، لكن الذات الخارجة من المأساة بنجاتها، حملت في داخلها بذور الوجود وبذور التلاشي، مختلطة على نحو يجعل الفصل بين هذه البذور المتصارعة مستحيلا· ولعل السينما في هذه الفترة لعبت الدور الأهم، إذ قامت بتفريغ شحنات هائلة من القلق والخوف من العالم ومن النفس أيضاً، ونحن نحث الخطى، وتحثنا، نحو امتحانات الثانوية العامة·
 
.ما حدث كان غريباً: دراسة طوال الليل تحت أضواء شارع (مادبا)، ومثلها بعد صلاة الصبح في أحراش مستشفى البشير، أما النهار فكان لاداء الامتحانات ولحضور السينما!!
 
.بعد كل امتحان أنهيه، أذهب للسينما، وبشكل يومي، حتى انتهت الامتحانات، ولقد كنت مطمئناً، وأنا أطفئ القلق حول النتيجة المتوقعة بالسينما، لأواصل التحضير للامتحان التالي كما لو أنه الأول·
 
.بعد أسابيع، ظهرت النتائج، وظهرت أسماؤنا في الصحف لأول مرة في الحياة!! باعتبارنا ناجحين، وكان أفضل احتفال يمكن أن يقام بهذه المناسبة هو مشاهدة فيلم بالتأكيد· أما المهنئون الذين تقاطروا على البيت فلهم أن ينتظروا!
 
.ظلت العلاقة بالسينما قوية خلال السبعينات، ودخلتُ سينما (الرينبو) لأول مرة، لأسباب غير سينمائية، إذ لا أتذكر الأفلام التي حضرتها تلك الفترة، فقد كانت السينما بمثابة خلوة عاطفية قلقة مهددة دائما بعين كشاف يقظة تدور بين المقاعد باحثة عن أي حركة مشبوهة تصدر عن شاب وفتاته، ولم يكن يقلل من خطر المباغتة اختيار الصف الأخير حيث من المفترض أن وراءهما حائطاَ يحمي ظهريهما!!!
 
.بسرعة انتهت تلك الفترة، ما أن غادرت إلى المملكة العربية السعودية مُدرَّساً، وطوال عامين هناك، لم أظفر بمشاهدة السينما سوى مرة واحدة، حين قطعتُ الطريقَ من (القنفذة) حتى (جيزان) في أقصى الجنوب (حوالي 005 كم)، عابرا مناطق موحشة وخطرة، من بينها الامتداد المرعب لـ (شِعاب الجوع) ـ هذا هو اسمها فعلا ـ قبل أن أصل إلى أول شارع معبد يبعد مئات الكيلو مترات، ثم السير عليه بصعوبة وسط العواصف الرملية فوق دراجة نارية صغيرة من نوع (ياماها)
Page 10
في جيزان عبرنا في أزقة سرية، وتجاوزنا الأسوار ومساحات الفوضى، يقودنا مدرسون خبراء، حتى وصلنا إلى مكان يعج بالبشر إلى حد يدعو للارتباك، وبعد لحظات جاء صوت آلة العرض من خلفنا هادراً، كما لم يكن في أي يوم من الأيام، وانطلقت حزمة قوية من أشعة بيضاء، ثم بدأ العرض المحفوف بالخطر، لأن العروض السينمائية من المحرمات·
 
.خرجنا من ذلك العرض المحرم، الذي اعتبرناه أهم أحداث الرحلة، كما لو أننا نشاهد السينما للمرة الأولى، فرحين، وطازجين كالزمن الأول، رغم أن الفيلم الذي شاهدناه هو واحد من أفلام نادية الجندي التي تعود لأواخر الستينات· وانتشر الناس في الأزقة عائدين إلى بيوتهم كما لو أن شيئا لم يحدث·
 
.لكن، أكان ذلك العرض سرياً فعلا؟ لا أستطيع أن أجزم، إذ كيف يكون عرض عام يحضره مئات الأشخاص سرياً؟ أم أن ندرته كانت تحتم على كل من حضره أن يطوي السر عميقا في داخله؟؟
 
.عودتي إلى عمان، بعد ذلك بعامين، كانت مربكة، لكن، ما أن بدأت الأمور في الاستقرار حتى عادت عجلة السينما تدور؛ أما أهم ما سيحدث، فهو أن الأمور اختلفت، بعد أن أصدرت ديواني الأول وبدأت التحضير لديواني الثاني· في هذه الفترة رحتُ أُنَظِّمُ شهوراً، وليس أسابيع خاصة، لقراءة شكسبير سوفكل ويوريبيديس وسنكا وبراندللو وبنتر مدفوعا بموجة شغف عالية بالمسرح·· وكنت أنظّم عروضا موازية! لأفلام جاك نيكلسون وأنتوني كوين، ريتشارد بيرتون وسواهم·· وفي تلك الفترة، كتبتُ أول مقال عن فيلم (انتبهوا أيها السادة) من بطولة محمود ياسين، الذي كان ممثلي العربي المفضل، لكني انتقدت الفيلم بعنف·
 
.ظلت السينما مصدراً هاما للمتعة والثقافة، وتعمَّقتْ بتعرفي على المخرجين، إذ ولأول مرة بدأت بمتابعة أفلام المخرج، لا أفلام الممثل، واكتشفت أنني أحببت مخرجين قبل أن أتعرف على أسمائهم، مثل إيليا كازان، وديفيد لين، وسام بكنباه، وما أن رأيت (الساموراي السبعة) لكيراساوا حتى اكتشفت أي ضحالة تلك التي بدت في فيلم (السبعة العظام) المأخوذ، أو المسروق عنه؛ وفتحتْ قائمة المخرجين الكبار الباب أوسع: ساورا، بونويل، كوبولا، أوليفر ستون، وأحدثَ فيلم (الجدار) لألن باركر هزة عنيفة لدي، شاهدته عشر مرات، وفي كل مرة كنت أقول إنني سأكتب عنه، ولا أستطيع، كما لعب فيلمه (بيردي) دوراً جميلاً وعميقاً، ولو بصورة أقل؛ وجاء نشاط النادي السينمائي الأردني في تلك الفترة ليلعب دوراً بارزاً في فتح أبواب السينما أكثر وأكثر·
 
.يمكن الإشارة هنا، إلى أننا أثناء الطفولة لم نكن نعرف من أسماء المخرجين العرب سوى اسمين لا ثالث لهما: الأول (مخرج الروائع) حسن الإمام والثاني حسام الدين مصطفى، أما من المخرجين العالميين فلم يكن هناك أي اسم ينافس هيتشكوك·